«العملات الافتراضية»... مخاوف وآمال وانقسام عالمي

أوروبا تضعها تحت المجهر... والبنوك التقليدية تخشى على مستقبلها

العملات الافتراضية تشكل أحد أكبر مؤرقات ومصادر الخلاف بين صناع السياسات المالية حول العالم (رويترز)
العملات الافتراضية تشكل أحد أكبر مؤرقات ومصادر الخلاف بين صناع السياسات المالية حول العالم (رويترز)
TT

«العملات الافتراضية»... مخاوف وآمال وانقسام عالمي

العملات الافتراضية تشكل أحد أكبر مؤرقات ومصادر الخلاف بين صناع السياسات المالية حول العالم (رويترز)
العملات الافتراضية تشكل أحد أكبر مؤرقات ومصادر الخلاف بين صناع السياسات المالية حول العالم (رويترز)

بينما انطلقت أمس في بروكسل قمة أوروبية لمناقشة مستقبل العملات الرقمية، يبدو الخلاف العالمي بين صانعي القرارات وأبرز المؤسسات المالية حول العالم على أشده بشأن تلك العملات... وبينما يشير خبراء إلى أن تلك العملات «أكذوبة» كبيرة، يرى آخرون أنها «مستقبل التعامل المالي» عالميا، فيما ترى الأغلبية «الوسطية» أنها تحتاج إلى قواعد تنظيمية أكثر، وتروٍ بالغ قبل الإسراع لاعتمادها بشكل كلي.
وفي سوق تدور قيمتها الإجمالية حول 500 مليار دولار، فإن المخاطر تبدو جمة على الاقتصاد العالمي في حال انهيار العملات الرقمية الكامل.. كما أن الغموض المحيط بتلك العملات، وتذبذباتها العنيفة نتيجة المضاربات، تدفع الكثير من الحكومات إلى الحذر منها.
وفي ضوء التذبذبات المتسارعة وعوامل عدم الأمان التي تتعرض لها العملات الرقمية، استضافت بروكسل أمس مؤتمرا رفيع المستوى يشارك فيه ممثلون عن الهيئات الرقابية والبنوك المركزية والأطراف الفاعلة في سوق العملات المشفرة، حسبما أعلن المفوض الأوروبي للشؤون المالية فالديس دومبروفسكيس الأسبوع الماضي، موضحا أن هدف المؤتمر هو «التركيز على التوجهات بعيدة المدى للعملات المشفرة، ومعرفة ما إذا كان الإطار القانوني الحالي كافيا».
وكانت العملات المشفرة، وعلى رأسها «بيتكوين» قد شهدت ذروة تألقها حتى شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حين تخطى سعر وحدة «بيتكوين» حاجز 19 ألف دولار، صعودا من مستوى ألف دولار في مطلع العام الماضي.. لكن انحدارها السريع خلال الشهرين الماضيين نتيجة ما يدور حول اتجاهات لحظرها أو «تهذيب تعاملاتها»، تسبب في موجة خوف كبيرة بين المتعاملين بها.
ومنذ منتصف شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، يتذبذب سعر «بيتكوين» حول سعر 10 آلاف دولار، وهو السعر الذي يدور حوله هذه الأيام صعودا من أدنى مستوياته خلال الأشهر الأخيرة عند 6800 دولار التي هبط إليها في 5 فبراير (شباط) الحالي.
ذات التوجه المتردد وغير الحاسم حيال العملات المشفرة الذي تعبر عنه أوروبا يبدو جليا في أميركا، إذ قالت أدينا فريدمان، رئيسة بورصة ناسداك الأميركية، إن العملات الافتراضية التي باتت محط اهتمام كثيرين حول العالم «لا تخضع لأي قانون أو منطق طبيعي في ارتفاعها أو تراجع أسعارها». مشيرة في كلمة لها خلال مشاركتها بالقمة العالمية للحكومات في دبي منتصف الشهر الحالي، إلى أن العرض والطلب اللذين يحددان سعر عملة «بيتكوين» الافتراضية، لا يمكن المراهنة عليهما، محذرة من «الاستمرار في حالة اللامبالاة والمراقبة عن بعد تجاه هذه العملات».
وكشفت فريدمان أن الموقف العام في الأسواق الأميركية لا يزال حذراً تجاه «بيتكوين»، مشيرة إلى احتمال أن تأخذ هذه الأسواق موقفاً معارضاً، وأن تبدأ بالضغط على المشرعين لتشديد الرقابة على تداول العملات الافتراضية كما حصل في الصين وكثير من دول أوروبا.

فشلت كعملة... مهمة كتكنولوجيا

وبين الهجوم والمدح، قال محافظ بنك إنجلترا (المركزي البريطاني) مارك كارني الاثنين الماضي إن «بيتكوين» فشلت كـ«عملة» وفقا للمؤشرات المعيارية، وإنها ليست مخزنا للقيمة أو وسيلة مفيدة لشراء الأشياء. وأوضح: «إنها فشلت بشكل كامل تقريبا حتى الآن في الجوانب التقليدية للأموال. إنها ليست مخزنا للقيمة لأنها شديدة التقلب. لا أحد يستخدمها كوسيلة للتبادل». لكن كارني أقر في الوقت ذاته أن التكنولوجيا التي تستند إليها العملة الرقمية الأشهر في العالم قد تكون مفيدة كوسيلة للتحقق من الصفقات المالية بطريقة غير مركزية.
ونفت الحكومة البريطانية في الساعات الماضية نيتها إطلاق عملة رقمية «بيتكوين» خاصة بها، وذلك على الرغم من استكشاف بنك إنجلترا الآثار المحتملة لطرح عملة رقمية على اقتصاد البلاد.
ووفقا لتقرير نشرته صحيفة «الإندبندنت» البريطانية، أشيع أن البنك المركزي يستكشف إمكانيات العملات الرقمية مثل «بيتكوين» ونظيراتها، وتأثير ذلك على الجنيه الإسترليني والاستقرار المالي. ومع ذلك، أفادت مسؤولة بالحكومة البريطانية بأنه لا توجد أي خطة لاستخدام العملات الرقمية رغم عدم استبعاد دراسة التكنولوجيا التي يجري تداولها عن طريقها «بلوك تشين».
ويأتي «النأي» البريطاني عن العملات الرقمية موازيا لخطوة سويسرية مشابهة، حيث استبعد البنك الوطني السويسري (المركزي) الأسبوع الماضي إصدار عملة رقمية في الوقت الراهن. حيث قال فريتس تسوربروغ، نائب رئيس المركزي السويسري، إن إصدار عملة افتراضية من شأنه أن يُصَعِب أمورا من بينها مهمة مراعاة الاستقرار المالي. معربا عن اعتقاده بأن العملة المشفرة المتداولة لا تزال تتحرك في نطاق ضيق، وقال إنها «غير مقبولة على نطاق واسع كوسيلة دفع، وقلما يمكن أن تخدم كوحدة حساب».
ورأى تسوربروغ أن العملات المشفرة يتم استخدامها بالدرجة الأولى لأغراض المضاربة، لافتا إلى أن هذه العملات لا تمثل حاليا مشكلة بالنسبة للسياسة المالية وتطبيقها ولحركة المدفوعات والاستقرار المالي بسبب استخدامها المحدود للغاية.

خطر قائم على الصناعة المصرفية

لكن بعيدا عن الحذر المؤسسي، وفي تقرير يستشعر خطورتها على المصرفية العالمية، اعترف بنك «أوف أميركا»، الذي يعد واحدا من أكبر المؤسسات المالية في العالم، وللمرة الأولى، أن العملات الرقمية مثل البيتكوين وغيرها تمثل تهديدا كبيرا لأعماله بشكل خاص وللبنوك بشكل عام، وكشف للهيئات التنظيمية بالولايات المتحدة أنه قد يكون «غير قادر» على التنافس مع الاستخدام المتزايد للعملات الرقمية.
وأوضح البنك في تقريره السنوي لهيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية الذي صدر قبل يومين، أن «عدم قدرتنا على جعل منتجاتنا وخدماتنا تتكيف مع تطور معايير الصناعة وتفضيلات المستهلكين يمكن أن يضر بأعمالنا، وسيؤدي ذلك لتقليل هامش صافى الفائدة والإيرادات من المنتجات والخدمات القائمة على الرسوم لدينا».
ورغم أن البنك سعى للابتكار في مجاله بالحصول على براءة اختراع لنظامه المقترح لبورصة عملات رقمية في ديسمبر الماضي، فإنه تم انتقاده في الآونة الأخيرة بعد منع عملائه من شراء العملات الرقمية باستخدام بطاقات الائتمان.
وتُعتبر هذه هي المرة الأولى التي يعترف فيها البنك بالعملات الافتراضية كـ«عامل خطر»، ويأتي هذا عقب تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك ويليام دادلي نهاية الأسبوع الماضي بأن «هناك حالة هوس بالمضاربة في العملات الرقمية»، والتي وصفها بـ«الخطيرة».

جوانب إيجابية:

لكن مؤسسات كبرى ترى أن هناك جانبا مضيئا، حيث كشف تقرير صادر عن البنك الدولي أن «العملات المشفرة»، يمكن أن تحدث تحولا جوهريا في طرق سداد المدفوعات وممارسة أنشطة الأعمال، موضحاً أنه يمكن استحداثها كوسيلة لمكافحة الفساد.
وأكد تقرير حديث للبنك أن هذا النوع من التعقب المالي سيكون رادعا للرشى في القطاع العام التي تعادل ما بين 1.5 تريليون دولار وتريليوني دولار سنويا أو قرابة 2 في المائة من إجمالي الناتج المحلي العالمي، موضحاً أن هذا سيؤدي إلى تعزيز آثار التنمية، وكل ما يتطلبه ذلك هو تبني عملة مشفرة، واستخدام برمجية قواعد البيانات المتسلسلة.
ويرى البنك أن العملة المشفرة هي عملة رقمية تقوم على نظام لتشفير البيانات لضمان أن تكون المعاملات آمنة، ويُتيح اعتمادها كطريقة للدفع في مشروع ما تحديد هوية كل مستخدم للأموال، وذلك على النقيض من طرق الدفع التقليدية مثل أوراق النقد والعملات.
ومع أن معظم العملات المشفرة تكون هوية مستخدميها مجهولة، وتستخدم فحسب شفرة لتحديد هوية المستخدم، فإنها من الممكن أن تشتمل على معلومات شخصية مثل رقم الهوية الخاص، وأن تجعل العملة المُشفَّرة غير مجهولة.
ويُتيح استخدام العملات المُشفَّرة أيضا إجراء المعاملات الفورية، ونقل الملكية بلا حدود، وهو ما يُقلِّل الوقت المستغرق في المعاملات وتكلفتها، لأنه لا يتطلَّب وسطاء ماليين.
وحسب تقرير البنك، فإنه يمكن استخدام العملة المشفرة على نحو أوسع، حيث تستطيع الحكومة أو المؤسسة الإنمائية استخدام عملة مُشفَّرة قائمة غير مجهولة الهوية، أو ابتكار عملة خاصة بها وإعطاءها اسماً مثل «العملة النظيفة»، وقد تتحدَّد قيمة العملة المشفرة بعوامل السوق، ومن المستحب أن تكون مربوطة بعملة نقدية لتقليل التقلُّبات.
ويقترح البنك ضرورة أن تشتمل قواعد البيانات المتسلسلة على بيانات إضافية يتم تخزينها بانتظام حتى تتوفر معلومات كافية للأغراض الخاصة بمكافحة الاحتيال والفساد، وأيضا أن التحقُّق من المعاملة يجب أن يشتمل على التأكد من أن البيانات الإضافية تفي بمتطلبات العقد الذكي، الذي يحتوي على بنود منطقية مُبرمجة في الشفرة التي تستحدث إجراءات وفقًا لشروط العقد.

استثمار نعم.. عملة لا

وبين الرأيين، المتفائل بشدة وشديد التشاؤم، يرى الخبير الاقتصادي العالمي محمد العريان، أن الاهتمام سيزيد بالعملات الرقمية من خلال تكنولوجيا «بلوك تشين»، لكنها لن تتعدى ذلك لتصبح عملة مستخدمة على نطاق أوسع.
وذكر العريان يوم الثلاثاء الماضي، أن «بيتكوين» تتسم فعلاً بكونها تبادلاً متساوياً للمعاملات المالية، متوقعاً بأن الأسواق المالية ستقبل على الاستثمار في هذه العملة وغيرها بتقنية «بلوك تشين»، لكنه شدّد على أن «بيتكوين لن تتحول أبداً إلى عملة عالمية»، مشيراً إلى أنه ولكي يحصل ذلك سيتوجب على العملة الرقمية تبنيها من قبل نظام اقتصادي عالمي، مستبعداً احتمالية حصول ذلك.



«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
TT

«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)

في لحظة وصفت بالتاريخية في مسيرة الأسواق المالية، نجح مؤشر «داو جونز» الصناعي يوم الجمعة، في تجاوز عتبة 50 ألف نقطة للمرة الأولى منذ تأسيسه، منهياً أسبوعاً من التقلبات الحادة بانتصار كاسح للثيران (المشترين) على الدببة (البائعين). ولم يكن هذا الارتفاع مجرد طفرة رقمية؛ بل جاء تتويجاً لعودة الثقة في قطاع التكنولوجيا والرهان المستمر على ثورة الذكاء الاصطناعي.

ما الذي دفع «وول ستريت» لهذا الانفجار السعري؟

لم يكن وصول «داو جونز» إلى هذا الرقم القياسي وليد الصدفة؛ بل جاء نتيجة تضافر قوى شرائية هائلة أعادت الحياة إلى قطاع التكنولوجيا. فبعد أسبوع من النزيف السعري، ارتد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 2 في المائة، مسجلاً أفضل أداء يومي له منذ مايو (أيار) الماضي.

والسؤال الذي يطرحه المستثمرون الآن: من قاد هذا «الرالي»؟ الإجابة تكمن في قطاع أشباه الموصلات، حيث قفز سهم «إنفيديا» بنسبة 7.8 في المائة، وتبعه سهم «برودكوم» بارتفاع 7.1 في المائة، مما أدى إلى محو مخاوف التراجع التي سادت مطلع الأسبوع.

شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي وأرقام التداول الأخرى بعد إغلاق بورصة نيويورك (رويترز)

هل رهان «أمازون» بـ200 مليار دولار هو السر؟

أحد المحركات الرئيسية لهذا الصعود كان الإعلان الصادم من شركة «أمازون»، التي أكدت نيتها استثمار مبلغ ضخم يصل إلى 200 مليار دولار خلال هذا العام. هذا الاستثمار لا يستهدف التجارة الإلكترونية التقليدية؛ بل يركز على «الفرص الجوهرية»؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والرقائق، والروبوتات، والأقمار الاصطناعية.

هذا التوجه طرح تساؤلاً جوهرياً في الصالونات الاقتصادية: هل نحن أمام فقاعة تكنولوجية جديدة؟ أم إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد العالمي؟

وأكد جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، على شبكة «سي إن بي سي» الإخبارية المالية، أن الطلب على الذكاء الاصطناعي لا يزال «مرتفعاً للغاية»، وأن مستوى الإنفاق مناسب ومستدام. وارتفعت أسهم «إنفيديا»، أكبر شركة مدرجة في البورصة بالعالم بقيمة سوقية تبلغ 4.5 تريليون دولار، بنسبة 7.9 في المائة يوم الجمعة.

هدوء في جبهة البتكوين والمعادن الثمينة

ولم يكن المشهد بعيداً عن سوق الأصول المشفرة؛ فبعد أسابيع من الهبوط الحر الذي أفقد البتكوين أكثر من نصف قيمتها منذ ذروة أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، استطاعت العملة الرقمية الأشهر التماسك مجدداً؛ فبعد أن اقتربت من كسر حاجز 60 ألف دولار نزولاً يوم الخميس، استعادت توازنها لتقفز فوق مستوى 70 ألف دولار، مما أعطى إشارة إلى المستثمرين بأن موجة الذعر قد بدأت في الانحسار.

وفي السياق ذاته، خفتت حدة التقلبات في أسواق المعادن؛ حيث استقر الذهب عند مستوى 4979.80 دولار للأونصة بعد ارتفاع بنسبة 1.8 في المائة، في حين سجلت الفضة استقراراً نسبياً، مما يعكس تحولاً في شهية المخاطرة لدى المتداولين من الملاذات الآمنة إلى أسهم النمو.

ترمب يبارك

وكعادته في رصد أداء الأسواق، سارع الرئيس الأميركي دونالد ترمب للاحتفاء بهذا المنجز الاقتصادي، حيث نشر عبر منصته «تروث سوشيال» مهنئاً الشعب الأميركي بهذا الرقم القياسي، وحاول اعتبار هذا الصعود دليلاً على نجاح التعريفات الجمركية الأميركية - سياسته الاقتصادية المحورية - التي بلغت أعلى مستوياتها الفعلية منذ عام 1935 خلال فترة رئاسته.

وكتب ترمب: «شكراً لك يا سيد الرسوم!». وادعى قائلاً: «أمننا القومي وأمننا المالي لم يكونا أقوى مما هما عليه الآن!»، وهو ما يراه مراقبون تعزيزاً للسردية السياسية التي تربط قوة السوق بالأداء الإداري.


رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
TT

رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)

قالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، ماري دالي، يوم الجمعة، إنها ترى أن الاقتصاد الأميركي في وضع «هش». وأضافت أن الشركات تتسم إلى حد كبير بتفاؤل حذر، في حين أن الأسر أقل ثقة؛ نظراً لأن الشركات التي تتردد حتى الآن في إجراء تسريحات جماعية قد تغيّر استراتيجيتها بسرعة.

وقالت دالي في منشور على «لينكد إن»: «لقد شهدنا بيئة عمل تتسم بانخفاض التوظيف وزيادة التسريح لفترة من الوقت. قد يستمر هذا الوضع، لكن العمال يدركون أن الأمور قد تتغير بسرعة، مما قد يُعرّضهم لسوق عمل تتسم بعدم الاستقرار وارتفاع معدلات التسريح». وأضافت: «مع تجاوز التضخم هدف لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية البالغ 2 في المائة، يبدو الوضع غير مستقر، وهذا واقع ملموس»، وفق «رويترز».

وأبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع الماضي على تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل دون تغيير، مشيراً إلى ارتفاع التضخم واستقرار سوق العمل. وصرح رئيس المجلس، جيروم باول، بأن البنك المركزي «في وضع جيد للاستجابة، مستفيداً من البيانات المتاحة».

ومنذ ذلك الحين، أشار بعض صنّاع السياسات إلى ميلهم نحو اتجاه معين؛ فقد صرحت ليزا كوك، محافظة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، يوم الأربعاء، بأن المخاطر «تميل نحو ارتفاع التضخم»، في حين أكدت ميشيل بومان، نائبة رئيس المجلس لشؤون الإشراف، بعد التصويت مع كوك بنتيجة 10-2 للإبقاء على أسعار الفائدة ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، أنها لا تعتبر أن «مخاطر تراجع فرص العمل ضمن نطاق ولايتنا قد تضاءلت».

وتشير معظم التقديرات، بما فيها تقديرات صنّاع السياسات في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى أن التضخم الأساسي في نهاية العام الماضي بلغ نحو 3 في المائة، متجاوزاً هدف المجلس البالغ 2 في المائة. وقد أكّدت بيانات سوق العمل استمرار حالة الركود الجزئي التي تتسم بانخفاض معدلات التوظيف وزيادة التسريح.

ومن المتوقع أن يصدر مكتب إحصاءات العمل تقرير الوظائف الشهري يوم الأربعاء المقبل، بعد تأخره بسبب إغلاق الحكومة نتيجة الخلاف المستمر بين الديمقراطيين والجمهوريين حول تمويل قوانين الهجرة. ويتوقع الاقتصاديون أن يُظهر التقرير استقرار معدل البطالة في يناير (كانون الثاني) عند 4.4 في المائة.

مع ذلك، أثار انخفاض فرص العمل المتاحة في ديسمبر (كانون الأول) إلى أدنى مستوى لها منذ خمس سنوات، وارتفاع طلبات إعانة البطالة الأسبوعية الجديدة، التي أعلنتها وزارة العمل الأميركية يوم الخميس، قلق بعض المحللين من احتمال اختلال التوازن لصالح ضعف سوق العمل.

وكتب المحلل توماس رايان من «كابيتال إيكونوميكس»: «قد يثير الانخفاض المفاجئ والكبير في فرص العمل المتاحة قلق مسؤولي (الاحتياطي الفيدرالي)، ويشير إلى أنهم تسرعوا في حذف بنود من بيان السياسة النقدية الصادر الشهر الماضي، والتي كانت تؤكد ارتفاع مخاطر تراجع سوق العمل». ومع ذلك، ومع استمرار ارتفاع معدلات التوظيف وانخفاض التسريحات، لا يمكن استنتاج مزيد من التراجع في سوق العمل بنهاية العام الماضي بشكل قاطع.

أما بالنسبة لدالي، فتبدو الاستراتيجية المثلى هي التريث والانتظار.

وقالت: «علينا مراقبة جانبَي مهمتنا»، مشيرة إلى هدفَي «الاحتياطي الفيدرالي» المتمثلين في تحقيق أقصى قدر من التوظيف مع الحفاظ على التضخم عند مستوى منخفض. وأضافت: «يستحق الأميركيون استقرار الأسعار وتحقيق التوظيف الكامل، ولا يمكن اعتبار أي منهما أمراً مفروغاً منه».


ثقة المستهلك الأميركي تصل إلى أعلى مستوى في 6 أشهر مطلع فبراير

متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

ثقة المستهلك الأميركي تصل إلى أعلى مستوى في 6 أشهر مطلع فبراير

متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)

ارتفعت ثقة المستهلك الأميركي إلى أعلى مستوى لها في ستة أشهر، مطلع فبراير (شباط) الحالي، رغم استمرار المخاوف بشأن سوق العمل وارتفاع تكاليف المعيشة نتيجة التضخم المرتبط بالرسوم الجمركية على الواردات.

ويُعزى التحسن الشهري الثالث على التوالي في ثقة المستهلك، الذي أعلنته جامعة ميشيغان في استطلاعاتها يوم الجمعة، في الغالب، إلى المستهلكين الذين يمتلكون أكبر مَحافظ استثمارية في الأسهم، مما يعكس ما يُعرَف بـ«اقتصاد على شكل حرف كيه»، حيث تستفيد الأُسر ذات الدخل المرتفع، بينما يواجه المستهلكون ذوو الدخل المنخفض صعوبات أكبر.

قال أورين كلاشكين، خبير اقتصادات الأسواق المالية بشركة «نيشن وايد»: «ربما شهدنا أدنى مستوى لثقة المستهلك، ومن المتوقع أن تدعم العوامل الأساسية الإيجابية التوجهات خلال عام 2026، ما دام الانخفاض الأخير في سوق الأسهم لا يستمر. ومع ذلك لا نتوقع انتعاشاً حاداً في ثقة المستهلكين».

وأعلنت جامعة ميشيغان أن مؤشر ثقة المستهلك ارتفع إلى 57.3، في هذا الشهر، وهو أعلى مستوى له منذ أغسطس (آب) الماضي، مقارنةً بـ56.4 في يناير (كانون الثاني)، في حين كان الاقتصاديون، الذين استطلعت «رويترز» آراءهم، يتوقعون انخفاض المؤشر إلى 55. ومع ذلك، لا يزال المؤشر أقل بنحو 20 في المائة من مستواه في يناير 2025. وقد أُجري الاستطلاع قبل موجة بيع الأسهم، هذا الأسبوع، التي جاءت مدفوعة بحذر المستثمرين تجاه الإنفاق الكبير لشركات التكنولوجيا على الذكاء الاصطناعي. وارتدّت الأسهم في «وول ستريت»، يوم الجمعة، واستقر الدولار مقابل سلة من العملات، وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية.

وقالت جوان هسو، مديرة استطلاعات المستهلكين: «ارتفعت ثقة المستهلكين الذين يمتلكون أكبر محافظ أسهم، بينما ظلّت ثابتة عند مستويات منخفضة بالنسبة للمستهلكين الذين لا يملكون أسهماً». ولا تزال المخاوف من تدهور الوضع المالي الشخصي نتيجة ارتفاع الأسعار وزيادة خطر فقدان الوظائف منتشرة على نطاق واسع.

وتحسنت معنويات المستهلكين المنتمين إلى الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بينما تراجعت بين المستقلين. يأتي هذا التحسن في المعنويات على النقيض من مؤشر ثقة المستهلك، الصادر عن مجلس المؤتمرات، الذي انخفض في يناير إلى أدنى مستوى له منذ مايو (أيار) 2014. ومع ذلك، أكّد كلا الاستطلاعين ازدياد حالة اللامبالاة تجاه سوق العمل.

وأفادت الحكومة، يوم الخميس، بأن فرص العمل المتاحة انخفضت إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من خمس سنوات في ديسمبر (كانون الأول)، مسجلة 0.87 وظيفة متاحة لكل عاطل عن العمل، مقارنة بـ0.89 في نوفمبر (تشرين الثاني).

وعلى الرغم من استمرار قلق المستهلكين بشأن ارتفاع الأسعار، لكنهم توقعوا اعتدال التضخم، خلال الأشهر الـ12 المقبلة. وانخفض مقياس الاستطلاع لتوقعات التضخم السنوي إلى 3.5 في المائة، من 4 في المائة خلال يناير، وهو أدنى مستوى له منذ 13 شهراً، مما يشير إلى اعتقاد بعض المستهلكين بأن أسوأ آثار الرسوم الجمركية على الأسعار قد ولّت. وفي المقابل، ارتفعت توقعات المستهلكين للتضخم على مدى خمس سنوات إلى 3.4 في المائة، من 3.3 في المائة الشهر الماضي.

وقال جون ريدينغ، كبير المستشارين الاقتصاديين في «بريان كابيتال»: «يركز ؛(الاحتياطي الفيدرالي) على التوقعات متوسطة الأجل، وقد ارتفعت هذه التوقعات، للشهر الثاني على التوالي. ومع ذلك، لن يغير ذلك أي قرار بشأن سعر الفائدة في مارس (آذار) المقبل، إذ سيتوقف مصير هذا الاجتماع على بيانات التوظيف لشهريْ يناير وفبراير».