النزاع المصري ـ التركي على صفحة مياه المتوسط

تصعيد لفظي متبادل وتأكيد من الطرفين على «حماية الحقوق» البترولية

النزاع المصري ـ التركي على صفحة مياه المتوسط
TT

النزاع المصري ـ التركي على صفحة مياه المتوسط

النزاع المصري ـ التركي على صفحة مياه المتوسط

لم يكن الخلاف بين تركيا ومصر في حاجة إلى عوامل لتصعيده؛ إذ كانت العلاقات بين البلدين قد شهدت توترات وصدامات منذ الإطاحة بحكم جماعة الإخوان المسلمين في 30 يونيو (حزيران) 2013، بيد أن الأسبوع الماضي شهد ملمحاً جديداً من حلقات النزاع بين القاهرة وأنقرة بسبب بوادر نزاع على ثروة الغاز الكامنة في شرق البحر الأبيض المتوسط، وامتد ليشمل دولاً أخرى.
على مدى الأيام الماضية دخلت السلطات المصرية في عملية شاملة لمحاربة الإرهابيين، لكن ذلك لم يمنع المتحدث باسم القوات المسلحة، العقيد تامر الرفاعي، تضمين البيانات العسكرية الإشارة إلى «استمرار العمليات العسكرية لحماية الأهداف الاقتصادية في البحر»، وعرضه مقطع فيديو مصوراً بعنوان «عمالقة البحار» يظهر قدرات «القوات البحرية المصرية» وجاهزيتها. كذلك، جرى استعراض الأسلحة الحديثة التي انضمت إلى صفوفها، مثل حاملتي المروحيات من طراز «ميسترال» الفرنسية اللتين تحملان اسمي «جمال عبد الناصر» و«أنور السادات».
في المقابل، أعلن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في الرابع من فبراير (شباط) الحالي «رفض بلاده الاعتراف بقانونية اتفاق وقعته مصر وقبرص عام 2013 للتنقيب عن الغاز في شرق المتوسط». وقال جاويش أوغلو إن بلاده «تخطط للبدء في أعمال تنقيب عن النفط والغاز شرقي المتوسط»، وهذا، قبل أن تتطور الأحداث وتعترض قطع بحرية تركية، مطلع الأسبوع الماضي، سفينة الحفر «سايبم 12000» التابعة لشركة «إيني» الإيطالية، كانت في طريقها للوصول إلى مياه قبرص في البحر الأبيض المتوسط للتنقيب بحقل غاز في منطقة متنازع عليها بين نيقوسيا وأنقرة.
أيضاً، حذر رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم السلطات القبرصية من التنقيب عن النفط والغاز في شرقي المتوسط، مؤكداً إبان وجوده في العاصمة القبرصية نيقوسيا أن الخطوات التي تقوم بها قبرص «في غير وقتها وخطيرة»، ومشدداً على أن «أنقرة ستواصل حماية حقوق ومصالح القبارصة الأتراك».
- منطقة اقتصادية لمصر
لم تكن الإشارة التي حملها بيان المتحدث العسكري هي الأولى التي بعثت بها القاهرة باتجاه أنقرة، بل سبقها تصريح لوزارة الخارجية المصرية على لسان المتحدث الرسمي، المستشار أحمد أبو زيد، فضلاً عن تجديد البحرية المصرية التأكيد على «استمراريتها في تأمين الأهداف الحيوية في عمق المنطقة الاقتصادية».
الموقف المصري بدا واضحاً وحاسماً تجاه أزمة بدت متصاعدة بشكل مفاجئ. إذ استهله أبو زيد قائلاً: إن «اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص لا يمكن لأي طرف أن ينازع في قانونيتها، وأنها تتسق وقواعد القانون الدولي، وتم إيداعها في الأمم المتحدة»، وأضاف: «أي محاولة للمساس أو الانتقاص من حقوق مصر السيادية في تلك المنطقة، تعتبر مرفوضة، وسيتم التصدي لها».
فضلاً عن ذلك، أعاد العميد بحري (أركان حرب) وليد عطية، التأكيد على «استمرار القوات المسلحة في تأمين الأهداف الحيوية الاستراتيجية على الساحل، وفي عمق المنطقة الاقتصادية الخالصة لجمهورية مصر العربية». وأردف خلال مؤتمر صحافي نظمته إدارة الشؤون المعنوية للقوات المسلحة، أول من أمس، (الخميس): إن تأمين الأهداف جارٍ «باستخدام كافة الإمكانات من وحدات بحرية ومنظومات فنية لحماية المقدرات الاقتصادية للبلاد من الثروة المعدنية (غازية أو نفطية) في عمق وقاع البحار».
ومن جانبه، ردّ الخبير الاستراتيجي والعسكري المصري، اللواء جمال مظلوم، على تقليل تركيا من شأن اتفاقية ترسيم الحدود مع قبرص، بالقول: إن مصر «اتبعت الطرق القانونية المتعارف عليها دولياً عندما وقّعت تلك الاتفاقية عام 2013 للتنقيب عن الغاز في شرق المتوسط، ولا يحق لتركيا الاعتراض على ذلك من أي ناحية». ورأى أن أنقرة «اتجهت إلى هذا الملف استرضاءً لجماعة الإخوان المسلمين، ولإيهامها بأن تمتلك أوراق ضغط على مصر».
وتابع مظلوم في حديث إلى «الشرق الأوسط»: إن مصر «ستدافع عن حدودها الاقتصادية، وقد أعدت نفسها عسكرياً جيداً للدفاع عن ثرواتها الطبيعية في مواجهة أي اعتداء». وذهب إلى اتهام أنقرة بممارسة «البلطجة» في البحر المتوسط، عندما اعترضت قطع بحرية تركية سفينة الحفر «سايبم 12000» التابعة لشركة «إيني» الإيطالية بينما كانت في طريقها للتنقيب عن الغاز المكتشف أخيراً في المياه القبرصية.
ولفت الخبير العسكري المصري إلى أن قبرص لها حدود «يجب أن تُحترم من قِبل أنقرة، وسيادة على مياهها الإقليمية يجب عدم تجاوزها تحت أي مزاعم»، مستدركاً «في ظني، تركيا لن تصعّد مع مصر في هذه الملف أكثر من ذلك». وأرجع ذلك إلى «أنها مشغولة بملفات عدة، من بينها سوريا والعراق، وبالتالي - لن تصنع عداءات جديدة، وأي مشكلة ستؤثر عليها حتماً».
- حقوق القبارصة الأتراك
في المقابل، تركيا تنطلق في هذه القضية من نقطة أن «ما أقدمت عليه، وما تعتزم القيام به، ما هو إلا دفاع عن حقوقها وحقوق القبارصة الأتراك ومنع اتخاذ خطوات أحادية في شرق البحر المتوسط». وهذا، بينما تحاول الحكومة الإيطالية احتواء مستوى الأزمة معها. وكإجراء احترازي أمرت القوات البحرية بنقل وحدة عسكرية تشكل جزءاً من بعثة حلف شمال الأطلسي (ناتو) إلى شرقي البحر الأبيض المتوسط. ونقلت وكالة «سبوتنيك»، عن مصادر صحافية إيطالية، أن قائد الوحدة «تلقى أوامر بتفادي أي تصرفات من شأنها أن تؤدي إلى زيادة التوتر بينها وبين القوات التركية التي تحاصر سفينة (سايبيم)».
وتجدر الإشارة إلى أن جزيرة قبرص المتوسطية مقسمة شطرين منذ عام 1974: الأول هو «جمهورية قبرص الشمالية» التي لا تعترف بها سوى أنقرة، والآخر هو «جمهورية قبرص» المعترف بها عالمياً والعضو في الاتحاد الأوروبي. وجاء تقسيم الجزيرة بعدما استولت القوات التركية على الجزء الشمالي من الجزيرة، رداً على ما تقول أنقرة إنها محاولة القبارصة اليونانيين «الانقلاب على الحكومة وإلحاق الجزيرة باليونان».
- الأعراف الدولية
الدكتور نبيل حلمي، عميد كلية الحقوق بجامعة الزقازيق الأسبق وأستاذ القانون الدولي العام، أبدى في حديث إلى «الشرق الأوسط» استغرابه من التحركات التركية، التي رأى أنها «تتعارض مع الأعراف الدولية». واعتبر أن ذلك «مجرد محاولة منها لإثبات نفسها أمام قبرص، المعترف بها دولياً، وسعيها وراء مزاعم بأنها رئيسة الشرق الأوسط الجديد». واستطرد الأكاديمي المصري قائلاً: «تركيا لن تستطيع التنقيب عن الغاز في المنطقة الاقتصادية الخالصة لمصر لأسباب قانونية عدة، منها أن الاتفاق بين مصر وقبرص أُودع في الأمم المتحدة، وروعيت فيه المعايير الدولية واتفاقية الأمم المتحدة للبحار». ولفت إلى أن أي اعتداء على هذه المنطقة يمثل عدواناً، وتستطيع الدول التي تمارس حقوقها في المنطقة أن تدافع عن نفسها وفقاً للمادة الـ151 من ميثاق الأمم المتحدة».
وأضاف حلمي: إن «قبرص دولة ذات سيادة، وتسيطر على ثلثي الجزيرة فيما عدا الجزء الشمالي الذي تحتله تركيا منذ عام 1974. ولقد أعلنت أنقرة إنشاء جمهورية شمال قبرص التركية، لكن لم تعترف أي دولة في العالم بها سوى الدولة التركية، وبالتالي، فالاتفاقية سارية المفعول وملزمة قانوناً ولا يحق لتركيا أن تعترض عليها». وضرب حلمي مثلاً على ذلك باتفاقيات مماثلة، وُقعت بين دول المتوسط، ولا تستطيع تركيا أن تنازع فيها أيضاً، مثل اتفاقية ترسيم الحدود بين قبرص وإسرائيل عام 2010، وترسيم الحدود بين قبرص ولبنان عام 2007، ثم مصر وقبرص... وجميعها يتوافق مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1982.
وانتهى حلمي إلى أن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان «يحاول تسويق تركيا على أنها القوة الأولى في الشرق الأوسط، اعتماداً على الخلفية العثمانية، لكن المنطقة لن تعود إلى القرن التاسع عشر»!
- المكامن المشتركة للغاز
واستكمالاً لذلك؛ يرى الدكتور نائل الشافعي، خبير الاتصالات المصري - الأميركي، الباحث المهتم بتأثير قانون البحار الدولي على الكابلات البحرية وعلى الانتفاع بمكامن الغاز البحرية، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن الاتفاقية التي ترفضها تركيا تنظم «آلية تقاسم المكامن المشتركة للغاز بين البلدين، حسب حجم المكمن في كل طرف»، فإذا استخرجت دولة غازاً من مكمن مشترك، فعليها أن تتنازل للدولة الأخرى عن نسبة من الريع، تتناسب مع نسبة وجود المكمن في الدولة الأخرى».
وأضاف الشافعي: إنه «إذا تم اكتشاف حقل غاز في مكمن مشترك بين مصر وقبرص، وأظهرت الدراسات (السيزمية) لحجمه أن ثلاثة أرباعه يقع في الجانب المصري، والبقية في قبرص، فإن إنتاجه يوزع بين البلدين بالنسبة نفسها». ولفت إلى أنه في كل الأحوال، تطالب «بحق شمال قبرص في حقل أفروديت، الذي اكتُشِف في المياه التي تنازلت عنها مصر لقبرص بمقتضى تلك الاتفاقية. ونطاق التحركات التركية الراهنة تقع داخل الحدود القبرصية، وفق اتفاق 2003، ولا تأثير له على الإطلاق فيما يتعلق بأعمال التنقيب داخل الحدود المصرية».
- الصدام مع «إيني» والغاز الإسرائيلي
المتغيرات في الموقف التركي، في البحر المتوسط، لم تتوقف عند محطة القاهرة، بل إن الرئيس رجب طيب إردوغان، نقل الأزمة من «مرحلة التوتر» مع القاهرة إلى «التهديدات المباشرة»، ضد اليونان وقبرص، باستخدام التدخل العسكري ضدهما في بحر إيجة والبحر المتوسط. وقال بلهجة حادة في كلمة أمام اجتماع الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية الحاكم بالبرلمان التركي: «نحذر من يتجاوزون حدودهم في بحر إيجة والبحر المتوسط، ويقومون بحسابات خاطئة مستغلين تركيزنا على التطورات عند حدودنا الجنوبية».
وفي مواجهة تصعيد إردوغان ضد اليونان وقبرص، أرجع اللواء أركان حرب ممدوح حامد عطية، في حديث إلى «الشرق الأوسط» سبب تصدّي السفن الحربية التركية لمنصة الحفر التابعة لشركة «إينى» من الوصول للمياه القبرصية للتنقيب عن الغاز، إلى «وجود خطة تركية لمد خط أنابيب عبر قبرص للحصول على الغاز من حقل ليفياثان البحري الإسرائيلي». ولفت عطية إلى أن الدراسات الاقتصادية التي أعدتها أنقرة، وتتحدث عنها تقارير دولية، أكدت أن مسار هذا الخط ويمر عبر المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص اليونانية سيكون مجدياً لتركيا، قبل أن يضيف مستدركاً «...لكن زمن الاستيلاء على أرضي الغير بالقوة انتهي، ولا بد أن يدرك إردوغان ذلك». بعدها تساءل عطية: «إذا كان الرئيس التركي يتذرع بأوهام تاريخية تتعلق بالخلافة وقيادة العالم الإسلامي، فلماذا ينكر على جيرانه حقوقهم التاريخية وحدودهم الاقتصادية؟... نحن لا نتدخل في الشؤون الداخلية لتركيا، لكنه يقحم نفسه في أمور تتعلق بسيادة دولتنا».
غير أن الرئيس إردوغان يهدد بأنه في حال انتهاك المياه الإقليمية التركية بالقرب من الجزر الصخرية التركية في بحر إيجة، وانتهاك الطائرات اليونانية المجال الجوي التركي، فإن «جنودنا سيقومون بما يلزم»، ناصحاً الشركات الأجنبية التي تقوم بالتنقيب عن الغاز قبالة سواحل قبرص «بألا تكون أداة في أعمال تتجاوز حدودها وقوتها من خلال ثقتها بالجانب القبرصي اليوناني». ويستطرد الرئيس التركي قائلاً: «حقوقنا في الدفاع عن الأمن القومي في منطقة عفرين (شمال غربي سوريا) هي نفسها في بحر إيجة وقبرص... وقيام القوات المسلحة التركية بعملية (غصن الزيتون) لتطهير عفرين شمال سوريا من التنظيمات الإرهابية، لن يعيق تركيا عن حماية حقوقها في البحر المتوسط وبحر إيجة».
وبالفعل، زادت تركيا من تهديدها، معلنة عزمها القيام «بكل الخطوات اللازمة من أجل الحفاظ على حقوقها وحقوق الشطر الشمالي من الجزيرة القبرصية – أو (جمهورية شمال قبرص) التركية – لكن وزارة الخارجية اليونانية، طالبت أنقرة «بالامتناع عن القيام بأنشطة أخرى غير مشروعة، والانصياع لجميع الالتزامات المنبثقة عن القانون الدولي»، وحذّرت من أن «سلوك تركيا لا يفيدها بصفتها دولة مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي».
بدورها، دخلت المفوضية الأوروبية، على خط الأزمة، ودعت تركيا إلى «الإحجام عن أي تصرفات قد تضر بعلاقات حسن الجوار»، وقالت متحدثة باسم المفوضية الأوروبية أنه «يتعين على تركيا تجنب أي مصدر للاحتكاك أو التهديد أو التصرف الموجه ضد دولة عضو بالاتحاد الأوروبي»، مؤكدة على احترام سيادة الدول الأعضاء على مياهها الإقليمية ومجالها الجوي».
- خطوات استفزازية
في هذه الأثناء، وصف مركز «المستقبل» للأبحاث والدراسات المتقدمة، إجراءات أنقرة بأنها «محاولات لإرباك الحسابات المصرية والقبرصية فيما يتعلق بالتنقيب عن الغاز في شرق البحر المتوسط»، بعد إعلان وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو، في الخامس من فبراير الحالي عدم اعتراف أنقرة باتفاقية ترسيم الحدود التي أبرمتها مصر وقبرص، باعتبار أنها «تنتهك الجرف القاري التركي».
وقال المركز في تقرير حديث، أول من أمس، (الخميس) تحت عنوان «تزايد المواجهات المباشرة بين دول الإقليم»: إن تركيا اتخذت خطوات إجرائية على الأرض تجاه قبرص تحديداً، حيث تعمدت منع منصة حفر «سايبم 12000» التابعة لشركة «إيني» الإيطالية من التنقيب عن الغاز في 11 فبراير الحالي، في جنوب شرقي الجزيرة: «بحجة قيام القوات البحرية التركية بإجراء مناورات بالقرب من تلك المنطقة». وأشار إلى أن التحذيرات التركية امتدت إلى اليونان أيضاً من مغبة ما اعتبرته أنقرة «انتهاكاً لمياهها الإقليمية»، ووصل الأمر إلى حد التهديد بإمكانية استخدام القوة في حسم هذا الخلاف». ولفت إلى أن «الاكتشافات المحتملة لحقول الغاز في شرق المتوسط، ربما تكون هي التي دفعت تركيا إلى تصعيد موقفها في هذا الصدد».
وذهب التقرير إلى القول إن نجاح القاهرة في إنجاز مشروع حقل «ظُهر» الذي اكتشفته شركة «إيني» الإيطالية في 2015 - ويعد أكبر الاكتشافات الغازية في منطقة شرق البحر المتوسط - في فترة ليست طويلة ربما يكون متغيراً مهماً في هذا السياق، حيث استغرق نحو 28 شهراً منذ تحقيق الكشف وبدء الإنتاج، في الوقت الذي تستغرق فيه مشروعات مماثلة فترة تتراوح بين 6 و8 سنوات.
- تشبيك الملفات الإقليمية
وربط مركز «المستقبل» بين التوترات حول حقول الغاز في المتوسط، وبين «تشبيك الملفات الإقليمية»، فقال: «لا يمكن فصل تلك المواجهات المباشرة عن الملفات الخلافية العالقة بين الأطراف المنخرطة فيها بشكل أساسي. وبعبارة أخرى، فإن لتراكم التباينات تأثيراً مباشراً في هذا السياق، على نحو يبدو جلياً في الخلافات المصرية - التركية، والخلافات الإسرائيلية - الإيرانية، والخلافات الإسرائيلية - اللبنانية».
وتابع تقرير المركز: إن «تركيا ما زالت مصرّة على موقفها الداعم سواء لجماعة الإخوان المسلمين (الإرهابية) في مواجهة القاهرة، أو لدور الأخيرة في الملفات الإقليمية المختلفة، مثل الأزمة مع قطر، والصراع في ليبيا، والعلاقات مع السودان. كما أنها لا تبدي ترحيباً بالتقارب الملحوظ في العلاقات بين القاهرة وكل من قبرص واليونان، وترى أنها أحد الأطراف المستهدفة منه بشكل مباشر».
وانتهي الخبراء الذين تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» إلى أن الاكتشافات التي تصل استثماراتها إلى 12 مليار دولار أميركي، ساهمت في سعي عدد من الدول المطلة على تلك المنطقة البحرية إلى التنقيب عن النفط والغاز؛ ما دفع ستيفان ميشيل، المسؤول عن أنشطة الاستكشاف بمنطقة الشرق الأوسط، في مجموعة «توتال» الفرنسية إلى القول: «من الواضح أن اكتشاف (ظُهر) غيّر المشهد».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.