عيادات العلاج بالخلايا الجذعية... بين الحقائق العلمية والادعاءات الزائفة

الإعلانات الترويجية وانعدام الضوابط القانونية يسهلان عمليات الاحتيال

عيادات العلاج بالخلايا الجذعية... بين الحقائق العلمية والادعاءات الزائفة
TT

عيادات العلاج بالخلايا الجذعية... بين الحقائق العلمية والادعاءات الزائفة

عيادات العلاج بالخلايا الجذعية... بين الحقائق العلمية والادعاءات الزائفة

يُسهِم مزيج من الالتباس الطبي وانعدام الضوابط القانونية في دعم عيادات العلاج بالخلايا الجذعية، وهو العلاج الذي لم يخضع للتجربة المخبرية.

حادثة وفاة
حدثت أول وفاة بسبب العلاج بالخلايا الجذعية لم يكن مدعوماً بالبراهين في أستراليا، حيث رأى زوج شيلا دريسدايل في العلاج بالخلايا الجذعية محاولةً أخيرةً ويائسةً لتخفيف عوارض الخرف التي تعاني منها زوجته. ولكن الزوجة توفيت للأسف عن 75 عاماً في 20 ديسمبر (كانون الأول) 2013، في اليوم نفسه الذي تلقّت فيه العلاج في سيدني بأستراليا . وفي يوليو (تموز) 2016، حكم الطبيب الشرعي الذي كان يحقّق في القضية بأن دريسدايل نزفت حتى الموت نتيجة عملية شفط الدهون التي تطلبها العلاج، قائلاً إن هذه العملية الأخيرة حملت كثيراً من مؤشرات الاحتيال الطبي. وبعد الذعر الذي أثارته هذه القضية وأول حالة وفاة ناتجة عن العلاج بالخلايا الجذعية، إلى جانب حالات أخرى لم يشتبه بها، فرضت حكومتا الولايات المتحدة وأستراليا إجراءات جديدة مهمتها تنظيم العيادات غير القانونية التي تقدم هذا العلاج، وفي الوقت نفسه، دعم العيادات التي تطوّر علاجات قانونية. وتحمل الخلايا الجذعية - وهي الخلايا الأصلية التي لم تتحول بعد إلى خلايا متخصصة في الجسم - وعوداً كبيرة لأنها تتميّز بالقدرة على النضوج في قلب الأنسجة وإصلاح كثير منها في الجسم. وكانت بعض الشركات قد أعلنت العام الماضي أنها تدعم تطوير علاج بالخلايا الجذعية للسكري وآلام أسفل الظهر مثلاً. كما استخدم الأطباء لعدو عقود الخلايا الجذعية التي تنشط في الدم والنخاع العظمي لعلاج حالات كسرطان الدم بشكل غير مباشر.

ادعاءات زائفة
ولكن خلال السنوات القليلة الماضية، انتشرت مئات العيادات التي تقدّم علاجات بالخلايا الجذعية التي لم يتمَّ اختبارها بشكل دقيق في تجارب عيادية أو اعتمادها من قبل أجهزة الإشراف المعنية.
يقول شون موريسون، من مركز جامعة تكساس الطبي، الرئيس السابق للجمعية العالمية لأبحاث الخلايا الجذعية إن لائحة طويلة من العيادات تطرح ادعاءات لإجراء تجارب هي مستحيلة من الناحية العلمية. ويضيف: «تدعي هذه العيادات أيضاً أنها قادرة على شفاء حالات كمرض ألزهايمر، والتصلب الجانبي الضموري، والتوحد». وتعرض هذه الادعاءات بشكل ترويجي مؤثر على المواقع الإلكترونية وتقدم في الندوات التعريفية التي تهدف إلى اصطياد المغامرين. وعلينا إذن أن نفعل الكثير لحماية الأشخاص اليائسين.
حدّدت دراسة أُجرِيَت عام 2016، أسماء 351 شركة تقدّم تدخلات علاجية عمادها الخلايا الجذعية، سواء كانت قانونية أو غير قانونية، في 570 منطقة في الولايات المتحدة الأميركية. وتبيّن أن النقاط الساخنة التي تتضمن هذه العيادات هي كاليفورنيا التي تحتوي على 133 عيادة، وفلوريدا 104، وتكساس 71. ومنذ ذلك الحين، تمّ افتتاح أكثر من 100 مشروع و150 عيادة إضافية. يعتبر ليه تورنر من جامعة مينيسوتا الذي شارك في إعداد هذه الدراسة عام 2016 ولا يزال مستمراً في متابعة نتائجها، أن هذه العيادات تتوسع بشكل مستمر.
وتعج أستراليا أيضاً بعيادات علاجات الخلايا الجذعية، وتبيّن في الإحصاء الأخير أنها وصلت إلى 60 عيادة. في المقابل، لم تظهر عيادات الخلايا الجذعية في أي منطقة غرب أوروبا، مع افتتاح عدد قليل منها في شرق أوروبا. ويقول روبين لوفيل بادج من معهد «لندن فرانسيس كريك في حديث لمجلة (نيوساينتست) البريطانية»: «في أوروبا، استطاعت الهيئات المشرفة أن تسيطر على علاجات الخلايا الجذعية غير المجرّبة بشكل كبير، وبفضل الرقابة الشديدة على عدة مستويات، صعّبت القيام بأي مشروع خارج التجارب العلمية القانونية».

تجاوز الحدود
ثلاثة عوامل أسهمت في انتشار العيادات الخاصة التي تعتمد علاجات الخلايا الجذعية في الولايات المتحدة وأستراليا.
• العامل الأول هو الغموض المحيط بإمكانية اعتبار إجراءات مثل إزالة وإعادة حقن الخلايا الجذعية في جسم الشخص نفسه، معياراً طبياً معتمداً يشابه نقل شريان معيّن من قَدَم أحدهم لاستخدامه في عملية فتح الشريان التاجي في قلبه مثلاً. وفي حال عمدت إحدى العيادات مثلا إلى استبدال نسيج أحدهم، واستخدام خلايا جذعية مستخلصة تم إنضاجها داخل المخبر لتصبح ناضجة أو متحولة إلى خلايا من نوع آخر، قد يتحوّل الأمر إلى علاج جديد، يتطلب الاختبار والترخيص اللذين يتطلبهما أي دواء حديث.
إلا أنّ معرفة من تجاوز هذا الحدّ يمكن أن يكون أمراً صعباً ومربكاً؛ فقد وجدت «دراسة تورنر» أن 61 في المائة من عيادات العلاج بالخلايا الجذعية تُقدِّم علاجات تعتمد على سحب وإعادة حقن الخلايا الدهنية، وتحديداً الأنسجة الدهنية. بعض هذه العيادات كان يعمل سابقاً في عمليات شفط الدهون ثم انتقل إلى علاجات الخلايا الجذعية.
• العامل الثاني هو التراخي الذي تتعامل به الهيئات القانونية المنظمة كإدارة الغذاء والدواء الأميركية، التي يحكمها مناخ مناسب للأعمال الحرّة، على عكس أوروبا.
• والعامل الثالث هو ازدياد القوانين الأميركية التي تخول الناس تجربة العلاجات غير الخاضعة لاختبار مخبري، وفي الوقت نفسه تحرمهم حقّ الملاحقة القانونية في حال سارت هذه العلاجات بشكل سلبي. هذه القوانين التي توضع في خانة «حقّ المحاولة» معتمَدة وتطبَّق في 38 ولاية.
ولكن إدارة الغذاء والدواء الأميركية ونظيرتها الأسترالية «إدارة السلع العلاجية» قررتا بشكل منفصل العام الماضي بأن تتحركا، فاقترحت الهيئتان تغييرات تنظيمية للتمييز بين التقديمات العيادية القليلة التدخل في الجسم، التي تُعتَبَر كأي جراء طبي روتيني، والعلاجات الأكثر تجذراً، التي يتمّ فيها حقن الجسم بخلايا أو أنسجة معدلة في الخارج، فيجعل منها علاج جديد غير مجرّب.
ويقول موريسون: «إن عمل الخبراء على تنمية الخلايا في الزرع، يتيح لهم مثلاً إدخال التعديلات عليها قبل إعادة حقنها». كما أن إعادة حقن الخلايا الدهنية قد يكون شديد الخطورة في عدّة أماكن، كالحقن المباشر في مجرى الدم أو الدماغ.
رحّب مؤسسو وأعضاء الجمعيات المناصرة لتنظيم هذه العيادات بالقوانين الجديدة، التي من المتوقع أن تنتهي صياغتها في الولايات المتحدة وأستراليا في أواخر هذا العام، إلا أن البعض يخشى ألا تذهب هذه الإجراءات إلى الحدّ المطلوب من التنظيم.
يقول جون راسكو، من مستشفى الأمير ألفريد الملكي في سيدني والكاتب الرئيسي في التحقيقات العالمية التي أجريت عن الخلايا الجذعية عام 2016: «لا يمكننا أن نحدّد درجة فعالية هذه القوانين التي ستعتمدها إدارة السلع العلاجية قبل أن نطّلع على تفاصيلها».
في الولايات المتحدة، يخشى الخبراء أن يحول افتقار إدارة الغذاء والدواء إلى المصادر المطلوبة دون نجاحها في التحقيق في أمر مئات العيادات. فقد لَمّح سكوت غوتليب، ممثل الإدارة في مؤتمر صحافي في نوفمبر (تشرين الثاني) إلى أن عدد العيادات الناشطة التي تقدم علاجات احتيالية قليل، وأنها ستكون الهدف الأول.

التحقيق مع العيادات
حتى اليوم، عملت إدارة الغذاء والدواء الأميركية على التحقيق في ملفات ثلاث عيادات فقط. وقد جرى الإعلان عن آخر إشعار تحذيري تلقته أحدها في أوائل هذا الشهر، في حين أعلن عن التحقيقين بشأن العيادتين الأخريين في أغسطس (آب) الماضي، قبل الكشف عن القوانين الجديدة. ولكن النقاد يقولون إن إدارة الغذاء والدواء تستخفّ بتقدير حجم التحرك المطلوب، إذ إن الأمر لا يقتصر على بعض المراكز السيئة فحسب بل ويمتد إلى العيادات الذائعة الصيت.
هناك أيضاً عائق آخر يتمثّل بالناس أنفسهم، أولئك الذين يستمدون التشجيع من قانون حقّ المحاولة الذي تروج له منظمات كثيرة، ويرون في إدارة الغذاء والدواء عدواً للخيار الحرّ.
ويقول مناصرو الخيار الحر إن أقل من 3 في المائة من المرضى الأميركيين الذين وصلوا إلى مراحل المرض النهائية يلجأون إلى الخضوع لعلاجات تجريبية من خلال تجارب عيادية، ويحاججون بأن آخرين لا يُسمَح لهم إلا بتناول أدوية تجاوزت اختبارات السلامة الأساسية. ويضيف أن أكثر من مليون أميركي يموتون سنوياً لأن إدارة الغذاء والدواء يمكن أن تؤخر إصدار موافقتها حتى 15 عاماً. أمّا بالنسبة للأشخاص الذين يستطيعون الخضوع لهذه التجارب، فغالباً ما يأتون بعد أن يكون الأوان قد فات.
ولكن داعمي حملة إدارة الغذاء والدواء الأميركية ضدّ علاجات الخلايا الجذعية المريبة يقولون إن توسيع إمكانية الخضوع لهذه العلاجات سيعطي لهذه العيادات المساحة تقديم علاجات غير قانونية.
ويضيف موريسون أن الناس لا يفهمون أن قوانين حرية المحاولة هي فرص لتحويل المرضى إلى ضحايا دون تحمّل أي عواقب.
ويقول الخبراء إن مسؤولي الإدارة يحتاجون إلى مزيد من المحققين لإرسال المزيد من الإنذارات. أما الخطوة الأثقل فستكون الإدانات الجرمية وإثبات عمليات الاحتيال وتعرّض الناس لضرر حقيقي. إن إدانة أحدهم بارتكاب جرم الاحتيال سيكون له النتيجة الأكثر فعالية.

العلاج بالخلايا الجذعية قد يصبح مدمراً

تعرّض الأشخاص الذين تلقوا العلاج في عيادات الخلايا الجذعية التي تسوق علاجات غير قانونية إلى ضرر بالغ، كما عُرض عليهم الحصول على أدوية باهظة لا تحمل أي فرصة للشفاء، بل زادت حالتهم سوءًا.
الشهر الماضي، تقدّمت امرأة ادعت أنها أصيبت بالعمى جرّاء علاجات الخلايا الجذعية بدعوى قضائية ضدّ الشركات المنتجة للأدوية. وفي مارس (آذار) 2017، برز تقرير يتحدّث عن ثلاث نساء يعانين من التنكس البقعي (في العين) المرتبط بتقدم العمر، أصبن بانحسار حادة في الرؤية بعد تلقيهن حقناً تحتوي على أنسجة دهنية في العينين يُفتَرَض أنها تتضمن خلايا جذعية علاجية، وانتهى أمر إحداهن بفقدان البصر التام.
دفعت كلّ واحدة من هؤلاء النساء مبلغ 5000 دولار مقابل العلاج، وسارعن جميعهن إلى تلقي علاجات فورية للعوارض الجانبية التي ظهرت عليهن عام 2015.
وعانت أيضاً امرأة أميركية مصابة بالشلل تلقت حقن خلايا جذعية من الأنف في العمود الفقري في البرتغال من انزعاج واضطراب شديدين بعد ثماني سنوات على الحقن. ووفقاً لما أعلن عام 2014، فإن سبب هذا الانزعاج يعود إلى نمو نسيج أنفي يحتوي على عظمة وصل حجمه إلى ثلاثة سنتيمترات في منطقة الحقن.
وكانت مجلة «نيو ساينتست» قد عرضت العام الماضي لما أعلنته عيادة هندية تقدّم علاجاً بالخلايا الجذعية لعلاج 14 شخصاً من متلازمة داون، وهي الحالة التي يصاب بها شخص ورث كروموسومات إضافية. ولكن على الرغم من ادعاء العيادة أن هذا العلاج آتى ثماره، عجز خبراء تواصلت معهم المجلّة عن تفسير كيف يمكن لعلاج بالخلايا الجذعية أن يعطي أي نتائج إيجابية.


مقالات ذات صلة

أدوية إنقاص الوزن وضريبة المشروبات الغازية تخفضان استهلاك السكر

صحتك استهلاك السكر آخذ في التراجع في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية (رويترز)

أدوية إنقاص الوزن وضريبة المشروبات الغازية تخفضان استهلاك السكر

أصبح استهلاك السكر آخذاً في التراجع في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، بسبب الضرائب المرتفعة على المشروبات الغازية، وزيادة استخدام أدوية إنقاص الوزن.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك هل يُعدّ النوم بالجوارب عادة جيدة؟ (بكسلز)

النوم بالجوارب… راحة شتوية أم مخاطر صحية؟

خلال أشهر الشتاء، قد يكون ارتداء الجوارب قبل الخلود إلى النوم وسيلةً مفضَّلةً للشعور بالدفء والراحة، ما يساعد على النوم بسرعة والاستغراق في النوم لفترة أطول.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك الألياف الغذائية الموجودة في الفشار تُبطئ عملية الهضم (بيكسلز)

كيف يؤثر تناول الفشار على مستوى السكر بالدم؟

يؤثر الفشار على مستوى السكر في الدم لأنه من الكربوهيدرات، لكن تأثيره على الغلوكوز يختلف بشكل كبير وفقاً لطريقة تحضيره.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك اضطراب الرحلات الجوية الطويلة عادة ما يكون قصير الأمد (بيكسلز)

وداعاً لإرهاق السفر الطويل… دواء جديد يعيد ضبط ساعتك البيولوجية

يعاني أكثر من 100 مليون شخص كل عام من اضطراب الرحلات الجوية الطويلة، وهو اضطراب نوم مؤقت يحدث عندما يُخلّ السفر السريع لمسافات بعيدة بالساعة البيولوجية للجسم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأميركي روبرت ف. كينيدي جونيور (أ.ف.ب)

وزير الصحة الأميركي يربط حمية «الكيتو» بعلاج الفصام… وخبراء يشككون

أدلى وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأميركي، روبرت ف. كينيدي جونيور، بتصريح يوم الأربعاء، زعم فيه أن حمية «الكيتو» الغذائية قادرة على علاج مرض الفصام.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

العيادة الذكية… حين تلتقي المهارة السريرية بالتحوّل الرقمي

افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
TT

العيادة الذكية… حين تلتقي المهارة السريرية بالتحوّل الرقمي

افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض

في قلب العاصمة السعودية، انطلقت، الخميس، أعمال الدورة السابعة والثلاثين من المؤتمر السعودي الدولي لطب الأسنان في «مركز الرياض فرونت للمعارض والمؤتمرات»، التي تستمر حتى 7 فبراير (شباط) 2026. غير أن الحدث هذا العام لا يبدو مجرد مؤتمر علمي دوري، بل مرآة تعكس التحول العميق الذي يشهده طب الأسنان عالمياً.

وعلى مدى ثلاثة أيام، يجتمع مئات الخبراء والأكاديميين والممارسين من داخل المملكة وخارجها، في فضاء تتجاور فيه قاعات المحاضرات مع منصات العرض التقني، وتتلاقى فيه التجارب السريرية مع أحدث منجزات الثورة الرقمية. لم يعد المؤتمر ساحة لعرض الأبحاث فحسب، بل تحول مختبراً مفتوحاً لفهم كيف تتغير هوية العيادة نفسها.

الروبوت والذكاء الاصطناعي في قلب معرض طب الأسنان بالرياض

ركائز العيادة الذكية

يعيش طب الأسنان مرحلة إعادة تعريف شاملة. إذ لم تعد المهارة اليدوية وحدها معيار التميّز، ولم يعد القرار العلاجي قائماً على الفحص التقليدي وحده، فالتطبيقات الرقمية، وتحليل الصور الشعاعية بالخوارزميات، وأنظمة التخطيط العلاجي المدعومة بالذكاء الحاسوبي المتقدم، أصبحت ركائز أساسية في بناء ما يمكن وصفه بـ«العيادة الذكية» — عيادة تقرأ البيانات قبل أن تبدأ العلاج، وتُحاكي النتائج قبل تنفيذها، وتقلّص هامش الخطأ إلى أدنى حد ممكن.

ومن هنا يطرح المؤتمر سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للتقنية أن تعزّز إنسانية الممارسة الطبية بدل أن تُربكها؟ وكيف تتحول الخوارزمية من أداة حساب إلى شريك في تحسين جودة القرار السريري؟

منصة علمية بحجم التحوّل

يعكس البرنامج العلمي اتساع هذا التحول من خلال أكثر من 140 محاضرة و33 ورشة عمل تفاعلية تغطي زراعة الأسنان، وتقويمها، وجراحة الفم والوجه والفكين، وطب الأسنان الرقمي، والتصوير ثلاثي الأبعاد، والمعالجة بالليزر. وتمتد الجلسات إلى موضوعات الروبوتات الجراحية المساندة، والأنظمة المؤتمتة في التخطيط العلاجي، وتطبيقات «المساعدات الذكية» في إدارة السجلات الطبية والتواصل مع المرضى.

منظومة علاجية: المهارة البشرية والدقة الخوارزمية

ولا يعبّر هذا التنوع عن كثافة علمية فحسب، بل عن تحول بنيوي في طبيعة الممارسة؛ إذ لم تعد التخصصات تعمل بمعزل عن بعضها، بل ضمن منظومة علاجية مترابطة تقوم على التكامل بين المهارة البشرية والدقة الخوارزمية. فالجراح اليوم يناقش دقة التوجيه الروبوتي بقدر ما يناقش مهاراته اليدوية، ويتعامل مع أنظمة قادرة على تحليل آلاف الصور خلال ثوانٍ لتقديم توصيات مدعومة ببيانات واسعة النطاق.

ويشارك في تقديم الجلسات نخبة من العلماء والخبراء من داخل المملكة وخارجها، ما يمنح المؤتمر بُعداً دولياً حقيقياً، ويجعله مساحة حوار بين مدارس علمية متعددة تبحث في سؤال المستقبل: كيف يبقى القرار بيد الطبيب، في حين تتولى الآلة قراءة التعقيد؟

المعرض التقني... صورة عملية للعيادة القادمة

يصاحب المؤتمر معرض تقني واسع تشارك فيه شركات عالمية رائدة تعرض أحدث حلول الطباعة ثلاثية الأبعاد لصناعة التركيبات الدقيقة، وأنظمة التصميم والتصنيع بالحاسوب، وتقنيات المسح الضوئي داخل الفم، وأجهزة التصوير المقطعي المتقدمة التي تمنح رؤية تشخيصية شاملة خلال دقائق معدودة.

كما تحضر الروبوتات المساعدة في الإجراءات الجراحية الدقيقة، إلى جانب منصات الذكاء الاصطناعي والبوتات الطبية التي تدير المواعيد، وتتابع خطط العلاج، وتقدّم تثقيفاً صحياً رقمياً للمريض قبل الإجراء وبعده.

هنا لا تُعرض الأجهزة بوصفها أدوات جامدة، بل بوصفها ملامح لعيادة جديدة تتكامل فيها الخوارزمية مع اليد البشرية، ويصبح الزمن العلاجي أقصر، والدقة أعلى، وتجربة المريض أكثر أماناً.

طابعات ثلاثية الأبعاد لصناعة التركيبات السنية في المعرض

تصريح لـ«الشرق الأوسط»

وفي تصريح حصري لصحيفة «الشرق الأوسط»، أكد الدكتور زياد حمود اللاحم، رئيس اللجنة المنظمة ورئيس الجمعية السعودية لطب الأسنان، أن المؤتمر السعودي الدولي لطب الأسنان (SIDC) هذا العام يتجاوز الإطار التقليدي للفعاليات العلمية، قائلاً: «نؤمن في SIDC أن التقدم العلمي وحده لا يكفي إذا لم يكن موجهاً لخدمة الإنسان والمريض. هدفنا هو خلق بيئة تجمع بين البحث والتقنية، والتعليم التطبيقي، بحيث يخرج كل مشارك بمهارات جديدة تُطوّر علاجاته وتُحسّن حياة مرضاه».

وأضاف أن «SIDC 2026» ليس مؤتمراً تقليدياً، بل منصة للتعاون الدولي بين الأكاديميين والعلماء ومصنّعي التقنية، بما يعزز تبادل المعرفة بين الشرق والغرب، مؤكداً أن التقنيات الذكية أصبحت جزءاً أساسياً من ممارسة طب الأسنان، وأن المؤتمر يسعى إلى تجسير الفجوة بين البحث العلمي وتطبيقاته السريرية.

من التصريح إلى الرؤية

تكشف كلمات الدكتور اللاحم عن جوهر التحول؛ فالتقدم العلمي لا يكتمل إلا حين يُوجَّه لخدمة الإنسان. وهنا تتجسد فكرة «العيادة الذكية» بمعناها الحقيقي: ليست عيادة مليئة بالأجهزة، بل بيئة تعرف كيف توظف البيانات لتحسين القرار الطبي.

فالتحول الرقمي لا يعني استبدال الطبيب، بل إعادة تعريف دوره داخل العيادة الحديثة؛ حيث تتولى الأنظمة الذكية تحليل التعقيد، بينما يبقى القرار السريري مسؤولية إنسانية لا تفوَّض.

وهكذا، في الرياض، لا يُصاغ مستقبل طب الأسنان بالأجهزة وحدها، بل برؤية تضع التقنية في خدمة الضمير المهني، وتُبقي الإنسان — علماً وحكمةً ورحمةً — في قلب القرار.


بيانات المركبة «جونو» تكشف أن «المشتري» أصغر قليلاً من الحسابات السابقة

صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
TT

بيانات المركبة «جونو» تكشف أن «المشتري» أصغر قليلاً من الحسابات السابقة

صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)
صورة مُحسّنة الألوان باستخدام بيانات مركبة «جونو» تُظهر كوكب المشتري مع ظلّ قمره «غانيميد» على اليسار (رويترز)

لا شك في أن كوكب المشتري هو أكبر كواكب المجموعة الشمسية، لكن اتضح أنه ليس كبيراً بالقدر الذي كان يعتقده ​العلماء في السابق، وإن كان الفارق ضئيلاً للغاية.

وباستخدام بيانات جديدة حصلت عليها مركبة الفضاء الآلية «جونو» التابعة لإدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا)، حصل العلماء على أكثر القياسات دقة حتى الآن لحجم وشكل المشتري. وهذه المعلومات مهمة لفهم هذا الكوكب الغازي العملاق بشكل أكثر شمولاً، بما ‌في ذلك دراسة بنيته ‌الداخلية المعقدة.

وأظهرت ملاحظات جونو ‌أن ⁠قُطر ​كوكب ‌المشتري عند خط الاستواء يبلغ 142976 كيلومتراً، وهو أقل بنحو ثمانية كيلومترات عن القياسات السابقة. وأظهرت الملاحظات أيضاً أن قطر الكوكب من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي يبلغ 133684 كيلومتراً، أي أقل بنحو 24 كيلومتراً من التقديرات السابقة. كما أنه ليس كروياً تماماً، مثله مثل ⁠الأرض.

واستندت القياسات السابقة لكوكب المشتري إلى البيانات التي جمعتها المركبتان ‌الفضائيتان الآليتان «فوياجر» و«بايونير» التابعتان لوكالة «ناسا» في أواخر السبعينات.

وجرى إطلاق المركبة جونو في عام 2011، وتدور حول المشتري منذ عام 2016، وترسل البيانات الأولية إلى الأرض.

ومددت «ناسا» مهمة «جونو» في عام 2021، مما أتاح للعلماء الفرصة لإجراء الملاحظات اللازمة من أجل التحقق من ​قياسات حجمه وشكله، بما في ذلك السفر خلف الكوكب من جهة منظورنا له من ⁠الأرض.

وقال عالم الكواكب إيلي جالانتي، من معهد وايزمان للعلوم في إسرائيل، وهو المؤلف الرئيسي للدراسة التي نُشرت هذا الأسبوع في مجلة «نيتشر أسترونومي»: «عندما مرت جونو خلف كوكب المشتري... انتقلت إشارتها اللاسلكية عبر الغلاف الجوي للكوكب قبل أن تصل إلى الأرض».

وأضاف: «سمح لنا قياس كيفية تغير الإشارة، بسبب تكوين الغلاف الجوي للمشتري وكثافته ودرجة حرارته، باستكشاف الغلاف الجوي وتحديد حجم الكوكب وشكله بدقة عالية».

وكوكب المشتري هو ‌الخامس في الترتيب من حيث بعد المسافة عن الشمس.


الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة
TT

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

الاستراتيجية... العامل المفقود الأهم في القيادة

إذا كنت تُهمل تخصيص جزء مهم من الوقت يومياً للاستراتيجية، فأنت تعمل مديراً يتقاضى أجراً مُبالغاً فيه أكثر من كونك قائداً، كما كتب كارول شولتز(*).

التخطيط الاستراتيجي

كثيراً ما أتلقى هذا السؤال من الرؤساء التنفيذيين: «ما وقت التخطيط الاستراتيجي؟».

غالباً ما يتم تجاهل أهم جانب في القيادة عند تخصيص الوقت بشكل مُتعمّد: الاستراتيجية. أرى العديد من المؤسسين غارقين في العمليات التشغيلية، عالقين في المكالمات ورسائل البريد الإلكتروني وإدارة الموظفين، وهو ما لا يترك لهم وقتاً يُذكر للتفكير المستقبلي.

عندما لا تُعطى الأولوية لوقت التخطيط الاستراتيجي، أرى الشركات تتخلف عن الركب، إذ يُصاب القادة بالإرهاق، ويسعون دائماً لمواكبة منافسيهم. بالإضافة إلى ذلك، فإن النمو يتراجع إذا تم إهمال «الرؤية» في الجدول اليومي.

دليل للقادة

إليكم دليلاً لتلك «الإضافة» التي يحتاج إليها كل قائد في روتينه اليومي لعام 2026.

* ما فترة التخطيط الاستراتيجي؟ هي وقت محدد يومياً في جدول أعمال الرئيس التنفيذي أو المؤسس، مُصمم خصيصاً للمهام الرفيعة المستوى والمركزة فقط. والأهم هو أن يكون هذا الوقت مُخصصاً دون أي مقاطعة، إذ يجب أن يكون مُخططاً له بدقة. لذا عليك إخبار فريقك أنه يجب عدم الاتصال بك خلال هذه الجلسة التي تستغرق ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات، لأي سبب كان.

وفيما يلي بعض المواضيع التي قد تندرج ضمن فترة التخطيط الاستراتيجي:

- ما حجم الإيرادات الذي ترغب في تحقيقه خلال 12 شهراً؟ ابدأ من هذه النقطة وخطط للخطوات اللازمة لتحقيق ذلك.

- مع نمو الإيرادات، ما المناصب التي ستحتاج المؤسسة إلى استحداثها أو توسيعها بموظفين إضافيين، ومتى ستحتاج إلى البدء في البحث عنهم؟

- هل يُعاني أي من أعضاء الفريق التنفيذي من قصور؟ هل يُمكن معالجة ذلك من خلال التدريب أو التوجيه؟ إذا لم يكن ذلك ممكناً، فما الذي يجب فعله لاستبدالهم؟

- هل تحافظ على معدل التخلي عن الخدمة أقل من 5 في المائة؟ إذا لم يكن كذلك، فما الذي يجب فعله لتحسين ذلك؟

-أين ترغب في أن تكون المؤسسة بعد خمس سنوات؟

لاحظ أن الاجتماعات ليست جزءاً من خطط الاستراتيجية، لأن هذا (الوقت المخصص) عمل فردي.

«ليس لدي وقت»

إذا كنت تقرأ هذا وتفكر، «من أين سأحصل على هذا الوقت؟» أنصحك بمراجعة كيفية قضاء وقتك حالياً. حدد النسبة المئوية من وقتك التي تخصصها لكل نوع من المهام. غالباً ما أرى الرؤساء التنفيذيين يقومون بمهام تتجاوز نطاق دورهم، على سبيل المثال: اجتماعات لا يكون حضورك فيها ضرورياً، أو العمل كعائق أمام مشاريع يمكن إنجازها دونك، أو إدارة الموظفين. ينبغي توظيف شخص ما لإدارة تلك المهام.

«الاستباقية» لها أثر طويل المدى

ستكون الآثار ملحوظة في غضون أسبوع واحد فقط. ستتحول عقليتك بصفتك قائداً من رد الفعل إلى الاستباقية، لأنك ستمنح نفسك الآن الوقت للتفكير مسبقاً في قرارات مؤسستك.

سيتغير سير عملك بالكامل، وكذلك سير عمل فريقك.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».