إسرائيل تصعد في الضفة وتعتقل العشرات بينهم رئيس «التشريعي»

نتنياهو يطلب مساعدة عباس لإيجاد الشبان المفقودين.. وحكومته تقرر ضرب بنية «حماس» التحتية

قوات للجيش الإسرائيلي تقوم بأعمال الدورية وسط الخليل في الضفة الغربية (أ.ف.ب)
قوات للجيش الإسرائيلي تقوم بأعمال الدورية وسط الخليل في الضفة الغربية (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تصعد في الضفة وتعتقل العشرات بينهم رئيس «التشريعي»

قوات للجيش الإسرائيلي تقوم بأعمال الدورية وسط الخليل في الضفة الغربية (أ.ف.ب)
قوات للجيش الإسرائيلي تقوم بأعمال الدورية وسط الخليل في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

طلب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، من الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) المساعدة في إعادة الشبان الإسرائيليين المفقودين منذ الخميس الماضي قرب مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، وتتهم إسرائيل حماس بخطفهم، في أول اتصال بينهما منذ بداية الأزمة.
وقال نتنياهو لعباس: «أتوقع منك أن تساعد في إعادة الشبان المخطوفين وفي إلقاء القبض على الخاطفين. لقد انطلق الخاطفون وهم ينتمون لحماس من منطقة تخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية وهم عادوا إلى منطقة تخضع لسيطرتها. وهذا الحادث يكشف وجه الإرهاب الذي نحاربه».
وأضاف: «الإرهابيون يختطفون أطفالا إسرائيليين أبرياء بينما نحن نعالج في مستشفياتنا أطفالا فلسطينيين مرضى. هذا هو الفرق بين سياستنا الإنسانية والإرهاب القاتل الذي يعتدي علينا».
وأردف نتنياهو: «يجب عليك إدراك تداعيات الشراكة مع حماس، إنها سيئة لإسرائيل وللفلسطينيين وللمنطقة».
وجاء طلب نتنياهو من عباس بعد أن فشلت القوات الإسرائيلية في إيجاد طرف خيط يقود إلى الشبان الثلاثة المختفين على مدار الأيام القليلة الماضية.
وكان الجيش الإسرائيلي بدأ عملية واسعة في الضفة الغربية، سماها «إعادة الإخوة»، وشملت استدعاء مزيد من النخب العسكرية واستدعاء جنود احتياط، وفرض حصار محكم على جنوب الضفة الغربية، وإغلاق جميع معابر قطاع غزة، وتنفيذ حملة اعتقالات واسعة طالت نحو مائة وخمسين حتى الآن من عناصر الصف الأول والثاني والثالث في حماس في الضفة.
وقال رئيس الأركان الإسرائيلي بيني غانتس، أمس، بأن العملية العسكرية ستتواصل وتتوسع. وأضاف غانتس لضباط وقادة الجيش في اجتماع أمني «قوات جيش الدفاع توشك على خوض معركة ذات مغزى».
وأضاف: «العملية العسكرية التي تقوم بها قوات جيش الدفاع في الضفة الغربية هدفها واحد وهو العثور على الشبان المخطوفين الثلاثة وإعادتهم إلى أحضان عائلاتهم.. هذه العملية تهدف أيضا إلى المساس بشكل مباشر وخطير بحركة حماس».
ولأول مرة منذ عملية السور الواقي في 2002. يحتل الجنود الإسرائيليون مدنا وقرى كاملة في جنوب الضفة الغربية، ويشنون حملات تفتيش ضخمة في بيوت ومحلات وأحراش وجبال الفلسطينيين في الخليل وبيت لحم ومحيطهما.
ويركز الإسرائيليون في البحث عن شابين من الخليل ينتميان لحماس مختفيين منذ الخميس، لكن من دون التأكد من أنهما مسؤولان عن العملية، واعتقل الجيش بحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط» ذوي الشابين وحقق معهم ومن ثم أطلق سراحهم.
وقتلت إسرائيل أمس، الشاب «أحمد عرفات صماعدة» 21 عاما، من مخيم الجلزون القريب من رام الله، بعد مواجهات أثناء اقتحام المخيم من ضمن اقتحامات أخرى جرت في جميع مدن الضفة الغربية التي حول الجيش ليل الفلسطينيين فيها إلى جحيم جراء نصبه حواجز عسكرية داخل المدن وقيامه بتفتيش الأشخاص والسيارات ومداهمته عددا من المنازل وقيامه بحملة اعتقالات واسعة.
وطالت الاعتقالات الإسرائيلية خلال يومين فقط أكثر من 150 فلسطينيا، بينهم عزيز الدويك رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني وأعضاء آخرون من التشريعي، وناشطون وطلاب ينتمون لحماس والجهاد الإسلامي.
وبلغ عدد أعضاء التشريعي المعتقلين الأحد والاثنين 12 نائبا من حماس.
وقال الناطق باسم الجيش الإسرائيلي افيخاي أدرعي: «قوات جيش الدفاع تواصل أعمال التمشيط في منطقة الخليل بحثا عن الشبان الإسرائيليين الثلاثة المخطوفين منذ ثلاثة أيام. وتم الليلة الماضية اعتقال نحو أربعين من نشطاء حماس وقادتها في أنحاء الضفة الغربية بما في ذلك مناطق نابلس وطوباس وبيت لحم وقرية الخضر». وأضاف: «قوات جيش الدفاع ستواصل تطويق منطقة الخليل وإجراء عمليات تفتيش واتخاذ إجراءات أخرى حتى إعادة الشبان الثلاثة».
ولم تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية على الضفة الغربية التي قطع الجنود الإسرائيليون أوصالها واحتلوا قرى كاملة فيها بحثا عن المفقودين الثلاثة، بل هاجمت الطائرات الإسرائيلية، أمس، أهدافا ومواقع في مناطق مختلفة من قطاع غزة.
وتركز الهجوم الإسرائيلي على مدن غزة وخان يونس ودير البلح، وهو ما أدى إلى إصابة مواطنين، بجراح، وتدمير عدد من ممتلكات الفلسطينيين.
وفي هذه الأثناء، التقى الكابينت الإسرائيلي (المجلس الأمني والسياسي المصغر)، في اجتماع ترأسه نتنياهو لبحث سبل الرد على الفلسطينيين. وأعقب الاجتماع لقاء نتنياهو بقادة الأجهزة الأمنية في خطوة تشير إلى نية إسرائيل التصعيد. وقالت وسائل إعلام إسرائيلية بأن الكابينت قرر ضرب البنية التحتية لحركة حماس في الضفة الغربية.
وتكتم المسؤولون الإسرائيليون على نتائج اجتماع الكابينت لكن مصادر أشارت إلى التوافق على توجيه ضربة قوية لحماس. ومن بين المسائل التي ناقشها الكابينت إبعاد أسرى من حماس إلى غزة وإغلاق مؤسسات تابعة للحركة وهدم منازل قياديين فيها.
من جانبه جدد نتنياهو تهديده لحركة حماس، وقال بأنها ستدفع ثمنا باهظا لاختطاف الشبان الإسرائيليين الثلاثة. وأضاف في مؤتمر صحافي مقتضب عقب اجتماعه مع قادة الجيش والأمن «نحن في حملة معقدة قد تمتد لأيام عدة، ونبذل كل جهودنا لإعادة المخطوفين الثلاثة»، وإن «هناك محاولات أخرى لفتح جبهة ثانية من قطاع غزة» مضيفا: «لقد قمنا بالرد المناسب على هذه المحاولات ومن يحاول المس بمواطني إسرائيل سنمس به مباشرة». وطلب من المجتمع الدولي استنكار عملية الخطف قائلا: إنه ينتظر مثل هذه الإدانة منذ البداية، مقدما لوزير الخارجية الأميركي جون كيري الذي اتهم حماس بخطف الشبان الإسرائيليين الثلاثة. وردت حماس على اتهامات نتنياهو لها بقولها بأن الاتهامات شرف لا تدعيه.
من جهتها، دانت الرئاسة الفلسطينية سلسلة الأحداث التي جرت في الأسبوع الماضي: «ابتداء من خطف ثلاثة فتيان إسرائيليين وانتهاء بسلسلة الخروقات الإسرائيلية المتلاحقة، سواء فيما يتعلق بإضراب الأسرى أو الاقتحامات للبيوت الفلسطينية والاعتداءات التي يقوم بها المستوطنون وجيش الاحتلال والتي أدت إلى استشهاد شاب فلسطيني وملاحقة الكثير من الأبرياء».
وقالت الرئاسة في بيان أمس، إنها تؤكد مرة أخرى على «ضرورة عدم اللجوء إلى العنف من أي طرف كان، خاصة أن موقف الرئيس هو استمرار العمل المكثف على ضرورة إطلاق سراح الأسرى المتفق عليهم وجميع الأسرى في السجون عند توقيع أي اتفاق نهائي».
كما أشادت الرئاسة بالجهود التي تبذلها الأجهزة الأمنية الفلسطينية من أجل «الحفاظ على القانون والهدوء والاستقرار ومنع الانجرار الفلسطيني إلى حالة من الفوضى وعدم الاستقرار، ولمنع أي جهة كانت من استغلال الأوضاع لأهداف غير وطنية».
وكشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» في عددها الصادر صباح أمس، أن مصر ممثلة برئيسها عبد الفتاح السيسي، تعهدت لحكومة إسرائيل، تقديم كل مساعدة للعثور على الشبان المختفين، ومنع أي محاولة لنقلهم إلى قطاع غزة أو شبه جزيرة سيناء، إن كانوا قد أُسروا على يد إحدى فصائل المقاومة الفلسطينية.
وطالبت السلطات المصرية إسرائيل، أمس، بالتزام أقصى درجات ضبط النفس، وعدم مواصلة تصعيد الموقف في الأراضي المحتلة. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير بدر عبد العاطي، في تصريحات له، إن مصر تطالب إسرائيل بضبط النفس حتى يمكن احتواء التوتر المتزايد القائم بين الجانبين الفلسطيني الإسرائيلي، والحيلولة دون تفاقم الأوضاع بصورة يصعب السيطرة عليها لاحقا.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.