داعش يهدد أميركا من جديد

استراتيجية ترمب تنجح خارجياً في المواجهة وتخفق داخلياً

مقاتلون أكراد في شوارع الرقة أثناء عمليات تحريرها قبل هروب «الدواعش» من أراضيها (رويترز)
مقاتلون أكراد في شوارع الرقة أثناء عمليات تحريرها قبل هروب «الدواعش» من أراضيها (رويترز)
TT

داعش يهدد أميركا من جديد

مقاتلون أكراد في شوارع الرقة أثناء عمليات تحريرها قبل هروب «الدواعش» من أراضيها (رويترز)
مقاتلون أكراد في شوارع الرقة أثناء عمليات تحريرها قبل هروب «الدواعش» من أراضيها (رويترز)

هل لا تزال المعركة مع «داعش» طويلة وممتدة بخلاف ما هو ظاهر للعيان من أنها انتهت وحسمت عسكرياً على الأرض بعد انكساراتها في العراق وسورياً؟ ربما بات هذا السؤال يشغل أذهان الأميركيين بنوع خاص أكثر من غيرهم؛ ولهذا أظهر استطلاع للرأي أجرته جامعة «ميريلاند» الأميركية، بالتعاون مع معهد «بروكنجز» للأبحاث، أن 70 في المائة من الأميركيين يرون أن تنظيم داعش يمثل أكبر تحدٍ يواجه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
غير أن السؤال محور هذا الحديث: هل لا يزال «داعش» يهدد الولايات المتحدة الأميركية في الداخل، وعليه يمكن القطع بأن استراتيجية ترمب قد أفلحت بدرجة ما في مواجهة الدواعش خارج الحدود الأميركية وأخفقت في الداخل؟
تقتضي الموضوعية الإشارة إلى أن ترمب، ومن قبل أن يدخل البيت الأبيض، كانت نواياه واضحة لجهة محاربة «داعش» والقضاء على فلوله، ولاحقاً حينما أضحى صانع القرار بوصفه رئيس البلاد اعتمد سياسة زيادة الانخراط العسكري في سوريا من خلال تقديم التدريب والمشورة، والدعم الجوي، حتى وإن لم يلتزم بالانخراط المباشر في المعارك وتجفيف منابع تمويل الإرهاب، وتعطيل عمليات تجنيد المقاتلين الجدد في صفوف التنظيم. عطفاً على ذلك؛ فقد اتبع ترمب سياسة اللامركزية على الأرض، وذلك حينما أعطى العسكريين صلاحيات أكبر لاتخاذ قرارات ميدانية في تسريع العمليات. تمثلت نجاحات ترمب في تحرير 40 ألف كيلومتر مربع من المواقع التي احتلها التنظيم، وكذا إفلات 5.3 مليون شخص من قبضة «داعش» خلال أحد عشر شهراً.
وعلى الجانب العراقي، كان لدول التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأميركية الدور البالغ في تحرير الموصل، فقد ضغطت إدارة ترمب بشكل فاعل على الدول الداعمة للإرهاب من أجل تجفيف المنابع؛ ما عزز فرص هزيمة «داعش»، ولاحقاً تم تحرير مدن أخرى عراقية مثل تلعفر والحويجة والقائم وراوه. في هذا الإطار، ينبغي الإشارة إلى أن التواجد الأميركي المسلح في سوريا لن ينتهي قريباً، وهذا ما أشار إليه وزير الخارجية ريكس تيلرسون، والهدف عدم إتاحة الفرصة لإيران وقوات النظام السوري لاحتلال المناطق التي تم تحريرها.

تهديدات «داعش» لأميركا
لم ينقطع سيل التهديدات الداعشية للولايات المتحدة، فضلاً عن العمليات المختلفة التي جرت من مؤدلجين تابعين له في ولايات مختلفة، منها نيويورك وكاليفورنيا، وهو أمر توقعه رجالات الاستخبارات الأميركية منذ وقت مبكر، وفي مقدمهم جيمس كلابر، الذي شغل منصب مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية في عهد باراك أوباما، فقد أشار في مقابلة له مع قناة «سي إن إن» الإخبارية الأميركية، إلى أن تنظيم داعش الإرهابي قادر على شن هجمات في الولايات المتحدة مماثلة لتلك التي وقعت في باريس وبروكسل، وهو ما جرت به الأقدار بالفعل. على أن قرار الرئيس الأميركي الأخير والمثير بشأن اعتبار القدس عاصمة لدولة إسرائيل، عطفاً على نقل السفارة الأميركية إلى القدس، قد دفع «داعش» لتجديد تهديداته الإرهابية للولايات المتحدة بشأن هجمات جديدة على أراضيها، وذلك عبر قناة تابعة له في تطبيق «تلغرام»؛ فقد عرض صوراً لميدان تايمز سكوير الشهير في قلب مدينة نيويورك، ومن تحته عنوان «انتظرونا» و«داعش في مانهاتن»، وفي صور أخرى يهدد «داعش» بتنفيذ هجمات إرهابية في واشنطن وولاية كاليفورنيا، تحت عناوين «بيتكم الأسود سننسفه: (وعد الله، ولا يخلف الله وعده)» وكان ذلك في منتصف شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وبعد نحو شهر تقريباً أو أزيد بضعة أيام بدا وكأن المشهد في الولايات المتحدة يتخذ تطوراً آخر ما بين الحرب الدعائية، وبين المخاوف الفعلية... ما الذي جرى؟

«داعش» للأميركيين: نحن هنا بينكم
هل يشنّ «داعش» في الأيام الأخيرة حرباً دعائية ضد الولايات المتحدة الأميركية، أم أنه يخطط بالفعل لشن هجمات إرهابية كفيلة بأن توقع كثيراً من الضحايا، الأمر الذي يقض مضاجع الأميركيين فعلاً وقولاً؟
قبل نحو أسبوع ظهرت عبر وسائل الإعلام صور روّجها تنظيم داعش لبعض من أتباعه مرتدين أوشحة، وفي بقعة جغرافية تتطابق بالمطلق مع الفضاءات الفسيحة لمدينة نيويورك ومن تحتها رسالة «نحن في وطنكم»، في حين المعلق على الصورة التي بثت على الحواضن الإعلامية لـ«داعش» يقول: «لقد حان الوقت لحصد الرؤوس».
والشاهد أنه حال تحليل المشاهد والصور المتقدمة يمكن القول إن الخطر الحقيقي الآن بات من الخلايا الهامشية على جانبي «داعش»، وليس من كوادر التنظيم نفسه، وهذا أمر شديد الفاعلية السلبية، وأضراره أكثر فداحة من هجمات «داعش» المباشرة... كيف هذا؟
حين خسر «داعش» مدينة «الرقة» فقد خسر معها بوصفها عاصمة دولة الخلافة المزعومة، الأدوات الإعلامية الاحترافية كافة، كالاستوديوهات وقسّم وسائط الإعلام، ومراكز الإنتاج التي كانت تخرج على العالم بمجلة «دابق» وبأشرطة فيديو محترفة تمجد فضائل الحياة تحت الحكم الإسلامي المسلح، كان ذلك واضحاً جداً.
غير أن صور نيويورك الأخيرة تأخذنا في طريق أخرى، بمعنى أن الذين قاموا عليها يبدو أنهم من الهواة، لا من المحترفين، وهؤلاء عادة ما يكونون من المدونين والمتطوعين، وليسوا من التابعين النظاميين لـ«داعش»؛ ما يجعل السؤال المزعج يتردد من جديد... هل نجح «داعش» عبر التواصل الإلكتروني، وهل ينجح وسينجح كل يوم في اكتساب عناصر جديدة تمضي في طريق الموت والأشواك التي يزرعها صباح مساء كل يوم؟
هنا تتبدى الملامح الكارثية للتنظيم والتداعيات المقلقة للأميركيين ولغيرهم بعد أن قدر لـ«داعش» استخدام أبواق ومنصات إعلامية مستقلة، قادرة على توزيع النداءات محددة الأهداف، بعشرات اللغات المحلية.
القضية الكبرى والقاتلة هنا هي أن العناصر العنقودية للجماعات الإرهابية كافة يمكن متابعتها ومراقبتها على مدار ساعات النهار والليل، غير أن النداءات عبر الأثير تأتي اليوم للدواعش بأفراد جدد لديهم استعداد فطري للتطرف، عبر الاختراق الذهني المغلوط، وهؤلاء لا يعرف أحدهم مكانهم أو زمانهم، أي زمان تخطيطهم لارتكاب أعمالهم الإرهابية؛ ولهذا فإن شرورهم هي الأكثر استفحالاً من عناصر «داعش» المعروفين.

الجنرال تاونسند والخلافة الأميركية
في تصريح حديث له قال الجنرال ستيفن تاونسند، القائد السابق للتحالف ضد «داعش»: إن تدمير «خلافة (داعش)» لا يعني تدمير التنظيم، متوقعاً تواجد ما يسمى «الخلافة الإلكترونية»، مضيفاً إن: «أتباعه سيحاولون إيجاد فروع لهم في أماكن أخرى حول العالم».
على أن الحديث عن «الخلافة الإلكترونية» هو حديث مزدوج؛ فهو من جهة يسعى إلى تجنب المزيد من العناصر الإرهابية؛ وذلك بالانتقاء من تجمعات بشرية غير معروفة لعناصر الأمن والاستخبارات الأميركية أو الأوروبية على حد سواء.
في هذا السياق، تضحى مسألة المواجهة الأمنية أو العسكرية غير ذات جدوى، وتحتاج المقاومة إلى حرب إلكترونية لمتابعة فريق شديد المهارة من رجالات «داعش» المهرة في التقاط عناصر لديها أبجديات الأصولية المتطرفة، وهؤلاء معرفتهم يسيرة عبر كتاباتهم أو تعليقاتهم على «فيسبوك»، و«تويتر»، وصورهم وما يدونون عبر «إنستغرام»، وبقية أدوات التواصل غير الخلاقة.
أما الطريق الثانية والأكثر خطورة في سياق الحديث عن «الخلافة الإلكترونية»، فيتمثل في المحاولات المستمرة والمستقرة من خبراء التنظيم الإلكترونيين لاختراق شبكات البريد الإلكتروني للمسؤولين الأميركيين، وللعناصر الأمنية والاستخباراتية بنوع خاص.
وهنا نذكّر بأن الدواعش قد اخترقوا بالفعل من قبل صفحات جنود ودبلوماسيين أميركيين، ونشروا أسماءهم وأرقام هواتفهم، وفي بعض الحالات عناوين منازلهم وأرقام بطاقات ائتمانهم، ويومها كتب الدواعش عبر صفحاتهم على شبكة الإنترنت «اعلموا أننا ندخل إلى بريدكم الإلكتروني وأنظمة حواسيبكم، نستخرج البيانات السرية ونرسل معلوماتكم الشخصية لجنود الخلافة، الذين سرعان ما - بإذن الله - سيضربون أعناقكم على أراضيكم». المنطوق السابق يدفعنا دفعاً إلى التساؤل: هل من معين بشري بعينه قريب من الحدود الجغرافية للولايات المتحدة الأميركية، يمكن أن يشكّل خطورة بعينها على الداخل الأميركي، بجانب التجنيد عبر الفضاء الإلكتروني؟

الخطر القادم من الكاريبي
قليلون جداً هم الذين قدّر لهم معرفة طرف من خيط عن نقطة في بحر الكاريبي يطلق عليها «جمهورية ترينيداد وتوباغو»، والواقعة في بحر الكاريبي بالقرب من فنزويلا في أميركا الجنوبية، ويبلغ تعداد سكانها نحو 1.3 مليون شخص. من هذا المكان التحق نحو 125 شخصاً بـ«داعش» خلال الأعوام الماضية؛ الأمر الذي جعلها حاضنة متوقعة للمزيد من الإرهابيين القريبين من حيث المسافة من قلب أميركا، ولا سيما أن الرحلة من هناك إلى الولايات المتحدة لا تزيد على ثلاث ساعات.
في حين الخطورة الأكبر هي أن العناصر الموالية لـ«داعش» في تلك المنطقة بعيدة كل البعد عن أعين المراقبة الأمنية، حتى بعد أن أدرجت السلطات الأميركية «الجمهورية المغمورة» في قائمة بؤر التطرف المحتملة.
ولعل ما زاد من خطورة تلك العناصر هو الأدوات الجديدة التي يعمد التنظيم إلى تفعيلها في الداخل الأميركي، ولا تحتاج إلا إلى مواطنين محليين أو زائرين مؤقتين، متواجدين على الأراضي الأميركية.
في تقرير لوكالة أنباء «يورو نيوز» نقرأ عن أحدث سلاح للدواعش في الداخل الأميركي، سلاح ربما يتسق مع تبرير «إرهاب الابتكار»؛ فقد دعا التنظيم الإرهابي إلى تسميم الطعام في المحال التجارية في الولايات المتحدة بمادة «السيانيد»، وقد نقلت هذه الرسالة مجموعة «إنتل سايت»، مشيرة إلى أحدث التخطيطات الإجرامية التي يحيكها «داعش» بدقة، والمعروف أن السيانيد من أسرع السموم قتلاً وأشدها فتكاً، وحال الربط بين فك شفرة «الذئاب المنفردة» من جهة، وطرح تسميم الأغذية والمأكولات، وضخ سم السيانيد في الأغذية الموجودة في الأسواق تضحى أميركا وغيرها من مدن العالم الكبرى، إزاء كارثة غير مسبوقة.
هل لهذا السبب تؤكد المباحث الاتحادية الأميركية (إف بي آي) على أن «داعش» لا يزال التهديد الأكبر للولايات المتحدة؟ المؤكد أن ذلك كذلك، والعهدة هنا على كريستوفر راي مدير مكتب «إف بي أي» الذي أعلن في أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي، أن تنظيم داعش إلى جانب متطرفين محليين، باتوا يمثلون أكبر تهديد إرهابي على أميركا، وقد جاء ذلك خلال جلسة استماع نظمتها اللجنة المعنية بالأمن القومي لدى مجلس الشيوخ الأميركي، حيث أشار إلى أن مكتب التحقيقات يواصل الكشف عن أميركيين محليين يسعون للسفر للانضمام إلى «داعش» والقتال تحت رايته، عطفاً على تخطيطهم لارتكاب أعمال عنف داخل البلاد.
«إنتل سايت» وصحوة «داعش»: في الأسبوع الثاني من شهر يناير (كانون الثاني) الحالي، وعبر تغريدة له، كتب السير جنت ميجور «جون تروكسل» الذي يمثل ضباط الصف في هيئة الأركان الأميركية يقول: «إن على مقاتلي (داعش) أن يدركوا أن لديهم خيارين عندما يجدون أنفسهم في مواجهتنا: إما الموت أو الاستسلام». وتابع: «لكن إذا اختاروا ألا يستسلموا، فسنقتلهم بعنف كبير، إما بمساعدة قوات الأمن، أو بإلقاء القنابل عليهم، أو إطلاق النار على جماجمهم، أو ضربهم حتى الموت بأدوات حفر الخنادق»..
على أن تطورات المشهد الداعشي لا تتقيد بأنهم قد تأثروا على نحو أو آخر بتصريحات الضابط الأميركي الكبير والدليل حالة الصحوة التي تنتاب وكالة «أعماق» صوت «داعش»، للمرة الأولى منذ سقوط الرقة، منتصف سبتمبر الماضي؛ فقد أصدرت من جديد بياناتها باللغة الإنجليزية، وبحسب مجموعة المخابرات «سايت»، التي تراقب المحتوى الأصولي حول العالم، فإن الأسابيع الأولى من 2018 قد شهدت صعوداً حاداً في حسابات التواصل الاجتماعي المؤيدة لـ«داعش» مقارنة بالأشهر السابقة.
وفى تصريح لها تقول ريتا كاتنز، المديرة التنفيذية لـ«سايت»: «تظهر الدولة الإسلامية الآن العلامات الأولى لإعادة تجميع وسائل الإعلام»، وتضيف «عانى التنظيم من انتكاسات كبرى، بسبب هجمات التحالف والنظام، لكنه يتخذ الآن خطوات كبيرة لإعادة تجميع عملياته الدعائية التي تعتبر أحد أسلحته الخطيرة».
هل تهديدات نيويورك الأخيرة واقع إرهابي محتمل، أم جزء من تلك الخطة الدعائية لإرباك الأميركيين وإدخال الرعب إلى قلوبهم؟
وتبدو الاحتمالات كافة مفتوحة، في حين المؤكد والمقطوع به تحول «داعش» من تنظيم لوجيستي إرهابي، إلى نظرية تكفيرية مؤدلجة، تنشر عبر الفضاءات المسمومة ذهنية حول العالم، وطالما سادت تلك الآيديولوجية التكفيرية، فإن الدواعش سيظهرون بأسماء وأشكال مختلفة، وقد تمتد المواجهة والمجابهة لعقدين أو ثلاثة عقود تالية، ومنا هنا ربما يتوجب على البروباغندا الأميركية بقيادة الرئيس ترمب أن تقلل من لهجة انتظارها؛ فالحرب مستمرة والصراع قائم مع «داعش» ومن لف لفها.


مقالات ذات صلة

مقتل 48 شخصاً في مالي بهجوم شنته جماعة تابعة لتنظيم «داعش»

أفريقيا جنود ماليون خلال دورية في منطقة دانسونغو بمالي يوم 23 أغسطس 2021 (رويترز)

مقتل 48 شخصاً في مالي بهجوم شنته جماعة تابعة لتنظيم «داعش»

قُتل 48 شخصاً في منطقة ميناكا شرقي مالي، إثر هجوم شنته جماعة تابعة لتنظيم «داعش»، حسبما قال أحد المشرِّعين لوكالة «أسوشييتد برس».

«الشرق الأوسط» (باماكو)
شمال افريقيا جانب من إعادة الإعمار الذي شهدته مدينة بنغازي بعد دحر الإرهاب (القيادة العامة للجيش الوطني)

بنغازي بعد 12 عاماً على مواجهة «داعش»... رحلة التعافي من الحرب

بعد 12 عاماً على اندلاع «معركة الكرامة»، تستعيد بنغازي ذكرى المواجهات مع التنظيمات الإرهابية، وما شهدته من دمار طال مناطق واسعة، قبل أن تنطلق في مسار الإعمار.

جمال جوهر
شمال افريقيا النائب العام الليبي الصديق الصور متحدثاً خلال افتتاح معرض النيابة العامة للكتاب (الصفحة الرسمية للمعرض)

تحقيق ليبي في تزوير «أرقام وطنية» بالجنوب

كشفت تحقيقات قضائية ليبية عن أرقام لافتة في ملف تزوير الأرقام الوطني، الذي يخضع للتحقيق منذ سنوات بعدما رُصد ارتفاع عدد أوراق القيود العائلية المرتبطة بـ«أوزو»

علاء حموده (القاهرة )
المشرق العربي الجيش العراقي خلال عملياته ضد «داعش» (وزارة الدفاع)

مقتل عميد وجندي بالجيش العراقي إثر انفجار قرب كركوك

أفاد مصدر أمني عراقي، الأربعاء، بمقتل ضابط برتبة عميد وجندي بانفجار عبوة ناسفة استهدفت قوة عسكرية جنوبي محافظة كركوك.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي جنود من القوات الخاصة العراقية يقفون فوق مركبات مدرعة في قرية قرب الموصل بالعراق يوم 25 أكتوبر 2016 (رويترز)

مقتل عسكريَّين عراقيَّين بانفجار عبوة ناسفة قرب كركوك

أفاد الجيش العراقي بأن عبوة ناسفة استهدفت مركبة تابعة للجيش العراقي، مما أسفر عن مقتل عميد وجندي بالقرب من مدينة كركوك شمال البلاد، اليوم (الأربعاء).

«الشرق الأوسط» (بغداد)

«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)
كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)
TT

«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)
كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)

تستعيد مسرحية «داليدا... قلبي مليان بحكايات» اليوم الأخير في حياة المطربة العالمية، وتقدِّم قراءة درامية لمشاعر الوحدة والخذلان التي سبقت وفاتها في منزلها بحي مونمارتر في باريس، قبل 39 عاماً. فقد توفيت في 3 مايو (أيار) 1987، عن 54 عاماً، وتركت رسالة كتبت فيها: «سامحوني، الحياة لم تعد تُحتمل».

يُستهلّ العرض بعزف على الكمان لأغنيتها الشهيرة «حلوة يا بلدي»، التي يستمد عنوانه من أحد مقاطعها، وتعبّر عنها طفلة ترقص الباليه. وتبدأ الأحداث قبل ساعات من رحيل داليدا، وسط شعورها بالوحدة والضياع، لكن العرض لا يسقط في فخ الميلودراما، بل يقدّم رؤية موسيقية غنائية استعراضية صاغها المخرج حمدي العربي.

الفنانة داليدا (أرشيفية)

وتجسّد الفنانة الجزائرية كريمة نايت شخصية داليدا، فيما تحضر المطربة الراحلة في خلفية المسرح، عبر مشاهد من حفلاتها وصور لها بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

في المشاهد الأولى للمسرحية، التي قُدّمت على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية، تستيقظ داليدا وداخلها شعور خانق بالوحدة والضيق، وكأنها تتعرض للمطاردة من وجوه عديدة غير واضحة الملامح، تكثّف حضورها شاشة العرض في خلفية المسرح. وتمزّق ملابسها التي تظهر بها في الحفلات، وتستعيد حواراً مع والدتها حين كانت طفلة.

وتتوالى المشاهد بين الإبهار في أزياء البطلة وبقية المشاركين والإضاءة اللافتة، ولحظات تتسم فيها داليدا بالحيوية، وأخرى تبدو خلالها منكسرة وضعيفة.

وتغنّي «أنا الديفا»، معبّرة عن إحساسها بالنجاح واعتزازها بما قدّمته، قبل أن يلاحقها الإحباط وتحيط بها مشاعر الوحدة بعدما ضاقت بقيود الشهرة؛ فتغنّي: «أنا مش مانيكان، أنا روح إنسان، مش وردة بلاستيك على رسمة فستان».

وتقدّم كريمة نايت أغنيات لداليدا بصوتها، من بينها «Je suis malade»، التي تعبّر عن حزنها وإحساسها بالمرض، وترافق أداءها بالرقص الإيقاعي والاستعراض مع فريق من راقصي الباليه. وتشارك في الأداء التمثيلي شيري أحمد وتمارا مصطفى حجاج.

وأكد مخرج العرض، الفنان حمدي العربي، الذي يقيم بين مصر وألمانيا، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أنه ظل يعمل على العرض منذ سنوات، عادّاً المطربة الراحلة مصدر إلهام له. وقال: «صدمني مثل كثيرين خبر انتحارها رغم أنها حققت أمجاداً عالمية».

ملصق العرض المسرحي (الشرق الأوسط)

وأضاف: «رحلتها جمعت بين القوة والضعف، وهذه القوة مكّنتها من تحقيق كل هذه المكانة العالمية، ثم حين تعود إلى بيتها تجد نفسها وحيدة وضعيفة رغم كل الحب الذي أحاطها به الجمهور في كل مكان. فقد كانت تتوق لكي تكون أمّاً ولم تستطع، كما أن الذين أحبتهم أنهوا حياتهم».

وأوضح العربي أنه أنتج العرض بشكل مستقل، وأنه يسعى إلى تقديمه كلما توافرت له فرصة، متطلعاً إلى عرضه في مدن عربية وأجنبية خلال الفترة المقبلة.

وعن اختياره بطلة لا تشبه داليدا في الشكل، قال إنه قصد ذلك، ولا يعنيه التطابق الشكلي بينهما؛ لأنه لا يقدّم بطلة تقلّد داليدا وتتشبّه بها، بل يهمّه أن تعبّر عن روح الفنانة الراحلة.

وأضاف: «كريمة نايت تتمتع بطاقة فنية عالية مطربة وراقصة للرقص الحديث وممثلة لها مسيرة طويلة، وقد جعلتها أيضاً تغنّي أغنيات داليدا دون الاستعانة بتسجيلات صوتية للفنانة الراحلة».

ولعبت الموسيقى دوراً كبيراً في العرض المسرحي، بمشاركة شريف الوسيمي، الذي عَدّه المخرج شريكاً رئيسياً في جميع عروضه، لما يتمتع به من موهبة، ولما يجمعهما من تفاهم.

المخرج وفريق العمل يوجهون تحية للجمهور في نهاية العرض (الشرق الأوسط)

وأشار المخرج إلى عمله في بداياته عارضاً في فيديوهات أغنيات عدة لمطربات، من بينها «وحياتي عندك» لذكرى، و«كل دي إشاعات» لسميرة سعيد. كما أخرج عروضاً مسرحية في مصر، من بينها «فاوست»، التي قدّمها برؤية شعبية مصرية، وتناول سيرة أسطورة الباليه «نورياف» في عرض مسرحي قام ببطولته ممدوح حسن.

وُلدت المطربة الإيطالية الأصل يولاندا كريستينا جيجليوتي، الشهيرة بـ«داليدا»، في حي شبرا بالقاهرة، وشاركت ممثلة في الفيلم المصري «سيجارة وكأس» للمخرج نيازي مصطفى عام 1955. وحققت نجاحاً منقطع النظير مطربة بعد وصولها إلى فرنسا، وغنّت بلغات عدة، من بينها العربية والفرنسية والإيطالية واليونانية والألمانية، ولها رصيد يتجاوز ألف أغنية. كما لعبت بطولة فيلم «اليوم السادس» للمخرج يوسف شاهين عام 1986.

ويخلّد ذكراها تمثال نصفي برونزي أبدعه النحات أسلان، ونُصب عام 1997 في ساحة داليدا بحي مونمارتر في باريس.


«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
TT

«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)

ارتبط مسمى «حزب الله» بنوعين؛ أعلام صفراء في لبنان، وحسن نصر الله أمين عام حزب الله، لبنان، لكن النوع العقائدي الأكبر خطورة يسير في دماء العراق، حزب هو بذات الاسم، عقائديون أكبر أثراً في سفك الدماء، حيث يرعون الأمر أكبر من مجرد حزب أصفر له الضاحية الجنوبية في لبنان؛ مسكن ومقر ومشيعون.
بين دجلة والفرات، حزب يسمى كتائب «حزب الله العراق»، له أكثر من 13 عاماً وهو في تشكيله الحالي، ليس بالهين عوضاً عن ميليشيات «الحشد الشعبي» التي أخذت كل الوهج الإعلامي كونها مرتبطة بنظام إيران، لكن «حزب الله العراق» وكتائبه تمر في أزقة السواد وبأخطر من دور ميداني تمارسه «الحشد الشعبي»، لأن العقائدية ونشرها أشد خطورة من ميدان يتقهقر فيه الأضعف، نظراً للضربات الآمنة التي يقودها الحلفاء أولو القوة من غرب الأرض لوقف تمدد النزيف، دائماً ما يكون مصنع الوباء يمر بحزب الله العراق.

قبل أشهر، كان الحزب تعرض لواحدة من أعنف الغارات على مواقعه، بعد هجوم صاروخي استهدف قاعدة التاجي في العراق، وقتل فيها جنديين أميركيين وبريطانياً، وجاء الرد خلال ساعات قليلة بفعل غارات أميركية - بريطانية مشتركة، ضد منشآت لميليشيات حزب الله العراقي في محافظتي بابل وواسط ومنطقة سورية محاذية للحدود العراقية.
نظرة سريعة على حزب الله العراق، من التاريخ، كان عماد مغنية (قتل في 2008 بغارة إسرائيلية في دمشق) الإرهابي اللبناني التابع لإيران، وحزب الله لبنان، كان أحد صنّاع هيكل هذا الحزب في العراق، حيث بدأ في العمل وفقاً لتوجيهات وأوامر نظام الملالي في تكوين حزب يشبه حزب الله اللبناني، وهو ما يبدو أن الأوامر جاءته في تجويد هذا الحزب ليكون بذراعين: عسكرية وعقائدية، ويبدو أن مغنية تجاوز أخطاء عديدة في تشكيل ووهج حزبه اللبناني، فصنع بهدوء هيكلة مختلفة للحزب، جعلت كل المساجد والحسينيات وقوداً يضخ فيها البذور التي يرغبها أولو العمائم.
ظهر الحزب بحضوره الأول بقوام تجاوز 4 آلاف شخص، منتمين بعضويات عدة داخله، وتنامى العدد حتى قبل تصنيف الولايات المتحدة له كـ«تنظيم إرهابي»، لكنه جعل دوره التسويقي للحشد والتنظيم أكبر من مجرد عسكرة، بل فكرة أكثر ارتباطاً في نشر آيديولوجيا عبر مواقع عدة، ومنها تفريخ عناصر في قطاعات مهمة داخل العراق؛ منها وزارة التعليم ووضع لبنات التعاون مع أحزاب دينية؛ منها «الحزب الإسلامي» الذي يتغذى بمنهج الإخوان المسلمين.
ربما ما يدور أن الحزب هو جزء في تكوين «الحشد الشعبي» لكن ذلك يمر بتقاطعات، حيث يشير عبد القادر ماهين، المتخصص في شؤون التنظيمات الإرهابية، إلى أن الحزب يظهر كونها جزءاً من تكوين الحشد، لكنه جزء يصنع الكعكة الميليشياوية ويشارك في تسميمها ويعمل على توزيعها في المناطق المجاورة.
يشير ماهين في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إلى أنه لا أمين عاماً للحزب أسوة بحزب الله اللبناني، حيث يظهر فيه حسن نصر الله، مبرراً ذلك أن الفرق بين تكوين الحزبين هو الحاجة والدور، حيث يتمركز في جنوب العراق بعتاد عسكري، له هدف في وضع حضور طاغٍ يحاول تفخيخ الحدود، لأن الهدف يرتبط مع إمبراطورية إيران الكبرى الممتدة، ولا يظهر له الأثر السياسي كممثلين له كما هو الحزب اللبناني ليكون أثره في تشكيل الحكومات والبرلمانات.

إذن ما الدور الذي يلعبه الحزب؟

الحزب كما يرى ماهين، أنه ذو دور عسكري في الأصل، لكن الترتيبات ما بعد 2009 جعلته أكثر قدرة في تكوين فريق احتياط عسكري ليس أكثر وفق الحاجة، يدعم التوجهات والسياسات الإيرانية، لكن ما أخل بتلك القاعدة مشاركته المباشرة في دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وأصبح أكثر من 4 أو 5 آلاف جندي مشاركين في السيطرة على مدن سورية تحت إمرة إيران في سوريا التي تتشكل من 4 فصائل مسلحة.
الحزب ليس عسكرياً فقط؛ كان ولا يزال صاحب دور في الترويج العقائدي، وتصوير الحضور الإيراني بشكل إيجابي مزعوم، إضافة إلى عمله الاقتصادي، حيث يدخل عناصره الكبرى في مفاصل مهمة في الاقتصاد العراقي، من شركات اتصالات وشركات نفطية، وأخرى ذات علاقة بقطاع الطيران، وإدارة المطارات والمنافذ، وبعض الأشخاص أبرزهم هادي العامري الذي كان صاحب صولات وجولات حين حمل حقيبة وزارة النقل العراقية في وقت سابق، وكان أبرز مهددي الاستمرار الكويتي في بناء ميناء مبارك الكبير، حيث هددت كتائب الحزب الشركات من الاستمرار بالعمل، وحينها ظهر العامري بأن ذلك المشروع «يغلق القناة الملاحية لموانئ العراق».
مرحلة مختلفة ظهرت، حين عاودت الآلة العسكرية الحزبية لكتائب حزب الله العراق، بالعمل من خلف الصفوف، حيث كانت أبرز مهددي السفارات وأكثر ملغمي مسارات الحلول السياسية، بل ومن رمى بقادة العراق اليوم في تحدي أن يرضخوا أمام شعب بدأ في كراهية الحضور الإيراني، وكان الحزب أبرز علامات استهداف المتظاهرين في العراق في كل البلاد، بغية كسر حدة السيوف الشعبية لتصبح مجرد مقبض دون رأس حربة كي يحافظ الحزب على الوجود الإيراني، خصوصاً أنه أبرز متلقٍ للأموال من نظام إيران وأكثرها غناءً.
الدور الاقتصادي لكتائب حزب الله العراق أصبح أكثر وضوحاً، حيث كان أكبر المنتفعين في عام 2015، من «الفدية القطرية» التي وصلت إلى أكثر من مليار دولار، مقابل إطلاق سراح قطريين كانوا يقضون وقتهم في الصيد جنوب العراق، ورغم أن الأنباء قالت إن الخاطفين لعدد من أبناء الأسرة الحاكمة القطرية ومعاونيهم الذي بلغ 28 شخصاً، كانوا من تنظيم «داعش»، لكن التقارير المسربة لاحقاً في بدايات 2016 حيث جرى تخليصهم وعودتهم إلى قطر، كانوا يتبعون لكتائب حزب الله العراق، وهو ما ينافي الرواية الرسمية القطرية التي تقول إنها دفعت المبلغ للحكومة العراقية.
الدور المستقبلي لن ينفك عن منهجية تتقاطع مع حزب الله اللبناني، حيث لدى الحزب اليوم الرؤى ذاتها، خصوصاً في اعتماد سياسة «افتعال الأزمات»، كي لا ينكسر الحضور الإيراني ونفوذه في المؤسسات الدينية وبعض السياسية، التي يجد فيها بعضاً من رجاله الذين يقبعون في سياسة تخفيف الضغط على النظام السياسي ومحاصصته التي تستفيد منها ميليشيات إيران في العراق، وما بعد مقتل قاسم سليماني، غربلة يعيشها الحزب الذي يجرب يوماً بعد آخر أسلوب التقدم خطوة بخطوة، مستفيداً من تكتيك الفأر في نشر طاعون على أرض هي الأهم لإيران.


«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
TT

«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)

ارت طموحات تنظيم «داعش» الإرهابي للتمدد مجدداً تساؤلات كثيرة تتعلق بطبيعة «مساعيه» في الدول خلال العام الجاري. واعتبر مراقبون أن «(أزمة كورونا) جددت طموحات التنظيم للقيام بعمليات إرهابية، واستقطاب (إرهابيين) عقب هزائم السنوات الماضية ومقتل زعيمه السابق أبو بكر البغدادي». ووفق خبراء ومتخصصين في الشأن الأصولي بمصر، فإن «التنظيم يبحث عن أي فرصة لإثبات الوجود»، مشيرين إلى «مساعي التنظيم في أفريقيا عبر (الذئاب المنفردة)، ومحاولاته لعودة نشاطه السابق في العراق وسوريا عبر تبني عمليات القتل»، موضحين أن «المخاوف من العناصر (الانفرادية) التي تنتشر في أوروبا وأميركا تتزايد، خاصة وأنها تتحرك بانسيابية شديدة داخل محيطهم الجغرافي».
وقال أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الأصولية، إن «(داعش) مثل تنظيمات الإرهاب تبحث عن فرصة مُناسبة للوجود، ومن الفُرص المُناسبة، وجود أي شكل من أشكال الفوضى أو الارتباك، وعندما تكون جهود الدول موجهة لمحاربة (كورونا المستجد)، فيبقى من الطبيعي أن يسعى التنظيم للحركة من جديد، وانتظار فرصة مناسبة لتنفيذ أهدافه، خاصة أن (داعش) في تعامله مع الفيروس روج لفكرة (أن كورونا عقاب إلهي لأعدائه، على حد زعم التنظيم)، خصوصاً أن (كورونا) كبد أوروبا خسائر كبيرة، وأوروبا في الدعايا الداعشية (هذا الغرب الذي يحارب الإسلام، على حد تصور الداعشيين)، لذا فـ(داعش) يستغل هذا، في مواجهة بعض الارتكازات الأمنية، أو الأكمنة، أو الاستهدافات بالشوارع، لإثارة فازعات، ومن الوارد تنفيذ بعض العمليات الإرهابية».
وأكد عمرو عبد المنعم، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) استغل (أزمة الفيروس) بالادعاء في بيان له مارس (آذار) الماضي، بأن الفيروس (عذاب مؤلم من الله للغرب، خاصة للدول المشاركة في العمليات العسكرية ضده، على حد زعمه)، ويحاول التنظيم نشر الخوف من الوباء، والبحث عن إيجاد مصارف لتمويل العمليات الإرهابية».
ووفق تقرير سابق لمجموعة «الأزمات الدولية» في نهاية مارس الماضي، أشار إلى أن «التنظيم أبدى مع ظهور الفيروس (نبرة شماتة)، وأخبر عناصره عبر افتتاحية جريدة (النبأ) التابعة له في نهاية مارس الماضي، بضرورة استمرار حربهم عبر أرجاء العالم حتى مع تفشي الوباء... وادعى أن الأنظمة الأمنية والدولية التي تسهم في كبح جماح التنظيم على وشك الغرق، على حد قول التنظيم».
ويشير عبد المنعم في هذا الصدد، إلى أنه «بالعودة لزاوية (حصاد الأجناد) في عدد (النبأ) الأخير، زعم التنظيم أنه شن 86 هجمة إرهابية في شهر واحد، هو مارس الماضي، وهو أعلى رقم منذ نهاية نوفمبر (تشرين ثاني) الماضي، الذي سجل 109 هجمات، فيما عُرف بـ(غزوة الثأر) للبغدادي وأبو الحسن المهاجر اللذين قُتلا في أكتوبر (تشرين أول) الماضي في غارة جوية».
ووفق تقارير إخبارية محلية ودولية فإن «(داعش) يسعى لاستعادة سيطرته على عدد من المناطق في سوريا والعراق من جديد، وأنه يحتفظ بنحو من 20 إلى 30 ألف عضو نشط، ولا ينقصه سوى توفر المال والسلاح». وأشارت التقارير ذاتها إلى أن «التنظيم يحاول استغلال انشغال سوريا والعراق بمكافحة الفيروس، لاستعادة سيطرته على مناطق من الصحراء السورية في الغرب، إلى وادي نهر الفرات شرقاً، مروراً بمحافظة دير الزور والمناطق ذات الأغلبية السنية في العراق، والتي لا يزال يوجد فيها بعض عناصره».
ويشار أنه في أبريل (نيسان) الماضي، هاجم التنظيم بلدة السخنة في صحراء حمص، وأسفر عن مقتل 18. وفي دير الزور أعلن التنظيم مقتل اثنين... وفي العراق، قتل ضابط شرطة عند نقطة تفتيش في الحويجة غرب كركوك على يد التنظيم، كما قتل اثنان من مقاتلي البيشمركة الكردية في هجوم للتنظيم أبريل الماضي، كما أسفر هجوم للتنظيم على مطار الصادق العسكري عن مقتل اثنين.
وفي هذا الصدد، قال عمرو عبد المنعم، إن «أكثر هجمات (داعش) كانت في العراق أخيراً، وشهد التنظيم نشاطاً مكثفاً هناك»، مضيفاً: «في نفس السياق دعت فتوى نشرها التنظيم على (تلغرام) للهروب من السجون السورية، وهذا ما حدث، فقد هرب 4 نهاية مارس الماضي، من سجن تديره قوات سوريا الديمقراطية، وفقاً لتقارير إخبارية».
وسبق أن طالب أبو حمزة القرشي، متحدث «داعش» في سبتمبر (أيلول) الماضي، «بتحرير أنصار التنظيم من السجون ...»، وسبقه البغدادي «وقد حرض بشكل مُباشر على مهاجمة السجون في سوريا والعراق».
وبحسب المراقبين «حاول (داعش) أخيراً زيادة حضوره الإعلامي على منصات التواصل الاجتماعي مجدداً، بعد انهيار إعلامه العام الماضي». ورصدت دراسة أخيرة لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف في القاهرة «تداول التنظيم تعليمات لعناصره عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بالادعاء بأن الفيروس يمثل (عقاباً من الله، ويحتم اتخاذ خطوات لتكفير الذنوب)، وجعل التنظيم الإرهابي - على حد زعمه - السبيل الوحيد للخلاص من الفيروس، والقضاء عليه، هو (تنفيذ العمليات الإرهابية)، ولو بأبسط الوسائل المتاحة». اتسق الكلام السابق مع تقارير محلية ودولية أكدت «تنامي أعداد حسابات أعضاء التنظيم وأنصاره على مواقع التواصل خصوصاً (فيسبوك)، حيث تمكن التنظيم مجدداً من تصوير وإخراج مقاطع فيديو صغيرة الحجم حتى يسهل تحميلها، كما كثف من نشر أخباره الخاصة باستهداف المناطق التي طرد منها في العراق وسوريا، وتضمين رسائل بأبعاد عالمية، بما يتوافق مع أهداف وأفكار التنظيم».
ووفق عبد المنعم فإن «(داعش) يستغل التطبيقات الإلكترونية التي تم تطويرها في الفترة الأخيرة في المجتمع الأوروبي، والتي قدمتها شركات التكنولوجيا والذكاء الصناعي في أوروبا مثل تطبيق Corona-tracker لجمع البيانات عن المصابين، وتوجيه بعض الأسئلة لتحديد نسبة الخطورة، وفرض التنظيم على الأطباء والممرضين في الرقة الحضور اليومي الإجباري، ومن خالف تعرض لعقوبات شديدة».
وعن الواجهة التي يسعى «داعش» التمدد فيها خلال الفترة المقبلة. أكد الخبير أحمد بان، أن «أفريقيا هي الواجهة المفضلة لتنظيمي (داعش) و(القاعدة)، والفترة الأخيرة شهدت تصاعدا لعمليات في الغرب الأفريقي وداخل الساحل، وعمليات داخل موزمبيق، فـ(داعش) في حالة سباق لتصدر المشهد هناك، مع توفر آليات تساعده على ذلك من بينها، تهريب السلاح، وحركة العصابات». فيما أبدى عمرو عبد المنعم، تصوراً يتعلق بـ«زيادة العمليات الإرهابية في نيجيريا، وأنه طبقاً لبيانات صدرت أخيراً عما يُعرف باسم (ولاية غرب أفريقيا) أفادت بوجود أكثر من مائة مقاتل هاجروا لنيجيريا من سوريا والعراق».
وتجدد الحديث في فبراير (شباط) الماضي، عن مساعي «داعش» للوجود في شرق أفريقيا أيضاً، بعدما أظهرت صوراً نشرها التنظيم عبر إحدى منصاته تتعلق بتدريبات على أسلحة تلقاها عناصره في مرتفعات «غل غلا» الوعرة بولاية بونتلاند الواقعة شمال شرقي الصومال.
تعليقاً، على ذلك أكد أحمد زغلول، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) يهدف إلى السعي لمناطق بالقارة السمراء، بعيداً عن سوريا والعراق، لـ(تفريغ قدرات عناصره القتالية)، فضلاً عن تأكيد عبارة (أنه ما زال باقياً)».
تقديرات سابقة لمراكز بحثية غربية أشارت أيضاً إلى أن «عدد الذين انضموا لـ(داعش) من أفريقيا منذ عام 2014 في سوريا والعراق يزيد على 6 آلاف مقاتل». وقال المراقبون إن «عودة هؤلاء أو ما تبقى منهم إلى أفريقيا، ما زالت إشكالية كبيرة على أمن القارة، خصوصاً أن كثيراً منهم شباب صغير السن، وأغلبهم تم استقطابه عبر مواقع التواصل الاجتماعي».
فيما قال خالد الزعفراني، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، إن «مساعي التنظيم للتمدد داخل أفريقيا سوف تتواصل عبر (الذئاب المنفردة)»، مضيفاً أن «ما يقوم به التنظيم في أفريقيا، والعراق وسوريا أخيراً، لإثبات أن لديه قدرة على تحقيق إنجازات، وأنه (عابر للحدود)، وأنه غير مُتأثر بهزائم سوريا والعراق».
وكان أبو محمد العدناني، الناطق الأسبق باسم «داعش» قد دعا في تسجيل صوتي عام 2014 المتعاطفين مع التنظيم، إلى القتل باستخدام أي سلاح متاح، حتى سكين المطبخ من دون العودة إلى قيادة «داعش»... ومن بعده دعا البغدادي إلى «استهداف المواطنين». وتوعد التنظيم عبر مؤسسة الإعلامية «دابق» بحرب تحت عنوان «الذئاب المنفردة».
في ذات السياق، لفت أحمد بان، إلى أن «التنظيم يسعى لاكتشاف أي ثغرة لإثبات الوجود أو تجنيد عناصر جُدد، خاصة وأن هناك عناصر (متشوقة للإرهاب)، وعندما يُنفذ (داعش) أي عمليات إرهابية، تبحث هذه العناصر عن التنظيم، نتيجة الانبهار».
من جانبه، قال الخبير الأمني اللواء فاروق المقرحي، مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، إن «تنظيمات الإرهاب خاصة (داعش) و(القاعدة) لن تتوانى عن سياسة التجنيد، ومن هنا تنبع فكرة الاعتماد على (الذئاب المنفردة) أو (العائدين) بشكل كبير».
وبينما رجح زغلول «حدوث بعض التغيرات داخل (داعش) عام 2020». قال اللواء المقرحي: «لا أظن عودة (داعش) بفائق قوته في 2020 والتي كان عليها خلال عامي 2014 و2015 نتيجة للحصار المتناهي؛ لكن الخوف من (حرب العصابات) التي قد يشنها التنظيم، لاستنزاف القوى الكبرى»، لافتاً إلى أن «كثيرا من العناصر (الانفرادية) تتحرك في أوروبا وأميركا بانسيابية داخل الدول، وهذا هو الخطر».