التورية والمجاز البصري

في تجربة الفنان التشكيلي عبد الكريم سعدون

لوحة للفنان عبد الكريم سعدون
لوحة للفنان عبد الكريم سعدون
TT

التورية والمجاز البصري

لوحة للفنان عبد الكريم سعدون
لوحة للفنان عبد الكريم سعدون

احتضنت المكتبة الإسلامية بمدريد لوحة «وجوه» للفنان التشكيلي العراقي عبد الكريم سعدون المقيم في السويد حالياً علما بأن هذه المكتبة التابعة «لوكالة التعاون الدولي» قد اقتنت لوحات أخرى لفنانين مهمين من جنسيات مختلفة وقبِلت في حالات نادرة جداً بعض الأعمال الفنية المتفردة كهدية من مبدعيها الذين رغبوا في تعليق أعمالهم الفنية على جدران هذا الصرح الثقافي الذي يعتبر غاية لكل فنان جاد يفكر في إيصال ثيمته، وتقديم خطابه البصري إلى الشريحة المثقفة التي ترتاد هذا المكان، وتتفاعل مع أيقوناته الفنية الجذّابة، تماماً كما فعل عبد الفنان عبد الكريم سعدون، حيث أهدى لوحته ضمن شروط مُحددة وهي أن تُوثّق بشكل رسمي بالنص والصورة، وأن تُدرج في كتالوغ المكتبة، وتُعرَض في صالة القراءة، وهي للمناسبة العمل الفني العراقي الثاني في هذه المكتبة بعد لوحة «لفظ الجلالة» التي اقتناها القائمون على المكتبة عام 1968 من الفنان والحفّار العراقي المشهور فائق حسين، المولود في الناصرية عام 1944، والذي اشتهر برسم الرؤوس المسجونة في مكعبات زجاجية، تاركاً بصمةً قوية في المشهد التشكيلي العراقي.
على الرغم من أهمية الاحتفاء بهذه اللوحة الفنية في المكتبة الإسلامية بمدريد إلا أن هدف المقال يذهب أبعد من الحدود الاحتفائية العابرة، فهذا العمل الفني المتفرد يمثل نقطة فاصلة في حياة الفنان عبد الكريم سعدون، بل هو يؤشر على مرحلة انتقالية في عموم تجربته الفنية التي غادر فيها فن الكاريكاتير ورسوم الأطفال ليشرع في رحلته الجديدة التي تتمثل بالرسم والنحت معاً. ففي عام 2001 نُظم له في «قاعة أكد» ببغداد معرض شخصي مهم ضمّ خمسين لوحة تتمحور على ثيمة «الوجوه المكمّمة الأفواه» ولكنه لم يستطع أن يتكلم بالفم الملآن ويُفصح عن الفكرة الأساسية صراحة فلا غرابة أن يلتجئ إلى التورية Periphrasis التي تحتمل معنيين أو قراءتين، الأولى قريبة إلى الذهن لكنها غير مقصودة كأن يقول «وجوه أعرابية ملثمة تتقي الغُبار»، والثانية بعيدة عن الذهن لكنها مقصودة حينما يقول «وجوه مكمّمة الأفواه» ليشير جهاراً نهاراً إلى القمع، وكبت الحريات، ومصادرة الحقوق الفردية والجماعية، والغرض من هذه التورية الفنية هو إثارة الذهن وتأجيجه، والتملص من المسؤولية القانونية في الوقت ذاته. ولو دققنا النظر في لوحة «وجوه» لوجدناها تتألف من أربعة فيكَرات تشخيصية مُعبِّرة، ثلاثة منها لكائنات بشرية مُكمّمة الأفواه، والفيكَر الرابع هو الهلال في إشارة واضحة إلى الموروث العربي والإسلامي المستقر في ذاكرتنا الجمعية. وبما أن عبد الكريم يَعتبر الفنان المبدع «مُركِّب علامات» فيتوجب علينا أن نفكِّك العلامات البصرية الأخرى المُرافقة للفيكَرات الأربعة التي استجارت بالتورية الفنية اتقاء لأعين المتربِّصين. وإذا اعتبرنا هذه الفيكَرات متناً للوحة فإن هوامشها هي العلامات الرمزية التي يمكن أن نجدها في وشوم النساء الريفيات والبدويات تحديداً.
لا يراهن الفنان في هذه اللوحة على الشكل فقط وإنما على المضمون الذي ترجّحت كفتهُ منذ البدء ولا غرابة في ذلك حينما يعرف المتلقي بأن خلفية عبد الكريم كاريكاتيرية تهمهُ الفكرة اللاذعة التي توخِز المُشاهد وتتمنى عليه أن يلتقط التلميحات والإشارات الدّالة التي تتكشّف أمامه رويداً رويدا ويصل في خاتمة المطاف إلى حلّ اللغز المضموني القائم على مفارقة فنية تحتاج إلى نوع من التحدّي الذهني الذي لا يخلو من متعة بصرية مريحة للنظر المُستَفزّ والأعصاب المشدودة.
دعوني أستلف من الفنان نفسه فكرة «الانتقال الأسلوبي» التي تحدث عنها بعمق ووضوح في الفيلم الوثائقي المعنون «عبد الكريم سعدون والطفولة المُستعادة» الذي يتمحور حول معرض 2001 تحديداً حيث يقول في سياق حديثه إنه انتقل من إبراز الخط على حساب اللون تارة، إلى اختزال الجسد وتسطيحه تارة أخرى، ثم العودة إلى استعمال اللون في إظهار بنية الجسد كعلامة رئيسية مُختَزلة برأس فقط لكنه يمثل الجسد برمته» ويؤشر على هذه الانتقالات الأسلوبية منذ أواسط الثمانينات، مروراً بأوائل التسعينات، وانتهاء بمعرض 2001. لا أحد يشكّ في أهمية الرأس، ودلالته التعبيرية التي قد تغنينا في بعض الحالات عن تعزيز العمل الفني برموز إضافية ويكفي هنا أن نشير إلى «الرؤوس المقلوبة» التي يشتغل عليها الفنان علي طالب، أو «الرؤوس» التي حبسها الفنان فائق حسين، مُستغنياً عن بقية أعضاء الجسد. ما أعنيه أن هذه الفكرة ليست جديدة، وقد تمّ الاشتغال عليها من قبل فنانين كثيرين، ومع ذلك فنحن نعوّل على المقاربات الفنية التي لم يطرقها أحد من قبل بذريعة أن «الأفكار مُلقاة على الأرصفة» وبإمكان الجميع أن يلتقطوها ويتعاملون معها بالطريقة التي يرونها مناسبة، وهذا ما فعله بالضبط عبد الكريم سعدون المنهمك بالتجريب منذ أربعة عقود تقريباً، مستفيداً من شطحات الكاريكاتير، ورصانة التصميم، وجمالية الخط العربي، ورسوم الأطفال التي تعزز عمله الفني المعاصر.
يُدرك عبد الكريم أن مرجعيته التشكيلية تعود إلى الموروث العراقي خاصة، والعربي والإسلامي بشكل عام لكن هذه الذاكرة الشرقية لم تمنعه من التلاقح مع الفنون الأوروبية أو النهل منها، كما فعل مع أعمال ساي تومبلي، الفنان الأميركي الشهير الذي عُرف بأسلوبه الغرافيتي الموغل في الحداثة، والمدهش في عفويته الدقيقة، والذي يلقّبه البعض بالوريث الشرعي للفنان التعبيري التجريدي جاكسون بولوك. لعل عبد الكريم انتبه إلى أهمية التكرار في أعمال تومبلي، سواء في حركته اللولبية المتقنة التي أفضت إلى بيع لوحة «بلا عنوان» بنحو سبعين مليون دولار، أو في تكرار الوحدات المتعددة في عمل واحد، وهذا ما فعله عبد الكريم في كثير من أعماله الفنية التي طوّعها لأن تستقبل هذه الوحدات المتكررة الموروثة كالمثلثات والدوائر وبقية الأشكال الهندسية التي تخدم غرض اللوحة وهدفها العميق الذي لا يجد حرجاً في استساغة التقنيات الأوروبية التي تروّض الثيمات الغريبة والبالغة التعقيد. وفي الإطار ذاته يمكن تلمّس آثار أنطوني تابيس في لوحات عبد الكريم الذي يستدعي الخربشات الغرافيتية المرسومة أو المحفورة على الجدران، مُحاكياً إيّاها على السطوح التصويرية لأعماله الفنية التي تحمل بصمته الروحية الخاصة التي يغذّيها من مرجعيات متعددة. وفي الإطار ذاته يمكن الإشارة إلى التعالق البصري بينه وبين كثير من لوحات شاكر حسن آل سعيد سواء الحروفية منها أو الأعمال الحداثية الأخرى التي تجمع بين بساطة الخط وقوته، وعفوية التعاطي مع الأفكار والنصوص البصرية، وطريقة تقديمها إلى المتلقين الذين يتقبلون التيارات الفنية الحديثة، ويندمجون معها بسرعة خاطفة لأنهم خرجوا من حاضنة التجديد المتواترة.
لا يستطيع المبدع في الفنون القولية وغير القولية أن يدير ظهره إلى تراثه الشعبي، أو ماضيه الشخصي، أو ذاكرته البصرية التي تنبجس منها العلامات، والفيكَرات الهُلامية، والأشكال المموهة التي تجد طريقها إلى لوحة عبد الكريم سعدون المنهمك في التجريب كأنه يبحث عن شيء ضائع، وسوف يظل متنقلاً بين الخط واللون والثيمة مُنقّباً في خزينه البصري عن علامات، ورموز مفقودة يبذل قصارى جهده من أجل إعادتها إلى الأنساق البصرية الصحيحة التي رآها في طفولته البريئة وظلّ يستعيدها عن قصد كلما مرقت السنوات إلى الوراء.



«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

بعد أصداء دولية واسعة رافقت عروضه في المهرجانات السينمائية الكبرى، يصل فيلم «صوت هند رجب» إلى منصة «شاهد» التابعة لشبكة «MBC»، في عرض رقمي حصري انطلق يوم الجمعة، وفور بدئه تصدّر قوائم الأفلام الأعلى مشاهدة في السعودية ودول عربية عدة، وهو الفيلم العربي الوحيد المرشح لجائزة «أوسكار» في دورتها الـ98، ويأتي من إخراج المخرجة التونسية كوثر بن هنية.

يُعيد الفيلم بناء الأحداث المحيطة بمقتل الطفلة ذات الـ6 أعوام، هند رجب، في غزة على يد القوات الإسرائيلية مطلع عام 2024، مما أحدث صدى واسعاً منذ عرضه العالمي الأول في «مهرجان فينيسيا السينمائي» في سبتمبر (أيلول) الماضي، حيث فاز بجائزة لجنة التحكيم الكبرى، علاوة على كونه ممثلاً لتونس في فئة «أفضل فيلم روائي دولي» في «أوسكار»، وتم ترشيحه لجائزتَي «بافتا»، و«غولدن غلوب».

كما يظهر الدعم السعودي في مسار «صوت هند رجب» عبر أكثر من مستوى، بدءاً من مشاركة «استوديوهات إم بي سي» في الإنتاج بوصفها منتجاً منفذاً وممولاً مشاركاً، وصولاً إلى امتلاك «إم بي سي شاهد» حقوق العرض الحصري في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وتصدّر الفيلم قائمة الأعمال الأعلى مشاهدة في منصة «شاهد» منذ الأيام الأولى لطرحه، وتحوّل إلى موضوع رائج على شبكات التواصل الاجتماعي.

كما تزامن إطلاق الفيلم على منصات البث في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يوم الجمعة، مع إعلان من شركة التوزيع الأميركية «Willa» عن توسيع عرضه في الولايات المتحدة ليشمل أكثر من 70 صالة سينما في أنحاء البلاد، مع مشاركة المخرجة كوثر بن هنية في سلسلة من جلسات الأسئلة والأجوبة المباشرة في نيويورك ولوس أنجليس خلال الأيام المقبلة.


فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

لا يُعدّ الفيلم اللبناني «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» فيلماً وثائقياً تقليدياً يتوقف عند لحظة احتجاج عابرة، ولا محاولة لتأريخ مدينة عبر سرد زمني خطي، بقدر ما هو مشروع سينمائي طويل النفس، تشكّل وتغذّى من تراكمات سياسية واجتماعية وإنسانية امتدت على مدار أكثر من سبعة عقود.

الفيلم المدعوم من «مؤسسة البحر الأحمر» سيُعرض للمرة الأولى عالمياً في النسخة المقبلة من مهرجان برلين السينمائي، وهو من إخراج رانية الرافعي التي تقدّم قراءة مركبة لمدينة طرابلس، بوصفها كياناً حياً، يتقاطع فيه الخاص والعام، والذاكرة الشخصية والذاكرة الجماعية، والغضب بوصفه حالة تاريخية مستمرة وليس حدثاً طارئاً.

الفيلم يندرج ضمن خانة الوثائقي التجريبي، وهو توصيف لا يبدو شكلياً بقدر ما يعكس جوهر التجربة نفسها، فـ«يوم الغضب... حكايات من طرابلس» يستعيد خمس لحظات ثورية شهدتها طرابلس منذ عام 1943 وحتى اليوم، لا ليعيد تمثيلها أو يقدّمها بوصفها محطات مكتملة، بل ليقرأها بوصفها مسارات متداخلة، وحلقات في سلسلة طويلة من البحث عن العدالة والهوية والمعنى.

توضح المنتجة جنان داغر لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم بالأساس مشروع المخرجة رانيا الرافعي، وأن دورها منتجةً جاء امتداداً لتعاون طويل بينهما في الأفلام الطويلة، بدأ مع فيلم «74: استعادة نضال»، وهو العمل الذي حظي، حينها، بمسار مهرجاني واسع، وشكّل محطة تأسيسية في علاقتهما المهنية.

وتشير داغر إلى أن فكرة «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» بدأت قبل اندلاع احتجاجات 2019 بقليل، حين كانت رانيا الرافعي تفكّر في إنجاز فيلم عن طرابلس، مدينتها، بوصفها مساحة تاريخية وسياسية معقّدة، ومع انطلاق التحركات الشعبية في لبنان، خصوصاً في طرابلس، تحوّل المشروع من فكرة مؤجلة إلى ضرورة، خصوصاً مع انخراط المخرجة المباشر في الشارع، وقرارها أن تكون حاضرة بالكاميرا وسط ما يجري.

المنتجة اللبنانية جنان داغر (الشرق الأوسط)

وتؤكد المنتجة أن الفيلم لا يتعامل مع لحظة 2019 بوصفها حدثاً معزولاً، بل يضعها ضمن مسار تاريخي طويل من الانتفاضات والتحركات التي شهدتها المدينة منذ عام 1943، فالتاريخ -حسب رؤيتها- لا يُصنع فجأة، بل يتكوّن عبر تراكمات متتالية، وغالباً ما نميل إلى اعتبار لحظة معينة «تاريخية» من دون الانتباه إلى ما سبقها من مقدمات وشروط.

وعن البنية السردية للفيلم، توضّح جنان داغر أن الفيلم يحمل بُعداً شخصياً واضحاً، إذ تقوم بنيته على رسائل تكتبها رانيا الرافعي إلى والدها، الذي تُوفي خلال فترة العمل على الفيلم، هذا الجانب الحميمي، برأيها، لا يتناقض مع الطابع السياسي للعمل، بل يمنحه عمقاً إضافياً، لأنه يربط التحولات الكبرى بتجارب فردية، ويعيد السياسة إلى مستوى الحياة اليومية.

تحديات أساسية

وتلفت جنان داغر إلى أن أحد التحديات الأساسية كان تفادي الوقوع في خطاب أحادي أو قراءة منحازة، خصوصاً أن طرابلس تُقرأ دائماً من زوايا طائفية أو آيديولوجية ضيقة، لذلك، حرص الفيلم على الرصد والاستماع، لا على إصدار الأحكام، وعلى طرح الأسئلة بدل تقديم إجابات جاهزة حول المراحل المختلفة التي مرت بها المدينة، من الاستعمار إلى الحرب الأهلية، وصولاً إلى الزمن الراهن.

على المستوى الإنتاجي، تصف جنان داغر تجربة إنجاز الفيلم بالصعبة والطويلة، في ظل نقص التمويل والأزمات المتلاحقة التي شهدها لبنان منذ عام 2019، فجرى تصوير العمل على مراحل متقطعة، وهو ما فرض تحديات كبيرة، لكنه أتاح في المقابل مسافة زمنية للتأمل وإعادة التفكير في المادة المصوّرة.

حصد الفيلم اللبناني دعماً من «البحر الأحمر» (الشركة المنتجة)

وتؤكد جنان داغر أن دعم «مؤسسة البحر الأحمر السينمائي» كان حاسماً في مسار الفيلم، لا سيما في مرحلتَي الإنتاج وما بعدهما، إذ أتاح الانتقال من مرحلة التصوير المتفرّق إلى مرحلة الإنجاز النهائي. كما لعبت جهات داعمة أخرى، مثل «الصندوق العربي للثقافة والفنون» (آفاق)، و«مؤسسة الدوحة للأفلام»، و«مؤسسة سينما لبنان»، أدواراً أساسية في مراحل مختلفة من المشروع.

وحول اختيار الفيلم للمشاركة في مهرجان برلين السينمائي، تقول جنان داغر إن التقديم جاء في مرحلة كان فيها الفيلم قد انتهى من المونتاج، لكنه لم يكن قد دخل بعد في المعالجات النهائية للصوت والصورة، لينجز الفريق العمل بتفاصيله كافّة عبر جهد مكثف، ليكون جاهزاً للعرض في «برلين السينمائي»، مما يشكّل فرصة حقيقية لفتح مسار دولي للفيلم، والوصول إلى جمهور أوسع، وهو الهدف الأساسي بالنسبة لهم.

Your Premium trial has ended


معارض أجنبية تقود للكشف عن آثار مصرية منهوبة

رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)
رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)
TT

معارض أجنبية تقود للكشف عن آثار مصرية منهوبة

رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)
رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)

كشفت واقعة استرداد مصر لتمثال رأس أثري من هولندا بعد تتبعه في أحد المعارض بمدينة ماسترخيت عن إمكانية أن تقود المعارض والمزادات الخارجية لاسترداد الآثار المصرية المهربة إلى الخارج، وفق أكثر من واقعة ظهرت فيها تلك الآثار، وتمت استعادته بالطرق القانونية والجهود الدبلوماسية.

وتسلّمت السفارة المصرية في هولندا رأس تمثال حجري من عصر تحتمس الثالث قبل 3500 سنة، من حجر الجرانوديوريت، كان قد خرج من البلاد بطريقة غير شرعية، وتم رصده في أحد المعارض للفنون الجميلة، وتتبعه حتى استرداده.

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، أن استرداد هذا الرأس يُجسّد ثمرة التعاون البنّاء بين مصر ومملكة هولندا، ويعكس التزاماً مشتركاً بتطبيق الاتفاقيات الدولية المعنية بحماية التراث الثقافي، ومكافحة الاتجار غير المشروع في الممتلكات الأثرية، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار.

مشدداً على حرص الدولة المصرية على استعادة آثارها التي خرجت من البلاد بطرق غير مشروعة، والعمل المستمر على صون التراث الحضاري المصري، والحفاظ على الهوية الثقافية للأمة، بالتنسيق مع وزارة الخارجية المصرية وجميع الجهات المعنية، وبالتعاون مع الشركاء الدوليين.

من جانبه، أشار الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إلى أن هذه الخطوة تمثل إضافة جديدة إلى سجل النجاحات المصرية في ملف استرداد الآثار، وتعكس التزام الدولة المصرية بحماية تراثها الحضاري، وصون هويتها الثقافية، بالتعاون مع المجتمع الدولي.

بينما أوضح مدير عام الإدارة العامة للآثار المستردة والمشرف على الإدارة المركزية للمنافذ الأثرية بالمجلس الأعلى للآثار، شعبان عبد الجواد، أن القطعة الأثرية، وفقاً للمعاينة الأولية، يُرجّح أنها تعود إلى عصر الدولة الحديثة، وتحديداً فترة حكم الملك تحتمس الثالث، وأنها كانت قد خرجت من البلاد بطريقة غير مشروعة، قبل أن يتم رصدها في أثناء عرضها في معرض الفنون الجميلة (TEFAF) بمدينة ماسترخيت الهولندية عام 2022، حيث قامت السلطات الهولندية بضبطها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالها.

التمثال المسترد من هولندا من عصر تحتمس الثالث (وزارة السياحة والآثار)

ووضعت منظمة اليونيسكو اتفاقية بشأن حظر ومنع الاستيراد والتصدير والنقل غير المشروع للممتلكات الثقافية عام 1970، واعتمدتها مصر في 5 أبريل (نيسان) 1973، بينما انضمت هولندا للاتفاقية في 2009، ويتعاون البلدان بصفتهما طرفين في الاتفاقية، لمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية في إطار قانوني دولي منظم.

ويرى خبير الآثار المصري، الدكتور حسين عبد البصير، أن استرداد رأس تمثال أثري نادر بعد رصده في أحد المعارض الأوروبية، كما حدث في ماسترخيت بهولندا، يؤكد حقيقة باتت واضحة اليوم وهي أن «المعارض والمزادات الأجنبية أصبحت أحد أهم مفاتيح كشف الآثار المصرية المنهوبة، حتى إن لم يكن ذلك هدفها المعلن».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الواقعة ليست استثناءً، بل امتداد لسلسلة من الحالات التي أثبتت أن خروج القطع الأثرية إلى العلن - عبر كتالوجات البيع والمعارض الدولية - يتيح للخبراء المصريين توثيقها علمياً، ومقارنتها بالسجلات والأرشيفات، ثم التحرك القانوني والدبلوماسي لاستعادتها. وهنا يتحول العرض التجاري إلى دليل إدانة، لا إلى سند ملكية».

ولفت إلى أن نجاح مصر في استعادة هذه القطعة وغيرها يعكس تطوراً ملحوظاً في كفاءة الرصد والمتابعة العلمية، والتعاون بين الآثاريين والجهات القانونية، استخدام القوانين والاتفاقيات الدولية بشكل فعّال. وقال: «هذه الجهود ترسل رسالة واضحة إلى العالم مفادها أن مصر لا تنسى آثارها، ولا تتنازل عن حقها في تاريخها، مهما طال الزمن أو تغيّرت الأماكن».

وكانت أكثر من واقعة لمعارض ومزادات خارجية كشفت عن وجود آثار مصرية مهربة لها من بينها واقعة تصوير النجمة الأميركية كيم كارداشيان أمام تابوت أثري بمتحف المتروبوليتان بنيويورك عام 2018، وهي الصورة التي أدت إلى اكتشاف بيع التابوت الذهبي للكاهن نجم عنخ إلى المتحف الأميركي من قبل لصوص مقابل 4 ملايين دولار باستخدام وثائق مزورة.

جانب من آثار مستردة من فرنسا سابقاً (وزارة السياحة والآثار)

ووفق المتخصّصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان، فإن استرداد رأس تمثال أثري نادر من هولندا واقعة تعكس تنامي الوعي المؤسسي بأهمية المتابعة الدقيقة لحركة القطع الأثرية خارج حدودها الجغرافية، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن هذا الأمر «يكشف الدور الذي يمكن أن تؤديه المعارض الأجنبية بوصفها فضاءات ثقافية مفتوحة في إتاحة الفرصة لمراجعة مصادر القطع المعروضة والتحقق من مسارات انتقالها التاريخية».

ومن منظور أكاديمي، تلفت إلى أن «تكرار عمليات الاسترداد خلال السنوات الأخيرة يشير إلى تحوّل نوعي في إدارة ملف التراث الثقافي، قائم على التوثيق العلمي والتعاون الدولي وتفعيل الاتفاقيات المنظمة لحماية الممتلكات الثقافية».

ومن الوقائع الأحدث لاكتشاف آثار مصرية مهربة في المعارض الفنية والمزادات، ما تم إعلانه العام الماضي عن دار مزادات «أبوللو» في لندن عن عرض 185 قطعة أثرية مصرية للبيع، وبعد هذا الإعلان كشفت مصادر بوزارة السياحة لوسائل إعلام محلية أن إدارة الآثار المستردة بالوزارة تتابع بشكل دوري المزادات التي تقام بجميع دول العالم، وتعلن عن عرض قطع أثرية مصرية للبيع، وتسعى الوزارة لاستردادها بالطرق القانونية ومخاطبة الجهات المسؤولة.

واستردت مصر أكثر من 30 ألف قطعة أثرية في الفترة من 2014 حتى 2024، بمتابعة مستمرة لكل المزادات العلنية والمعارض الفنية وكل ما يُنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعبر وكالات الأنباء الدولية عن الآثار المصرية التي يتم تداولها في الخارج، من بينها استرداد 20 قطعة أثرية من أستراليا، كانت معروضة بإحدى صالات المزادات الشهيرة هناك.