تركيا للتهدئة في «إيجه» مع اليونان... وإيطاليا للتصعّيد في ملف غاز المتوسط

يلدريم يلمح إلى «إفراج قريب» عن صحافي ألماني قبل لقاء ميركل اليوم

دنيز يوجيل مراسل صحيفة «دي فيلت» الألمانية المعتقل في تركيا منذ عام (أ.ب)
دنيز يوجيل مراسل صحيفة «دي فيلت» الألمانية المعتقل في تركيا منذ عام (أ.ب)
TT

تركيا للتهدئة في «إيجه» مع اليونان... وإيطاليا للتصعّيد في ملف غاز المتوسط

دنيز يوجيل مراسل صحيفة «دي فيلت» الألمانية المعتقل في تركيا منذ عام (أ.ب)
دنيز يوجيل مراسل صحيفة «دي فيلت» الألمانية المعتقل في تركيا منذ عام (أ.ب)

سعت أنقرة إلى التهدئة مع اليونان بعد التوتر والاحتكاكات في بحر إيجه والتي على أثرها استدعت أثينا سفير تركيا كما بعثت بشكوى رسمية إليها في الوقت الذي طالبت فيه إيطاليا أنقرة بعدم عرقلة أنشطة التنقيب عن الغاز شرق البحر المتوسط بعد أن اعترضت سفنها الحربية حفارا لشركة إيني الجمعة الماضي، بينما لمح رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم إلى انفراجة قريبة محتملة في قضية الصحافي الألماني من أصل تركي دنيز يوجيل الذي مر أمس عام على احتجازه بتهمة دعم الإرهاب في مسعى لمزيد من التقارب مع ألمانيا بعد فترة من التوتر. وقال يلدريم إنه اتفق مع نظيره اليوناني ألكسيس تسيبراس على تخفيف التوتر الحاصل في الآونة الأخيرة بمنطقة إيجة، عبر الطرق الدبلوماسية والحوار.
وذكر، في مؤتمر صحافي عقده بمطار «أسن بوغا» بالعاصمة أنقرة قبيل توجهه إلى بيلاروسيا وألمانيا أمس (الأربعاء)، أنه اتفق مع تسيبراس خلال مكالمة هاتفية جرت بينهما مساء أول من أمس، على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بين الجانبين. وأضاف أن رئيسي أركان البلدين سيناقشان التدابير اللازمة من أجل منع تصعيد التوتر الراهن، وذلك على هامش اجتماع رؤساء أركان حلف شمال الأطلسي «الناتو» المزمع عقده في مايو (أيار) المقبل.
ولوح الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أول من أمس بالتدخل عسكريا في بحر إيجه والبحر المتوسط ضد محاولات اليونان الاقتراب من جزر صخرية في بحر إيجه تقع في المياه الإقليمية لتركيا ومحل نزاع بين الجانبين وقيام قبرص بأنشطة للتنقيب عن الغاز في شرق المتوسط بينما تقول تركيا إن لها وللقبارصة الأتراك نصيبا من الثروات الطبيعية في هذه المنطقة وتعترض على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية الموقعة بين مصر وقبرص في العام 2013.
وبعثت اليونان بشكوى رسمية إلى تركيا، أول من أمس، واستدعت السفير التركي لديها، وذلك بعد أن قامت دورية تركية ببعض «المناورات الخطيرة» لتصطدم بسفينة خفر سواحل يونانية التي كانت تقوم بدورية في بحر إيجه وأصابتها بأضرار. وطالبت الخارجية اليونانية تركيا بالتوقف عن انتهاك القانون الدولي والتصرفات التي لا تساهم في تطوير علاقات البلدين.
وعلى صعيد الرفض التركي لأعمال التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط من جانب قبرص ومنع الحفار «سابين 12000» التابع لشركة «إيني» الإيطالية من العمل في المنطقة، أبلغ وزير الخارجية الإيطالي أنجلينو ألفانو نظيره التركي مولود جاويش أوغلو بأن بلاده تريد حلا للمواجهة التي تعيق شركة إيني عن التنقيب عن الغاز الطبيعي قبالة ساحل قبرص.
وقال بيان صدر عن وزارة الخارجية الإيطالية إن الوزيرين، اللذين التقيا على هامش اجتماع التحالف الدولي للحرب على «داعش» في الكويت، اتفقا على ضرورة أن يحافظ البلدان على علاقة الثقة لأن «من المحتمل أن تكون هناك مشاريع أخرى في المستقبل في قطاع الطاقة بعيدا عن تلك القائمة بالفعل». ومنعت سفن حربية تركية سفينة الحفر التي تديرها شركة سابيم، وهي وحدة تابعة لشركة إيني المملوكة الإيطالية الحكومية، من التوجه للتنقيب في منطقة جنوب غربي قبرص يوم الجمعة الماضي. وأبلغ ألفانو نظيره التركي بأن إيطاليا «تتوقع التوصل لحل يتماشى مع القانون الدولي ويصب في مصلحة (إيني) ودول المنطقة ومجتمعي قبرص (اليونانيون والأتراك)».
وفي السياق ذاته، كشفت تقارير صحافية عن أن روما تعتزم إرسال فرقاطة عسكرية إلى المياه القبرصية، حيث يعيق الجيش التركي عمل شركة «إيني» للتنقيب عن الغاز الطبيعي.
وذكرت صحيفة «لاريبوبليكا» الإيطالية، أن الفرقاطة، وهي من طراز مايسترالى الأوروبي «إف 575» التابعة للبحرية الإيطالية، معروفة بمشاركتها في العمليات البحرية في حلف الناتو شرقي البحر المتوسط.
وكان وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو قد قال الأسبوع الماضي، إن اتفاقية ترسيم الحدود الموقعة بين مصر وقبرص «غير قانونية» وإنه ليس من حق أي دولة القيام بأي أبحاث أو تنقيب في هذه المنطقة. ورداً على التصريحات التركية، حذرت وزارة الخارجية المصرية من أي مساس بـ«حقوق مصر السيادية» في هذه المنطقة، مشددة على قانونية اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع قبرص وأنها مودعة ضمن وثائق الأمم المتحدة.
على صعيد آخر، عبر رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم عن أمله في إفراج قريب عن مراسل صحيفة «دي فيلت» الألمانية المعتقل في تركيا منذ عام، دنيز يوجيل. وفي الوقت ذاته، لفت يلدريم في تصريحات، قبل لقائه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل اليوم (الخميس) في برلين إلى أن هذا القرار في يد القضاء التركي وليس الحكومة.
وأضاف، في تصريحات لشبكة «إيه آر دي» الألمانية: «آمل الإفراج عنه قريباً، أرى أنه سيكون هناك تطور خلال الفترة القصيرة المقبلة». واحتجز يوجيل في 14 فبراير (شباط) 2017 على خلفية اتهامات بالإرهاب والتجسس. وقال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عن يوجيل: «إنه في الحقيقة عميل وإرهابي. ومن المستبعد أن يكون صحافيا». ولاحقا قال إردوغان بشأن ترحيل يوجيل إلى ألمانيا: «لن يحصل ذلك في كل الأحوال ما دمت في هذا المنصب».
وتبدي أنقرة غضبا من برلين بسبب منح حق اللجوء لبعض عسكرييها السابقين المتمين بالمشاركة في محاولة الانقلاب التي تنسبها السلطات التركية إلى الداعية فتح الله غولن المقيم في أميركا منذ العام 1999.
وفي مقابلة كتابية أجراها عبر محاميه مع وكالة الأنباء الألمانية مؤخرا أشار يوجيل إلى اتفاقيات بين فرنسا وتركيا، وقال بأنه يريد الحصول على حريته دون «تلطيخها بصفقات دبابات مع شركة راينميتال أو تسليم ضباط سابقين انقلابيين».
في غضون ذلك، رفضت السلطات التركية السماح للسفير الألماني في تركيا مارتن اِردمان بحضور محاكمة الرئيس السابق لحزب الشعوب الديمقراطي (المؤيد للأكراد) صلاح الدين دميرتاش، وذلك حسب ما ذكرت السفارة الألمانية أمس (الأربعاء) على حسابها على موقع «تويتر».
واعتقل دميرتاش منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، وسُجن على ذمة التحقيق في الاتهامات الموجهة إليه بدعم الإرهاب. وكان دميرتاش بحكم منصبه رئيساً للحزب أبرز معارضي الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الذي يتهم حزب الشعوب الديمقراطي، بأنه الذراع السياسي لحزب العمال الكردستاني (المحظور).
وقال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم أمس إن بلاده تلمس تغيرا في مواقف ألمانيا تجاه العمال الكردستاني، المصنف في تركيا والاتحاد الأوروبي وأميركا منظمة إرهابية، معتبرا أن هذا التغير يبعث الأمل في تعزيز العلاقات بين أنقرة وبرلين.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».