إيران... الدين أداة آيديولوجية في يد السلطة السياسية

عباس أمانت يقرأ تاريخها خلال خمسة قرون

من مظاهرات إيران الاحتجاجية الأخيرة
من مظاهرات إيران الاحتجاجية الأخيرة
TT

إيران... الدين أداة آيديولوجية في يد السلطة السياسية

من مظاهرات إيران الاحتجاجية الأخيرة
من مظاهرات إيران الاحتجاجية الأخيرة

كثيراً ما جذبت إيران طوال سنوات كتّاب التاريخ، أي منذ خط هيرودوت ما خطه على الورق، كما أبعدت قسماً منهم لأسباب عديدة متعلقة بهويتها المركبة بصفتها عاملاً أساسياً مؤثراً في أحداث العالم لآلاف السنين. وكثيراً ما يجعل هذا التفاعل بين الانبهار والرفض من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تقديم سرد موضوعي لأحداث التاريخ الإيراني. نتيجة لذلك كانت إيران، كما يقرّ عباس أمانت مؤلف هذا الكتاب الدسم والثري «معرّضة لنوع من التدقيق» أطلق عليه أمانت «تاريخ متأثر بالمواقف». يعني ذلك عملياً أن الذين يكتبون عن إيران يكتبون أيضاً عن أنفسهم، أو على الأقل يوضحون رؤية جيلهم أو الباحثين المعاصرين للأحداث التاريخية.
لنبدأ بالقول إنه من الممتع قراءة كتاب أمانت «إيران: تحديات تاريخ متأثر بالمواقف»، الذي يركز على تاريخ إيران منذ قيام الدولة الصفوية عام 1501 حتى يومنا هذا، بفضل التدفق النثري السلس، وبخاصة بالنسبة إلى القارئ غير المتخصص. مع ذلك يضفي استخدام مصطلح «حديث» بعض الغموض كما يعترف أمانت نفسه؛ فهل دخلت إيران العالم الحديث مع قيام الدولة الصفوية؟ ربما الأهم من ذلك هو هل نحن على يقين من أن إيران قد دخلت العالم الحديث، الذي يعني أموراً مختلفة لأشخاص مختلفين؛ إذ يقوم مفهوم الحداثة، وهو ثمرة التنوير، على الرؤية الخطية للتاريخ الإنساني بوصفه تسلسلاً نحو التقدم ينتقل من نقطة منخفضة إلى نقطة أعلى فأعلى.
لا يورط أمانت نفسه فيما تتسم به مسألة الحداثة من تعقيد، لكنه يشير ضمناً إلى أن العالم الحديث قد بدأ مع صعود ما يسمى «إمبراطوريات البارود» الذين مثّلوا أطرافاً جديدة فاعلة في التاريخ باستخدام أسلحة الدمار الشامل في زمنهم للتوسع من خلال الحروب؛ نظراً لكون إيران من أولى ضحايا «إمبراطورية البارود» إبّان حقبة الصفويين، وكانت تلك الإمبراطورية هي الإمبراطورية العثمانية تحت قيادة السلطان سليم. ويمكن للمرء القول إن إيران قد دخلت التاريخ الحديث، وبخاصة بعد أن امتلك الصفويون واستخدموا المدفعية الحديثة. لاحقاً، واصلت إيران انغماسها في الحداثة، أثناء حكم القاجاريين، الذين أعقبوا الصفويين في الحكم بعد فترة طويلة ودامية من حكم أسرتين أخريين، من خلال إجراء عدد من الإصلاحات المادية والمؤسسية. وتسارعت خطى التحديث بعد ذلك إبّان فترة حكم الدولة البهلوية، التي أعقبت الدولة القاجارية في حكم البلاد، من خلال التركيز على تحويل البلاد إلى دولة على الطراز الغربي، وربما إلى نموذج للثقافة الفارسية بأكملها.
يتبنى أمانت في سرد الأحداث الآراء السائدة التي تبناها الباحثون الغربيون، بل وحتى الروس، فيما يتعلق بالتاريخ الإيراني خلال القرون الخمسة الماضية. وما يزيد كتابه إثارة هو إخبار القارئ كيف ينظر للبحث الحديث، الذي يهيمن عليه الأكاديميون والباحثون الغربيون، إلى إيران. تتميز هذه الطريقة بعبقريتها في العرض المنطقي والتبسيط. على سبيل المثال، يقال إن الدولة الصفوية، التي أسسها المحارب الشاب إسماعيل، هي التي أدخلت الإسلام الشيعي إلى إيران، وجعلته الدين الرسمي للدولة بقوة السلاح. يعني هذا تجاهل حقيقة وجود المذهب الشيعي، بمختلف طوائفه، في إيران قبل حكم الدولة الصفوية بخمسمائة عام. كذلك، قد يتساءل المرء عن المذهب الشيعي الذي كان يتبعه الصفويون حقاً.
إنهم لم يكتبوا نصاً لاهوتياً عن الموضوع، واضطروا إلى الاستعانة برجال الدين من المناطق الشيعية في لبنان. ولم يكن يتبنى رجل الدين الشيعي الإيراني، وبخاصة في مدن مثل شيراز وأصفهان، رؤية شاه إسماعيل. في كل الأحوال قد يسأل المرء عما إذا كان المذهب الشيعي مجرد أداة آيديولوجية لإسماعيل أم لا. كان شاه إسماعيل الصفوي يحب أن يدعو نفسه بكيخسرو، وهو اسم لملك إيراني أسطوري قبل ظهور الإسلام، لا يزال يعد حتى اليوم مثالاً يحتذى به للملوك في الثقافة الفارسية. كذلك لم يطلق مؤسس الدولة الصفوية على أي من أبنائه اسماً لشخصية شيعية بارزة مثل علي، أو حسن، أو حسين، بل أطلق على ابنه وخليفته اسم طهماسب، على اسم أمير ومحارب آخر أسطوري يسبق ظهور الإسلام. كان اسم الابن المفضل لإسماعيل هو القاص ومعناه «المنتقم». وتم إطلاق اسم عباس على ثلاثة من ملوك الدولة الصفوية الاثنى عشر؛ تيمناً باسم عم الرسول، وجدّ العباسيين الذين أصبحوا ألدّ أعداء علي وخلفه. كان آخر ملوك الدولة الصفوية في أصفهان فقط هو من حمل اسم السلطان حسين.
كان شاه إسماعيل فخوراً بأمه المسيحية مارثا، تلك المرأة الجميلة البيزنطية، التي رفضت اعتناق الإسلام ناهيك عن المذهب الشيعي.
يكرر أمانت بعضاً من الأقوال القديمة عن الدولة الصفوية، أبرزها أن القزلباش (ذوي الرؤوس الحمراء)، وهم قوات النخبة التابعين لإسماعيل، كانوا يضعون جثث الجنود العثمانيين في الماء المغلي، ويأكلونهم وهم يحتسون الخمر.
تتجاهل نظرة الباحثين الغربيين للصفويين، التي عبّر عنها أمانت ببراعة، حالة الشيزوفرينيا التي تعاني منها إيران؛ فهي أمة لا تشعر بالارتياح تجاه الإسلام، لكنها في الوقت نفسه تتردد في التخلي عنه. لا يمكن لحقيقة استغلال الإسلام بمذاهبه المختلفة في الحروب بين الأسر الحاكمة، واستخدامه من جانب حركة الخميني اليوم في المجال السياسي، أن تخفي حقيقة أن الدين لا يزال يستخدم أداةً في يد السلطة السياسية وليس العكس.
كان الحرس الإمبراطوري للصفويين، أو القزلباش، يتحدثون التركية، في حين ملالي الملك، الذين تم استجلابهم من لبنان، يتحدثون العربية. لذا؛ لم يكن عمودا الدولة الجديدة يستطيعان التواصل بشكل مباشر مع رعايا الملك. وكان اختزال الأكاديميين للمشهد التاريخي بالقول إن «إيران قد تحولت إلى المذهب الشيعي خلال فترة حكم الدولة الصفوية» لا يخبرنا بالقصة الكاملة.
كذلك، يعيب رواية أمانت للتاريخ الإيراني خلال حقبة القاجاريين تلقي أفكاراً مسبقة من الصعب التخلص منها. تصوير القاجاريين على أنهم سلالة فاسدة منحطة رجعية لا تتمتع بأي كفاءة، يجعل من الصعب دراسة تأثير الأحداث التاريخية، وأهمها صعود القوى الإمبريالية الأوروبية، بشكل يتجاوز سيطرتهم. مع ذلك تحمل رواية أمانت ملمحاً إيجابياً يتمثل في تناول تقلبات الانشقاق الديني والسياسي خلال حقبة القاجاريين. مما يثير الاهتمام أيضاً تناول أمانت ظهور الدعوة البابية، ونشأة البهائية، ومحاولات قمعها من جانب القاجاريين؛ وهو أمر عادةً ما كان مؤرخو التاريخ الإيراني من الغربيين يتجنبون ذكره.
عندما نصل إلى حقبة الدولة البهلوية، سنرى أن أمانت يحاول، أحياناً بشكل بطولي، الابتعاد عن الأفكار المقولبة المسبقة التي أصبحت شعاراً لكثير من الباحثين الغربيين الذين كتبوا عن إيران. ورغم إدراكه الخطر المتمثل في احتمال نبذه من جانب المؤسسة الأكاديمية التي تنظر إلى الدولة البهلوية بازدراء، كان أمانت أحياناً يتحلى بالشجاعة لقول رأي يثير الاستياء ويخالف الإجماع الأكاديمي، ويؤكد أن اثنين من حكام الدولة البهلوية قد فعلا بعض الأمور الجيدة لصالح إيران، حيث يكتب: «خلال فترة حكم الدولة البهلوية شهد الإيرانيون في كل جيل تطوراً وتحسناً على المستوى المادي ومستوى النظافة والصحة، فبعد أن كانوا شعباً ضعيفاً مريضاً، ويعاني من سوء التغذية في بداية القرن، أصبحوا شعباً يظهر في الكثير من الصور الفوتوغرافية التي تعود إلى ذلك العصر، بوصفه شعباً نظيفاً يتمتع بصحة جيدة نسبياً وتغذية أفضل؛ كم هذا رائع».
يفند أمانت، وإن كان يتوخى الحذر وهو يفعل ذلك، زعم العصابات الماركسية والإسلامية المناهضة للشاه، بأن نظامه قد قتل «عشرات الآلاف» من أتباعهم ومؤيديهم. ويذكر أن إجمالي عدد الفدائيين، الذين تم إعدامهم، أو قتلهم خلال اشتباكات مع قوات الأمن قد بلغ 198، في حين خسر «مقاتلو الشعب» 15 فرداً فقط. أصبحت عبارة قتل «عشرات الآلاف» حقيقة لاحقاً خلال فترة حكم آية الله روح الله الخميني. بحذر أيضاً، ينحي أمانت جانباً الزعم التقليدي المنتشر في الدوائر الأكاديمية الغربية بأن ما فعله الشاه كان بدافع تلبية رغبات القوى الغربية، حيث يكتب: «بحلول منتصف الستينات، لم تكن لأي من الولايات المتحدة أو بريطانيا سيطرة أو نفوذ على سلوكه وتصرفاته».
في محاولته الفدائية للهرب من الأفكار المسبقة، يكسر أمانت حاجزاً كبيراً متمثلاً في أحداث أغسطس (آب) 1953، التي أدت إلى إقالة حكومة محمد مصدق بعد عامين من شغله منصب رئيس الوزراء. الرواية المنتشرة في الدوائر الأكاديمية الغربية هي أن إقالة الشاه لمصدق كانت انقلاب من تخطيط وتدبير الاستخبارات المركزية الأميركية وتنفيذ الشاه وأعوانه في الجيش. يتم وصف أي شخص ينحرف عن هذه الرواية التاريخية بأنه تنقيحي، ويجعله هذا الوصف لا يقل سوءاً وبشاعة عن منكري محرقة اليهود، ويكون مصيره هو النبذ والطرد من دوائر البحث.
إنه يصف الأمر برمته بأنه مثل «مسودة لإحدى روايات غراهام غرين»، حيث يتبع طريقة ساخرة، وإن كانت لا تخلو من الحقيقة والجدية، للتشكيك في الفكرة المسبقة دون إثارة غضب وحنق المروجين لها في الدوائر الأكاديمية. لجأ أمانت إلى الكثير من المؤهلين للإشارة إلى أنه لا يتفق بشكل كامل مع الرواية الرسمية الخاصة بحكومة مصدق.
على سبيل المثال، يكتب أن الشاه بعد إقالته مصدق: «كان ربما يستعد للتخلي عن منصبه والذهاب إلى منفى دائم ربما في الولايات المتحدة، حيث اشترى على الأرجح مزرعة هناك». كذلك يتجرأ أمانت على انتقاد مصدق حين يكتب: «يمكن النظر إلى نهجه الاستبدادي المزعج كأحجية محيرة؛ فهل كان ينتمي إلى النهج المحافظ، أم الليبرالي أم الشعبوي المتطرف». ربما في كل الأحوال لم يكن أمانت ينظر إلى مصدق باعتباره ديمقراطياً ليبرالياً أطاحت به الإمبريالية الأميركية المدمرة.
مع ذلك، لحماية نفسه من هجمات ذئاب الأفكار المسبقة المقولبة، سرعان ما يعود أمانت إلى تكرار ذكر الرواية السائدة، وهو انحراف مؤسف لولاه لكانت روايته للأحداث موضوعية عادلة. لقد قام الشاه خلال الـ37 عاماً التي قضاها في الحكم بتعيين وإقالة 23 رئيس وزراء، بمن فيهم مصدق الذي قام بتعيينه مرتين.
هل نرى إذن إقالة كل منهم انقلاباً؟ لماذا لم يزعم مصدق نفسه أنه كان ضحية لانقلاب؟ السبب هو أن مصدق، الذي حظي بتعليم فرنساوي، كان يعلم أن هذه الكلمة الفرنسية الأصل تعني تغيير نظام دولة ما وحاكمها، ودستورها، بالعنف، ولم يحدث أي من هذا في إيران. لقد كانت إقالة مصدق خطأً من الناحية السياسية والأخلاقية، لكنها لم تكن انقلاباً. كذلك لم تكن الاستخبارات المركزية الأميركية قادرة على ممارسة هذا النفوذ الهائل على السياسة الإيرانية، ويدل على ذلك افتقارها للكفاءة الذي ظهر جلياً في الكثير من المواقف.
كان أمانت متوازناً أيضاً في روايته التاريخية لثورة الخميني والجمهورية الإسلامية خلال العقود الثلاثة الماضية. لقد كان يتناول بنبرة هادئة رزينة الإعدامات الجماعية، واحتجاز الرهائن، والتحريض على الإرهاب والقمع، وهي أمور أصبحت من الملامح والسمات الرئيسية لنظام الخميني. مع ذلك، أشار في الوقت ذاته إلى أن نظام الخميني قد منح إيران استقراراً يندر وجوده في منطقة الشرق الأوسط حالياً؛ رغم قول بعض المنتقدين إن الاستقرار الذي يتحدث عنه أمانت ما هو إلا ركود أو صمت القبور.
مع ذلك، هناك خطأ ارتكبه أمانت، وهو تأكيده على أن ثورة الخميني قد أوصلت «رجال الدين الشيعة إلى سدة الحكم»، فلم يكن هذا ما حدث حقاً. لم يكن الخميني يوماً واحداً من «كبار آيات الله الأربعة في عصره» كما يشير أمانت، بل كان الخميني حتى توليه السلطة يشغل الطبقة الثالثة في هرمية الشيعة، وحتى يخرج من الهرمية التقليدية استحدث لقب الإمام ومنحه لنفسه. كذلك لم تشارك سوى نسبة صغيرة من رجال الدين الشيعة البالغ عددهم نحو 250 ألف في ثورة 1978، حتى في يومنا هذا لا يمكن اعتبار أي من الملالي، الذين يشغلون مواقع أو مناصب قيادية في النظام، من بين الذين ينتمون إلى الصفوف العليا في هرمية رجال الدين.
يمثل كتاب أمانت عن التاريخ المتأثر بالمواقف بالتوجه إسهاماً مرحباً به رغم أن تغيير المواقف في بعض الأحوال قد يحسّن الأمور.


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.