منطقة برج حمود اللبنانية.. تنوع ديموغرافي كبير يسكنه الخوف

اتهامات لسوريين بخلق إشكالات أمنية.. والسلطات تتخذ إجراءات وسط انتقادات بأنها تساوي الجيد بالرديء

لافتة تتوسط شارعا رئيسا في منطقة برج حمود تعلن فرض حظر على تجوال السوريين ليلا («الشرق الأوسط»)
لافتة تتوسط شارعا رئيسا في منطقة برج حمود تعلن فرض حظر على تجوال السوريين ليلا («الشرق الأوسط»)
TT

منطقة برج حمود اللبنانية.. تنوع ديموغرافي كبير يسكنه الخوف

لافتة تتوسط شارعا رئيسا في منطقة برج حمود تعلن فرض حظر على تجوال السوريين ليلا («الشرق الأوسط»)
لافتة تتوسط شارعا رئيسا في منطقة برج حمود تعلن فرض حظر على تجوال السوريين ليلا («الشرق الأوسط»)

ينقل السوري حسن مرعي صناديق الخضار من متجره في شارع المخفر بضاحية برج حمود شرق العاصمة اللبنانية بيروت، كي لا يتكبد خسائر إضافية. فقرار قوى الأمن الداخلي بإقفال المحال التجارية التي يشغلها سوريون، دفعه للبحث عن طريقة يقلص بها الخسائر.
يتفهم مرعي القرار الذي اتخذ على خلفية سلسلة إشكالات أمنية وقعت في المنطقة بين لبنانيين وسوريين، بعد إشكال كبير بين لبنانيين وأكراد نهاية الشهر الماضي، أدى لإصابة اللبناني إلياس كرش بقارورة غاز على رأسه. لكن مرعي يرى أن القرار «ساوى بين كل السوريين هنا»، رغم «أنني محايد ولم أصطدم مع أي شخص في المنطقة».
في الحقيقة لم تكن حادثة ضرب كردي لواحد من سكان المنطقة بقارورة الغاز، إلا القشة التي قصمت ظهر البعير. فالخلافات بين السوريين وسكان المنطقة، تجاوز عددها خلال سنتين ونصف السنة الـ12 إشكالا، بحسب ما يقول مصدر محلي بارز لـ«الشرق الأوسط». بيد أن الإشكال الأخير، كان «أكثر وقعا»، بزعم أنه «جيش السكان ضد الأكراد الذين يسكنون المنطقة منذ 23 عاما، وضايقوا السكان عبر إشكالات فردية مع شبان من أهالي المحلة، ومعاكسة الفتيات المقيمات في المنطقة»، حتى باتت برج حمود كتلة خوف يسكنها تنوع ديموغرافي كبير.
ويعد الخليط الديموغرافي في برج حمود، أبرز أسباب التوترات الأمنية فيها، كونها تضم أحياء شعبية «من المنطقي جدا أن تشهد احتكاكات، شأنها شأن سائر المناطق الشعبية في لبنان»، كما يقول المصدر. وتحولت هذه المنطقة إلى وجهة للاجئي منطقة الشرق الأوسط، منذ الحرب العالمية الأولى، ومقصدا للفقراء اللبنانيين الذين نزحوا من البقاع (بشرق لبنان) وجنوبه باتجاهها، كونها تقع في منطقة صناعية وتجارية هامة في المدينة، إلى جانب المرفأ والمدينة الصناعية، فضلا عن أن أغلب سكانها، وهم من الأرمن، يعدون من أبرز الصناعيين والحرفيين في لبنان، بدءا من صناعة المجوهرات وصولا إلى الصناعات المعدنية الثقيلة والأحذية.
أبناء المنطقة يفرقون بين الجيد والرديء من الوافدين الأجانب إلى برج حمود، فيقول أحد سكان المنطقة واسمه بيار صعب لـ«الشرق الأوسط»: «ليست كل أصابع اليد متشابهة. هناك النموذج السيئ والنموذج الذي يحترم مضيفه»، مشيرا إلى أن الهجمة التي تعرض لها السوريون والأكراد في الفترة الأخيرة «لها أسبابها الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب الأسباب الأخلاقية والأمنية».
ويعد الهاجس الأخير هو الأبرز في معضلة تعتري برج حمود، التي تستضيف كتلا بشرية متنوعة من مختلف الجنسيات والطوائف. وتردد أن فتيات يسكن الأحياء الشعبية في هذه الضاحية البيروتية، يتعرضن لمضايقات ومعاكسات كثيرة، أبرزها من الشبان الأكراد، وهو ما أكدته مصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط»، مشيرة إلى شكاوى عدة تلقتها في السابق عن مضايقات تعرضت لها الفتيات، من غير أن تحدد هوية الأشخاص الذين يقول السكان إنهم باتوا «مصدر خوف للقاطنات في برج حمود».
وتتعدى المخاوف في برج حمود الإطار المرتبط بالفتيات. ويتحدث السكان عن توقيفات تجريها الأجهزة الأمنية بشكل متكرر لمطلوبين لبنانيين وأجانب، أكثرها في الشارع الممتد من كنيسة مار يوسف إلى سانت ريتا، وفي منطقة النبعة، «مما يعني أن المطلوبين كثيرون»، كما يقول صاحب مطعم في المنطقة لـ«الشرق الأوسط»، مضيفا: «هذا يدحض كل النفي عن أن المنطقة خالية من أي توتر أمني، أو أنها لا تضم مطلوبين».
ويعول السكان على جهود الأجهزة الرسمية اللبنانية لإيجاد حلول لتبديد تلك المخاوف، في حين تؤكد مصادر وزارة الداخلية اللبنانية لـ«الشرق الأوسط» أن الخطة الأمنية الرسمية «ستشمل منطقة برج حمود بوصفها منطقة لبنانية موجودة في بيروت»، بصرف النظر عن «أعداد المطلوبين، أو أن تكون الأحداث الأخيرة في المنطقة دفعت نحو هذا الاتجاه»، مؤكدة أن الخطة «ستشمل كل المناطق بهدف بسط الأمن على سائر الأراضي اللبنانية». وتعد هذه الخطة استكمالا للخطة الأمنية التي أطلقتها القوى الأمنية اللبنانية في طرابلس، ثم في البقاع، بانتظار تنفيذها في بيروت وضواحيها.
وتؤكد النساء في هذه المنطقة الفقيرة والمكتظة، أن المشكلة تتعدى المعاكسة. وتقول إحدى ساكنات منطقة كنيسة مار يوسف، فضلت عدم الكشف عن اسمها: «إننا نفتقد الأمان هنا»، مشيرة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الشبان الأجانب، وتحديدا الأكراد، باتوا يشكلون مصدر الخوف الذي ازداد بعد أربعة حوادث عراك وإشكالات». وتضيف: «الشعور المتزايد بالخطر دفعني لأن أحمل في حقيبة يدي عبوة رذاذ تستخدم لرد المتحرشين والمعاكسين».
ويعد الشارع الممتد من كنيسة مار يوسف حتى منطقة سانت ريتا، واحدا من شارعين يشيع أبناء المنطقة أنهما باتا مصدر خطر على السكان. والشارعان معروفان بأن أغلبية ساحقة من الفقراء واللاجئين المتعددي الجنسيات، تسكنهما، مما تسبب في اكتظاظهما. وتقول اللبنانية المقيمة في المنطقة لـ«الشرق الأوسط» إن الشبان الأكراد بشكل خاص «يسكنون في غرف مكتظة، مما يضاعف المخاوف منهم». وتضيف: «لو كانت عائلات تسكن في غرفهم، لما تسببوا بهذا الخوف، خصوصا أن هذا الحي الشعبي (سانت ريتا) يستقطب غرباء يتحدرون من الأرياف، ولا نعرف ما إذا كان وجودهم شرعيا»، في إشارة إلى حصولهم على أوراق ثبوتية من الأمن العام اللبناني.
وتؤكد هذه التجربة ما يتردد بوفرة هنا، ليكون مؤشرا على أن السكان ضاقوا ذرعا بكم بشري من اللاجئين والعمال الأكراد، الذين يسكنون بمفردهم في شقق تخترق الشقق السكنية. وتضاعف هذا الخوف بعد اختبارها تجربة شخصية. تقول إحدى المقيمات في حي شعبي لـ«الشرق الأوسط»: «أي حادثة تلاسن بين شخص وآخر، تستقطب خلال دقائق معدودة عشرات الشبان، مما يشكل تهديدا لأمننا الشخصي»، مشيرة إلى أن هذا الواقع دفعها لترك المنزل أثناء غياب والدتها، في حين تزداد الاستفزازات بين الشبان الأكراد واللبنانيين.
غير أن بلدية برج حمود، تنفي وجود بؤر أمنية أو أحياء مغلقة في المنطقة. يقول نائب رئيس بلديتها جورج كريكوريان لـ«الشرق الأوسط»: «لا أنفي فحسب، بل أدعو كل الإعلاميين لزيارة تلك الأحياء في ساعات متأخرة من الليل، ليتيقنوا من أن هذه المخاوف لا أساس لها». ويرى أن «المخاوف والشائعات خلقت وضعا غير طبيعي، لكننا لا ننفي أن التوتر غير موجود»، مشيرا إلى أن حدود التوتر «لا تتخطى القائم في أي منطقة لبنانية أخرى، لكن التصوير أن برج حمود تتضمن مناطق مغلقة وبؤرا أمنية، كلام غير دقيق وغير مسؤول». ويؤكد أن الحساسيات والخلافات غير محصورة بالوافدين الأكراد أو الأجانب. ويقول إن «المشاكل قد تقع بين الجيران، لبنانيين أو أجانب، وهو أمر طبيعي في المناطق المكتظة، وقد وقعت عشرات الإشكالات خلال عامين، لكن للأسف، ما برز هو الخلافات بين اللبنانيين والأجانب في المنطقة». وأضاءت الإشكالات الأخيرة بين لبنانيين وأكراد، على وجودهم في المنطقة، إذ شكلت برج حمود نقطة استقطاب للاجئين الأكراد العراقيين والسوريين والأتراك، بعد عام 1991 على خلفية النزوح القسري من العراق. وازداد عددهم بشكل قياسي، خلال موجة النزوح الأخيرة من سوريا، على ضوء الحرب الدائرة هناك. ويقول سكان المنطقة إن منازل الأكراد المستأجرين هنا «استقطبت عددا كبيرا من أقاربهم الذي اضطروا للنزوح من مناطقهم بسوريا». وإلى جانب الإشكالات القديمة، وكان أعنفها قبل عام ونصف العام، دفع الإشكال الأخير الأجهزة الأمنية للتحرك تحت ضغط السكان.
ويؤكد كريكوريان أن أهالي برج حمود «لا يرفضون الوافدين»، موضحا: «في كل مجتمع يستضيف عددا كبيرا من الوافدين، تولد أزمات متنوعة وتوترات وصعوبات، وهذا الحال قائم في منطقتنا، كون التوتر مفهوم وتعود أسبابه إلى القضايا الأمنية والاقتصادية وأزمات السكن، لكن ذلك لا يعني أن المجتمع يرفض الوافدين، فالأهالي معروفون بأنهم يقبلون الآخر من وقت طويل»، ويضيف: «إننا لسنا مجتمعا منغلقا، وهذا أمر مستحيل بسبب التنوع الموجود في هذا النطاق، ولا يجوز تعميم المآخذ على فئة معينة».
ويأتي هذا التوضيح، بعدما تسبب الوجود الأجنبي في المنطقة بضغوط على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، وهو ما سبب توترا في المنطقة.
إزاء ذلك، اتخذت السلطات الأمنية الرسمية قرارا بإقفال المتاجر التي يستأجرها السوريون، بعدما وقع إشكال بين شاب لبناني كان يسير وخطيبته في أحد أحياء برج حمود، وشاب كردي عاكس الفتاة، مما اضطر خطيبها للرد. وبعدما تجمع السكان، رمى الشاب الكردي قارورة غاز معدنية أصابت إلياس كرش في رأسه، ونقل على أثرها إلى أحد المستشفيات.
وثار أبناء المنطقة اعتراضا على الوجود «العشوائي» للسوريين والأكراد، مما دفع القوى الأمنية اللبنانية للمبادرة باتخاذ خطوات وقائية، كما دفع البلدية إلى اتخاذ قرار يمنع السوريين من التجول بين الساعتين الثامنة مساء والسادسة صباحا.
ويبدو شارع المخفر مقفرا قبل الظهر، حيث توجد أكبر نسبة من اللاجئين السوريين. المحال التجارية التي يشغلها السوريون أقفل معظمها «بقرار من قوى الأمن الداخلي». تسأل سيدة ستينية البائع السوري حسن مرعي الذي كان يخرج الخضار من المتجر عن سبب الإقفال. يقول إنه لا يعرف، «لكن قوى الأمن طلبت منا ذلك، واستجبنا». لا يعرف مرعي أن السبب يعود إلى «تبليغات كثيرة وصلت إلى وزارة الداخلية، مما اضطرها إلى اتخاذ القرار»، كما تقول مصادر لـ«الشرق الأوسط». لكن مرعي استجاب، على مضض، آملا أن «تنتهي المشاكل الأمنية، وتعود الحياة إلى طبيعتها».
ويرفض كريكوريان ربط الإجراء بالإشكالات الأخيرة. ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن إقفال المحال التجارية «إجراء روتيني»، موضحا أن آلية قرار مشابه تتخذه القوى الأمنية الرسمية، ويبدأ من «طلب وزارة الداخلية من البلديات إفادة المراجع المختصة بالمؤسسات المسجلة لديها، وبالإيجارات، لتفيدها بها، وهذه الهيئات المركزية تضبط الأمور التي تخرج عن القانون»، رافضا وضع هذا التدبير «في خانات أمنية، أو تحميله تفسيرات، لأنه يقع ضمن الإجراءات الروتينية».
وإذ يشدد كريكوريان على أن هذا التدبير «مؤقت إلى حين تسوية الأوضاع القانونية»، يشير إلى أن إقفال المحال «لم يطلب ممن يمتلكون عقود إيجار رسمية، أو الأشخاص الخاضعين للإجراءات، بل يطال المخالفين». ويقول إن البلدية «كانت تقوم بواجباتها بانتظام، عبر إفادة السلطات المعنية بصورة الوضع، بشكل يومي»، لافتا إلى أن «المعني بتلك الإجراءات هو السلطات الرسمية اللبنانية، وليس البلدية».
وتتفاوت أوضاع السوريين في برج حمود، بين نازحين، وعمال كانوا يقيمون في المنطقة قبل اندلاع الأزمة السورية. معظم هؤلاء، اليوم، هم «عمال متواضعون جاءوا بهدف الاسترزاق، ويعيشون مع عائلاتهم»، كما تقول مصادر البلدية، وبالتالي «ليسوا معنيين بإشكاليات وحساسيات. ولكن لا يخلو الأمر، وخصوصا عند شبان من عمر معين قد يقومون بتصرفات صبيانية غير مقبولة، من ردود فعل.. لكن التعميم لا يجوز». والذين ينأون بنفسه عن التصادم مع الآخرين في برج حمود يشكلون أكثرية. حسن مرعي مثالا، فقد نزح من حلب بشمال سوريا، قبل عام، لاجئا إلى المنطقة. الشاب العشريني الذي كان يعمل ميكانيكيا للسيارات في بلاده، لم يجد ما يسد رمق عائلته، ويدفع إيجار منزله. اختار أن يستأجر محلا صغيرا يبيع فيه الخضار، بمبلغ 700 دولار شهريا. ويقيم مع عائلته في غرفة واحدة في مكان قريب، أستأجرها بـ250 دولارا، يقول: «جئنا إلى هنا لنعيش، ولا نرضى أن نشتبك مع أحد». لكن وضعيته هذه لم تحل من دون أن يشمله إجراء البلدية الأخير والقاضي بمنع الأجانب، والسوريين ضمنا، من التجول من الساعة الثامنة مساء حتى السادسة صباحا.
هذا الإجراء يرفضه أيضا بعض السكان المحليين، ومنهم ريتا (34 سنة)، التي تعده «قرارا لا يحل قضية انتشار الجريمة والتوتر الأمني».
وترى أن الحل يبدأ بـ«تنظيم السكن ومنع الشبان من أن يسكنوا في مناطق سكن العائلات، من غير عائلاتهم، كما المطلوب نشر أعداد إضافية من عناصر البلدية والقوى الأمنية على الأرض».
ويوافق سيبوه (23 سنة)، وهو شاب لبناني أرمني يقيم في المنطقة، ريتا، في رأيها. يجد أن القرار «غير مبرر، لأن السلطات الرسمية معنية بحفظ الأمن، ولا يجوز التعميم على الجميع»، مشيرا إلى أن «مسببي الشغب والتوتر موجودون ومعروفون، ويجب توقيفهم من قبل القوى الأمنية»، مما يعني أن القرار الأخير الصادر عن البلدية «تعميم يساوي الجيد بالرديء».
وبينما لم تلق خطوة البلدية استحسانا لدى جميع السكان، يؤكد نائب رئيس البلدية، قائلا: «إننا من آخر البلديات التي اتخذت هذا القرار، بعد أكثر من ثلاث سنوات على النزوح السوري»، مشيرا إلى أنه «في ظل الوضع القائم، عقد اجتماع ترأسه القائمقام، واتخذ الإجراء بهدف تهدئة الأوضاع». وشدد على أن الإجراء «يأتي في سياق المحاولة لتفادي أي تطور غير محسوب».

* ثقل الوجود الأرمني .. و«مصهر شعوب العالم»
* تعرف برج حمود بأنها ثقل الوجود الأرمني في لبنان، وتقع إلى الشرق من نهر بيروت. شكلت المنطقة وجهة الأرمن الذين هربوا من اضطهاد العثمانيين في الحرب العالمية الأولى، وسكنوا فيها، حيث أنشأوا مصانعهم ومؤسسات صناعية وتجارية تستقطب مختلف التجار اللبنانيين.
إثر النكبة الفلسطينية عام 1948، كانت المنطقة وجهة للفلسطينيين من ضمن مناطق لبنانية أخرى، ويوجد فيها حتى الآن مخيم للاجئين الفلسطينيين. وإثر محاولة اللبنانيين الخروج من النظام «المقاطعجي»، أي تحكم وجهاء المناطق بالموارد الزراعية الذي كان سائدا في قرى جنوب لبنان في الخمسينات، نزح عدد كبير من الجنوبيين إلى برج حمود، وأقاموا في منطقة النبعة التي ينظر البعض إليها الآن على أنها نقطة توتر أمني، غير أنه بعد الحرب اللبنانية في عام 1975، وإثر الصراع الطائفي، نزح معظم هؤلاء الفلسطينيين والجنوبيين وبعض أبناء طرابلس من برج حمود من جديد، وأقام معظم أبناء الجنوب الشيعة والسنة في مناطق الضاحية الجنوبية لبيروت.
واستقبلت برج حمود اللاجئين الأكراد بعد مجزرة حلبجة، ومعظمهم من أكراد تركيا وسوريا والعراق، بينما بدأت موجات النزوح العراقي، باتجاه المنطقة في عام 1991. قبل أن تكون محطة لوفود من اللاجئين المسيحيين العراقيين بعد غزو العراق عام 2003. وذلك قبل انتقالهم إلى بلدان غربية، وإثر الأزمة السورية، استقبلت وفودا من السوريين والأكراد اللاجئين، الذين أقاموا فيها وبدأوا بإنشاء مؤسسات لهم.
ويقول مطلعون على أحوال برج حمود، إنها أشبه بـ«مصهر الشعوب»، نظرا للتنوع فيها، من جنسيات أفريقية، حيث يقطنها عدد كبير من العمال من إثيوبيا وسريلانكا والسودان ومصر وغيرها، والجنسيات الآسيوية. ويزداد الإقبال عليها، على ضوء انخفاض أسعار الإيجارات، وتوفر فرص العمل.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.