الأقمشة الهندية... تاريخ عريق وحاضر مبهر

من قرى الهند النائية إلى منصات عروض الأزياء

قماش «بيزلي» بترجمة دار «إيترو» الإيطالية
قماش «بيزلي» بترجمة دار «إيترو» الإيطالية
TT

الأقمشة الهندية... تاريخ عريق وحاضر مبهر

قماش «بيزلي» بترجمة دار «إيترو» الإيطالية
قماش «بيزلي» بترجمة دار «إيترو» الإيطالية

تتميز صناعة المنسوجات في الهند بتاريخ موغل في القدم يعود إلى 6000 عام ماضية. والكل يعرف أنها لا تزال تهيمن على المشهد العام لصناعة الموضة عالمياً. فلو أمعنا النظر شرقاً وغرباً، لوجدنا أمثلة كثيرة على أنواع ذات جذور هندية جرى دمجها في ملابس محلية تقليدية وفلكلورية. على سبيل المثال، يدين أسلوبا «إيكات» و«باتيك» لصباغة الملابس في إندونيسيا، بالفضل في بدايتهما إلى الهند، ويتميز الأسلوبان بلمسة جمالية لافتة ومستوى فني رفيع. وبالمثل، تضرب جذور نسيج «ساراسا» الياباني في نسيج «كاليكو» الهندي الذي انتقل إلى اليابان، على يد تجار برتغاليين في القرن الـ16.
أما أوروبا، فحدث بلا حرج، إذ هناك كثير من الأمثلة على منسوجات ذات أصول هندية. فمدينة بيزلي الاسكوتلندية اكتسبت شهرتها بمحاكاتها الشال الكشميري، وتعديله من خلال الاستعانة بالقماش القطني الإنجليزي والفرنسي المزدان برسوم الأزهار والنباتات. أيضاً، يحاكي الأسلوب البروفنسي الفرنسي الشهير في المنسوجات أسلوب الطباعة الخشبية، الذي انتقل إلى فرنسا عبر «طريق الحرير» على أيدي تجار أميركيين. وبذلك يتضح كيف أن المنسوجات الهندية تركت بصمتها المميزة على الموضة الشعبية والعالمية.

التاريخ

بحلول القرن الـ15، كان تجار المنسوجات الهندية قد نجحوا في بناء شبكة معقدة من الصين حتى أفريقيا. وعندما وصل الأوروبيون إلى الشواطئ الهندية، شعروا بانجذاب نحو الأقمشة والمنسوجات الهندية المصنوعة من مواد رفيعة المستوى، وصبغات مميزة، ونماذج زخرفية نباتية وأشكال هندسية.
ورغم أن غالبية التصميمات الزخرفية ركزت على صور تقليدية مرتبطة بالحياة في الهند، مثل الحيوانات، خاصة الأفيال، وصفوف من الراقصين المتحمسين، استجاب صناع المنسوجات كذلك إلى حاجة وأذواق الأجانب، ونجحوا في تعديل تصميماتهم لتتناسب مع أذواق شعوب أخرى.
إضافة إلى ذلك، أثرت تصميمات المنسوجات الهندية على أذواق المصممين بشتى أرجاء العالم، فمثلاً وجدت الرسومات النباتية البراقة والتصميمات الثرية الكثيفة طريقها إلى بريطانيا، في الحقبتين الفيكتورية والإدواردية، التي تنتمي جذورها بصورة مباشرة إلى النسيج القطني الهندي، الذي نقله التجار إلى أوروبا قبل بضعة مئات من السنين.
وخلال ذروة حركة التجارة العالمية في القرن الـ17، كان يجري بيع الأقمشة الهندية في الأسواق بمناطق شتى من العالم، منها اليابان وأفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا. وبدا موقع الهند المركزي المطل على المحيط الهندي مثالياً لخدمة تجارة الأقمشة والمنسوجات للشرق والغرب على حد سواء.
من أشهر موجات الموضة الحالية التي تعود جذورها إلى الهند نذكر:

«بيزلي»

يشتهر اسم «بيزلي» باعتباره الاسم المستخدم للإشارة إلى التصميم الذي يتخذ شكل قطرة الماء، والذي جرى استخدامه على نحو كاسح في شتى المجالات، بدءاً من «هوت كوتور» إلى مجموعة واسعة النطاق من السلع المنزلية والهدايا.
كان «بيزلي» قد تحول لصيحة في عالم الموضة، عندما نجاح مصممون كشميريون في تحويل هذا الرسم المنتمي إلى فارس القديمة إلى تصميم يزين الشال الرقيق المصنوع من صوف كشميري، يعرف باسم «باشمينا». بحلول أواخر القرن الـ18، كان هذا الشال قد لاقى رواجاً في صفوف سيدات أوروبا وتحول إلى صيحة بمجال الموضة؛ لكن تركزت المشكلة في نقص المعروض منه وسعره الباهظ. وعليه، عمد صانعو المنسوجات والأقمشة البريطانيون إلى محاكاته وبيعه مقابل عُشر سعر النسخة الهندية فقط.
إضافة لذلك، جرى تعديل التصميم الهندي لقطرة الماء على نحو يوافق الذوق الأوروبي. وبالفعل، ترك هذا التعديل تأثيراً هائلاً، وزاد الطلب على النسخ المقلدة من الشال الهندي، لدرجة جعلت مراكز النسيج في أدنبره ونوريتش وبيزلي ترزح تحت وطأة طلبات الشراء الضخمة التي تنهال عليها. وكانت مدينة بيزلي الاسكوتلندية واحدة من أكبر الجهات المنتجة لهذا النسيج، لدرجة أنه - أي النسيج - حمل اسمها نهاية الأمر. ومن هنا، اكتسب «بيزلي» شهرته بشتى أنحاء العالم.

«سيرساكر»

يعتبر هذا النسيج القطني المخطط من الكلاسيكيات الأميركية. ظهر في عدد لا حصر له من مجموعات أزياء الصيف، منها «هاسبل» و«بروكس براذرز» و«جورجيو أرماني»، مع حرص كل دار أزياء على إضفاء لمستها الخاصة على النسيج. ومع هذا، من الواضح أن القليلين للغاية يعرفون أن أصول هذا النسيج تنتمي إلى الهند. وقد دخلت كلمة «سيرساكر» ذاتها إلى الإنجليزية من الهندية، وتتمثل جذورها في لفظي «شير» و«شاكار»، ويعنيان حرفياً «الحليب والسكر»، ربما في إشارة إلى تشابه الخطوط الناعمة والخشنة في النسيج، مع نعومة الحليب وخشونة السكر.
اللافت أن «سيرساكر» يجري غزله على نحو يجعل بعض الخيوط يلتف على البعض، على نحو يمنح النسيج مظهراً مجعداً ببعض المناطق. يذكر أنه خلال فترة التوسع الاستعماري البريطاني، كان «سيرساكر» من الأقمشة المنتشرة في المستعمرات البريطانية التي تتميز بدفء مناخها، مثل الهند البريطانية.
وعندما انتقل «سيرساكر» إلى الولايات المتحدة للمرة الأولى، جرى استخدامه على نطاق واسع ومتنوع؛ لكن أول استخدام له على الإطلاق هناك كان الاستعانة به بديلاً عن نسيج «الفلانيل» الثقيل الذي يدخل في صناعة السترات الرجالية، ذلك أن النسيج الهندي بدا أكثر موائمة للطقس الحار بجنوب البلاد. ومن هنا، ولدت السترة الصيفية الأميركية الشهيرة المؤلفة من خطوط بيضاء وزرقاء.
اليوم، يقتصر إنتاج «سيرساكر» داخل الولايات المتحدة على عدد محدود من جهات تصنيع النسيج، نظراً لقلة أرباحه وارتفاع تكلفته وبُطء عملية تصنيعه.

«مادراس بليد»

تحول «مادراس بليد» إلى رمز للرفاهية الأميركية. في المقابل نجد أنه داخل الهند، يجري النظر إلى هذا النسيج باعتباره يخص أبناء طبقة المزارعين أكثر، ما يخلق مفارقة مذهلة أن تجد أن العنصر المشترك بين الفلاح الفقير في كولكاتا بالهند والمصرفي الثري في «وول ستريت» بالولايات المتحدة يكمن في «مادراس بليد». يتميز هذا القماش بكونه نسيجاً قطنياً خفيفاً يحمل نقوشاً مربعة، ويستخدم بصورة أساسية في صنع الملابس الصيفية، مثل السراويل الداخلية والفساتين والسترات.
وتبعاً لما ذكره مؤرخون معنيون بصناعة النسيج، ظهر أول مصنع لغزل نسيج «مادراس بليد» من أطراف قشرة أشجار عتيقة في مادراس بالهند (تشيناي حالياً). وعرف «مادراس بليد» طريقه إلى الشرق الأوسط وأفريقيا بحلول القرن الـ13 تقريباً، واستخدم في صنع أغطية الرأس. مع دخول القرن الـ14، شهد مزيداً من التطور، وازدان بتصميمات نباتية. وبمرور الوقت، أصبح الملبس التقليدي لأبناء مادراس. وانتشر هذا النسيج الذي تضرب جذوره في جنوب الهند، داخل أعرق مدارس نيو إنغلاند.
في عام 1718، أرسل حاكم مادراس التابع لـ«شركة الهند الشرقية»، إليهو ييل، شحنة من السلع، بينها أقمشة، إلى مدرسة في مسقط رأسه بكونيتيكت على سبيل الهدية. لاحقاً، أطلق على هذا المدرسة اسم «جامعة ييل»، التي أصبح «مادراس بليد» جزءا منها، وكذلك بـ«هارفارد» وبعض أعرق المؤسسات التعليمية الأميركية، ليتحول إلى رمز للرفاهية والتميز بداخل الولايات المتحدة.
جدير بالذكر أن نسيج «مادراس بليد» الهندي الأصلي، يصنع يدوياً من خيوط غزل مصبوغة بألوان طبيعية مستخرجة من خضراوات.

نسيج «شينتز» القطني

يستخدم لفظ «شينتز» اليوم في الإشارة إلى أي نسيج يحمل تصميمات نباتية، بينما ينتمي هذا اللفظ في الأصل إلى الكلمة الهندية «تشينت» أو «تشيتا»، أي منقط أو مرقط. وقد جرى إنتاجه داخل الهند خصيصاً للسوق الأوروبية، عبر عملية فنية عرفت باسم الصباغة ثابتة اللون. أما الرسومات، فجرى صنعها يدوياً بالاعتماد على قلم بسيط مصنوع من البامبو.
عام 1600 تقريباً، حمل تجار برتغاليون وهولنديون عينات من الـ«شينتز» الهندي إلى أوروبا في شحنات صغيرة؛ لكن القرن ذاته شهد بدء إرسال تجار إنجليز وفرنسيين لكميات ضخمة منه إلى أوروبا. بحلول عام 1680 كانت إنجلترا تستورد أكثر من مليون قطعة نسيج مصنوعة من الـ«شينتز» سنوياً، وعرفت كميات مشابهة طريقها إلى كل من فرنسا وهولندا.
منذ مطلع القرن الـ17 حتى منتصف الـ19، انتشر استخدام «شينتز» على الصعيد الأوروبي، في البداية في صنع أغطية الأسرة والستائر، ثم لاحقاً في أحدث صيحات ملابس الرجال والنساء. وبدا الأوروبيون بوجه عام في حالة انبهار بهذا النسيج الهندي.
وبمرور الوقت، أصبح من العناصر الرئيسية في الديكورات الداخلية خلال القرن الـ19، ولاقى إقبالاً خاصاً من جانب أبناء الطبقة الراقية الأوروبية. اللافت أن الطلب على «شينتز» الهندي ارتفع لدرجة أثارت قلق بعض الدول الأوروبية، مع عجز مصانع الغزل الأوروبية عن محاكاة النسيج الهندي. وقد دفع هذا القلق فرنسا إلى فرض حظر على استيراد «شينتز» بمختلف صوره.
في نهاية الأمر نجحت الطابعات الآلية الأوروبية في محاكاة التصميمات الهندية اليدوية، وبحلول منتصف القرن الـ19 جرى إنتاجه على نطاق واسع داخل بريطانيا، واكتسبت تصميماته طابعاً أوروبياً متزايداً، واتسعت رقعة العملاء الذين يقبلون على شرائه، وبلغ الإقبال عليه حد الشغف خلال الحقبة الفيكتورية.

الديباج

توحي اكتشافات أثرية في الفترة الأخيرة في هارابا وتشانهودارو، بأن صناعة خيوط الحرير من أنواع محلية من دودة الحرير، كانت موجودة في جنوب آسيا في عصر حضارة وادي السند، التي يعود تاريخها إلى ما بين 2450 قبل الميلاد و2000 بعد الميلاد، ما يعود لحقبة أقدم عن ظهور صناعة الحرير في الصين.
جدير بالذكر أن نسيج «كهينخواب» الأسطوري المرتبط في الوقت الحالي بمدينة فارانساي الهندية، اعتمد على أسلوب غزل الحرير مع خيوط من الذهب أو الفضة.
وكان له عملاؤه من كبار الأثرياء وجرى تصديره إلى بابل بالعراق قديماً في حقب ما قبل الميلاد. وقد أسهم هذا النسيج في تعزيز صورة الهند باعتبارها أرض الثراء والوفرة.
الملاحظ أن مراكز غزل الديباج ظهرت وتطورت داخل وحول عواصم الممالك الكبرى والمدن المقدسة؛ نظراً للطلب عليه من جانب الأسر المالكة وكهنة المعابد.


مقالات ذات صلة

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

لمسات الموضة إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

خرجت دوقة ساسيكس من المؤسسة الملكية البريطانية بدرس مهم عن الموضة وكيف يمكن استعمالها لغةً صامتة... لكن بليغة.

لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
لمسات الموضة «برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان».

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

«ميسيكا» تقدم إصدارها الجديد من خاتم «ماي توين توي آند موي My Twin Toi & Moi» بالألماس بمطعم «لابيروز» التاريخي حيث يلتقي الفن الباريسي بالتاريخ والجمال الخالد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على إرباك المتلقي ودفعه لإعادة النظر فيما اعتاده؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد.

جميلة حلفيشي (لندن)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.


كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».


«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
TT

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

مع اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان». هذا السباق؛ الذي كان إلى عهد قريباً سباقاً تجارياً بحتاً يتودد إلى زبونة لا تبخل على نفسها وأحبتها بالغالي والرخيص في هذه المناسبة، أصبح مع الوقت سباقاً على كسبها بما يُرضيها. لم يعد من الأولويات طرحُ إكسسوارات جلدية فاخرة بلمسات لامعة وزخرفات غنية، وأزياء بتصاميم طويلة تطبعها ألوان مستوحاة من رمال الصحراء الذهبية أو من الأخضر الزمردي الذي تربطه بالمنطقة حالة عشق ممتدة.

ألوان هادئة وتصاميم راقية تهمس أكثر مما تصرخ (برونيلو كوتشينيلّي)

فهذه الزبونة باتت تُدقق في كل شيء، ولم يعد همّها الصرعات التي تنتهي بانتهاء موسم واحد. أصبحت أعمق وعياً بأهمية الاستدامة من خلال الاستثمار في قطع بجودة عالية تغذي الرغبة في التألق والتميز، وفي الوقت ذاته تستمر مدة أطول.

والنتيجة كانت أن بيوت الأزياء الكبيرة وسعت الخيارات، وكسرت المتوقع أو تلك الصورة النمطية التي رسموها في أذهانهم عن هذا الشهر ومتطلباته. تنوعت الألوان لتشمل كل ألوان الموضة، مثل الأبيض والعنابي، كما تخففت الإكسسوارات والأزياء المقترحة من التطريزات الكثيرة.

صورة رسمتها دار «برونيلو كوتشينيلّي» للمرأة العربية لا تحتاج إلى تسويق (برونيلو كوتشينيلّي)

في المقابل، قدم معظمهم تصاميم تهمس بالرقي بدل الصراخ، وليس أدلّ على هذا من دار «برونيلو كوتشينيلّي» التي قدمت تصاميم تنبض رقياً وأناقةً، من خلال عبايات تأخذ في كل تفاصيلها ثقافة المنطقة من جهة؛ وموسم الخريف والشتاء من جهة ثانية... معاطف وفساتين طويلة بأكمام وكنزات من الكشمير ناعمة، وبنطلونات مستوحاة من عالم الفروسية، وأوشحة رأس تحولت زينةً نظراً إلى جمالها وتناسقها مع البشرة العربية... كل ما في هذه التشكيلة مرسوم لامرأة تريد خيارات عملية وعقلانية تتعدى ما تتطلبه اللحظة أو المناسبة، بل تريدها استثماراً طويل المدى، أو على الأقل تستفيد منها سنوات بدل شهر واحد.

من مقترحات دار «بيربري» للشهر الفضيل (بيربري)

كذلك دار «بيربري» التي تقدم مجموعة رمضانية بأسلوب يعكس هويتها بشكل واضح، وذلك من خلال نقشات المربعات اللصيقة بها، وظهرت في معاطف واقية من المطر خفيفة تناسب أجواء المنطقة الدافئة، وأوشحة من الكشمير. وتتضمن التشكيلة أيضاً أحذية «سلون (Sloane)» المفتوحة من الخلف، وحقائب «برايدل (Bridle)» المطرزة بأحجار الراين الشفافة والمزينة بنقشة الدار الكلاسيكية المتقاطعة باللون البيج، بالإضافة إلى نظارات شمسية بمفصل معدني على شكل شعار الفارس «نايت (Knight)» الخاص بالعلامة؛ مزينٍ بأحجار الكريستال.

في أول تشكيلة رمضانية له وضع جوناثان آندرسون لمساته على حقيبة «لايدي ديور» بشكل زادها أناقة (ديور)

«ديور» لم تخرج من السباق، بل دخلته بقوة أكبر هذه المرة؛ فجوناثان آندرسون، الذي قدم أول مجموعة من خط الـ«هوت كوتور» منذ فترة قصيرة أبهر بها عالم الموضة، يقدم هنا أول مجموعة رمضانية له أيضاً. بحسه الفني، فتح فصلاً جديداً احترم فيه ذوق المرأة العربية، مدركاً أنها لا تريد تغيير رموز الدار الأساسية: فهي تعشقها.

«لايدي ديور» مطرزة بالورود (ديور)

حقيبة «لايدي ديور» مثلا عادت بلمسة مميزة عبارة عن عقدة أنيقة بتوقيع خاص من المصمم، وأخرى تكسوها زخارف زهرية دقيقة من مئات البتلات الوردية. لم يكن الغرض منها مخاطبة امرأة معروفة بحبها التطريز والبريق، بقدر ما كان احتراماً لإرث دار عشق مؤسسها الورود وزرعها بحب في حدائقه وأزيائه كما في عطوره وإكسسواراته.

لم تعد الألوان مقتصرة على ألوان الصحراء والذهبي... ودخل العنابي على الخط في كثير من الإكسسوارات (ديور)

في هذه المجموعة، لم يكتف آندرسون بالأزياء والإكسسوارات، مثل حقيبتَي «لايدي ديور» و«ديور بو» أو أحذية لكل المناسبات المهمة فقط، بل أبدع مجموعة من المجوهرات يمكن أن ترتقي بأي زيٍّ مهما كانت بساطته. لم يغب اللون الذهبي عن المجموعة، لكنه أضاف إليه مجموعة بألوان العنابي والوردي والأبيض ليخاطب كل المناسبات والأذواق.