الاحتباس الحراري يهدد حياة البشرية

سيجعل الكثير من مناطق العالم غير قابلة للسكن

الاحتباس الحراري يهدد حياة البشرية
TT

الاحتباس الحراري يهدد حياة البشرية

الاحتباس الحراري يهدد حياة البشرية

يتوقع العلماء أن الاحتباس الحراري سيجعل الكثير من مناطق العالم غير قابلة للسكن، لكن توجد بعض الطرق التي تساعد في الحدّ من تأثيره.

أستراليا تفور

في أستراليا مثلاً كان الصيف الماضي حارقاً، حتى وفقاً للمعايير المحلية، واعتبر شهر يناير (كانون الثاني) 2017 الشهر الأكثر حراً في مدينتي سيدني وبريزبان، وشهدت مساحات واسعة في الجنوب الشرقي ارتفاعاً هائلاً في درجات الحرارة، تجاوز في أحيان كثيرة الأربعين درجة مئوية لأسابيع كاملة. وأدى الطلب المتزايد على الكهرباء في جنوب البلاد إلى انقطاع التيار؛ مما تسبب في حرمان 90000 منزل من التكييف الهوائي، وجعلها أسيرة القيظ والظلمة. كما اشتعلت الحرائق في 87 غابة على امتداد مقاطعة نيوساوث ويلز، فارتفعت درجات الحرارة وتسببت في وفاة الماشية التي تعيش في الحقول.
هذا النوع من موجات الحرّ ليس حالة عابرة، بل هو اتجاه جديد شهد على ارتفاع درجة الحرارة في العاصمة الأسترالية إلى ما فوق 47 درجة مئوية حديثاً، وهو الأعلى في هذه المدينة منذ 79 عاماً. ومن المتوقع أن تعيش سيدني وملبورن موجات حرٍّ شديدة أخرى تصل فيها درجات الحرارة إلى 50 درجة مئوية بحلول عام 2040.
تقول سارة بيركنز كيرك باتريك، من مركز الأبحاث المتخصصة في الاحتباس الحراري في جامعة نيوساوث ويلز في سيدني: «نظراً لما سنعيشه بعد 40 أو 50 عاماً من اليوم، يمكن القول إن الصيف الماضي كان طبيعياً جداً؛ فأستراليا لم تصل إلى الأسوأ بعد».
ولكن الأستراليين ليسوا وحدهم؛ لأن غالبية سكان العالم لم تأخذ «التسخين» الناتج من الاحتباس الحراري على محمل الجدّ. عندما يعيش الناس في مكان معتدل المناخ، فإنهم لن ينزعجوا أبداً من ارتفاع طفيف بدرجات الحرارة يسهّل عليهم تنظيم المزيد من النزهات في الطبيعة، وإمضاء فترات من السكينة في الحديقة بعد الظهر. لكن هذا الترحيب ليس منطقياً؛ لأن موجات الحرّ قد تكون قاتلة حتى في أيامنا هذه، ومع تفاقم الاحتباس الحراري، سترتفع نسبة الوفيات.
إن تركيبة الجسد البشري غير مهيأة للتعامل مع درجات الحرارة المتوقعة خلال موجات التسخين في محيط الأرض، أي أن الكثير من المناطق قد تصبح غير صالحة للسكن. لحسن الحظّ، توجد بعض الأمور التي يمكننا القيام بها لتعويد أجسادنا ومحيطنا البيئي أكثر على العالم الحارّ.

موجات حرّ قاتلة

يعي الجميع أن الاحتباس الحراري الناتج من غازات الدفيئة بات منتشراً، ولو مع بعض الاستثناءات القليلة، وأن عواقبه تكون وخيمة أحياناً، ومن المستغرب أننا تأخرنا حتى اليوم لنفهم أنه قد يتسبب في موتنا. هذا الإغفال في رؤية الحقائق غير ناجم عن نقص الشواهد: ففي الولايات المتحدة الأميركية، فاق عدد الوفيات بسبب الحرّ الشديد بين عامي 1978 و2003 عدد الوفيات الناتج من الهزات الأرضية والبراكين والفيضانات والأعاصير مجتمعة. وحسب بعض التقديرات، سببت موجة الحرّ التي تمركزت في فرنسا عام 2003 في مقتل 70000 شخص، كما أدّت موجة أخرى ضربت موسكو عام 2010 إلى وفاة 10000 شخص.
في أكتوبر (تشرين الأول)، نشرت مجلّة «لانسيت» تقريراً يتضمن دراسة أجرتها 26 مؤسسة عالمية بالتعاون مع البنك الدولي، خلصت إلى أننا نواجه «وضعاً طارئاً عالمياً يلوح في الأفق». وتبعت هذه الدراسة دراسة أخرى ركزت بحثها على موضوع «الحرارة القاتلة»، بيّنت أن 30 في المائة من الناس حول العالم يمرّون بفترة ترتفع فيها درجات الحرارة إلى مستوى مميت خلال عشرين يوماً سنوياً. وقال فريق بحثي بقيادة كاميلو مورا من جامعة هاواي في مانوا في يونيو (حزيران): إن هذه النسبة ستقارب الـ75 في المائة بحلول عام 2100 في حال لم نبذل الجهود المطلوبة للحدّ من انبعاثات الغازات الدفيئة.
إنّ العامل المهمّ هنا ليس درجة حرارة الهواء، بل الحرارة التي يشعر بها الناس. فقد يستطيع الإنسان الاستمرار على قيد الحياة لفترة قصيرة في حرارة تصل إلى 50 درجة مئوية، ما دام أن جسده يتعرّق بشكل صحّي. لكن المشكلة هي الرطوبة. يقول غراهام بيتز، من جامعة كورتن غرب أستراليا: «إن الطريقة الوحيدة للتخلّص من الحرّ أثناء التعرّق هي تبخّر هذا العرق. لكن عندما تصل نسبة الرطوبة إلى 90 في المائة، يصبح الهواء مشبعاً بالكامل؛ مما يؤدي إلى سيلان العرق، وبالتالي يستمر الشعور بالحرّ».
يمكن قياس تأثير الحرّ والرطوبة مجتمعين، أو ما يعرف بدرجة الحرارة المحسوسة، عبر استخدام «ميزان للتعرق»، يُلفّ بقطعة قماش رطبة.
عندما يسجّل الهواء 35 درجة مئوية، أي ما يعادل درجة حرارة الجو 35 مئوية، ونسبة 100 في المائة للرطوبة - أو 40 درجة مئوية للحرارة و75 في المائة معدل الرطوبة، هذا يعني أن فرصة الإنسان في الاستمرار على قيد الحياة باتت مهددة. وعندما تصبح هذه الدرجات والمعدلات أعلى، لن يستطيع حتى أكثر الأشخاص صحة أن يعيش لأكثر من ستّ ساعات. لم تصل أي منطقة على وجه الأرض إلى هذا الوضع بعد، رغم أن منطقة بندر ماهشهر في إيران اقتربت من هذه المعدلات والدرجات في يوليو (تموز) 2015، بـ46 درجة مئوية و50 في المائة معدلاً للرطوبة، أي أن الأمر مسألة وقت ليس إلا.

معدلات مرتفعة

يقول ستيفن شيروود، عالم متخصص بالغلاف الجوي من جامعة نيوساوث ويلز: إن درجات الحرارة ومعدلات الرطوبة كلتيهما تشهد ارتفاعاً. يتركز الخطر الأكبر في المناطق التي تعاني عادة من ارتفاع في معدلات الرطوبة كالأمازون ووديان السند، وغيرهما من الدول الاستوائية. ويرى شيروود أن بعض المناطق لن تحتاج إلى أكثر من ست أو سبع درجات حرارة إضافية فقط لتصبح غير قابلة للسكن، محذّراً من أن الدرجات والمعدلات سترتفع بشكل كبير في بعض المناطق خلال 100 أو 200 عام في حال لم نعمل على خفض الاحتباس الحراري.
يمكن القول حتى إن هذه التقديرات متفائلة بعض الشيء. فقد أظهرت دراسة نشرت عام 2017 أن أجزاء من الهند وباكستان وبنغلادش قد تشهد ارتفاعاً في معدلات حرارة الهواء إلى ما فوق 35 درجة مئوية مع نهاية هذا القرن. يبلغ عدد سكان هذه المنطقة 1.5 مليار شخص، أي ما يعادل خُمس سكان العالم، غالبيتهم من الفقراء ومعرّضون بشكل خطير إلى اللهيب المميت. كما سيواجه المزارعون الذين يعتمدون على الزراعة كمصدر رزقهم خسائر متفاوتة في محاصيلهم؛ لأن إنتاج القمح والأرز والذرة، التي تشكّل مجتمعة مع الصويا نحو ثلثي السعرات الحرارية التي يستهلكها الناس، قد تشهد انخفاضاً بين 3 في المائة و7 في المائة مع كلّ درجة حرارة إضافية. ويؤثر ارتفاع درجات الحرارة أيضاً على إنتاجية العمال في المناطق الريفية، فقد تبيّن أنه ومنذ عام 2000، أدّى الاحتباس الحراري إلى تراجع أعداد القوى العاملة في الهند بشكل ملحوظ، بنحو 418000 عامل، بحسب تقرير مجلة «لانسيت».
من ناحية أخرى، يمكن لدرجات الحرارة التي لا تزال دون المعدلات الكارثية أيضاً أن تساهم في تجريد بعض المناطق من أهليتها للسكن، وقبل مدة طويلة من نهاية القرن. إذ تعتبر الهيئة الوطنية للأرصاد الجوية في الولايات المتحدة تجاوز درجة حرارة الهواء لـ31 درجة مئوية «خطراً شديداً»؛ لأن الجسم البشري يولّد حرارته الخاصة.

مدن ساخنة

غالباً ما تكون موجات الحرّ أكثر قوة في المدن، حيث يمتص الإسفلت والأسقف الداكنة المزيد من أشعة الشمس ويؤدي إلى ظهور تأثير «جزيرة الحرّ». لكن نادراً ما يأخذ مخططو المدن هذا الأمر بعين الاعتبار، وحتى في المناطق التي تعرف بارتفاع درجات الحرارة فيها مثل ملبورن وأبوظبي. في المقابل، توجد بعض الأمور البسيطة التي يمكنهم أن يقوموا بها. وقد نقلت مجلة «نيو ساينتست» عن بيركنز كيرك باتريك إننا نحتاج إلى تصاميم أفضل لمنازلنا، وهذه نقطة البداية. كما عبّرت عن رغبتها في رؤية المزيد من الأسقف البيضاء التي تعكس أشعة الشمس، مع قدرة أكبر على العزل وتزجيج مضاعف، حتى تكون منازلنا ملجأً لنا في حالات الحرّ الشديد، حتى ولو كانت خالية من التكييف الهوائي. وتحتاج المدن أيضاً إلى المزيد من المساحات الخضراء المظلّلة للمساعدة في الحدّ من تأثير جزر الحرّ.
تكفّل نهج جديد انطلق في مدينة نيويورك بتنفيذ برنامج إعادة تخضير مساحات كبيرة في مانهاتن خلال السنوات القليلة الماضية؛ وبعد موجة الحرّ التي ضربت أستراليا في الصيف الماضي، تمت مناقشة اقتراح تخصيص مساحات كبيرة مكيّفة يلجأ الناس إليها في الأجواء اللاهبة.
تحمل هذه الإجراءات فوائد إضافية أيضاً، ففي البلدان النامية، حيث تنتشر موارد الطاقة الملوثة بكثرة، لا شكّ في أنّ ارتفاع درجات الحرارة سيؤدي إلى انقطاع في التيارات الكهربائية، وبخاصة أن أفضل الدول تعاني عجزاً في سدّ الطلب المتزايد على الطاقة خلال موجات الحرّ. هذا بالإضافة إلى أن الحرّ يسبب مشكلات في توصيل الكهرباء؛ لأنه يؤدي إلى تمدّد وتدلّي الأسلاك. إن تصميم المنازل بشكل أفضل وتأمين مساحات خضراء وملاجئ مشتركة للعامة سيساهم في تخفيف الضغط عن الشبكات الكهربائية التي تعاني الأمرّين في التأقلم مع موجات الحرّ، وسيؤدي أيضاً إلى انخفاض انبعاثات غازات الدفيئة.
هذا الأمر مهم جداً؛ فوفقاً لما ورد في اتفاق باريس للمناخ عام 2016، ومع ارتفاع درجات الحرارة بين درجة ونصف درجة ودرجتين، سيصبح فصل الصيف عبارة عن موجة حرّ طويلة في بعض المناطق الأسترالية بحلول عام 2100. وكشفت بيركنز كيرك باتريك، عن أن بعض المناطق الاستوائية قد تمرّ بموجات حرّ جزئية، وأن الأوضاع ستكون أسوأ بكثير في حال لم يصار إلى الحدّ من ارتفاع انبعاثات الغازات الدفيئة. وترى بيركينز أن تأثيرات مدمّرة في طريقها إلينا إن لم تتمّ السيطرة على التغيّر المناخي الناتج من هذه الانبعاثات في أقرب وقت ممكن.



ماذا يجري داخل مختبرات أبحاث الطاعون الروسية؟

صورة بالأقمار الاصطناعية لمنشأة إيركوتسك العلمية في سيبيريا
صورة بالأقمار الاصطناعية لمنشأة إيركوتسك العلمية في سيبيريا
TT

ماذا يجري داخل مختبرات أبحاث الطاعون الروسية؟

صورة بالأقمار الاصطناعية لمنشأة إيركوتسك العلمية في سيبيريا
صورة بالأقمار الاصطناعية لمنشأة إيركوتسك العلمية في سيبيريا

بعد مرور أكثر من أسبوعين على وفاة باحثة تبلغ من العمر 28 عاماً جراء إصابتها بعدوى غامضة أثناء عملها في مختبر روسي لأبحاث الطاعون، لا يزال مسؤولو الصحة حول العالم بانتظار الحصول على إجابات. وكانت التقارير الأولية تشير إلى أن داريا شيبيلوفا، وهي باحثة في «معهد إيركوتسك لأبحاث مكافحة الطاعون»، قد أصيبت بالطاعون الرئوي pneumonic plague؛ ما أثار مخاوف بشأن طبيعة الأبحاث التي تُجرى في هذا المرفق، ومدى كفاية تدابير السلامة المتبعة فيه، كما كتبت كيه. آر. كالاواي (*).

حادثة غامضة

من جانبها، استبعدت السلطات الروسية إصابة شيبيلوفا بالطاعون الرئوي - وهو عدوى بكتيرية يسببها العامل الممرض ذاته المسؤول عن «الطاعون الدبلي» bubonic plague الأكثر شيوعاً - سبباً لوفاتها، لكنها لم تؤكد بعدُ ماهية العامل الممرض الذي تسبب في إصابتها بالالتهاب الرئوي.

وقد أثارت هذه الحادثة انتقادات من الولايات المتحدة وحكومات أخرى، كما كشفت عن استمرار حالة عدم الثقة لدى المجتمع الدولي تجاه الأبحاث الطبية الحيوية في روسيا، وهي مخاوف تعود جذورها إلى الحقبة السوفياتية، حين كان الجيش يمتلك برامج واسعة النطاق لتطوير أسلحة بيولوجية.

وعلى الرغم من أن معهد إيركوتسك لم يكن يوماً منشأة عسكرية، فإنه كان جزءاً من نظامٍ واسعٍ وسريٍّ لمكافحة الطاعون. ففي مئات المواقع والمختبرات المنتشرة في أنحاء الاتحاد السوفياتي السابق، عمل آلاف الباحثين على تتبع السلالات الناشئة من الطاعون وغيره من الأمراض المتوطنة، والقضاء على القوارض الناقلة للأمراض، وتطوير اللقاحات. ويشير خبراء إلى أن هذه المرافق كانت توفر أيضاً عينات من مسببات الأمراض للمختبرات العسكرية التي تولت تطوير الأسلحة البيولوجية خلال الحقبة السوفياتية.

ولا تزال معظم هذه المرافق تعمل حتى اليوم؛ إذ وبينما تخضع تلك الموجودة داخل روسيا لرقابة أمنية مشددة، فتحت بعض المرافق الأخرى - الواقعة في دول كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي - أبوابها أمام باحثين دوليين يسعون للتعرف على هذا النظام (النظام المختبري) الذي أحاطت به الأساطير.

بكتيريا «يرسينيا الطاعونية»

«نظام مكافحة الطاعون»

على الرغم من أن «الموت الأسود» الذي اجتاح أوروبا في القرن الرابع عشر، يُعدّ أكثر تفشيات الطاعون فتكاً وشهرةً - وهو مرض تسببه بكتيريا «يرسينيا الطاعونية» (Yersinia pestis) وتنقله القوارض - فإن هذا المرض ظل يلاحق مناطق أوراسيا لآلاف السنين. وبهدف وضع حد لتفشي المرض المتكرر في المناطق الريفية - حيث تنتشر حيوانات تحمل بكتيريا الطاعون، مثل الجرذان واليربوع وغيرها - أنشأ الاتحاد السوفياتي في أوائل القرن العشرين سلسلة من المواقع الميدانية ومعاهد البحوث، وأطلق العلماء عليها اسم «نظام مكافحة الطاعون».

برنامج بدائي للقضاء على الطاعون

وتقول سوزان دي جونز، وهي مؤرخة في الطب البيطري بجامعة مينيسوتا - التي زارت عام 2018 معهداً سوفياتياً سابقاً لمكافحة الطاعون يقع في كازاخستان حالياً: «كان الهدف من عملهم إنشاء مؤسسة مركزية تتولى مراقبة مساحات شاسعة من الأراضي المحيطة بها، بما في ذلك السهوب التي تأوي أعداداً كبيرة من القوارض البرية التي تحفر جحوراً في الأرض».

في بداياته، كان البرنامج بدائياً للغاية؛ إذ كان العلماء ينطلقون على ظهور الخيل نحو بؤر تفشي الطاعون، وغالباً ما كانوا يقيمون في خيام أو يستأجرون غرفاً لدى السكان المحليين، ويقضون أيامهم في القضاء على القوارض، وحفر جحورها، وإحراق مخزونها من الطعام، في محاولة للقضاء على الأمراض التي تحملها.

وقد نُفذ العديد من مهمات تلك البعثات دون توفر مطهرات فعالة أو معدات حماية شخصية؛ ما جعل عمل القائمين على مكافحة الطاعون محفوفاً بمخاطر بالغة. ومع ذلك، لم تنجح جهود الإبادة هذه في وقف انتشار المرض.

برنامج «الوقاية من تفشي الطاعون»

لكن في الفترة ما بين عشرينات وخمسينات القرن العشرين، تحول تركيز البرنامج من «القضاء على المرض» إلى «الوقاية من تفشيه»، حيث تم افتتاح سلسلة من المختبرات في مدن مختلفة عبر الاتحاد السوفياتي. وبحلول منتصف القرن العشرين - ومع تطوير مضاد حيوي لعلاج الطاعون - أصبح آلاف الموظفين يعملون في هذه المختبرات على مدار العام، بالإضافة إلى مئات آخرين كانوا يُوظفون موسمياً لجمع العينات من الميدان.

زيارة مواقع من الحقبة السوفياتية

كتب مويسي يوسيفوفيتش ليفي، وهو باحث سابق في مجال مكافحة الطاعون، في مقال نُشر عام 1994، أن الأبحاث التي أُجريت في هذه المنشآت التي تعود للحقبة السوفياتية كانت «محاطة بستار من السرية».

ولتجنب الربط بين عملهم وبرامج تطوير الأسلحة البيولوجية في المختبرات العسكرية، تلقى العاملون في مختبرات أبحاث الطاعون تعليمات صارمة بعدم الإفصاح عن أي تفاصيل محددة حول طبيعة عملهم. وإضافة إلى ذلك، صُممت مباني المختبرات ذاتها لتبدو وكأنها وحدات سكنية عادية؛ إذ كان الموظفون في العديد من هذه المنشآت يعتنون بالحدائق، ويتركون نوافذ المختبرات مفتوحة، ويتجولون بملابس عادية - أو حتى بملابس النوم - بدلاً من ارتداء المعاطف البيضاء المخصصة للمختبرات.

ولم تتضح الغاية الحقيقية من هذه المباني إلا عندما يدخلها زائر ويرى المعدات العلمية بداخلها: ثلاجات تعجّ بعينات من مسببات الأمراض، وأجهزة تعقيم ضخمة تُستخدم لغلي الأدوات المستعملة، وطاولات طويلة تصطف فوقها المجاهر.

معايير السلامة والأمن البيولوجي

وتشير سونيا بن وُغرهام-غورملي، وهي باحثة في مجال الدفاع البيولوجي بجامعة جورج ميسون - وقد زارت العديد من معاهد مكافحة الطاعون في دول الاتحاد السوفياتي السابق - إلى أن «معايير السلامة والأمن البيولوجي في تلك المواقع كانت تختلف اختلافاً جذرياً عما نعهده في الدول الغربية».

وفي سلسلة من المؤلفات التي تحمل عنوان «قصص مثيرة عن أحداث وأشخاص في نظام مكافحة الطاعون في روسيا والاتحاد السوفياتي» - التي تولى ليفي تحريرها - يصف المؤلفون ظروفاً خطيرة، شملت تفشي الأمراض بين الحيوانات المحفوظة داخل المنشآت، واندلاع حرائق في المختبرات، وفقدان عينات من مسببات الأمراض.

وفي السنوات الأخيرة من عمر الاتحاد السوفياتي، زُوِّدت بعض المنشآت بمعدات مختبرية أكثر أماناً وفاعلية، حيث استُبدلت بالثلاجات المنزلية أخرى أكثر أماناً، ووُضعت خزانات سحب الغازات (fume hoods) بدلاً من الاعتماد على النوافذ المفتوحة. ومع ذلك، كان الحصول على تمويل لهذه التحديثات أمراً بالغ الصعوبة؛ ما جعل المنشآت الأصغر حجماً أو تلك الواقعة في مناطق نائية - بما في ذلك المعهد الموجود في إيركوتسك - تواجه صعوبات كبيرة في مواكبة هذه التغييرات.

المنشآت العلمية في بداية القرن الحالي

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ظلت معظم هذه المختبرات - بدءاً من المراكز المتطورة في المدن الغنية وصولاً إلى المنشآت الريفية التي تعاني ضائقة مالية - قائمة، وتعمل. وظل الكثير منها على حاله تقريباً لعقود طويلة. وفي أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، زارت بن واغرهام-غورملي - برفقة زملاء لها من مركز جيمس مارتن لدراسات منع الانتشار - أكثر من 100 منشأة كانت تابعة للاتحاد السوفياتي سابقاً. وقد وجدوا أن دخول إحدى هذه المنشآت كان أشبه بالعودة إلى الماضي؛ إذ كانت عمليات تتبع عينات مسببات الأمراض تُسجَّل يدوياً باستخدام القلم والورق، وكان العديد من القوارير يحفظ في ثلاجات تُفتح بشكل متكرر، مع استخدام أختام شمعية للدلالة على هوية الشخص الذي فتحها آخر مرة.

وأشار الباحثون إلى أن العديد من تلك المباني كانت تفتقر إلى أي تدابير أمنية خارجية، كما كانت إجراءات الأمن بداخلها في حدّها الأدنى.

وتستذكر بن واغرهام-غورملي إحدى تلك المنشآت قائلة: «عندما وصلنا للزيارة، وجدنا في المختبر طاولةً تحت نافذة مفتوحة على مصراعيها - نظراً لارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف وغياب أجهزة التكييف - وكانت أكوام من مزارع بكتيريا الطاعون موضوعة على تلك الطاولة».

...وفي الوقت الراهن

وعلى مدى العقدين التاليين، خضعت العديد من المنشآت في دول الاتحاد السوفياتي السابق لعمليات تجديد أو إعادة بناء لتستوعب معدات علمية حديثة؛ ما حوَّل بعضها مراكز متطورة للغاية يقصدها الباحثون من جميع أنحاء العالم. وفي حديثها عن منشأة زارتها في كازاخستان عام 2018، تقول جونز: «توجد مستويات متعددة للاحتواء (احتواء انتشار مسببات الأمراض) داخل هذه المباني. ففي أعلى مستويات الاحتواء، يرتدي العاملون معدات الوقاية الشخصية الكاملة، وتُجرى جميع الأعمال داخل وحدات احتواء محكمة الإغلاق».

ولا تتوفر سوى معلومات شحيحة للجمهور حول المنشأة الواقعة في إيركوتسك. ومع ذلك، تصرّ السلطات الروسية على أن وفاة شيبيلوفا لم تكن ناجمة عن أي خرق للبروتوكولات أو تقصير في إجراءات الأمن البيولوجي داخل المنشأة.

* خدمة «نيويورك تايمز»


«استعمار البيانات الصحية»... من يملك المعرفة والعائد؟

البيانات الصحية تتحول إلى معرفة طبية (المعهد الوطني الأميركي للسرطان)
البيانات الصحية تتحول إلى معرفة طبية (المعهد الوطني الأميركي للسرطان)
TT

«استعمار البيانات الصحية»... من يملك المعرفة والعائد؟

البيانات الصحية تتحول إلى معرفة طبية (المعهد الوطني الأميركي للسرطان)
البيانات الصحية تتحول إلى معرفة طبية (المعهد الوطني الأميركي للسرطان)

​لنتخيَّل مريضاً عربياً يدخل المستشفى لإجراء صورة أشعة أو تحليل جيني، معتقداً أن بياناته ستُستخدم لعلاجه. ولكن نسخة منها قد تنتقل -بعد إزالة ما يكشف هويته- إلى منصة خارجية لتدريب خوارزمية تشخيصية. وبعد سنوات، قد تعود الخوارزمية إلى المستشفى منتجاً تجارياً مدفوع الثمن، بينما لا يعرف المريض كيف استُخدمت بياناته، ولا تملك المؤسسة حقاً واضحاً في المعرفة الناتجة عنها أو عوائدها. فهل أسهمت هذه البيانات في تقدم الطب بمنافع مشتركة، أم أنها أسهمت في اقتصاد يقدِّم فيه المرضى المعلومات، ويحتفظ غيرهم بالقيمة؟

البيانات ليست مادة خاماً بلا صاحب

طوَّر الباحثان نِك كولدري وأوليسيس ميخياس مفهوم «استعمار البيانات» لوصف تحويل تفاصيل الحياة البشرية إلى مورد اقتصادي تسيطر عليه جهات أخرى. وفي الصحة، لا تكمن المشكلة في انتقال البيانات عبر الحدود بحد ذاته؛ بل في اختلال العلاقة: يقدِّم المرضى صور الأشعة والمعلومات الجينية والسجلات الطبية، بينما تنفرد جهات أخرى بالخوارزميات والمعرفة والعوائد. وهذه البيانات مرتبطة بأشخاص وأُسَر ومجتمعات؛ وقد تكشف أخطاراً صحية لم يعرفها أصحابها بعد، أو تسهم في تطوير وسائل تشخيص وأدوية. لذلك، فإن استخدامها يطرح سؤالاً عن حقوق أصحابها ونصيبهم من منافعها.

ان البيانات الطبية معلومات عن أشخاص حقيقيين تحمل تفاصيل حساسة عن صحتهم وأسرهم وجيناتهم وسلوكهم، وقد تكشف أخطاراً مرضية لم يعرفوها بعد. وعندما تُستخدم هذه البيانات لتدريب نموذج للذكاء الاصطناعي، فإن قيمتها تتجاوز غرض الفحص الأصلي؛ إذ قد تسهم في إنتاج معرفة، أو تطوير وسيلة تشخيص، أو دواء، أو ابتكار منتج تجاري يحقق أرباحاً.

استعمار البيانات الصحية... من يملك المعرفة والعائد؟

من الخصوصية إلى السيادة

تركِّز النقاشات على الخصوصية: هل أُزيل اسم المريض؟ وهل وافق على استخدام بياناته؟ لكن ذلك لا يحسم أسئلة: من يحدد استخداماتها اللاحقة؟ وهل تُستغَل تجارياً بعد انتهاء البحث؟ ومن يحق له فحص النظام أو الاعتراض على نتائجه؟ فقد تُخزَّن البيانات داخل الدولة، بينما تعتمد معالجتها على خدمات سحابية لا تستطيع الجهة الرقابية تدقيقها. لذلك، لا تكفي حماية الملف الطبي؛ بل نحتاج إلى سلطة فعلية لمراقبة الأنظمة التي تستخدمه وتؤثر في القرار العلاجي.

دراسة تكشف 3 فجوات

وقدمت دراسة نُشرت في مايو (أيار) 2026 في «مجلة اقتصاديات وسياسات الصحة العالمية» (Journal of Global Health Economics and Policy) مثالاً على هذه التحديات؛ إذ درس الباحثون 4 شركات أفريقية تستخدم الذكاء الاصطناعي في الخدمات الصحية، مستندين إلى 36 مصدراً منشوراً. وحددوا 3 فجوات: الاعتماد على خدمات سحابية أجنبية، ومحدودية الأدلة المنشورة على الرقابة المحلية على بيانات التدريب وإعادة تدريب النماذج واختبارها، وتفاوت الأطر التنظيمية بين نيجيريا وكينيا وجنوب أفريقيا.

وخلصت الدراسة إلى أن «السيادة التشخيصية» تتجاوز امتلاك البيانات أو تخزينها محلياً، لتشمل القدرة على فحص بيانات التدريب، واختبار أداء النموذج لدى السكان المحليين، ومتابعة تحديثاته، والتدخل عند تراجع أدائه، ومحاسبة المسؤول عن الضرر. واقترح الباحثون صناديق إقليمية للبيانات الصحية، واختبار التقنيات تحت إشراف رقابي متدرج، وآليات تدقيق عامة، وعقود شراء تشترط نقل المهارات والتحقق المحلي.

لكن الدراسة استكشافية؛ فقد اعتمدت على معلومات منشورة، دون تدقيق تقني مباشر أو مقابلات مع الشركات والمرضى والجهات الرقابية. لذلك، لا تثبت وقوع مخالفات لدى الشركات الأربع؛ بل تشير إلى اختلال محتمل في توزيع السيطرة يستدعي مزيداً من البحث والتدقيق.

السؤال العربي

إذا كانت الدراسة تناولت أفريقيا جنوب الصحراء، فإنها تطرح سؤالاً مهماً للعالم العربي. فالمنطقة تضم أنظمة صحية رقمية متقدمة، وأخرى تعاني ضعف السجلات والاتصال والقدرات التنظيمية. وقد تتفاوض الدول الأقدر على شراكات أفضل، بينما تقبل الأنظمة الأقل موارد شروطاً غير متكافئة للحصول على التقنية. وهكذا، قد تتسع الفجوة داخل المنطقة نفسها، إلى جانب الفجوة بين الشمال والجنوب.

والبيانات العربية تكتسب أهميتها من التنوع الجيني والوبائي واللغوي للسكان، وإذا استُخدمت لبناء نماذج لا يستطيع الباحثون المحليون الوصول إليها أو مراجعتها، فقد تصبح المنطقة مصدراً للبيانات وسوقاً للمنتجات، بدلاً من المشاركة في إنتاج المعرفة. وقد يعود النموذج بواجهة عربية، دون أن يكون أداؤه قد اختُبر بما يكفي لفهم اللهجات وطرائق وصف الألم والأنماط المرضية المحلية.

ولهذا، ينبغي ألا يُقاس نجاح التحول الرقمي بعدد الملفات المجموعة أو العقود الموقعة وحده؛ بل بالقدرة المحلية على التحليل والتدقيق والاعتراض. فامتلاك خوادم البيانات لا يمنح الدولة سيادة فعلية ما لم تمتلك خبراء وصلاحيات لفحص النموذج، وفهم حدوده، وإيقاف استخدامه عند الحاجة.

السيادة لا تعني العزلة

لا تعني السيادة حجب البيانات أو رفض التعاون الدولي؛ فالبحوث ضرورية لدراسة الأمراض النادرة وتطوير الطب الدقيق والاستعداد للأوبئة. ولا تكمن المشكلة في استخدام منصة أجنبية؛ بل في غياب شراكة متوازنة ورقابة فعالة. المطلوب تعاون يتيح الاستفادة من التقنيات، مع الاحتفاظ بحق فحص البيانات والنماذج، والتحقق من أدائها، ومساءلة المسؤولين عن القرارات التي تمس المرضى.

من يملك القيمة؟

تبدأ الحماية بموافقة تميِّز الاستخدام البحثي من التجاري، وعقود تحدد أين تُعالج البيانات وكيف تُستخدم لاحقاً، وتضمن تقاسماً عادلاً للملكية الفكرية والمنافع. وينبغي أن تكفل الشراكات دوراً قيادياً للباحثين المحليين، والوصول إلى سجلات التدقيق، واختبار النماذج لدى السكان المحليين، والإبلاغ عن تحديثاتها والحوادث المرتبطة بها، والاستثمار في القدرات الحاسوبية والمهارات العربية. كما ينبغي أن تتيح العقود للحكومات والمستشفيات تغيير المورِّد دون فقدان البيانات أو الارتهان لخدماته.

في الاقتصاد الطبي، قد تستمر قيمة بيانات المريض طويلاً بعد انتهاء الفحص. لذلك، لا يكفي السؤال عن حمايتها من السرقة؛ بل يجب أن نسأل: من يحوِّلها إلى معرفة؟ ومن يملك المعرفة؟ وهل تعود فوائدها إلى الأشخاص والمجتمعات التي جاءت منها؟ فالشراكة العادلة تتيح تقاسم المعرفة والقدرة والعائد. أما حين يقدِّم طرف البيانات ويحتكر الآخر قيمتها، فإن التعاون قد يتحول إلى علاقة تبعية، مهما بدا متقدماً.


جين شائع يكشف سرّ سرعة تطور مرض باركنسون

مرض باركنسون ويظهر يساراً إلى الأسفل «مستوى الدوبامين الطبيعي» ويميناً «مستوى الدوبامين في مرض باركنسون»
مرض باركنسون ويظهر يساراً إلى الأسفل «مستوى الدوبامين الطبيعي» ويميناً «مستوى الدوبامين في مرض باركنسون»
TT

جين شائع يكشف سرّ سرعة تطور مرض باركنسون

مرض باركنسون ويظهر يساراً إلى الأسفل «مستوى الدوبامين الطبيعي» ويميناً «مستوى الدوبامين في مرض باركنسون»
مرض باركنسون ويظهر يساراً إلى الأسفل «مستوى الدوبامين الطبيعي» ويميناً «مستوى الدوبامين في مرض باركنسون»

أظهرت دراسة حديثة أن متغيرات وراثية في جين «إم سي 1 آر» (MC1R) ترتبط بتسارع تدهور الأعراض الحركية لدى المصابين بمرض باركنسون، وهذا ما قد يساعد مستقبلاً في تحديد المرضى الأكثر عرضة لتقدم الحالة بالمرضية وتيرة أسرع.

اختبار جيني بسيط

أجرى الدراسة باحثون من معهد ماس جنرال بريغهام لعلوم الأعصاب في بوسطن ومن جامعة هارفارد الأميركية، ونُشرت نتائجها في دورية «JAMA Neurology» في 8 سبتمبر (أيلول) 2026. وتشير النتائج إلى أن اختباراً جينياً بسيطاً قد يوفر أداة إضافية لتقدير مسار المرض وتحسين تصميم التجارب السريرية، كما يفتح المجال أمام بحث جين «إم سي 1 آر» بوصفه هدفاً محتملاً لعلاجات جديدة تستهدف مسار المرض.

وقال الدكتور زيكون تشن من قسم طب الأعصاب مستشفى ماساتشوستس العام كلية الطب بجامعة هارفارد الباحث الرئيسي في الدراسة، إن متغيرات «إم سي 1 آر» كانت شائعة بين المشاركين، وارتبطت بتقدم أسرع بشكل ملحوظ للمرض. وأشار إلى أن أهمية هذا الاكتشاف تزداد، لأن المسار البيولوجي المرتبط بالجين يمكن استهدافه دوائياً، كما أظهرت أبحاث سابقة على نماذج حيوانية تأثيرات وقائية محتملة لتنشيطه.

جين معروف بلون الشعر والجلد

يعدّ مرض باركنسون اضطراباً عصبياً تنكسياً يتطور تدريجياً مع فقدان الخلايا العصبية المنتجة للدوبامين في الدماغ، ما يؤدي إلى أعراض مثل الرعشة وبطء الحركة وتيبس العضلات واضطرابات التوازن والتنسيق.

أما جين «إم سي 1 آر» فعادة ما يرتبط بلون الشعر والجلد، واشتهر خصوصاً بعلاقته بالشعر الأحمر وزيادة خطر الإصابة بسرطان الجلد الميلانيني (melanoma). لكنّ للجين أيضاً دوراً في تنظيم كيفية استجابة الخلايا بما فيها الخلايا العصبية المنتجة للدوبامين للإجهاد التأكسدي.

ورغم أن الشعر الأحمر سمة نادرة نسبياً، فإن المتغيرات التي تقلل وظيفة «إم سي 1 آر» بصورة جزئية أكثر شيوعاً. ووجد الباحثون أن أكثر من 60 في المائة من مرضى باركنسون من أصول أوروبية في الدراسة كانوا يحملون أحد هذه المتغيرات.

تدهور حركي أسرع بنحو 30 في المائة

اعتمد الباحثون في الدراسة الأساسية على بيانات طويلة الأمد من مبادرة «Parkinson's Progression Markers Initiative (PPMI)»، وهي دراسة دولية تابعت بعض المشاركين لمدة تصل إلى 12 عاماً. وشملت المرحلة الأساسية 383 شخصاً مصاباً بمرض باركنسون غير المرتبط بطفرات وراثية معروفة تسبب المرض. وقارن الباحثون المرضى الذين يحملون متغيرات في جين «إم سي 1 آر» تقلل من وظيفة الجين بغير الحاملين لها.

وأظهرت النتائج أن حاملي هذه المتغيرات شهدوا تراجعاً في الوظائف الحركية أسرع بنحو 30 في المائة، مقارنة بغير الحاملين. وكان التأثير مرتبطاً بعدد نسخ المتغير الجيني؛ فقد سجل الأشخاص الذين يحملون نسختين من متغيرات فقدان الوظيفة، معدل تدهور حركي أسرع بنحو 63 في المائة مقابل نحو 27 في المائة لدى من يحملون نسخة واحدة.

نتائج تتكرر في مجموعات أخرى

لم تتوقف النتائج عند مجموعة الدراسة الأساسية؛ إذ أعاد الباحثون تحليلها باستخدام مجموعة مستقلة ضمت 587 مريضاً شاركوا في تجارب سريرية مختلفة. وفي هذه المجموعة ارتبط حمل متغيرات «MC1R» بتدهور حركي أسرع بنحو 50 في المائة، ما عزز النتائج الأولية.

كما درس الباحثون مجموعة صغيرة من الأشخاص الذين ظهرت لديهم مؤشرات مبكرة على مرض باركنسون، لكنهم لم يكونوا قد حصلوا بعد على تشخيص سريري. وكان حاملو المتغيرات أكثر من 4 مرات عرضة لتطور المرض مقارنة بغير الحاملين.

وقال جاكسون شوماخر من قسم طب الأعصاب مستشفى ماساتشوستس العام كلية الطب بجامعة هارفارد الباحث المشارك في الدراسة، إن أهمية النتائج تكمن في تكرار العلاقة عبر مجموعات مختلفة ومراحل متعددة من المرض بما في ذلك الأشخاص الذين لم يُشخّصوا بعد والمرضى في المراحل المبكرة والمرضى الذين يتلقون علاجات تعتمد على الدوبامين.

هل يصبح جين «إم سي 1 آر» هدفاً لعلاج باركنسون؟

تمثل النتائج امتداداً لأبحاث سابقة أجراها الفريق حول العلاقة بين «MC1R» وباركنسون وسرطان الجلد الميلانيني. ويرى الباحثون أن النتائج السريرية الجديدة إلى جانب أدلة سابقة من التجارب قبل السريرية أظهرت تأثيرات وقائية محتملة لبعض الأدوية التي تنشط مسار «MC1R» توفر أساساً لمزيد من البحث في إمكانية استهداف هذا المسار علاجياً.

ومع ذلك لا تعني النتائج أن متغيرات «MC1R» تتسبب وحدها في تسارع مرض باركنسون، ولا أن الاختبار الجيني يمكنه حالياً التنبؤ بدقة بمسار المرض لدى كل مريض. ويحتاج الأمر إلى دراسات إضافية لتأكيد العلاقة وفهم آليتها وتحديد ما إذا كان استهداف «MC1R» يمكن أن يغير بالفعل مسار المرض.

وقد يمهد هذا البحث إذا تأكدت نتائجه في دراسات مستقبلية أمام نهج أكثر تخصيصاً في التعامل مع مرض باركنسون يقوم على استخدام المعلومات الوراثية للمساعدة في فهم اختلاف سرعة تطور المرض بين المرضى.