الدور المخرب لقوس إيران الايديولوجي

أذرعها تمتد من العراق وسوريا ولبنان وتقفز إلى اليمن

مقاتل يمر بجانب دبابة تحمل شعارات وأعلام «حزب الله» في القلمون (أ.ف.ب)
مقاتل يمر بجانب دبابة تحمل شعارات وأعلام «حزب الله» في القلمون (أ.ف.ب)
TT

الدور المخرب لقوس إيران الايديولوجي

مقاتل يمر بجانب دبابة تحمل شعارات وأعلام «حزب الله» في القلمون (أ.ف.ب)
مقاتل يمر بجانب دبابة تحمل شعارات وأعلام «حزب الله» في القلمون (أ.ف.ب)

في الثامن من شهر ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، زار زعيم «عصائب أهل الحق» العراقية المنضوية تحت الحشد الشعبي العراقي، قيس الخزعلي، الحدود اللبنانية الإسرائيلية، متفقداً مواقع المقاومة ومهدداً العدو الإسرائيلي.
وقال في مقطع الفيديو الذي تم تسريبه على الإنترنت: «نحن هنا مع (حزب الله) نعلن استعدادنا التام للوقوف جنباً إلى جنب مع الشعب اللبناني والقضية الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي».
وفي الوقت الذي يمكن تفسير بيان الخزعلي بالحيلة الإعلامية لمحاولة صرف النظر عن تقاعس «حزب الله» في الرد على قرار الرئيس الأميركي ترمب القاضي باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، فإنه يشير أيضاً إلى تقارب مصالح الميليشيات الإقليمية الموالية لإيران، مما قد يسمح لطهران بإنشاء قوس أمني يمتد من طهران إلى لبنان مروراً بالعراق وسوريا.
لقد استند توسع إيران في بلاد الشام إلى سياسة مزدوجة اعتمدت على نشر الميليشيات الشيعية الأجنبية وعلى إنشاء الفصائل العراقية والسورية الموالية لطهران على غرار «حزب الله» اللبناني. فإيران نشرت أكثر من 34 ألف مقاتل أجنبي في سوريا «من بينهم الفاطميون الأفغان، والزينبيون الباكستان، والعراقيون «حيدريون»، فضلاً عن مقاتلي (حزب الله) الذين كان عددهم يتراوح بين ألفين و10 آلاف مقاتل اعتماداً على متطلبات العمليات العسكرية» وفق الخبير المتخصص في الشؤون السورية سمير حسن.
كما لعبت الميليشيات العراقية و«حزب الله» دوراً بارزاً في حلب، من خلال قيادة الهجمات العسكرية. ونقلاً عن عناصر من «حزب الله»، فإن الحزب شارك في غرفة العمليات المشتركة خلال معارك أُديرت بالتعاون مع الإيرانيين والروس.
لقد استفادت إيران من هشاشة الدولة السورية لإنشاء الوكلاء المحليين وتدريبهم ودعمهم، على غرار نموذجها في لبنان والعراق. فمنذ عام 2012 عززت الجماعات المسلحة والممولة من إيران قبضتها على الأرض في سوريا. وشملت هذه المشاريع الإيرانية عدة مجموعات، مثل قوات الدفاع الوطني التي أنشئت في عام 2012 تحت إشراف إيراني كقوة لمكافحة التمرد، والتي في مرحلة من المراحل شكلت -وفق أرون لوند، الخبير المتخصص في الشؤون السورية- أكبر الميليشيات التي تم إنشاؤها من خلال إعادة تسمية، وإعادة هيكلة، ودمج اللجان الشعبية المحلية وغيرها من الجماعات المسلحة الموالية للأسد. ومع ذلك كان من الصعب على قوات الدفاع الوطني أن تكون متجانسة مع الجيش، لعدد كبير من الاعتبارات أهمها الآيديولوجية العسكرية.
إلى جانب قوات الدفاع الوطني، هناك مجموعة من الميليشيات الخاصة بمنطقة حلب المعروفة باسم قوات الدفاع المحلية التي تضم عدداً من الميليشيات المحلية مثل: كتائب النيرب، ولواء الباقر، وفوج السفيرة، وفوج نبل والزهراء. وفي هذا الصدد يشرح حسن: «إن هذه الفصائل مثل فوج نبل والزهراء الذي يضم 5000 مقاتل، مدربة تدريباً جيداً من قبل (حزب الله)، والأهم من ذلك هي أكثر تماسكا وأقوى من الفصائل الأخرى نظراً إلى الآيديولوجيا التي تحركها».
ويشدد الباحث أيمن جواد التميمي على أن التوجه الجديد هو لدمج هذه الميليشيات الموالية لإيران ضمن قوات الدفاع المحلية التي تعد الآن جزءاً من الجيش. ففي أبريل (نيسان) من العام الماضي، أصدرت دائرة التسلح السورية تعميماً يحدد عملية دمج قوات الدفاع المحلية داخل الجيش، وعلى الأرجح ستحل قوات الدفاع شيئاً فشيئاً محل الفصائل الأجنبية الموالية لإيران المنتشرة في سوريا.
والمعلوم أن هذا الأسلوب ليس بجديد بل سبق أن تم اعتماده في العراق مع قوات الحشد الشعبي العراقية وفي لبنان مع «حزب الله»، اللذين أصبحا لاعبين لا يمكن تجنبهما في بلدانهما وتم إدماجهما في الحياة السياسية، وذلك بفضل سياسة طويلة الأجل اعتمدت على جذب قلوب وعقول السكان.
ففي العراق، تعود نشأة قوات الحشد الشعبي، كمفهوم، إلى فتوى آية الله علي السيستاني التي أصدرها في 13 يونيو (حزيران) 2014، حيث دعت الفتوى جميع المواطنين القادرين، للدفاع عن البلاد وشعبها وشرفها وأماكنها المقدسة ضد «داعش». ومع انتهاء الحرب ضد «داعش» وخسارته للسلطة، لم يعد من سبب يبرر استمرار وجود هذه القوات. وبما أن فتوى السيستاني كانت مشروطة ومؤقتة، لم يكن استمرار صلاحيتها ليحظى في نهاية المطاف بمساندة دينية مشروعة. وفي 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، أقر البرلمان العراقي قانون هيئة «الحشد الشعبي» الشيعية، الذي قضى بأن يصبح الحشد الشعبي تشكيلاً عسكرياً مستقلاً وجزءاً من القوات المسلحة العراقية ليغدو بذلك جزءاً من الجيش العراقي رسمياً، أي أن هذا القانون سمح بتكوين جيشين متوازيين، أحدهما يستمد قوته من العقيدة العسكرية الغربية والآخر من الاعتبارات الدينية المحلية. وقد اتُّبع هذا التحرك هذا العام مع «فصل» قادة وحدة الحشد عن الفصائل العسكرية بهدف الترشح للانتخابات في تشكيلات مختلفة.
أما على الساحة اللبنانية، فإن «حزب الله» المدعوم من إيران يحظى بتأييد واسع من المجتمع الشيعي، وللحزب أعضاء في البرلمان، وله وزراء في الحكومة، الأمر الذي يجعل من الصعب جداً إن لم يكن من المستحيل فصله عن الدولة.
ناهيك بأن الحزب تحول إلى قوة خارجية أجنبية، وتمكن من نشر ما بين 2000 و10 آلاف مقاتل في سوريا. وقادت قواته عمليات عسكرية هجومية منسقة مع جيوش أخرى وشاركت في غرفة العمليات المشتركة مع إيران وروسيا. كما لعب دوراً بارزاً في تدريب الميليشيات الموالية للنظام وفقاً لمقابلات سابقة مع مقاتلي «حزب الله»، «ولدى الحزب قادة ومستشارون داخل قوات الدفاع الوطني السوري وقوات الدفاع المحلي»، حسب مقاتل من «حزب الله»، ما يؤكد الدور القيادي الذي تلعبه إيران في دعم وتدريب هذه القوات.
من ناحية ثانية، عمد الحزب إلى تعزيز ترسانته من الصواريخ أرض-أرض الموجهة، «فحزب الله وإيران والسوريون كانوا يطورون أشكالاً مختلفة من صواريخ (فتح – 110) الإيرانية، فعملوا مثلاً على تقليص حجم الرؤوس الحربية من أجل زيادة مدى الصواريخ وتعزيز أنظمة التوجيه فيها. ويشرح نيكولاس بلاندورد الخبير المختص في شؤون (حزب الله)، أن القدرة على ضرب أهداف دقيقة في إسرائيل في حالة مواجهة بين الطرفين لها أهمية حاسمة لـ(حزب الله)».
رغم ذلك، إن النجاح الأكبر الذي ستحققه إيران يبقى مرتبطاً بالعلاقات الضيقة بين الفصائل العراقية والسورية واللبنانية. إلا أن ما يميز «حزب الله» عن الفصائل الأخرى هي الآيديولوجية التي يعتنقها مقاتلوه، على حد قول مقاتل من «حزب الله»، الذي يضيف «أن الفصائل الأقوى في سوريا هي تلك التي يديرها (حزب الله) عسكرياً وآيديولوجياً».
إن آيديولوجية «حزب الله» متجذرة في الآيديولوجية الإسلامية الإيرانية العالمية، وهي التزام بتصدير الثورة الإسلامية، بحيث تؤكد ديباجة دستور الجمهورية الإسلامية هذا الالتزام بمواصلة الثورة في الخارج من أجل خلق «مجتمع موحد وعالمي من المؤمنين (الأمة)». التزام تمت ترجمته بنجاح في العراق ولبنان.
وعليه، هل تكون إيران قد نجحت في بناء قوس دولي شبه عسكري متماسك آيديولوجيا يمتد من العراق وسوريا إلى لبنان؟ يقول أحمد، أحد مقاتلي «حزب الله»: «إن (حزب الله) اللبناني ليس وحده، بل هناك (حزب الله سوريا) و(حزب الله العراق)، لا أقصد حرفياً، بل ككيان منظم يتقاسم نفس الآيديولوجية والغرض في المنطقة، وجميع هذه الفصائل في العراق وسوريا ولبنان ستقاتل معاً في الحرب المقبلة».
* زميل مشارك
في {مركز الملك فيصل
للأبحاث والدراسات الإسلامية»



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.