إيران... الدين أداة آيديولوجية في يد السلطة السياسية

عباس أمانت يقرأ تاريخها خلال خمسة قرون

من مظاهرات إيران الاحتجاجية الأخيرة
من مظاهرات إيران الاحتجاجية الأخيرة
TT

إيران... الدين أداة آيديولوجية في يد السلطة السياسية

من مظاهرات إيران الاحتجاجية الأخيرة
من مظاهرات إيران الاحتجاجية الأخيرة

كثيراً ما جذبت إيران طوال سنوات كتّاب التاريخ، أي منذ خط هيرودوت ما خطه على الورق، كما أبعدت قسماً منهم لأسباب عديدة متعلقة بهويتها المركبة بصفتها عاملاً أساسياً مؤثراً في أحداث العالم لآلاف السنين. وكثيراً ما يجعل هذا التفاعل بين الانبهار والرفض من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تقديم سرد موضوعي لأحداث التاريخ الإيراني. نتيجة لذلك كانت إيران، كما يقرّ عباس أمانت مؤلف هذا الكتاب الدسم والثري «معرّضة لنوع من التدقيق» أطلق عليه أمانت «تاريخ متأثر بالمواقف». يعني ذلك عملياً أن الذين يكتبون عن إيران يكتبون أيضاً عن أنفسهم، أو على الأقل يوضحون رؤية جيلهم أو الباحثين المعاصرين للأحداث التاريخية.
لنبدأ بالقول إنه من الممتع قراءة كتاب أمانت «إيران: تحديات تاريخ متأثر بالمواقف»، الذي يركز على تاريخ إيران منذ قيام الدولة الصفوية عام 1501 حتى يومنا هذا، بفضل التدفق النثري السلس، وبخاصة بالنسبة إلى القارئ غير المتخصص. مع ذلك يضفي استخدام مصطلح «حديث» بعض الغموض كما يعترف أمانت نفسه؛ فهل دخلت إيران العالم الحديث مع قيام الدولة الصفوية؟ ربما الأهم من ذلك هو هل نحن على يقين من أن إيران قد دخلت العالم الحديث، الذي يعني أموراً مختلفة لأشخاص مختلفين؛ إذ يقوم مفهوم الحداثة، وهو ثمرة التنوير، على الرؤية الخطية للتاريخ الإنساني بوصفه تسلسلاً نحو التقدم ينتقل من نقطة منخفضة إلى نقطة أعلى فأعلى.
لا يورط أمانت نفسه فيما تتسم به مسألة الحداثة من تعقيد، لكنه يشير ضمناً إلى أن العالم الحديث قد بدأ مع صعود ما يسمى «إمبراطوريات البارود» الذين مثّلوا أطرافاً جديدة فاعلة في التاريخ باستخدام أسلحة الدمار الشامل في زمنهم للتوسع من خلال الحروب؛ نظراً لكون إيران من أولى ضحايا «إمبراطورية البارود» إبّان حقبة الصفويين، وكانت تلك الإمبراطورية هي الإمبراطورية العثمانية تحت قيادة السلطان سليم. ويمكن للمرء القول إن إيران قد دخلت التاريخ الحديث، وبخاصة بعد أن امتلك الصفويون واستخدموا المدفعية الحديثة. لاحقاً، واصلت إيران انغماسها في الحداثة، أثناء حكم القاجاريين، الذين أعقبوا الصفويين في الحكم بعد فترة طويلة ودامية من حكم أسرتين أخريين، من خلال إجراء عدد من الإصلاحات المادية والمؤسسية. وتسارعت خطى التحديث بعد ذلك إبّان فترة حكم الدولة البهلوية، التي أعقبت الدولة القاجارية في حكم البلاد، من خلال التركيز على تحويل البلاد إلى دولة على الطراز الغربي، وربما إلى نموذج للثقافة الفارسية بأكملها.
يتبنى أمانت في سرد الأحداث الآراء السائدة التي تبناها الباحثون الغربيون، بل وحتى الروس، فيما يتعلق بالتاريخ الإيراني خلال القرون الخمسة الماضية. وما يزيد كتابه إثارة هو إخبار القارئ كيف ينظر للبحث الحديث، الذي يهيمن عليه الأكاديميون والباحثون الغربيون، إلى إيران. تتميز هذه الطريقة بعبقريتها في العرض المنطقي والتبسيط. على سبيل المثال، يقال إن الدولة الصفوية، التي أسسها المحارب الشاب إسماعيل، هي التي أدخلت الإسلام الشيعي إلى إيران، وجعلته الدين الرسمي للدولة بقوة السلاح. يعني هذا تجاهل حقيقة وجود المذهب الشيعي، بمختلف طوائفه، في إيران قبل حكم الدولة الصفوية بخمسمائة عام. كذلك، قد يتساءل المرء عن المذهب الشيعي الذي كان يتبعه الصفويون حقاً.
إنهم لم يكتبوا نصاً لاهوتياً عن الموضوع، واضطروا إلى الاستعانة برجال الدين من المناطق الشيعية في لبنان. ولم يكن يتبنى رجل الدين الشيعي الإيراني، وبخاصة في مدن مثل شيراز وأصفهان، رؤية شاه إسماعيل. في كل الأحوال قد يسأل المرء عما إذا كان المذهب الشيعي مجرد أداة آيديولوجية لإسماعيل أم لا. كان شاه إسماعيل الصفوي يحب أن يدعو نفسه بكيخسرو، وهو اسم لملك إيراني أسطوري قبل ظهور الإسلام، لا يزال يعد حتى اليوم مثالاً يحتذى به للملوك في الثقافة الفارسية. كذلك لم يطلق مؤسس الدولة الصفوية على أي من أبنائه اسماً لشخصية شيعية بارزة مثل علي، أو حسن، أو حسين، بل أطلق على ابنه وخليفته اسم طهماسب، على اسم أمير ومحارب آخر أسطوري يسبق ظهور الإسلام. كان اسم الابن المفضل لإسماعيل هو القاص ومعناه «المنتقم». وتم إطلاق اسم عباس على ثلاثة من ملوك الدولة الصفوية الاثنى عشر؛ تيمناً باسم عم الرسول، وجدّ العباسيين الذين أصبحوا ألدّ أعداء علي وخلفه. كان آخر ملوك الدولة الصفوية في أصفهان فقط هو من حمل اسم السلطان حسين.
كان شاه إسماعيل فخوراً بأمه المسيحية مارثا، تلك المرأة الجميلة البيزنطية، التي رفضت اعتناق الإسلام ناهيك عن المذهب الشيعي.
يكرر أمانت بعضاً من الأقوال القديمة عن الدولة الصفوية، أبرزها أن القزلباش (ذوي الرؤوس الحمراء)، وهم قوات النخبة التابعين لإسماعيل، كانوا يضعون جثث الجنود العثمانيين في الماء المغلي، ويأكلونهم وهم يحتسون الخمر.
تتجاهل نظرة الباحثين الغربيين للصفويين، التي عبّر عنها أمانت ببراعة، حالة الشيزوفرينيا التي تعاني منها إيران؛ فهي أمة لا تشعر بالارتياح تجاه الإسلام، لكنها في الوقت نفسه تتردد في التخلي عنه. لا يمكن لحقيقة استغلال الإسلام بمذاهبه المختلفة في الحروب بين الأسر الحاكمة، واستخدامه من جانب حركة الخميني اليوم في المجال السياسي، أن تخفي حقيقة أن الدين لا يزال يستخدم أداةً في يد السلطة السياسية وليس العكس.
كان الحرس الإمبراطوري للصفويين، أو القزلباش، يتحدثون التركية، في حين ملالي الملك، الذين تم استجلابهم من لبنان، يتحدثون العربية. لذا؛ لم يكن عمودا الدولة الجديدة يستطيعان التواصل بشكل مباشر مع رعايا الملك. وكان اختزال الأكاديميين للمشهد التاريخي بالقول إن «إيران قد تحولت إلى المذهب الشيعي خلال فترة حكم الدولة الصفوية» لا يخبرنا بالقصة الكاملة.
كذلك، يعيب رواية أمانت للتاريخ الإيراني خلال حقبة القاجاريين تلقي أفكاراً مسبقة من الصعب التخلص منها. تصوير القاجاريين على أنهم سلالة فاسدة منحطة رجعية لا تتمتع بأي كفاءة، يجعل من الصعب دراسة تأثير الأحداث التاريخية، وأهمها صعود القوى الإمبريالية الأوروبية، بشكل يتجاوز سيطرتهم. مع ذلك تحمل رواية أمانت ملمحاً إيجابياً يتمثل في تناول تقلبات الانشقاق الديني والسياسي خلال حقبة القاجاريين. مما يثير الاهتمام أيضاً تناول أمانت ظهور الدعوة البابية، ونشأة البهائية، ومحاولات قمعها من جانب القاجاريين؛ وهو أمر عادةً ما كان مؤرخو التاريخ الإيراني من الغربيين يتجنبون ذكره.
عندما نصل إلى حقبة الدولة البهلوية، سنرى أن أمانت يحاول، أحياناً بشكل بطولي، الابتعاد عن الأفكار المقولبة المسبقة التي أصبحت شعاراً لكثير من الباحثين الغربيين الذين كتبوا عن إيران. ورغم إدراكه الخطر المتمثل في احتمال نبذه من جانب المؤسسة الأكاديمية التي تنظر إلى الدولة البهلوية بازدراء، كان أمانت أحياناً يتحلى بالشجاعة لقول رأي يثير الاستياء ويخالف الإجماع الأكاديمي، ويؤكد أن اثنين من حكام الدولة البهلوية قد فعلا بعض الأمور الجيدة لصالح إيران، حيث يكتب: «خلال فترة حكم الدولة البهلوية شهد الإيرانيون في كل جيل تطوراً وتحسناً على المستوى المادي ومستوى النظافة والصحة، فبعد أن كانوا شعباً ضعيفاً مريضاً، ويعاني من سوء التغذية في بداية القرن، أصبحوا شعباً يظهر في الكثير من الصور الفوتوغرافية التي تعود إلى ذلك العصر، بوصفه شعباً نظيفاً يتمتع بصحة جيدة نسبياً وتغذية أفضل؛ كم هذا رائع».
يفند أمانت، وإن كان يتوخى الحذر وهو يفعل ذلك، زعم العصابات الماركسية والإسلامية المناهضة للشاه، بأن نظامه قد قتل «عشرات الآلاف» من أتباعهم ومؤيديهم. ويذكر أن إجمالي عدد الفدائيين، الذين تم إعدامهم، أو قتلهم خلال اشتباكات مع قوات الأمن قد بلغ 198، في حين خسر «مقاتلو الشعب» 15 فرداً فقط. أصبحت عبارة قتل «عشرات الآلاف» حقيقة لاحقاً خلال فترة حكم آية الله روح الله الخميني. بحذر أيضاً، ينحي أمانت جانباً الزعم التقليدي المنتشر في الدوائر الأكاديمية الغربية بأن ما فعله الشاه كان بدافع تلبية رغبات القوى الغربية، حيث يكتب: «بحلول منتصف الستينات، لم تكن لأي من الولايات المتحدة أو بريطانيا سيطرة أو نفوذ على سلوكه وتصرفاته».
في محاولته الفدائية للهرب من الأفكار المسبقة، يكسر أمانت حاجزاً كبيراً متمثلاً في أحداث أغسطس (آب) 1953، التي أدت إلى إقالة حكومة محمد مصدق بعد عامين من شغله منصب رئيس الوزراء. الرواية المنتشرة في الدوائر الأكاديمية الغربية هي أن إقالة الشاه لمصدق كانت انقلاب من تخطيط وتدبير الاستخبارات المركزية الأميركية وتنفيذ الشاه وأعوانه في الجيش. يتم وصف أي شخص ينحرف عن هذه الرواية التاريخية بأنه تنقيحي، ويجعله هذا الوصف لا يقل سوءاً وبشاعة عن منكري محرقة اليهود، ويكون مصيره هو النبذ والطرد من دوائر البحث.
إنه يصف الأمر برمته بأنه مثل «مسودة لإحدى روايات غراهام غرين»، حيث يتبع طريقة ساخرة، وإن كانت لا تخلو من الحقيقة والجدية، للتشكيك في الفكرة المسبقة دون إثارة غضب وحنق المروجين لها في الدوائر الأكاديمية. لجأ أمانت إلى الكثير من المؤهلين للإشارة إلى أنه لا يتفق بشكل كامل مع الرواية الرسمية الخاصة بحكومة مصدق.
على سبيل المثال، يكتب أن الشاه بعد إقالته مصدق: «كان ربما يستعد للتخلي عن منصبه والذهاب إلى منفى دائم ربما في الولايات المتحدة، حيث اشترى على الأرجح مزرعة هناك». كذلك يتجرأ أمانت على انتقاد مصدق حين يكتب: «يمكن النظر إلى نهجه الاستبدادي المزعج كأحجية محيرة؛ فهل كان ينتمي إلى النهج المحافظ، أم الليبرالي أم الشعبوي المتطرف». ربما في كل الأحوال لم يكن أمانت ينظر إلى مصدق باعتباره ديمقراطياً ليبرالياً أطاحت به الإمبريالية الأميركية المدمرة.
مع ذلك، لحماية نفسه من هجمات ذئاب الأفكار المسبقة المقولبة، سرعان ما يعود أمانت إلى تكرار ذكر الرواية السائدة، وهو انحراف مؤسف لولاه لكانت روايته للأحداث موضوعية عادلة. لقد قام الشاه خلال الـ37 عاماً التي قضاها في الحكم بتعيين وإقالة 23 رئيس وزراء، بمن فيهم مصدق الذي قام بتعيينه مرتين.
هل نرى إذن إقالة كل منهم انقلاباً؟ لماذا لم يزعم مصدق نفسه أنه كان ضحية لانقلاب؟ السبب هو أن مصدق، الذي حظي بتعليم فرنساوي، كان يعلم أن هذه الكلمة الفرنسية الأصل تعني تغيير نظام دولة ما وحاكمها، ودستورها، بالعنف، ولم يحدث أي من هذا في إيران. لقد كانت إقالة مصدق خطأً من الناحية السياسية والأخلاقية، لكنها لم تكن انقلاباً. كذلك لم تكن الاستخبارات المركزية الأميركية قادرة على ممارسة هذا النفوذ الهائل على السياسة الإيرانية، ويدل على ذلك افتقارها للكفاءة الذي ظهر جلياً في الكثير من المواقف.
كان أمانت متوازناً أيضاً في روايته التاريخية لثورة الخميني والجمهورية الإسلامية خلال العقود الثلاثة الماضية. لقد كان يتناول بنبرة هادئة رزينة الإعدامات الجماعية، واحتجاز الرهائن، والتحريض على الإرهاب والقمع، وهي أمور أصبحت من الملامح والسمات الرئيسية لنظام الخميني. مع ذلك، أشار في الوقت ذاته إلى أن نظام الخميني قد منح إيران استقراراً يندر وجوده في منطقة الشرق الأوسط حالياً؛ رغم قول بعض المنتقدين إن الاستقرار الذي يتحدث عنه أمانت ما هو إلا ركود أو صمت القبور.
مع ذلك، هناك خطأ ارتكبه أمانت، وهو تأكيده على أن ثورة الخميني قد أوصلت «رجال الدين الشيعة إلى سدة الحكم»، فلم يكن هذا ما حدث حقاً. لم يكن الخميني يوماً واحداً من «كبار آيات الله الأربعة في عصره» كما يشير أمانت، بل كان الخميني حتى توليه السلطة يشغل الطبقة الثالثة في هرمية الشيعة، وحتى يخرج من الهرمية التقليدية استحدث لقب الإمام ومنحه لنفسه. كذلك لم تشارك سوى نسبة صغيرة من رجال الدين الشيعة البالغ عددهم نحو 250 ألف في ثورة 1978، حتى في يومنا هذا لا يمكن اعتبار أي من الملالي، الذين يشغلون مواقع أو مناصب قيادية في النظام، من بين الذين ينتمون إلى الصفوف العليا في هرمية رجال الدين.
يمثل كتاب أمانت عن التاريخ المتأثر بالمواقف بالتوجه إسهاماً مرحباً به رغم أن تغيير المواقف في بعض الأحوال قد يحسّن الأمور.


مقالات ذات صلة

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

كتب «القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة.

رشا أحمد (القاهرة)
كتب «تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

أعلنت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، الاثنين، القائمة القصيرة للدورة الثامنة، التي تضم 5 مجموعات قصصية.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

في روايتها «الخروج من غيط العنب»، تُعيد الكاتبة الروائية المصرية مي المغربي تشكيل المهمَّش، لا باعتباره تفصيلاً فائضاً في الحكاية، بل بصفته بؤرة العالم.

منى أبو النصر (القاهرة)

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض
TT

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة، على نحو يعزز مكانته الإقليمية والعالمية منذ بدايته الأولى عام 1969. وتنطلق الدورة الـ57 في الفترة من 21 يناير (كانون الثاني) الحالي حتى 3 فبراير (شباط) المقبل تحت شعار شديد الدلالة مقتبس عن قول مأثور لنجيب محفوظ وهو «من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قروناً».

ووصف وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو النسخة الجديدة بأنها «الأضخم في تاريخ المعرض وستحطم أرقاماً قياسية غير مسبوقة» بمشاركة 1547 دار نشر من 83 دولة، بإجمالي 6637 عارضاً، كما يضم البرنامج الثقافي 400 فعالية أدبية، و100 حفل توقيع، و120 فعالية فنية، بمشاركة 170 ضيفاً عربياً وأجنبياً، وحضور أكثر من 1500 مثقف ومبدع، عبر قاعات متعددة، من بينها قاعة المؤتمرات التي تستضيف 10 فعاليات في اليوم الواحد لأول مرة.

جدل التاريخ والهوية

وبعيداً عن لغة الأرقام، وعد الوزير في مؤتمر صحافي جمهور المعرض بـ«نسخة استثنائية ذات هوية متفردة ومختلفة، تستلهم روح الإبداع محلياً وإنسانياً، وتفتح آفاقاً أوسع للحوار والمعرفة، ليظل المعرض مساحة حية تلتقي فيها الكلمة بالفكر، والكتاب بالإنسان، لا سيما أنها تأتي عقب حدث عالمي تمثل في افتتاح المتحف المصري الكبير، الذي أعاد توجيه أنظار العالم إلى مصر وحضارتها العريقة وتاريخها الممتد، وهو ما انعكس على توجه المعرض وبرنامجه الثقافي، حيث يحتفي هذا العام بالهوية المصرية ويعيد قراءة التاريخ بوصفهما مصدراً أصيلاً للإبداع والمعرفة».

ومن جانبه، أكد أحمد مجاهد، الرئيس التنفيذي للمعرض، أن الاحتفاء بالأديب الكبير نجيب محفوظ بعدّه «شخصية المعرض» يتجسد في برنامج متكامل يشمل ندوات فكرية، وعروضاً سينمائية، وأنشطة فنية، من بينها معرض «نجيب محفوظ بعيون العالم»، الذي يضم 40 لوحة فنية لفنانين من مختلف دول العالم، بالتعاون مع الجمعية المصرية للكاريكاتير.

كما أوضح أن «شخصية معرض كتاب الطفل» هذا العام هي الفنان الكبير محيي الدين اللباد، ويتم الاحتفاء بمسيرته عبر ندوات متخصصة، ومعرض لأعماله، وأنشطة تفاعلية للأطفال، وإعادة طباعة عدد من كتبه، إلى جانب إصدار كتاب تذكاري يوثق مسيرته الإبداعية.

مبادرات جديدة

ويشهد المعرض في نسخته المرتقبة، عدة مبادرات جديدة منها «مكتبة لكل بيت»، التي تهدف إلى إعادة الكتاب ليكون جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية داخل البيوت المصرية والعربية، حيث تضم المبادرة مجموعة مختارة من 20 مؤلفاً متنوعاً من أهم ما أصدرته قطاعات وزارة الثقافة، إلى جانب «حقيبة نجيب محفوظ» التي تشمل 15 إصداراً من أبرز أعماله، في إطار دعم القراءة وإتاحة المعرفة للجميع.

واحتفاءً بتراث مصر غير المادي، يشهد المعرض للمرة الأولى إقامة مخيم «أهلنا وناسنا» الذي يقدم التراث الثقافي غير المادي لمحافظات مصر، إلى جانب الصالون الثقافي وجناح الطفل والبرنامج الفني المتنوع، ليؤكد معرض القاهرة الدولي للكتاب أنه رسالة ثقافية متجددة إلى العالم، تعكس الإيمان بدور الثقافة في بناء الوعي، وترسيخ الهوية، وتعزيز الحوار الإنساني.

ومن بين المبادرات الجديدة كذلك إطلاق «جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية» التي تُمنح باسم وزارة الثقافة المصرية، وبرعاية أحد البنوك الوطنية، بقيمة 500 ألف جنيه، وميدالية ذهبية تذكارية. ومن المنتظر أن يتم تنظيم حفل افتتاح فني كبير لأول مرة على مسرح «المنارة» بحي «مدينة نصر» بعنوان «يوسف شاهين... حدوتة مصرية»، احتفاءً بمئوية ميلاده، إلى جانب حفل ختام فني بعنوان «غنا القاهرة»، يتضمن تسليم جوائز المعرض، والإعلان عن الفائز بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى.

دعم رقمي للجمهور

وفي إطار جهود دعم جمهور المعرض وتوفير خدمات ميسرة تجعل من زيارتهم تجربة أكثر إمتاعاً، تم استحداث تطبيق موبايل ذكي يهدف إلى تنظيم الجهود الميدانية داخل المعرض، ضمن مبادرات برنامج «أنا متطوع» حيث يعد التطبيق منصة رقمية متكاملة توفّر للزوار مجموعة من الخدمات الذكية، من بينها خريطة تفاعلية لدور النشر، وإمكانية البحث عن عناوين الكتب ومعرفة أماكن الناشرين، إلى جانب عرض أجندة الفعاليات والأنشطة الثقافية اليومية.

كما يتيح التطبيق تحديد أماكن تمركز المتطوعين ومكاتب الاستعلامات، وتقديم تنبيهات لتجنّب مناطق الازدحام، خاصة عند بوابات الدخول. وعلى صعيد الدعم الميداني، يوفّر التطبيق آلية مباشرة لطلب مساعدة المتطوعين، والإبلاغ عن المشكلات أو حالات الطوارئ، وطلب الإسعاف، بما يضمن سرعة الاستجابة ورفع مستوى الأمان والتنظيم داخل المعرض. ويأتي إطلاق التطبيق استجابةً للزيادة المتواصلة في أعداد زوار المعرض خلال السنوات الأخيرة، وحرصاً على توظيف الحلول الرقمية الحديثة في دعم العمل التطوعي، وتعزيز كفاءة المتطوعين بعدّهم أحد الأعمدة الأساسية لنجاح المعرض.

حضور روماني

وتحل دولة رومانيا «ضيف شرف» الدورة الجديدة من المعرض في إطار الاستعداد للاحتفال بمرور 120 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين مصر ورومانيا عام 2026، حيث سيتم تنظيم 30 فعالية على مدار 13 يوماً، بمشاركة 60 ضيفاً من رومانيا، من بينهم 15 فناناً، و10 دور نشر رومانية، ورؤساء جامعات، إلى جانب مشاركة شخصيات رفيعة المستوى، من بينهم وزير الثقافة الروماني في حفل الافتتاح.


«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي
TT

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي - دار نشر الجامعة الأميركية في بيروت، 2026 - هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل، ويتعامل معه كخطاب قابل للفهم، مشروط بالمعرفة والسياق وحال الرائي، ومحكوم بقواعد وآداب للسائل والمسؤول. والكتاب، كما تُبرز مقدّمته، يتحرّك بين ضبط الأصول والانشغال بالتفصيلات التي تُنزل الرؤيا إلى العالم المحسوس، فيبدو الحلم صدى لعلاقات الإنسان بما حوله.

و تُقدّم المقدّمة تمييزاً بين الرؤيا الصادقة والرؤيا الكاذبة، وتفريعاً للأولى إلى «رؤيا تدبير» و«رؤيا تبشير» و«رؤيا إلهام»، وللثانية إلى «رؤيا هِمّة» و«رؤيا حديث نفس». ويظهر الاهتمام بألا تكون العبارة استسهالاً، إذ تتكرَّر الإشارة إلى أنّ اختلاف الناس وأحوالهم ينعكس على التأويل، والرؤيا لا تُنتَزع من سياق الرائي انتزاعاً. كما يتوقَّف الكتاب عند فكرة تداول علم التعبير وترجماته، ويَذكر ترجمة حنين بن إسحاق (260/873) لكتاب أرطيميدروس الأفسسي (القرن الثاني للميلاد)، في إشارة إلى تاريخ أطول لحضور تفسير الأحلام وتحوّلاته.

أما متنه، فمبنيّ على أبواب واسعة تمتد من «أصول الرؤيا وفصولها ومعرفة صدقها من كذبها» (الباب الأول)، إلى «في المسائل المتفرّقة التي سقطت من أماكنها فأثبتناها في هذا الموضع ليتمّ الكتاب بها إن شاء الله تعالى» (الباب التاسع والخمسون). وبين هذين الحدّين يتوزَّع العالم كلّه تقريباً على شبكة من العناوين، منها أبواب في رؤية الله تعالى والجنة والنار والملائكة والصراط والميزان ويوم القيامة (الباب الثالث)، وفي الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرعد والبرق والمطر والثلج والبرد والرياح والغبار والغمامة وما أشبهها (الباب الرابع)، وفي البحار والأودية والأنهار والحَبّ واللؤلؤ والماء والسفينة (الباب الخامس)، وفي النور والظلمة والنار والسراج والشمع والجمرة (السادس)، وفي الجبال والتلال والرمال والمغاور والتراب والآجر والجص والحائط (السابع). ثم ينفتح المتن على تفاصيل العمران والدور والبساتين والحمّامات والطواحين والسلالم (التاسع)، وعلى العطر وأنواعه مثل المسك والعنبر والكافور والعود والصندل وماء الورد والأدهان الطيبة والزعفران (العاشر).

ويتقدَّم الفهرس إلى موضوعات تمسّ الجسد والعبادة والسلطة والمعرفة. فنقرأ باباً في الغسل والوضوء والتيمّم والأذان والإقامة والصلاة والركوع والسجود والحج والغزو والصدقة والزكاة ونحوها (الثاني عشر)، وباباً في رؤية القاضي والخليفة والفقيه والإمام والحاكم والخطيب والمؤذن والطبيب والمريض والمكيال والميزان والقبّان (الثالث عشر)، إلى باب في القلم والدواة واللوح والمحبرة والمنشور والصك والكرّاسة (الرابع عشر). وتتتابع الأبواب لتشمل «جماعة الناس وأعضاءهم وأيديهم وأرجلهم... وما يرى فيهم من زيادة أو نقصان» (الخامس عشر)، ثم «الأبواب والعُقَد والخروج من موضع ضيق... والمفاتيح... والفرش والبُسُط» (السادس عشر)، ثم ما يتصل بالنار والدخان والرماد والشرار والأتون والتنانير والكوانين والقدور (السابع عشر)، وصولاً إلى أبواب في الطعام والشراب والكواميخ والأدوية والألبان والسموم والقيء والإسهال (الرابع والعشرون)، وفي الجواهر والدراهم والدنانير والفلوس والصُّفر والنحاس (الخامس والعشرون)، وفي الثياب والخفّ والنعل والخواتيم (السادس والعشرون)، وفي الحبل والغزل والقيد والخيط والشبكة والإبرة والقطن (السابع والعشرون).

ولا يكتفي المتن بما هو مألوف من الموجودات، فيُخصّص مساحة واسعة للحيوانات والهوام، من السباع والطيور والأسماك والسرطان ودواب الماء (الأبواب 40–49) إلى الحيات والعقارب والهوام وسمومها ولسعتها (الخمسون)، ثم أبواب في رؤية الجنّ والأبالسة والشياطين والسحرة والكهنة والأصنام (الحادي والخمسون). ويقترب الكتاب أيضاً من المجال الاجتماعي والرمزي، فنقرأ باباً في «الرؤيا التي تدل على طول أعمار الملوك وحُسن حالهم ورؤية الرئيس والسلطان... والاستدلال بالأسماء على الخير والشر» (الثالث والخمسون)، وآخر في «التماثيل والأصباغ والاختتان والتزويج والعرس والضيافة والوليمة» (الرابع والخمسون)، ثم باب في «العبادة والشكر لله والاستغفار والحمد والتسبيح وقراءة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم» (الخامس والخمسون). ويُختم الفهرس بباب في الزلزلة والرجفة والخسف والمسخ والطليق والخلع والوقوع في الماء والنار والسيل وعباراتها (السادس والخمسون)، وباب في رؤية النصارى والمجوس واليهود والبيعة والكنيسة والمقبرة والنواقيس وبيوت النيران (السابع والخمسون)، وباب في «أسقاط البيت...»، بما فيه من مراوح وغرابيل وقوارير، وغيرها من الأوعية (الثامن والخمسون).

إلى جانب المتن، يقدّم التحقيق خريطةً دقيقة للمخطوطات التي نُقل عنها النصّ، ويذكر أنها محفوظة في مؤسّسات متعدّدة، منها مكتبة أسعد أفندي (يرمز إليها بـ«س»، وتُعدّ أقدم ما رجع إليه التحقيق، وتقع في 72 ورقة، نحو 20 سطراً في الصفحة)، ومخطوطة توب كابي (يرمز إليها بـ«ك» في 75 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع استعمال أربعة ألوان للمداد)، ومخطوطة جامعة إسطنبول (يرمز إليها بـ«ط» في 58 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع إبراز العناوين والرموز باللون الأحمر)، ومخطوطة جامعة برنستون (يرمز إليها بـ«ب» في 61 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، بالأسود والأحمر)، ومخطوطة تشستر بيتي (يرمز إليها بـ«ت» في 86 ورقة، 15 سطراً في الصفحة، مع حواشٍ)، إضافةً إلى «مخطوطة جوروم» (يرمز إليها بـ«ج» في 61 ورقة، بإطار ذهبي، و19 سطراً في الصفحة). وتكشف المقدّمة كذلك عن علاقات النسخ ببعضها عبر رسم توضيحي، وعن ملاحظات تتّصل بالجمع بين الأبواب في بعض النسخ، وبسقوط مواضع أو انتقال الناسخ مباشرة إلى باب تالٍ.

وتتجلَّى قيمة التحقيق في صرامة منهجه، إذ يتّخذ نصّ «س» أساساً، ولا يثبت اختلافات النسخ الأخرى في الهوامش إلا إذا كان هناك خطأ صريح أو تحريف أو تصحيف أو خشية التباس على القارئ. كما يشرح التحقيق أنه رجّح قراءة نسخة على أخرى عند السقط أو النقص أو فساد العبارة، مشيراً إلى ما لا يُغيّر المعنى فلا يُثقل به الهامش. ويضيف إلى ذلك عملاً مُساعداً يسهّل التعامل مع الكتاب، من شرح مفردات غريبة، وتخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وإلحاق فهرس للرموز المؤولة، إلى جانب فهارس الآيات والأحاديث والأعلام وقائمة المصادر والمراجع. والأهم، أنّ هذا العمل يُبرز صوراً للمخطوطات، بما يمنح القارئ فرصة رؤية المادة التي عبرت القرون قبل أن تستقرّ في هذا الكتاب، مُظهراً صورةً للنص وهو في حالته الأولى، قبل أن يصير كتاباً بين يدي قارئ اليوم.


«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه
TT

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ (1942 - 2024) وقصصه. وجاء في افتتاحية المجلة التي كتبتها الشاعرة والأكاديمية جوسلين ميشيل ألمايدا: «يُعرف محمد الشارخ عالميّاً بإسهامه في (تعريب التكنولوجيا) من خلال تأسيسه شركة (صخر)، ويمثل دأبه على تطوير أنظمة الكتابة العربيّة والحروف الحاسوبيّة إسهاماً بارزاً في دراسة اللغة العربيّة ونشرها رقميًّا. وليس من المبالغة القول إنّ سعي الشارخ الحثيث فيما يتعلّق بلغته الأمّ يُشكّل إرثاً ثقافيًّا ولغويًّا سيُخلَّد في الذاكرة لقرون».

ومن خلال قراءتها للقصص المترجمة إلى الإسبانية، علقت دوسلين ميشيل ألمايدا قائلة: «تتأرجح تقنيّة الشارخ الأدبيّة بسلاسة بين السرد بضمير المتكلّم والسرد على لسان راوٍ عليم، وفقاً للقصّة، وبواقعيّة شعريّة، من دون أن تصل إلى حدّ الواقعيّة السحريّة، فيُحدث السرد أثراً عميقاً في القارئ من حيث تغيير الواقع من خلال الإدراك أو اكتشاف القارئ لحقيقة الأبطال. وعلى غرار ريموند كارفر أو إرنست همنغواي، يُنمّي الشارخ الطابع الشعريّ لصمت شخصيّاته. على هذا المنوال، تصبح قراءة قصص الشارخ فعلاً إبداعيًّا مشتركاً مع الكاتب، حيث يُسهم خيال القارئ في خلق المعنى الإنسانيّ للتجربة؛ ما يُضفي مزيداً من المتعة على السرد. وتُضفي عناصر مثل بناء الشخصيّات، والاستعارات، والسخرية، والحوار، إيقاعاً يُناسب تطوّر الأحداث في نثر الشارخ، وهو تناغم يمتدّ أيضاً إلى الإطار الجغرافيّ لقصصه».

تضمن ملف مجلة «بانيبال» الخاص عن محمد الشارخ، أجزاء من السيرة الذاتية التي كتبها الشارخ تحت عنوان «محطات من حياتي» (ترجمة ألبارو أبييا)، ومقالات وشهادات لكل من طالب الرفاعي، كاتيا الطويل، سعود السنعوسي، وحسونة المصباحي. بالإضافة إلى ترجمة أربع قصص طويلة وهي «المخاض»، «العزاء»، «الوديعة» و«جاسم الكوفي» قام بترجمتها كل من ماريا لويسا برييتو وإغناثيو غوتييريز دي تيران.

في شهادته التي كتبها تحت عنوان «محمد الشارخ... ماذا أعطته اللغة؟ وماذا أعطاها؟»، يقول الروائي الكويتي سعود السنعوسي: «هنا حكاية قصيرة عن حلمي القديم بأن يكون لدي كتابي الخاص، حينما كنتُ في الرابعة عشرة، وكان مشروع الشارخ (صخر) قد دُشِّن قبل ذلك الوقت بثلاثة عشر عاماً، أي أن كمبيوتر (صخر( في مثل سِني تقريباً... تخيَّل! ولأنه من المستحيل لأي دار نشر أن تطبع كتاباً رديئاً لطفل يجهل أصول الكتابة، ولأن والديَّ أجَّلا حلمي بالكتابةِ خشيةً على تحصيلي العلمي: تكبر وتكتب! فقد أخذت زمام المبادرة طفلاً، وبأصابع مرتعشة كتبت ما كنتُ أحسبه قصصاً عبر لوحة مفاتيح كمبيوتر صديق، وكانت تلك اللوحة تحمل في إحدى زواياها ذلك الشعار الرمادي الذي ارتبط في طفولتنا حول عالم الكمبيوتر السحري، وكان لقائي الأول بكمبيوتر (صخر) ولوحة مفاتيحه العربية. وطبعت قصصي الرديئة على أوراقٍ مرقمة وصنعت لها غلافاً يحمل اسمي وعنوان الكتاب... كتاب من نسخة واحدة، ومنذ ذلك الوقت المبكر في حياتي صار لي كتابي الخاص، كتابي الأول الذي لم يقرأه غيري، كتابي المطبوع عبر كمبيوتر (صخر)».

وكتبت الناقدة اللبنانية كاتيا الطويل عن رواية «العائلة»، وهي الرواية الوحيدة التي كتبها محمد الشارخ قائلة: «يقدّم الشارخ فيما يناهز المائتين وستّين صفحة تفاصيل عائلة سعد بن كعب الناصر ويوميّاتها وتاريخها. عشرة أولاد وتسع بنات يرافقهم السرد، يرافق مراحل نشأتهم ومراحل نضجهم وقصص زواجهم. بين متمرّد ومحافظ، بين مهادن للسلطة وحانق عليها، بين مائل للثقافة الغربيّة ومتمسّك بالعادات العربيّة، تسعة عشر ابناً وبنتاً يرافقهم السرد ويعرّف القارئ بهم في محاولة محمودة من الكاتب لتقديم مختلف الآراء ووجهات النظر في العائلة الكويتيّة والمجتمع الكويتيّ ككلّ».

وتحت عنوان «محمد الشارخ النجم الباقي» كتب طالب الرفاعي: «عُرف الشارخ عربياً وعالمياً بأنه رجل أعمال، لكن ما كان يقبع خلف رجل الأعمال ذاك، كان إنساناً مرهف الحس عاشقاً للقراءة والكتابة وعاشقاً للفن التشكيلي وعاشقاً للسينما، ولقد ترك الرجل خلفه مجاميع قصصية دالة على فكره من جهة ودالة على البيئة المكانية والاجتماعية التي نشأ وترعرع فيها. محمد الشارخ وللطف خلقه لم يكن يزاحم أحداً في كتاباته ولا قدّم نفسه بوصفه كاتباً، لكن هذا لم يكن أكثر من تواضع الأدباء الحقيقي، ولم يكن أكثر من مسلك حياتي طبع حياة الشارخ بأن يكون في الظل أكثر ما يكون في العلن، لكن قدره أن يبقى في العلن ما بقيت اللغة العربية. شخص نذر عمره لها، فأعطته بقاءً أدبياً لم تعطه للكثيرين غيره».ونشرت المجلة مقالة للكاتب التونسي الراحل حسونة المصباحي كان قد كتبها حول قصص محمد الشارخ، قال فيها: «ما إن انتهيت من قراءة قصص محمد الشارخ حتى وجدتني مفتوناً من جديد بفن القصة القصيرة التي كنت أظن أنها دُفنت نهائياً في عالمنا العربي بعد أن أصبح العرب مصابين بـ(هوس الرواية). كما وجدتني راغباً في قراءة المزيد من قصص الشارخ لطرافتها، وانسيابها السريع، وسخريتها المرة، ولغتها الخالية من البلاغة الجوفاء، ومن اللغو، ومن ذلك التصنع البغيض، الذي هو عدو كل الفنون».ومن المواد الأخرى التي نشرتها المجلة في عددها الأخير، نقرأ نصوصاً شعرية وسردية لثلاثة أدباء من سوريا. أجزاء من رواية «الذئاب لا تنسى» للكاتبة لينا هويان الحسن (ترجمة أنخلينا غوتييريز ألمنارا)، وفصول من رواية بشير البكر «بلاد لا تشبه الأحلام» ترجمة أنطونيو مارتينيز كاسترو)، مقاطع طويلة من ديوان الشاعر نوري الجراح «الأفعوان الحجري: مرثية برعتا التدمري لمحبوبته ريجينا» (ترجمة ماريا لويسا برييتو).وكانت لوحة الغلاف، بورتريه لمحمد الشارخ، بريشة الفنان التشيلي توماس بينيفينته.