خليل حاوي في غربته المتمادية

بعد ستة وثلاثين عاماً على غيابه

خليل حاوي
خليل حاوي
TT

خليل حاوي في غربته المتمادية

خليل حاوي
خليل حاوي

ليس بالضرورة أن تكون نصوص الشعراء مطابقة لطرائق عيشهم أو لسلوكهم الظاهري. ذلك أن الإبداع يتكون في مناطق النفس المعتمة، ويتصل بما لا نعيه من تعقيدات الداخل وجينات التكوين، على أن ذلك لا يمنع بالمقابل أن يمتلك البعض من الشفافية والصدق ما يصل بهم إلى حد المماهاة التامة بين مواقفهم وسلوكياتهم من جهة، وبين نتاجهم الإبداعي من جهة أخرى. وإذا كنت أزعم أن خليل حاوي هو واحد من هؤلاء، فإن ذلك الزعم يكتسب مصداقيته من معرفة بالشاعر تعود إلى أكثر من أربعة عقود خلت حيث قدّر لنا، نحن طلاب ذلك الزمن الوردي، أن نتتلمذ في كلية التربية التابعة للجامعة اللبنانية على أحد أبرز رموز الحداثة الشعرية في لبنان، وأن نعاين ذلك التطابق اللافت بين خليل حاوي الشاعر وخليل حاوي الإنسان. فمنذ اللحظة الأولى التي دخل فيها أستاذ مادة النقد الحديث إلى غرفة الصف بدا لنا شخصاً مختلفاً عن سواه، حيث كانت حركات جسده ويديه تنمّ عن توتر وعصبية باديين، فيما لم تكن عيناه تحدقان في مكان معلوم، بل تسبران غور المجهول، وتعكسان كل ما يعتمل في داخله من مشاعر الغربة والقلق. كانت قامته أقرب إلى القصر، ورأسه مكتمل الصلَع سوى من بعض الشعيرات المتباعدة. وكانت سحنة وجهه السمراء وصوته العريض الأجش يحيلاننا إلى نشأته الريفية وسلوكه العفوي، وهو الذي نظم الزجل وأنشده في مطالع صباه، كما عمل في البناء وتقصيب الصخور. أما اطلاعه العميق على الثقافتين الشرقية والغربية فقد شكل بالنسبة لنا نوعاً من المفارقة اللافتة بين مظهره الجبلي المحلي وبين أفقه الفكري العابر للحدود. ونادراً ما كان حاوي يترك لنا فرصة للاستراحة أو الفكاهة أو التقاط الأنفاس، بل كان يندمج بالمادة التي يدرّسها إلى حد الانخطاف، ولا يصحو من سكرة شروحه الطويلة إلا على صوت الجرس الكهربائي المؤذن بنهاية الحصة الدراسية.
لقد بدت منظومة القيم التي آمن بها خليل حاوي، والمفرطة في مثاليتها، بمثابة نقطة قوته وضعفه في آن. فهي من جهة جعلت منه شخصاً عصامياً ودائم البحث عن معنى للحياة أبعد من ترهات عالمه البائس، وعن معنى للكتابة أبعد من رطانة الخطب الحماسية أو غثاء الزخرف اللفظي. ولكنها من جهة ثانية أوقفته عند التخوم الأخيرة للإحباط وخيبات الأمل، حيث السقوط المدوي هو المحصلة الطبيعية للارتفاعات الفائضة عن الحد. ولم نكن، نحن قراء خليل حاوي ومتابعيه، بحاجة إلى انتظار نهايته الفاجعة لكي نعرف مقدار ما قدمه على مذبح مثاليته من تضحيات، وهو الذي كتب شعره بجماع الشرايين وبكل ما يمتلكه من كهرباء العصب وضراوة النيران. وإذا كان الخلود والبريق الدائم للاسم هو المكافأة الطبيعية التي يستحقها المبدعون كتعويض رمزي عن التضحية بالنفس ومباهج العيش، فإن من حق أي منا أن يتساءل عما إذا كان خليل حاوي، الذي نال في زمنه الكثير من التقدير والاهتمام النقديين، لا يزال يلقى الحظوة نفسها والاهتمام إياه، أم إن صرخته المدوية من أجل النهوض قد ضاعت كغيرها من الصرخات في برية التيه والترهل والنكوص القومي؟
قد يكون من الصعب تقديم إجابة قاطعة على سؤال كهذا، ولكن التبصر في مآل الأمور لا بد أن يفضي إلى الاستنتاج بأن ذلك الاسم الذي شغل الكثيرين في عصره لم يعد يملك الرجع إياه الذي كان له بين عقدي الخمسينات والسبعينات من القرن الفائت، وأن الاهتمام به يقتصر الآن على بعض النخب المثقفة والمخضرمة، كما على بعض الدارسين والمختصين. أقول ذلك وأنا أدرك تمام الإدراك أن الشاعر لن يُعدَم أبداً ومهما قست الظروف مَن يحتفي بنتاجه ويحفظ قصائد ومقطوعات له، وأنه ليس ظاهرة اجتماعية وإعلامية تنتهي برحيل صاحبها، كما كان حال الكثير من شعراء الخطب الحماسية والآيديولوجيا المعلبة. فهل كان على شعره أن يدفع بعد حياته ثمن الرهان الخاسر على نهوض الأمة من كبوتها بعد قرون عجاف من التراجع والانحطاط؟ أقول ذلك وأنا أعرف أن هذه التجربة الجادة والعميقة لن تُعدم من يتابعها باهتمام، كما لن يعدم الكثير من نصوصها ونماذجها من يحفظه عن ظهر قلب، كما هو حال «الجسر» و«المجوس في أوروبا» و«الكهف» و«لعازر 1962».
على أن الملاحَظ في شعر خليل حاوي خلوّه من الانكباب على أحوال العيش ويومياته. إذ ليس ثمة اهتمام بالوقائع والأحداث الآنية، ولا اشتغال دؤوب على التفاصيل، ولا صدى للذة حسية أو إخفاق عاطفي. وربما أسهمت فكرة ربط الشعر بالنبوة والحدس الروحي والرؤيوي، في جعل الشعراء منوطين بأخطر المهام المتصلة بتغيير العالم ونقله من العتمة إلى الضوء. وقد وجدت هذه الفرضيات في تكوين حاوي المثالي تربتها الخصبة التي عززتها دراسته في كامبردج، وتأثره البالغ بالرومانسيين الألمان وبحركة الانبعاث التي مثّلها شليغل وهيردر وكلايتس وهلدرلن وغيرهم من المفكرين والشعراء. فيما تأثر من جهة ثانية بالرومانسيين الإنجليز، وبمبدأ الحيوية الخلاقة لدى كولردج، دون أن نغفل تأثره في مراحل إحباطه بتوماس إليوت في «الأرض الخراب». ومن يقرأ حوارات الشاعر، التي جمعتها ريتا عوض في كتاب مستقل، سيقف على المداميك الأساسية التي نهضت فوقها قصيدته، مثل البناء العضوي الذي يمنع القصيدة من التشتت، واعتبار الرؤيا الضلع الأهم في مثلث الإبداع الشعري الذي تشكل التجربة والتعبير ضلعيه الآخرين، واستثمار الأساطير التراثية دون سواها، في رفد القصيدة بما يلزمها من رموز، والأخذ بمبدأ «الكلي العيني» في التوفيق بين الأفكار المجردة والصور المحسوسة، وصولاً إلى تعلقه بقصيدة الوزن التفعيلي واعتبار قصيدة النثر شكلاً للكتابة متصلاً بطبيعة اللغات اللاتينية وتركيبها الخاص. وفيما لم يكن تنوع الأوزان والبحور واحداً من هواجس الشاعر الذي اقتصرت معظم قصائده على بحر الرمل، كان التوتر الدرامي المستند إلى بنية حكائية سردية، هو الذي يعصم شعره من الرتابة والإملال. ولعل إعجابه بتجربة إلياس أبو شبكة لم يكن وليد الصدفة بل هو شاطر صاحب «أفاعي الفردوس» بعض سمات لغته العصبية وتمزقه العنيف بين الأضداد، وصولاً إلى معجمه الشعري الذي تكثر فيه مفردات الحمى والملح والفحم والعفن والكبريت والشرر والتنين والسموم وما سوى ذلك.
لن يبذل قارئ خليل حاوي كبير جهد ليكتشف أن شعره برمته كان «ترجمة» أمينة لأفكاره المتعلقة بالموت والانبعاث، والبحث عن الخصب والبراءة الأولى المتمثلة بصورة الغجر والبدوية السمراء وعرافة المستقبل. ورغم أنه حاول أن ينأى بنفسه عن تسمية الشعراء التموزيين، والتأكيد على كونه شاعر الانبعاث الحضاري، كتعبير عن انتقاله العقائدي من خانة قومية إلى خانة أخرى، فإن قصيدته «بعد الجليد» تعكس بشكل جلي استلهامه للأساطير المشرقية المتصلة بالموت والقيامة: «يا إله الخصب \ يا بعلاً يفضّ التربة العاقر \ يا شمس الحصيدْ \ يا إلهاً ينفض القبرَ ويا فصحاً مجيدْ \ أنت يا تموز يا شمس الحصيدْ \ نجّنا، نجّ عروق الأرض من عقمٍ دهاها ودهانا \ أَدْفئ الموتى الحزانى والجلاميد العبيدْ \ عبر صحراء الجليدْ». سنقع في مجموعات خليل حاوي الثلاث الأولى «نهر الرماد» و«الناي والريح» و«بيادر الجوع» على نماذج له مشغولة بعناية، دون أن يسمح لها شرر الداخل وعصب التجربة المتوتر بالوقوع في فخ الزخرف البلاغي والتوشية اللفظية. وهو يترنح دائماً بين حدي اليأس والأمل، وبين الخيبة والإيمان بالمستقبل. فتارة يقف الشاعر بأم عينه على تمسك بني جلدته بقشور الحضارة وأقنعتها الزائفة: «نحن من بيروت مأساة ولدنا \ بوجوه وعقول مستعارة \ تولد الفكرة في «السوق» بغياً \ ثم تقضي العمر في لفْق البكارة». وتارة أخرى تنتصر في داخله فكرة التغيير والتجدد المتمثل بأولئك الفتية النابضين بالحياة، والذين «يعبرون الجسر في الصبح خفافاً \ أضلعي امتدت لهم جسراً وطيدْ \ من كهوف الشرقِ \ من مستنقع الشرق إلى الشرق الجديدْ \ أضلعي امتدت لهم جسراً وطيدْ».
حين كتب خليل حاوي قصيدته الشهيرة «لعازر 1962» لم يكن ثمة ما يشير إلى التحول الدراماتيكي الذي نقله من خانة الرهان على الحيوية المختزنة في رماد الماضي إلى خانة اليأس من كل شيء. فبعد أن راهن مرة أخرى، وبلسان زوجة لعازر، على فكرة القيامة التي اتحدت فيها الأساطير الوثنية بالمقدس الديني: «من يظن الموت محواً \ خلّه يحصي على البيدر غلّات الحصاد \ ويرى وجه حبيبي \ وحبيبي كيف عادْ»، سرعان ما تكشفت العودة عن تهالك في الجسد وغياب للفحولة وخواء في الروح: «كنتُ أسترحم عينيه \ وفي عيني عار امرأة \ أنّتْ تعرّت لغريبْ \ ولماذا عاد من حفرته ميْتاً كئيبْ \ غير عرق ينزف الكبريت مسْودّ اللهيبْ». ولما كان الشاعر على المستوى الذاتي في ذروة عطائه ولم تكن الهزائم الشخصية قد أدركته بعد، فقد رأى البعض في القصيدة الفريدة نوعاً من الرد على انهيار تجربة الوحدة بين مصر وسوريا قبل كتابتها بعام واحد، فيما رأى البعض الآخر أن حاوي كان يستشرف بحدسه الثاقب هزيمة العرب المدوية في حزيران 1967. ستمر سنوات عديدة بعد ذلك دون أن يكتب الشاعر قصيدة واحدة. حتى إذا عاد إلى الكتابة عبر مجموعتيه الأخيرتين «من جحيم الكوميديا» و«الرعد الجريح»، بدت لغته خامدة ومكررة وخالية من نبضها الأول، وبدا هو نفسه وجهاً من وجوه لعازر وقيامته المجهضة. لم يستطع الحب بالمقابل أن يُخرج الشاعر من دائرة العزلة والإحباط، بل أضاف خيبة أخرى إلى خيباته، وهو الذي يخلو ديوانه من قصيدة حب واحدة بالمعنى العاطفي المباشر. ولأنه وضع كل أوراقه في سلة القضايا الكبرى والرهان على فكرة الانبعاث، فقد بدت الطلقة التي سددها إلى أم رأسه بمثابة رصاصة الرحمة التي وضعت الحد الأخير لتمزقات نفسه ومسلسل عثراته المتعاقبة.



إذاعة بريطانية تعلن بالخطأ وفاة الملك تشارلز... وتعتذر عن «الإزعاج»

الملك البريطاني تشارلز (رويترز)
الملك البريطاني تشارلز (رويترز)
TT

إذاعة بريطانية تعلن بالخطأ وفاة الملك تشارلز... وتعتذر عن «الإزعاج»

الملك البريطاني تشارلز (رويترز)
الملك البريطاني تشارلز (رويترز)

أعلنت إذاعة «كارولاين» المحلية في جنوب شرقي إنجلترا وفاة الملك تشارلز الثالث، قبل أن تعتذر الأربعاء عن «الإزعاج» جراء هذا الخطأ الذي عزته إلى عطل تقني في النظام المعلوماتي، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح مدير الإذاعة بيتر مور عبر «فيسبوك»، أنه تم تفعيل إجراء «مونارك الذي تُجهّزه كل الإذاعات البريطانية على أمل ألا تضطر لاستخدامه، عن طريق الخطأ بعد ظهر الثلاثاء، لتُعلَن بذلك وفاة جلالة الملك»، مؤكداً أن ذلك سببه «عطل في النظام المعلوماتي داخل الاستوديو الرئيسي».

وبعد تدارك الخطأ، اعتذرت الإذاعة للملك وللمستمعين «عن الإزعاج الذي تسببت به».

ويبلغ تشارلز الثالث 77 عاماً، حيث تولى العرش في سبتمبر (أيلول) 2022. وأعلن عن تشخيص إصابته بالسرطان في فبراير (شباط) 2024، ولم يُحدد قصر باكنغهام قط نوع السرطان الذي يُعانيه الملك، ما أثار تكهنات كثيرة.

ورغم ذلك، واظب الملك على المشاركة في نشاطات عامة، وقام قبل نحو شهر بزيارة دولة إلى الولايات المتحدة وصفها معاونوه بـ«التاريخية».

وبينما كان يزور آيرلندا الشمالية بعد ظهر الثلاثاء، أعلنت «كارولاين» نبأ وفاته الخاطئ.


مصر: «الكلاب الشاردة» تتحول إلى عبء اقتصادي وصحي واجتماعي

عدد كبير من الكلاب الشاردة في أحد شوارع قرى محافظة الشرقية (تصوير: عبد الفتاح فرج)
عدد كبير من الكلاب الشاردة في أحد شوارع قرى محافظة الشرقية (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

مصر: «الكلاب الشاردة» تتحول إلى عبء اقتصادي وصحي واجتماعي

عدد كبير من الكلاب الشاردة في أحد شوارع قرى محافظة الشرقية (تصوير: عبد الفتاح فرج)
عدد كبير من الكلاب الشاردة في أحد شوارع قرى محافظة الشرقية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

تضطر ميرنا عاطف الموظفة في أحد البنوك والقاطنة بمنطقة حدائق الأهرام بالجيزة (غرب القاهرة) للاستعانة بوالدها صباح كل يوم ليرافقها خلال سيرها في الشارع الذي تقطعه للوصول إلى سيارة العمل، خوفاً من الكلاب الشاردة التي تسيطر على الأرجاء في هذا الوقت المبكر. أما رحلة عودة ميرنا من العمل فإنها تكون أفضل مع وجود كثير من المارة بالشارع الذي لا يبعد عن الطريق الرئيس سوى أقل من 800 متر.

تقول ميرنا لـ«الشرق الأوسط» إن لديها عقدة منذ طفولتها بسبب الكلاب بعدما شاهدت أحد جيرانها يتعرض للعقر من كلب في الشارع، لافتة إلى أن أحد الجيران في المنطقة قام بوضع سم للكلاب، وقضى على عدد كبير منها العام الماضي، وجرى توقيفه بعد تتبع هويته، وعادت الكلاب مرة أخرى بعد شهور وإن كانت لا تزال بأعداد أقل.

تواجه الحكومة انتقادات بسبب ملف التعامل مع الكلاب الشاردة (وزارة الزراعة المصرية)

وتحولت «الكلاب الشاردة» في مصر إلى عبء اقتصادي وصحي واجتماعي مع سجالات متزايدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي انخرطت فيها شخصيات عامة مدافعة عن الكلاب، وحقها في العيش، وآخرون يطالبون بوضع حد لانتشارها، والقضاء عليها على خلفية تكرار حوادث الهجوم على الأطفال والمارة في الشوارع.

وسجلت مصر وفيات عدة غالبيتها لأطفال من بداية العام في مواقع مختلفة نتيجة هجمات لكلاب شاردة على الأطفال، وبعضها رصد عبر كاميرات المراقبة، وبرزت فيها عدوانية الكلاب تجاه الأطفال دون الاقتراب منها، فيما أعلنت الحكومة عن بداية وضع خطة لحصر الكلاب الضالة من أجل التعامل معها.

ووفق تصريحات سابقة للمتحدث باسم وزارة الصحة حسام عبد الغفار، فإن مصر سجلت مليون و400 ألف حالة عقر في 2025 مقارنة بمليون و200 ألف حالة في 2024، وهو ما تسبب في 90 في المائة من حالات الإصابة بمرض السعار المسجلة رسمياً، مع تخصيص نحو 1.2 مليار جنيه سنوياً لتوفير الأمصال واللقاحات مجاناً في المراكز التابعة للوزارة.

تنفذ الحكومة خطة للحد من الكلاب الشاردة (وزارة الزراعة المصرية)

وقالت عضو مجلس النواب (البرلمان) إليزابيث شاكر لـ«الشرق الأوسط» إن أزمة الكلاب الشاردة تفاقمت خلال السنوات الماضية مع تزايد الأعداد بشكل كبير، معتبرة أن الحكومة أدركت المشكلة متأخرة، وتعاملت معها ببطء رغم سرعة انتشار الظاهرة، وتوسعها في مناطق كثيرة، مع اعتماد خطة تركز على التعقيم، والتطعيم، ثم إعادة الكلاب إلى أماكنها مرة أخرى، مع استبعاد الكلاب الشرسة، وهي الخطة التي نفذت على نطاق محدود لم يمنع تفاقم المشكلة.

وأضافت أن الحكومة أصبحت تواجه ضغوطاً متزايدة من الأصوات المدافعة عن حقوق الحيوان، لكنها شددت على أن مسؤولية الدولة الأساسية تبقى مركزة في حماية المواطنين، وضمان شعورهم بالأمان في الشوارع، معتبرة أن محاولات الموازنة بين الطرفين لم تحقق نتائج حقيقية حتى الآن، خصوصاً أن تطعيم الكلاب لا يمنع بالضرورة وقوع حوادث العقر، أو الهجوم على المواطنين، ما يشكل عبئاً على المنظومة الصحية التي تستقبل يومياً آلاف الحالات المعرضة للعقر يتوجب التعامل معها بسرعة.

الكلاب تنتشر في معظم شوارع مصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ومن المقرر أن يناقش البرلمان أزمة «الكلاب الشاردة» بعد عطلة عيد الأضحى استجابة لعدد من طلبات الإحاطة التي قدمها بعض النواب، بالإضافة إلى طلب «مناقشة عامة» قدمته شاكر قبل أيام باعتبار أن الحل يحتاج التنسيق بين مجموعة جهات، وليس جهة واحدة. وحذر رئيس جمعية الرفق بالحيوان شهاب عبد الحميد لـ«الشرق الأوسط» من زيادة مطردة العام الجاري نتيجة التأخر في اتخاذ قرارات سريعة للتعامل مع الأزمة، لافتاً إلى أن استمرار إبقاء الوضع دون حلول جذرية يعني استمرار الزيادة في ظل استمرار معدلات تكاثر الكلاب.

وأضاف أن التحركات الحكومية في الأسابيع الأخيرة مع رصد وفيات للأطفال نتيجة عقر الكلاب الضالة تشير إلى وجود نية حقيقية للتعامل مع الأزمة، لكن الأهم أن يتم ذلك بشكل سريع، ليس فقط للتكلفة المادية الكبيرة التي تتكبدها الدولة نتيجة الأضرار، ولكن أيضاً لأسباب لها علاقة بالأضرار التي يتعرض لها من يتعرضون للعقر بصورة تؤثر على حياتهم اليومية.

شكاوى متزايدة من كثرة أعداد الكلاب الشاردة (الشرق الأوسط)

ويتم علاج حالات عقر الكلاب من خلال إعطاء 4 جرعات من اللقاح، وجرعة من المصل حسب الحالة، وتصل تكلفة العلاج للشخص الواحد إلى نحو 1250 جنيهاً (الدولار يساوي 53.25 جنيها)، وفق «الصحة المصرية» التي تنصح المواطنين بسرعة التوجه للحصول على المصل عند التعرض للعقر، فيما وصل ما تحملته ميزانية الدولة العام الماضي فقط نحو مليار و750 مليون جنيه استناداً للأرقام المعلنة عن تكلفة الجرعة للفرد الواحد.

ويؤكد استشاري الأمراض الباطنية، وخبير الأمصال، دكتور مصطفى محمدي لـ«الشرق الأوسط» ضرورة الإسراع في الحصول على المصل عند التعرض للعقر من الكلاب، لتجنب إصابة الشخص بـ«السعار» المصنف على أنه مرض فيروسي ينتقل لجسم الإنسان من خلال لعاب الحيوان المصاب، مشيراً إلى أن فترة الحضانة الخاصة بالمرض تختلف، وربما تصل لسنوات، وقد تؤدي للموت. وختم أن الجرعات يجب الحصول عليها في المواعيد المحددة، وبعض الحالات التي يكون أصحابها لديهم ضعف بالمناعة ينصح لهم بالحصول على جرعة خامسة، وعدم الاكتفاء بالجرعات الأربع التي حصلوا عليها.


غموض بشأن الدورة الـ27 لـ«الإسماعيلية التسجيلي» بمصر

مهرجان الإسماعيلية في الدورة السابقة (الملصق الدعائي للمهرجان)
مهرجان الإسماعيلية في الدورة السابقة (الملصق الدعائي للمهرجان)
TT

غموض بشأن الدورة الـ27 لـ«الإسماعيلية التسجيلي» بمصر

مهرجان الإسماعيلية في الدورة السابقة (الملصق الدعائي للمهرجان)
مهرجان الإسماعيلية في الدورة السابقة (الملصق الدعائي للمهرجان)

أجواء من الغموض تحيط بالدورة 27 لمهرجان «الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة» التي كان من المقرر إقامتها خلال أبريل (نيسان) الماضي، حيث جرت العادة إقامته في الربع الأول من العام؛ مما أثار تساؤلات حول مصير المهرجان الذي تقيمه وزارة الثقافة المصرية، ويُعد المهرجان العربي الوحيد المختص بالأفلام التسجيلية، وتأسس قبل أكثر من ثلاثين عاماً.

وحقق المهرجان نمواً متزايداً منذ دوراته الأولى، بإقامة مسابقات دولية لأفلامه وبمشاركة مخرجين كبار، فيما حازت جوائزه ثقة صناع الأفلام، كما جذبت محافظة الإسماعيلية التي تستضيفه بهدوئها وإطلالتها على قناة السويس ضيوف المهرجان من مختلف دول العالم.

وطالب سينمائيون بإقامة الدورة الـ27 وتحديد موعد لها، ودعا مدير التصوير السينمائي محمود عبد السميع، الذي طالما شارك بأفلامه الوثائقية بالمهرجان كما شارك في كثير من فعالياته، إلى إقامة دورته الجديدة في أقرب وقت. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «من الخطأ توقف المهرجان لوقوع مشكلات مالية تتعلق بالدورة السابقة، وذلك حفاظاً على مكانة المهرجان وسمعته الدولية التي اكتسبها على مدى سنوات، فهو مهرجان كبير ومن أهم المهرجانات المتخصصة في السينما التسجيلية والقصيرة، وقد انتبه مؤسسوه مبكراً لأهمية هذه النوعية من الأفلام، واستطاع أن يرسخ مكانته دولياً منذ دوراته الأولى».

وكتبت الناقدة الفنية المصرية صفاء الليثي على حسابها بـ«فيسبوك» متسائلة: «أين مهرجان الإسماعيلية؟»، متمنية أن تنتهي المشكلات التي تعوق إقامته، وقالت صفاء لـ«الشرق الأوسط»: «هناك مهرجانان هما الأكبر في مصر، مهرجان القاهرة السينمائي، ومهرجان الإسماعيلية الذي كان من المفترض إقامة دورته الـ27 خلال هذه الآونة ولم تقم حتى الآن، ولا أدري متى تقام، فلم يصدر أي بيان عنها مما يجعلنا نشعر بالقلق لغياب مهرجان عريق».

وأشادت صفاء الليثي باختصاص المهرجان بالسينما التسجيلية والقصيرة التي بات لها مهرجانات في جميع أنحاء العالم، مؤكدة أن «مهرجان الإسماعيلية لديه من الأسس التي حققت له مكانة دولية ونمواً وتراكماً مهماً بإقامة ورش متخصصة وإصداره لمطبوعات قيمة، وقد نجح في دوراته الأخيرة التي رأسها الناقد عصام زكريا والمخرجان سعد هنداوي وهالة جلال في الفصل بين إدارة المهرجان والمركز القومي للسينما الذي يقام تحت إشرافه».

المخرجة هالة جلال وفريق عملها في الدورة السابقة للمهرجان (إدارة المهرجان)

واقترحت الناقدة الفنية أن يُعامل «الإسماعيلية التسجيلي» مثل مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، «فيقام بإشراف مباشر من وزارة الثقافة مع اختيار لجنة عليا له من أجيال سينمائية مختلفة تعمل على استمرار المهرجان بقوته نفسها وتخصيص ميزانية مستقلة له عن ميزانية المركز القومي للسينما»، وفق قولها.

ونفى الدكتور أحمد صالح رئيس المركز القومي للسينما وجود غموض حول الدورة الـ27 للمهرجان، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «المهرجان لم يتوقف ونحن بصدد الإعداد لدورته الجديدة، لكن المشكلة أن دورته السابقة حدثت بها بعض المشكلات الإدارية والقانونية التي يجري التحقيق فيها».

وحول تغيير موعد المهرجان أضاف صالح أن «المهرجان لم يكن له موعد ثابت وأقيمت دوراته السابقة على مدار شهور العام، وفي السنوات الأخيرة تأجل موعده لتزامنه مع شهر رمضان، وسنُعلن قريباً عن موعد دورته الجديدة».

وانطلقت الدورة الأولى لمهرجان الإسماعيلية عام 1991 بهدف توفير منصة للمخرجين المستقلين لعرض أعمالهم أمام جمهور واسع، ومنح فرص للمواهب الجديدة من طلاب معاهد السينما لعرض أعمالهم وحضور الفعاليات المختلفة، وشهدت الدورة الـ26 استحداث جائزة خاصة من خلال ورشة أقامها المهرجان بعنوان «ذاكرة المكان» قدم من خلالها مشاريع أفلام جرى تصويرها بين القاهرة والإسماعيلية بهدف الحفاظ على ذاكرة الأحياء والمدن المصرية بالتعاون مع جهاز التنسيق الحضاري بوزارة الثقافة.