مودي يبدأ زيارة تاريخية إلى فلسطين تعيد التوازن في علاقته مع إسرائيل

أجرى محادثات مع العاهل الأردني ... والفلسطينيون يتطلعون إلى دور بارز للهند في سلام الشرق الأوسط

ناريندرا مودي خلال حملة الانتخابات التشريعية للولايات (إ.ب.أ)
ناريندرا مودي خلال حملة الانتخابات التشريعية للولايات (إ.ب.أ)
TT

مودي يبدأ زيارة تاريخية إلى فلسطين تعيد التوازن في علاقته مع إسرائيل

ناريندرا مودي خلال حملة الانتخابات التشريعية للولايات (إ.ب.أ)
ناريندرا مودي خلال حملة الانتخابات التشريعية للولايات (إ.ب.أ)

بحث العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، أمس، في عمان مع رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل، على ما أفاد بيان للديوان الملكي. ومن المقرر أن ينتقل مودي اليوم السبت إلى مدينة رام الله في مستهل زيارة رسمية وتاريخية للأراضي الفلسطينية المحتلة.
وبحسب بيان للديوان الملكي في عمّان، بحث الملك مع مودي «التطورات المرتبطة بالقضية الفلسطينية، والدور الذي يقوم به الأردن في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، من منطلق الوصاية الهاشمية على هذه المقدسات».
وتأتي زيارة رئيس الوزراء الهندي للأراضي الفلسطينية اليوم دحضا للظنون التي راجت مؤخرا بأن الهند قد تخلت عن دعمها التاريخي للقضية الفلسطينية بغية تعضيد علاقاتها المتنامية مع دولة إسرائيل. ولقد عمدت الهند إلى المحافظة على العلاقات المتوازنة والتقليدية مع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي رغم حالة الذهول التي أثارتها زيارة مودي في يوليو (تموز) الماضي إلى تل أبيب باعتباره أول رئيس لوزراء الهند يزور دولة إسرائيل.
وقبيل زيارة مودي المرتقبة إلى فلسطين، نقلت وسائل الإعلام الهندية عن مسؤول فلسطيني بارز في رام الله يقول إن الجانب الفلسطيني يتطلع للوساطة الهندية في العملية السياسية مع انحسار الدور الأميركي الفعال في تلك العملية. وقال ماجد الخالدي، المستشار الدبلوماسي للرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن مصرحا لصحيفة «هندو» اليومية الهندية عبر مقابلة حصرية تمت بطريق الهاتف من مقر السلطة الفلسطينية: «تأتي زيارة السيد مودي في منعطف مهم للغاية تحتاج فيه فلسطين إلى الهند للاضطلاع بدور تفاعلي أكبر في المنطقة». وأضاف الخالدي يقول: «لا يمكن للولايات المتحدة أن تضطلع بمفردها بدور الوساطة»، مشيرا إلى القرار الأميركي باعتبار القدس عاصمة موحدة لدولة إسرائيل، وأردف يقول: «إننا نطالب بوساطة الاتحاد الأوروبي، كما أننا ندعو الهند كذلك، التي يمكن أن تكون وسيطا رائدا وقويا في عالم متعدد الأقطاب، للمشاركة في العملية السياسية».
وتعد تصريحات الخالدي ذات أهمية كبيرة؛ ذلك لأنها تأتي في خضم فترة من التفاعل المكثف بين نيودلهي وغرب آسيا. وفي أعقاب زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الهند الشهر الماضي، تحاول الحكومة الهندية توجيه دفة مصالحها صوب منافسي إسرائيل البارزين في المنطقة، مع زيارة مودي المرتقبة كذلك إلى الأردن، وسلطنة عمان، والإمارات العربية المتحدة خلال هذا الأسبوع.
ويعتزم مودي زيارة متحف الزعيم الراحل ياسر عرفات في رام الله، وفقا لتصريحات وزارة الخارجية الهندية حول الزيارة. وخلال زيارة المتحف، سوف يحضر رئيس الوزراء الهندي احتفالية في ذكرى رحيل الزعيم الفلسطيني.
يقول بالا بهاسكار، الدبلوماسي المسؤول عن ملف غرب آسيا في وزارة الخارجية الهندية إن «هذه الزيارة قائمة بذاتها. فلقد شرعت الحكومة الهندية في اعتماد سياسة الفصل بين فلسطين وإسرائيل، وإننا نعتبرهم الآن كيانين مستقلين. ويقوم رئيس الوزراء بهذه الزيارة من واقع تلك السياسة». وذكر المسؤول الهندي أن الدعم الهندي لفلسطين يشتمل على تأييد القضية الفلسطينية في الأمم المتحدة، والمشروعات المشتركة بين البلدين في مجالات الأمن، والرعاية الصحية، والسياحة، والزراعة، والثقافة. ووفقا للصحافي الهندي ساشين باراشار: «ينبغي أن يُنظر إلى الزيارة الرسمية الهندية القائمة بذاتها إلى فلسطين من زاوية أنها محاولة دبلوماسية قوية لإسكات نقاد الحكومة الهندية وسياساتها إزاء القضية الفلسطينية. لقد قطعت الهند بالفعل شوطا طويلا على مسار الاعتراف بدولة إسرائيل وصياغة وجه الشراكة الاستراتيجية مع تل أبيب. ووفق التصويت الهندي الأخير لصالح قرار من الأمم المتحدة يندد بالقرار الأميركي الذي اعترف بالقدس عاصمة دائمة لإسرائيل، ومن واقع الزيارة المرتقبة للسيد مودي إلى رام الله، فإن الحكومة الهندية تشير إلى أن علاقاتها مع إسرائيل لن تكون أبدا على حساب علاقاتها مع فلسطين. ولا تزال الحكومة الهندية على إدراكها الواعي بالموقف الهندي القديم من دعم وتأييد القضية الفلسطينية، وهو جزء لا يتجزأ من سياسة نيودلهي الخارجية».
ولقد كانت الهند أول دولة غير عربية تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الوحيد والشرعي للشعب الفلسطيني في عام 1974، كما كانت الهند أيضا من أولى الدول التي اعترفت بالدولة الفلسطينية في عام 1988، وكثيرا ما أعرب القادة الهنود عن تضامنهم مع القضية الفلسطينية، واعتبروا قاعدة الانتداب البريطاني، فضلا عن التوغلات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، من قبيل السياسات المؤيدة للإمبريالية والاستعمار. وخط الزعيم الهندي الكبير المهاتما غاندي كتابا في عام 1938 يقول فيه إن المستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية كيانات «غير إنسانية».
ومن المرجح أن يدخل مودي إلى فلسطين عبر الأردن. ويقول رافيش كومار المتحدث باسم الخارجية الهندية: «ليس هناك مطار دولي في الضفة الغربية، ومن ثم فإن الوصول إلى مدينة رام الله لا بد أن يكون عبر مطار بن غوريون في إسرائيل، أو عبر عمان في الأردن».
وسوف يستقل مودي المروحية من عمان في الأردن إلى رام الله في فلسطين، التي تقع على مسافة 8 كيلومترات فقط من مدينة القدس، وهي إشارة ذات أهمية في معرض سياسة الفصل الهندي المعتمدة في علاقاتها مع إسرائيل وفلسطين. كما سوف تساعد رئيس الوزراء الهندي في عدم المرور على الأجواء الإسرائيلية تماما كما تجنب الأجواء الفلسطينية خلال زيارته العام الماضي إلى إسرائيل.
ومن شأن مودي أن يضع حجر الأساس لمعهد التدريب الدبلوماسي الجديد في رام الله، الذي تقدمت الحكومة الهندية بمنحة قدرها 4.5 مليون دولار لإنشائه. كما تعهدت الهند كذلك بمنح مبلغ 1.25 مليون دولار لدعم القضية الإنسانية لمنظمة الأونروا (وهي وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى) في عام 2016. ومن المتوقع أن تزداد المبالغ الموجهة للتمويل الفلسطيني مع زيارة مودي إلى رام الله، كما أن هذه الاستراتيجية سوف تعود بنتائج جدية على الهند، وهو الأمر المنتظر تأييده في المستقبل.
وعلى الرغم من أنه لم يرد ذكر للدعم التقليدي الهندي لحل الدولتين خلال البيانين المشتركين مع نتنياهو، فإن الحكومة الهندية قد أوضحت في غير مناسبة أخرى أنها لا تزال تؤيد هذا الموقف. وفي مقابلة مع إحدى الصحف الإسرائيلية العام الماضي، صرح مودي بأن الهند تعتقد في جدوى حل الدولتين الذي يمكن أن تتعايش فيه الدولة الإسرائيلية مع نظيرتها الفلسطينية في سلام مستقبلي. ولقد صرح رئيس الوزراء الهندي بالأمر نفسه خلال زيارة الرئيس الفلسطيني إلى الهند في مايو (أيار) من عام 2017. ويقول المحللون إن زيارة مودي إلى رام الله تأتي في وقت حاسم في أعقاب قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب المثيرة للجدل على الصعيد الدولي باعتبار القدس عاصمة موحدة لدولة إسرائيل فضلا عن وقف المساعدات إلى فلسطين.
وقال زكرور رحمن، السفير الهندي الأسبق إلى فلسطين: «كانت الهند على الدوام في طليعة الدول التي أعلنت بوضوح أنه ينبغي للقدس الشرقية أن تكون العاصمة. وهذه من القضايا الأساسية بقدر اهتمام الدول العربية بالأمر. ويجب على مودي إعادة تأكيد الموقف الهندي التقليدي الذي ينص على ضرورة أن تكون القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطينية ذات سيادة، كما ينبغي عليه أن يرفض بشدة مقترح (الفصل العنصري) ويصر على السيادة الحقيقية للدولة الفلسطينية الناشئة وأراضيها المتاخمة، وبالتالي تكون الدولة قادرة على البقاء والمضي قدما من الناحيتين السياسية والاقتصادية، التي يمكن للشعب الفلسطيني أن يعيش فيها بكرامة. وكيفية مودي التعامل مع هذه القضية سوف تكون من الأهمية بمكان».
يتوجه مودي، بعد انتهاء زيارته إلى رام الله، إلى دولة الإمارات العربية المتحدة ليجري محادثات ثنائية مع رئيس البلاد الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، فضلا عن تبادل عدد من الاتفاقيات المهمة. ثم يتوجه إلى المحطة الثالثة الأخيرة من زيارته إلى حيث سلطنة عمان.
وصرح تلميذ أحمد، السفير الهندي الأسبق لدى المملكة العربية السعودية بأن التفاعل الهندي الأخير مع غرب آسيا يمنح لرئيس الوزراء الفرصة الفريدة لتجاوز الأطر الاعتيادية وصياغة مبادرات جديدة مع الشركاء الإقليميين التي من شأنها تغيير المشهد الأمني والإقليمي في المنطقة.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».