الاحتباس الحراري يهدد حياة البشرية

سيجعل الكثير من مناطق العالم غير قابلة للسكن

الاحتباس الحراري يهدد حياة البشرية
TT

الاحتباس الحراري يهدد حياة البشرية

الاحتباس الحراري يهدد حياة البشرية

يتوقع العلماء أن الاحتباس الحراري سيجعل الكثير من مناطق العالم غير قابلة للسكن، لكن توجد بعض الطرق التي تساعد في الحدّ من تأثيره.

أستراليا تفور

في أستراليا مثلاً كان الصيف الماضي حارقاً، حتى وفقاً للمعايير المحلية، واعتبر شهر يناير (كانون الثاني) 2017 الشهر الأكثر حراً في مدينتي سيدني وبريزبان، وشهدت مساحات واسعة في الجنوب الشرقي ارتفاعاً هائلاً في درجات الحرارة، تجاوز في أحيان كثيرة الأربعين درجة مئوية لأسابيع كاملة. وأدى الطلب المتزايد على الكهرباء في جنوب البلاد إلى انقطاع التيار؛ مما تسبب في حرمان 90000 منزل من التكييف الهوائي، وجعلها أسيرة القيظ والظلمة. كما اشتعلت الحرائق في 87 غابة على امتداد مقاطعة نيوساوث ويلز، فارتفعت درجات الحرارة وتسببت في وفاة الماشية التي تعيش في الحقول.
هذا النوع من موجات الحرّ ليس حالة عابرة، بل هو اتجاه جديد شهد على ارتفاع درجة الحرارة في العاصمة الأسترالية إلى ما فوق 47 درجة مئوية حديثاً، وهو الأعلى في هذه المدينة منذ 79 عاماً. ومن المتوقع أن تعيش سيدني وملبورن موجات حرٍّ شديدة أخرى تصل فيها درجات الحرارة إلى 50 درجة مئوية بحلول عام 2040.
تقول سارة بيركنز كيرك باتريك، من مركز الأبحاث المتخصصة في الاحتباس الحراري في جامعة نيوساوث ويلز في سيدني: «نظراً لما سنعيشه بعد 40 أو 50 عاماً من اليوم، يمكن القول إن الصيف الماضي كان طبيعياً جداً؛ فأستراليا لم تصل إلى الأسوأ بعد».
ولكن الأستراليين ليسوا وحدهم؛ لأن غالبية سكان العالم لم تأخذ «التسخين» الناتج من الاحتباس الحراري على محمل الجدّ. عندما يعيش الناس في مكان معتدل المناخ، فإنهم لن ينزعجوا أبداً من ارتفاع طفيف بدرجات الحرارة يسهّل عليهم تنظيم المزيد من النزهات في الطبيعة، وإمضاء فترات من السكينة في الحديقة بعد الظهر. لكن هذا الترحيب ليس منطقياً؛ لأن موجات الحرّ قد تكون قاتلة حتى في أيامنا هذه، ومع تفاقم الاحتباس الحراري، سترتفع نسبة الوفيات.
إن تركيبة الجسد البشري غير مهيأة للتعامل مع درجات الحرارة المتوقعة خلال موجات التسخين في محيط الأرض، أي أن الكثير من المناطق قد تصبح غير صالحة للسكن. لحسن الحظّ، توجد بعض الأمور التي يمكننا القيام بها لتعويد أجسادنا ومحيطنا البيئي أكثر على العالم الحارّ.

موجات حرّ قاتلة

يعي الجميع أن الاحتباس الحراري الناتج من غازات الدفيئة بات منتشراً، ولو مع بعض الاستثناءات القليلة، وأن عواقبه تكون وخيمة أحياناً، ومن المستغرب أننا تأخرنا حتى اليوم لنفهم أنه قد يتسبب في موتنا. هذا الإغفال في رؤية الحقائق غير ناجم عن نقص الشواهد: ففي الولايات المتحدة الأميركية، فاق عدد الوفيات بسبب الحرّ الشديد بين عامي 1978 و2003 عدد الوفيات الناتج من الهزات الأرضية والبراكين والفيضانات والأعاصير مجتمعة. وحسب بعض التقديرات، سببت موجة الحرّ التي تمركزت في فرنسا عام 2003 في مقتل 70000 شخص، كما أدّت موجة أخرى ضربت موسكو عام 2010 إلى وفاة 10000 شخص.
في أكتوبر (تشرين الأول)، نشرت مجلّة «لانسيت» تقريراً يتضمن دراسة أجرتها 26 مؤسسة عالمية بالتعاون مع البنك الدولي، خلصت إلى أننا نواجه «وضعاً طارئاً عالمياً يلوح في الأفق». وتبعت هذه الدراسة دراسة أخرى ركزت بحثها على موضوع «الحرارة القاتلة»، بيّنت أن 30 في المائة من الناس حول العالم يمرّون بفترة ترتفع فيها درجات الحرارة إلى مستوى مميت خلال عشرين يوماً سنوياً. وقال فريق بحثي بقيادة كاميلو مورا من جامعة هاواي في مانوا في يونيو (حزيران): إن هذه النسبة ستقارب الـ75 في المائة بحلول عام 2100 في حال لم نبذل الجهود المطلوبة للحدّ من انبعاثات الغازات الدفيئة.
إنّ العامل المهمّ هنا ليس درجة حرارة الهواء، بل الحرارة التي يشعر بها الناس. فقد يستطيع الإنسان الاستمرار على قيد الحياة لفترة قصيرة في حرارة تصل إلى 50 درجة مئوية، ما دام أن جسده يتعرّق بشكل صحّي. لكن المشكلة هي الرطوبة. يقول غراهام بيتز، من جامعة كورتن غرب أستراليا: «إن الطريقة الوحيدة للتخلّص من الحرّ أثناء التعرّق هي تبخّر هذا العرق. لكن عندما تصل نسبة الرطوبة إلى 90 في المائة، يصبح الهواء مشبعاً بالكامل؛ مما يؤدي إلى سيلان العرق، وبالتالي يستمر الشعور بالحرّ».
يمكن قياس تأثير الحرّ والرطوبة مجتمعين، أو ما يعرف بدرجة الحرارة المحسوسة، عبر استخدام «ميزان للتعرق»، يُلفّ بقطعة قماش رطبة.
عندما يسجّل الهواء 35 درجة مئوية، أي ما يعادل درجة حرارة الجو 35 مئوية، ونسبة 100 في المائة للرطوبة - أو 40 درجة مئوية للحرارة و75 في المائة معدل الرطوبة، هذا يعني أن فرصة الإنسان في الاستمرار على قيد الحياة باتت مهددة. وعندما تصبح هذه الدرجات والمعدلات أعلى، لن يستطيع حتى أكثر الأشخاص صحة أن يعيش لأكثر من ستّ ساعات. لم تصل أي منطقة على وجه الأرض إلى هذا الوضع بعد، رغم أن منطقة بندر ماهشهر في إيران اقتربت من هذه المعدلات والدرجات في يوليو (تموز) 2015، بـ46 درجة مئوية و50 في المائة معدلاً للرطوبة، أي أن الأمر مسألة وقت ليس إلا.

معدلات مرتفعة

يقول ستيفن شيروود، عالم متخصص بالغلاف الجوي من جامعة نيوساوث ويلز: إن درجات الحرارة ومعدلات الرطوبة كلتيهما تشهد ارتفاعاً. يتركز الخطر الأكبر في المناطق التي تعاني عادة من ارتفاع في معدلات الرطوبة كالأمازون ووديان السند، وغيرهما من الدول الاستوائية. ويرى شيروود أن بعض المناطق لن تحتاج إلى أكثر من ست أو سبع درجات حرارة إضافية فقط لتصبح غير قابلة للسكن، محذّراً من أن الدرجات والمعدلات سترتفع بشكل كبير في بعض المناطق خلال 100 أو 200 عام في حال لم نعمل على خفض الاحتباس الحراري.
يمكن القول حتى إن هذه التقديرات متفائلة بعض الشيء. فقد أظهرت دراسة نشرت عام 2017 أن أجزاء من الهند وباكستان وبنغلادش قد تشهد ارتفاعاً في معدلات حرارة الهواء إلى ما فوق 35 درجة مئوية مع نهاية هذا القرن. يبلغ عدد سكان هذه المنطقة 1.5 مليار شخص، أي ما يعادل خُمس سكان العالم، غالبيتهم من الفقراء ومعرّضون بشكل خطير إلى اللهيب المميت. كما سيواجه المزارعون الذين يعتمدون على الزراعة كمصدر رزقهم خسائر متفاوتة في محاصيلهم؛ لأن إنتاج القمح والأرز والذرة، التي تشكّل مجتمعة مع الصويا نحو ثلثي السعرات الحرارية التي يستهلكها الناس، قد تشهد انخفاضاً بين 3 في المائة و7 في المائة مع كلّ درجة حرارة إضافية. ويؤثر ارتفاع درجات الحرارة أيضاً على إنتاجية العمال في المناطق الريفية، فقد تبيّن أنه ومنذ عام 2000، أدّى الاحتباس الحراري إلى تراجع أعداد القوى العاملة في الهند بشكل ملحوظ، بنحو 418000 عامل، بحسب تقرير مجلة «لانسيت».
من ناحية أخرى، يمكن لدرجات الحرارة التي لا تزال دون المعدلات الكارثية أيضاً أن تساهم في تجريد بعض المناطق من أهليتها للسكن، وقبل مدة طويلة من نهاية القرن. إذ تعتبر الهيئة الوطنية للأرصاد الجوية في الولايات المتحدة تجاوز درجة حرارة الهواء لـ31 درجة مئوية «خطراً شديداً»؛ لأن الجسم البشري يولّد حرارته الخاصة.

مدن ساخنة

غالباً ما تكون موجات الحرّ أكثر قوة في المدن، حيث يمتص الإسفلت والأسقف الداكنة المزيد من أشعة الشمس ويؤدي إلى ظهور تأثير «جزيرة الحرّ». لكن نادراً ما يأخذ مخططو المدن هذا الأمر بعين الاعتبار، وحتى في المناطق التي تعرف بارتفاع درجات الحرارة فيها مثل ملبورن وأبوظبي. في المقابل، توجد بعض الأمور البسيطة التي يمكنهم أن يقوموا بها. وقد نقلت مجلة «نيو ساينتست» عن بيركنز كيرك باتريك إننا نحتاج إلى تصاميم أفضل لمنازلنا، وهذه نقطة البداية. كما عبّرت عن رغبتها في رؤية المزيد من الأسقف البيضاء التي تعكس أشعة الشمس، مع قدرة أكبر على العزل وتزجيج مضاعف، حتى تكون منازلنا ملجأً لنا في حالات الحرّ الشديد، حتى ولو كانت خالية من التكييف الهوائي. وتحتاج المدن أيضاً إلى المزيد من المساحات الخضراء المظلّلة للمساعدة في الحدّ من تأثير جزر الحرّ.
تكفّل نهج جديد انطلق في مدينة نيويورك بتنفيذ برنامج إعادة تخضير مساحات كبيرة في مانهاتن خلال السنوات القليلة الماضية؛ وبعد موجة الحرّ التي ضربت أستراليا في الصيف الماضي، تمت مناقشة اقتراح تخصيص مساحات كبيرة مكيّفة يلجأ الناس إليها في الأجواء اللاهبة.
تحمل هذه الإجراءات فوائد إضافية أيضاً، ففي البلدان النامية، حيث تنتشر موارد الطاقة الملوثة بكثرة، لا شكّ في أنّ ارتفاع درجات الحرارة سيؤدي إلى انقطاع في التيارات الكهربائية، وبخاصة أن أفضل الدول تعاني عجزاً في سدّ الطلب المتزايد على الطاقة خلال موجات الحرّ. هذا بالإضافة إلى أن الحرّ يسبب مشكلات في توصيل الكهرباء؛ لأنه يؤدي إلى تمدّد وتدلّي الأسلاك. إن تصميم المنازل بشكل أفضل وتأمين مساحات خضراء وملاجئ مشتركة للعامة سيساهم في تخفيف الضغط عن الشبكات الكهربائية التي تعاني الأمرّين في التأقلم مع موجات الحرّ، وسيؤدي أيضاً إلى انخفاض انبعاثات غازات الدفيئة.
هذا الأمر مهم جداً؛ فوفقاً لما ورد في اتفاق باريس للمناخ عام 2016، ومع ارتفاع درجات الحرارة بين درجة ونصف درجة ودرجتين، سيصبح فصل الصيف عبارة عن موجة حرّ طويلة في بعض المناطق الأسترالية بحلول عام 2100. وكشفت بيركنز كيرك باتريك، عن أن بعض المناطق الاستوائية قد تمرّ بموجات حرّ جزئية، وأن الأوضاع ستكون أسوأ بكثير في حال لم يصار إلى الحدّ من ارتفاع انبعاثات الغازات الدفيئة. وترى بيركينز أن تأثيرات مدمّرة في طريقها إلينا إن لم تتمّ السيطرة على التغيّر المناخي الناتج من هذه الانبعاثات في أقرب وقت ممكن.



حين تقرر الخوارزمية من يموت ومن يعيش... في الحروب الذكية

حين تعلم البشرية الخوارزمية كيف تقتل
حين تعلم البشرية الخوارزمية كيف تقتل
TT

حين تقرر الخوارزمية من يموت ومن يعيش... في الحروب الذكية

حين تعلم البشرية الخوارزمية كيف تقتل
حين تعلم البشرية الخوارزمية كيف تقتل

بينما يتسابق العالم لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على تشخيص الأمراض بدقة أعلى وإنقاذ مزيد من الأرواح داخل المستشفيات، يتسارع في الجهة المقابلة سباق آخر أكثر قتامة: تعليم الخوارزميات كيف تدير الحروب، وتختار الأهداف، وتتخذ قرارات القتل خلال أجزاء من الثانية.

وهنا يبرز أحد أكثر الأسئلة الأخلاقية إرباكاً في عصر الذكاء الاصطناعي: هل يمكن للعالم أن يتحدث عن «ذكاء اصطناعي أخلاقي» في الوقت الذي تُمنح فيه الخوارزميات تدريجياً سلطة تحديد من يعيش... ومن يموت؟

من الطب إلى ساحات القتال

خلال السنوات الأخيرة، ارتبط الذكاء الاصطناعي في أذهان الناس غالباً بتحسين جودة الحياة، خصوصاً في مجالات الطب والتعليم والخدمات الإنسانية. لكن التطويرات العسكرية المتسارعة كشفت وجهاً آخر أكثر تعقيداً وقلقاً لهذه التقنية.

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتحليل البيانات العسكرية أو دعم القرار البشري، بل بدأ يدخل تدريجياً إلى قلب القرار القتالي نفسه، عبر أنظمة قادرة على تحليل الصور الحرارية، وتتبع الأهداف، وتقييم التهديدات خلال أجزاء من الثانية.

هل تفهم الخوارزمية معنى الحياة؟

إخراج الإنسان من دائرة اتخاذ القرار

وفي دراسة حديثة نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 بعنوان: «الذكاء الاصطناعي في حروب المستقبل: الأطر الأخلاقية وتنظيم الأسلحة الذاتية القاتلة» (Artificial Intelligence in Future Warfare: Ethical Frameworks and the Regulation of Lethal Autonomous Weapons)، حذّر الباحث محمد فيصل صديقي من أن تطور الذكاء الاصطناعي العسكري بات أسرع من قدرة القوانين الدولية على مواكبته وتنظيمه.

وأشارت الدراسة إلى أن بعض الأنظمة الحديثة بدأ يعمل ضمن ما يُعرف بـ«الإنسان خارج الحلقة» (Human-out-of-the-loop)، أي أن القرار القتالي قد ينتقل تدريجياً من الإنسان إلى الخوارزمية نفسها.

أين تختفي المسؤولية؟

في الطب، حتى مع التوسُّع المتسارع في استخدام الذكاء الاصطناعي، يبقى الطبيب حاضراً داخل القرار النهائي، ويتحمّل المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن أي خطأ أو سوء تقدير.

أما في الحروب، فالصورة تبدو أكثر غموضاً وتعقيداً. فإذا أخطأت خوارزمية عسكرية ذاتية في تحديد هدف مدني، فمن يتحمل المسؤولية؟

هل هو المبرمج؟ أم الشركة المطوّرة؟ أم القائد العسكري؟ أم الدولة؟ أم أن المسؤولية تضيع داخل طبقات معقدة من البرمجيات والقرارات الآلية؟

تحذيرات من الأسلحة الذاتية القاتلة

هذا السؤال دفع الأمم المتحدة وعدداً من منظمات حقوق الإنسان إلى التحذير من خطورة ما يُعرف بـ«الأسلحة الذاتية القاتلة» (Lethal Autonomous Weapons)، وهي أنظمة قادرة على تنفيذ الهجوم دون تدخل بشري مباشر في اللحظة الأخيرة.

ووصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هذه الأنظمة بأنها:

«مرفوضة سياسياً ومقززة أخلاقياً»، داعياً إلى حظرها عالمياً، ومؤكداً أن قرارات الحياة والموت يجب ألا تُترك للخوارزميات وحدها.

حين تضيع المسؤولية بين الإنسان والخوارزمية

* الذكاء الاصطناعي لا يفهم معنى الرحمة أو قيمة الحياة البشرية

هل تفهم الخوارزمية معنى الحياة؟

المشكلة الأعمق أن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت دقته، لا يفهم معنى الرحمة أو قيمة الحياة البشرية. فالخوارزمية لا تمتلك ضميراً، ولا تشعر بالخوف أو الألم أو الندم، بل تعمل وفق احتمالات رياضية وأنماط بيانات فقط، دون إدراك حقيقي لمعنى الفقد الإنساني أو تبعات القرار الأخلاقي.

وحديثاً حذَّر البابا ليو الرابع عشر هذا الشهر، مايو (أيار) 2026، من أن بعض أنظمة الأسلحة الذاتية أصبحت «عملياً خارج السيطرة البشرية»، داعياً إلى إخضاع الذكاء الاصطناعي العسكري لضوابط أخلاقية وقانونية صارمة.

كما حذَّرت دراسة حديثة نُشرت هذا العام بعنوان: «نهاية الحكم البشري في سلسلة القتل؟» (The End of Human Judgment in the Kill Chain؟) من أن الأنظمة الذكية الجديدة بدأت تنقل سلطة التفسير والمبادرة تدريجياً من الإنسان إلى الخوارزمية نفسها، ما قد يجعل السيطرة البشرية مجرد حضور شكلي لا أكثر.

وهنا يكمن أحد أخطر التحوُّلات في عصر الذكاء الاصطناعي: أن تتحول الحرب تدريجياً من مأساة إنسانية معقدة إلى عملية حسابية باردة تُدار بالخوارزميات.

التناقض الأخلاقي العالمي

المفارقة اللافتة أن كثيراً من الشركات التي تطور أنظمة ذكاء اصطناعي للرعاية الصحية والتعليم والخدمات الإنسانية، تشارك في الوقت نفسه في مشروعات عسكرية متقدمة تعتمد على الخوارزميات والتحليل القتالي الذكي.

وفي اللحظة التي يناقش فيها العالم مفهوم «الذكاء الاصطناعي الرحيم» داخل المستشفيات، تتوسع مختبرات أخرى في تطوير أنظمة قادرة على الاستهداف واتخاذ قرارات قتالية بسرعات تتجاوز القدرة البشرية. وكأن البشرية تحاول، في الوقت نفسه، تعليم الآلة كيف تُنقذ الإنسان... وكيف تقتله أيضاً.

وهذا التناقض يفتح باباً فلسفياً وأخلاقياً شديد الحساسية: هل تكمن المشكلة في الذكاء الاصطناعي نفسه، أم في الطريقة التي يختار الإنسان توظيف هذه القوة بها؟

مخاوف الحروب الجينية

مخاوف الحروب الجينية

ويزداد القلق الأخلاقي تعقيداً مع تصاعد النقاشات العالمية حول ما يُعرف بـ«الحروب الجينية»، أي استخدام التقنيات الحيوية والذكاء الاصطناعي لفهم الفروقات الجينية بين المجموعات البشرية، أو استهدافها نظرياً بوسائل بيولوجية متقدمة.

ويحذر بعض خبراء أخلاقيات التقنية والأمن الحيوي من أن توظيف الذكاء الاصطناعي في هذا المجال قد يفتح مستقبلاً الباب أمام أشكال خطيرة من الاستهداف القائم على الهوية الجينية أو العرقية، وهو ما يقترب أخلاقياً وقانونياً من مفاهيم «التطهير العرقي» وجرائم الحرب المحظورة دولياً.

ورغم أن كثيراً من هذه السيناريوهات لا يزال ضمن حدود الجدل العلمي والاستراتيجي، فإن مجرد طرحها يكشف إلى أي مدى بدأت التكنولوجيا تقترب من مناطق كانت تُعد سابقاً خارج حدود الأخلاق الإنسانية نفسها.

الإنسان... الحلقة الأخيرة

ربما لا تكمن المشكلة الكبرى في أن الذكاء الاصطناعي أصبح أكثر ذكاءً، بل في احتمال أن يبدأ الإنسان تدريجياً بالتخلي عن مسؤوليته الأخلاقية لصالح الخوارزمية.

* الحضارة لا تُقاس فقط بما تستطيع التكنولوجيا فعله... بل أيضاً بما يختار الإنسان ألّا يسمح للتكنولوجيا بفعله

الخطر الحقيقي ليس أن تفكر الآلة... بل أن يتوقف الإنسان عن التفكير.

ولهذا قد لا تصبح القضية الأهم في السنوات القادمة تطوير أنظمة أكثر قوة فحسب، بل الحفاظ على بقاء الإنسان حاضراً داخل القرار النهائي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالحياة والموت.

ولعل المفارقة أن الحضارات القديمة، رغم بساطة أدواتها، وضعت للحرب حدوداً أخلاقية واضحة. ففي واحدة من أشهر الوصايا العربية في القتال، أوصى الخليفة أبو بكر الصديق الجيوش بألا يُقتل طفل أو امرأة أو شيخ، وألا تُقطع الأشجار ولا تُهدم سبل الحياة بلا ضرورة.

أما اليوم، فيبدو العالم وكأنه يقترب تدريجياً من تسليم بعض هذه القرارات إلى خوارزميات لا تعرف الرحمة، ولا تفهم معنى الحياة أو الموت.

إن الحضارة لا تُقاس فقط بما تستطيع التكنولوجيا فعله... بل أيضاً بما يختار الإنسان ألَّا يسمح للتكنولوجيا بفعله.


الصين: أبحاث جريئة حول إنجاب الأطفال في الفضاء

الصين: أبحاث جريئة حول إنجاب الأطفال في الفضاء
TT

الصين: أبحاث جريئة حول إنجاب الأطفال في الفضاء

الصين: أبحاث جريئة حول إنجاب الأطفال في الفضاء

هناك كثير من الأمور التي نعدّها بديهيةً على كوكب الأرض، لكنها تُصبح صعبة في الفضاء الخارجي. مثلاً حاسة التذوق تضعف، ويصبح قضاء الحاجة مُرهقاً ويتطلب استخدام مضخات إفراغية، ويغدو النوم مُشكلةً حقيقيةً؛ بسبب انعدام الجاذبية وشروق الشمس كل 90 دقيقة.

تجربة على أجنّة فضائية

أحد الأمور التي لم يدرسها العلماء بدقة حتى الآن، هو إمكانية إنجاب البشر خارج كوكب الأرض... لكن هذا على وشك التغيير.

تُجري الصين تجربةً على محطتها الفضائية، تأمل أن تُساعد على تسليط الضوء على المخاطر المُصاحبة للحمل في بيئة ذات جاذبية منخفضة أو معدومة. وقد تُسفر هذه التجربة عن معلومات بالغة الأهمية مع تقدُّم جهود استعمار القمر والمريخ، سواء العامة أو الخاصة.

الجنس ليس جزءاً من التجارب الصينية

والجنس ليس جزءاً من التجارب الصينية، إذ إنها لا تُرسل رواد فضاء إلى ارتفاع 250 ميلاً (400 كيلومتر) في السماء لممارسة الجنس. وبدلاً من ذلك، أُرسلت تراكيب شبيهة بالأجنة (لا تملك القدرة على التطوُّر إلى ما بعد مرحلة الجنين)، مصنوعة من خلايا جذعية بشرية، إلى المحطة الفضائية لها، لتقضي 5 أيام في مدار أرضي منخفض.

تطور الجنين... وتشكُّل الأعضاء

في هذه المرحلة، يحدث التطور المبكر بعد الإخصاب، وتبدأ غالبية الأعضاء بالتَّشكُّل. يمكن أن تؤثر التشوهات في هذه المرحلة على نمو الإنسان. يهتم العلماء بدراسة تأثير انعدام الجاذبية على الأجنة، بما في ذلك ما إذا كان سيزيد من خطر التشوهات الخلقية.

وبمجرد أن يفهم العلماء أي تأثير محتمل، سيعملون على تطوير تدخلات من شأنها التخفيف من أي آثار.

تجربة يابانية سابقة على الفئران

ليست هذه أول دراسة تُجرى على الإخصاب في بيئة انعدام الجاذبية. فقبل 3 سنوات، أحضر علماء يابانيون جنينين من الفئران إلى محطة الفضاء الدولية، وقاموا بإنمائهما لمعرفة تأثير هذه البيئة. وكانت النتيجة: لا شيء يُذكر.

مع ذلك فإن الفئران ليست بشراً. لذا، فإن تجربة الصين، على الرغم من استخدامها أجنة مصنوعة من الخلايا الجذعية، فإنها تُثير مزيداً من التساؤلات.

حتى وقت قريب، لم يكن من الممكن إجراء هذا النوع من الدراسات، نظراً لوجود اتفاقات دولية تقصر دراسة الأجنة البشرية المُستنبتة في المختبر على 14 يوماً. إلا أن «الجمعية الدولية لأبحاث الخلايا الجذعية» خففت هذا القيد في عام 2021، شريطة أن يخضع فريق البحث لمراجعة أخلاقية، ويجتازها.

5 أيام اختبار فضائية... تقابلها «أرضية» مماثلة

تمَّ تحضير العينات قيد الاختبار في الليلة السابقة للإطلاق، وسُلِّمت إلى وكالة الفضاء قبل 12 ساعة من الإقلاع. وبمجرد انتهاء فترة الاختبار التي تستغرق 5 أيام، سيتم تجميدها وإعادتها إلى الأرض لتحليلها.

تتضمَّن عينات الأجنة المصنعة هذه نوعين من النماذج: أحدهما مُستنبت على خلايا رحمية، والآخر موضوع داخل شريحة ميكروية سائلية. والهدف هو فهم كيفية تأثير بيئة انعدام الجاذبية في الفضاء على التطور الجنيني البشري في مراحله المبكرة. كما تُجرى دراسات متزامنة على عينات مماثلة في مختبرات على الأرض.

مقارنة العينّات

وقال يو لي تشيان، قائد مشروع التجربة، في بيان: «نأمل من خلال مقارنة نمو عينات الفضاء والأرض، أن نتمكَّن من تحديد العوامل المؤثرة على نمو الجنين البشري في المراحل المبكرة في بيئة الفضاء، ومعالجة المخاطر والتحديات التي قد يواجهها البشر خلال الإقامة الطويلة الأمد في الفضاء».

صعوبات ممارسة الجنس في الفضاء

على الرغم من أنَّ هذه الدراسة تُعدُّ خطوةً مهمةً، فإنَّ انعدام الجاذبية قد يُشكِّل عوائق أخرى أمام الإنجاب على الكواكب الأخرى. وحتى الآن، لم يُقر أي رائد فضاء بممارسته الجنس في الفضاء. ولكن عندما يتعلَّق الأمر بالجماع في الفضاء، تشير الدراسات العلمية إلى أنَّه سيكون أكثر تعقيداً بكثير مما هو عليه في الأرض.

ينصُّ قانون نيوتن الثالث للحركة (الفعل وردّ الفعل)، على سبيل المثال، على أنه إذا بذلت قوة على شخص ما، فإنَّ هذا الشخص سيبذل قوة مساوية ومعاكسة لك. لذا، فإنَّ أي دفعات ستؤدي إلى إبعاد الشريك. وللجماع، ستحتاج إلى نوع من وسائل التقييد، والتي قد تتراوح من كيس لنوم الزوجين إلى الأربطة المطاطية.

يميل الدم أيضاً إلى التجمع في الرأس في بيئة انعدام الجاذبية، ما قد يجعل العلاقة الحميمة صعبة. كما أن العرق لا يتساقط على الجسم في الفضاء، بل يلتصق بالجلد ويتجمَّع، وقد ينفصل أحياناً على شكل كتل. يا له من أمر مُحبط!

تصورات حول الحمل والولادة في الفضاء

حتى لو تمَّ الحمل ووُلد الطفل في الفضاء، فهناك عالم من التساؤلات حول ما سيحدث بعد ذلك. وقد أثار الدكتور كريس ليناردت، الأستاذ المساعد آنذاك في طب الطوارئ بكلية الطب بجامعة جورج واشنطن والأستاذ المساعد في جامعة الفضاء الدولية، في ندوة عام 2017 مخاوف حول ذلك حين قال: «إننا لا نعرف حتى كيف سينمو الأطفال المولودون في الفضاء، سواء في بيئة انعدام الجاذبية أو على سطح جرم سماوي». وتساءل: «هل ستنمو عظامهم كما ننمو نحن؟ وهل سيتمكَّنون يوماً ما من العودة إلى الأرض والوقوف؟».

وقد تكون التجارب الصينية الخطوة الأولى نحو إيجاد هذه الإجابات.

* مجلة «فاست كومباني».


هل سيتآكل «الحكم السريري» للطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي؟

حين تبدأ الآلة بالتفكير بدلاً من الطبيب
حين تبدأ الآلة بالتفكير بدلاً من الطبيب
TT

هل سيتآكل «الحكم السريري» للطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي؟

حين تبدأ الآلة بالتفكير بدلاً من الطبيب
حين تبدأ الآلة بالتفكير بدلاً من الطبيب

دخل الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة إلى قلب القرار الطبي، بعد أن بدأت الخوارزميات تُستخدم في قراءة الأشعة، وتحليل النتائج، والتنبؤ بالمضاعفات، واقتراح التشخيصات والخطط العلاجية بسرعة تفوق الإنسان أحياناً.

الخطر ليس أن تخطئ الخوارزمية بل أن يتوقف الطبيب عن التفكير

من غرفة الأشعة إلى قلب القرار الطبي

لكن مع هذا التوسع المتسارع، بدأ يظهر سؤال أكثر حساسية داخل الأوساط الطبية: ماذا يحدث عندما يبدأ الطبيب بالاعتماد على الخوارزمية أكثر من اعتماده على حكمه السريري الشخصي؟

هل يتآكل الحكم السريري تدريجياً؟

الطب لم يكن يوماً مجرد الوصول إلى التشخيص الصحيح فقط، بل القدرة على فهم التفاصيل غير الواضحة، وربط الأعراض بالسياق الإنساني للمريض، واتخاذ القرار في ظروف معقدة لا تكون الإجابات فيها دائماً مباشرة أو مكتملة.

وفي دراسة حديثة ناقشها باحثون هذا العام في مجلة «الذكاء الاصطناعي في الطب» (Artificial Intelligence in Medicine)، حذّر متخصصون من أن الاعتماد المفرط على الأنظمة الذكية قد يقود تدريجياً إلى ما يُعرف بـ«تآكل الحكم السريري» (Clinical Judgment Erosion)، خصوصاً لدى الأطباء الأصغر سناً الذين يتدرّبون داخل بيئات تعتمد بشكل متزايد على التوصيات الرقمية الجاهزة.

ويخشى بعض الباحثين أن يتحول الطبيب مع الوقت من صانع قرار سريري إلى مجرد «مراجع» لما تقترحه الخوارزمية، خصوصاً عندما تبدو نتائج الأنظمة الذكية دقيقة وسريعة ومقنعة بصرياً.

الخوارزمية تعرف النتيجة لكن هل نفهم كيف وصلت إليها

المشكلة ليست في الذكاء... بل في محدودية البيانات

وتزداد حساسية القضية لأن الذكاء الاصطناعي لا يفهم المريض بالطريقة البشرية نفسها، بل يعتمد على تحليل البيانات والأنماط الإحصائية. وهذا يعني أن دقة الخوارزمية قد تتأثر أحياناً إذا كانت البيانات ناقصة، أو إذا واجهت حالات تختلف عن البيئات التي تدربت عليها أصلاً.

وفي تقرير حديث صادر عن جامعة كينغز كوليدج لندن (King’s College London)، أشار باحثون إلى أن أحد أكبر تحديات الطب القادم لن يكون تقنياً فقط، بل يتعلق بالحفاظ على مهارات التفكير النقدي والحكم السريري لدى الأطباء مع تزايد الاعتماد على الأنظمة المؤتمتة.

الطبيب المقبل... شريك للخوارزمية لا تابع لها

لكن هذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي يمثل خطراً بحد ذاته. فعندما يُستخدم بصورة صحيحة، فإنه يستطيع أن يقلل الأخطاء، ويسرّع التشخيص، ويساعد الأطباء على التعامل مع الكم الهائل من المعلومات الطبية الحديثة، كما أصبح أداة مهمة في دعم الكشف المبكر وتحسين كفاءة الأنظمة الصحية.

ولهذا يرى كثير من الخبراء أن القضية الحقيقية ليست في مقاومة الذكاء الاصطناعي، بل في كيفية استخدامه بوصفه أداة تدعم الطبيب، لا بديلاً عنه.

الخوارزمية التي تعلمت من الغرب... هل تفهم مرضانا؟

عصر الطب المقبل... مَن صاحب القرار الأخير؟

الخطر قد لا يكون أن تُخطئ الخوارزمية أحياناً، لأن الطبيب نفسه قد يخطئ أيضاً، بل أن يفقد الإنسان تدريجياً قدرته على التفكير السريري المستقل داخل غرفة العلاج. ولهذا ربما يبقى السؤال الأهم في الطب المقبل: كيف يمكن للطبيب أن يستفيد من قوة الخوارزمية، من دون أن يتخلى عن حدسه الإنساني وخبرته السريرية؟