سبان حمو من عفرين: دمرنا 11 دبابة... ودمشق تساعدنا «إنسانياً»

قائد «الوحدات» الكردية قال إن واشنطن أبلغتهم برفض دخول الجيش التركي إلى منبج

كردية تطلق صاروخاً على قوات «غصن الزيتون» في ريف عفرين («وحدات حماية الشعب» الكردية)
كردية تطلق صاروخاً على قوات «غصن الزيتون» في ريف عفرين («وحدات حماية الشعب» الكردية)
TT

سبان حمو من عفرين: دمرنا 11 دبابة... ودمشق تساعدنا «إنسانياً»

كردية تطلق صاروخاً على قوات «غصن الزيتون» في ريف عفرين («وحدات حماية الشعب» الكردية)
كردية تطلق صاروخاً على قوات «غصن الزيتون» في ريف عفرين («وحدات حماية الشعب» الكردية)

قال قائد «وحدات حماية الشعب» الكردية سبان حمو لـ«الشرق الأوسط»، أمس، إن واشنطن أبلغتهم بأنها «لن تسمح» للجيش التركي وفصائل سورية معارضة بالدخول إلى منبج شمال شرقي حلب، لافتا إلى أن مقاتليه «دمروا 11 دبابة تركية وأخرى تابعة لفصائل تدعمها أنقرة»، وإلى أن «المساعدة الوحيدة التي نحصل عليها من دمشق، هي إنسانية وإغاثية وطبية».
وتشن تركيا مع فصائل سورية موالية لها منذ 20 يناير (كانون الثاني) الماضي هجوماً تقول إنه يستهدف عناصر «وحدات حماية الشعب» الكردية الذين تعدّهم «إرهابيين»، في منطقة عفرين الحدودية في شمال سوريا. وتخشى أنقرة من إقامة الأكراد حكماً ذاتياً على حدودها، على غرار كردستان العراق.
ويشارك في العملية التي سميت «غضن الزيتون» نحو 20 ألف مقاتل من فصائل سورية، إضافة إلى الجيش التركي و«وحدات خاصة» تابعة له بغطاء من الطيران التركي بعدما حصلت أنقرة على «ضوء أخضر» من روسيا التي يغطي طيرانها مناطق غرب نهر الفرات في سوريا.
وقال حمو في اتصال هاتفي أجرته «الشرق الأوسط»، من عفرين أمس: «بعد 17 يوماً على بدء العدوان، لم تحقق تركيا أياً من أهدافها. وهي الآن في صدد مراجعة حساباتها لأن الأمر بالنسبة إلى تركيا هو موضوع بقاء لا رجعة عنه. عندما بدأوا (الأتراك) العملية كانوا يعتقدون أنهم سيحققون أهدافهم خلال أيام، لكن ذلك لم يحصل إلى الآن».
وأضاف ردا على سؤال: «تركيا تريد القضاء على إرادة الأكراد، لكن تكتيكياً تريد السيطرة على عفرين ثم الريفين الشرقي والغربي لحلب وصولاً إلى مدينة حلب، لأن (الرئيس التركي رجب طيب)إردوغان دائما يريد ضم حلب، وهو يعتبرها جزءاً من الإمبراطورية العثمانية.... لكن تركيا لم تتقدم كثيراً عن النقطة صفر. حصل توغل بنحو 500 متر وبعض الجيوب بعمق 3 كيلومترات، لكن التقدم العسكري الذي تحقق ليس مهماً».
وأشار حمو، الذي يقود «الوحدات» عموماً من مقره في عفرين، إلى أن مقاتليه «دمروا 11 دبابة تركية وتابعة للفصائل. وهناك كثير من القتلى من الجيش النظامي والقوات الخاصة التابعة للجيش التركي»، علما بأن الجيش التركي أعلن عن مقتل عدد من جنوده وتدمير آليات تابعة له.
وبعث حمو وقادة أكراد سوريون إلى «الشرق الأوسط» فيديوهات لمقاتلين يقصفون بصواريخ حرارية مضادة للدروع دبابات بين عفرين وحدود تركيا، إضافة إلى صور لغارات على مواقع كردية في المنطقة. ولم يجر التحقق من طبيعة الصواريخ وسط أنباء عن استخدام «الوحدات» راجمات صواريخ «غراد» طويلة المدى.
وتردد أن الصواريخ من نوع «تاو» أميركية الصنع كانت واشنطن سلمتها إلى «وحدات حماية الشعب» المنضوية في «قوات سوريا الديمقراطية» لقتال «داعش»، وأن الصواريخ من نوع «كونكورس» روسية الصنع تم الحصول عليها من موسكو أو دمشق. وقال حمو: «الصواريخ ليست روسية ولا أميركية، بل إنها صواريخ حرارية حصلنا عليها من السوق السوداء وقمنا بتطويرها. أميركا قالت أكثر من مرة أن لا علاقة لها بمناطق عفرين والشهباء قرب حلب، وعملنا المشترك مع أميركا محصور بقتال (داعش) شرق نهر الفرات، ولم نتلق أي دعم أميركي في شهباء وعفرين».
وحين سئل عن تقديم دمشق دعماً لـ«الوحدات» الكردية لقتال الجيش التركي، أجاب حمو: «بصراحة موقنا واضح من أن الدولة (السورية) عليها مسؤولية بحماية الحدود السورية والدفاع عنها لصد العدوان التركي. لكن لم نحصل على دعم سوى الدعم الإنساني والإغاثي والمساعدات الطبية».

وكانت دمشق سهلت عبور تعزيزات لـ«الوحدات» الكردية من منبج وشرق حلب إلى عفرين عبر مناطق سيطرة قوات الحكومة السورية في ريف حلب. وقال حمو: «يا ريت (ليت) يكون هناك دعم لنا من الدولة (السورية). هناك صمت من النظام. إنهم يتفرجون ولا يساعدوننا في قتال العدو المشترك»، في إشارة إلى أنقرة التي تعد «الوحدات» تابعة لـ«حزب العمال الكردستاني» الذي تصنفه «إرهابياً»، وتتهمها بالتعاون مع دمشق، الأمر الذي ينفيه قاد أكراد سوريون.
كما أشار حمو إلى انقطاع التواصل مع الجيش الروسي منذ زيارته إلى موسكو وتعبيره عن «الغضب من التواطؤ الروسي مع تركيا في عفرين». وقال أمس: «الأجواء السورية تحت سيطرة روسيا، ولا يمكن أن تقصفنا تركيا من دون موافقة روسية»، لافتا إلى «بقاء قناة اتصال عملياتية على الأرض بين قواتنا والقوات الروسية في تل رفعت».
وسئل عما إذا كان الجيش التركي سيصل إلى منبج حيث تنتشر قوات أميركية، فأجاب: «الأتراك يقولون الكثير، ولديهم طموحات كثيرة. ما لم تحصل صفقة أو مؤامرة دولية، فلا يمكن أن يصل الجيش التركي إلى منبج. الأتراك طلبوا سحب القوات الأميركية من منبج، لكن واشنطن رفضت. وأُبلغنا بأن واشنطن لن تسحب قواتها من منبج». وأضاف أنه «ربما تحصل صفقة مع الروس بحيث يسمح للأتراك بالوصول إلى عريما قرب منبج حيث أقام الجيش الروسي نقطة له». وكان دعم واشنطن لـ«الوحدات» سببا في توتر العلاقات التركية - الأميركية وفقدان الثقة بين دولتين عضوتين في «حلف شمال الأطلسي (ناتو)».
وشكلت منبج ممراً رئيسياً لمتطوعين ومدنيين بدأوا بالعبور من منطقة الحسكة شرق سوريا إلى عفرين بعد قطع نحو 600 كيلومتر لـ«إيجاد دروع بشرية والدفاع عن المدينة»، بحسب حمو.
وأعلن الجيش التركي أمس إقامة «نقطة مراقبة» في منطقة العيس جنوب غربي حلب. وقال الناطق الرئاسي التركي إبراهيم كالين إن «الضامنين» في عملية آستانة، تركيا وروسيا وإيران، تغلبوا على «نقاط عدم تفاهم»، مضيفا أن أنقرة تريد إكمال الـ12 نقطة مراقبة «في أسرع وقت، للتمكن من تأمين منطقة إدلب». وأوضح حمو أمس أن الاتفاق الثلاثي كان نص على نشر تركيا نقاطا جنوب وشرق إدلب، «لكنها نشرت نقاطا فقط قرب عفرين، ثم بدأت بنشر آخر نقطة لها» في العيس ضمن نشر نقاط مراقبة وتفتيش بموجب اتفاق آستانة.



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.