أزمة باسيل: رسائل سياسية وأهداف انتخابية

استعاد لبنان معها أجواء الحرب... وتداعياتها ستنعكس على الحكومة

أزمة باسيل: رسائل سياسية وأهداف انتخابية
TT

أزمة باسيل: رسائل سياسية وأهداف انتخابية

أزمة باسيل: رسائل سياسية وأهداف انتخابية

فتحت الأحداث الأمنية والسياسية التي عاشها اللبنانيون هذا الأسبوع، الباب على كل الاحتمالات، بما فيها عودة الحرب الأهلية، قبل أن يؤدي اتصال رئيس الجمهورية ميشال عون برئيس مجلس النواب نبيه برّي إلى احتواء الوضع، وتنفيس الأجواء في الشارع، من دون أن يعني ذلك انتهاء الأزمة السياسية في لبنان بشكل عام، وبين «حركة أمل» و«التيار الوطني الحر» (تيار عون) بشكل خاص.
وبين محاولة البعض التخفيف من وطأة ما حدث، وتحذير آخرين من تداعياتها، تبقى هناك حقيقة واحدة، هي أن «ما بعد مواجهة برّي ووزير الخارجية جبران باسيل ليس كما قبلها».
بل ستبقى التداعيات حاضرة داخل الحكومة الائتلافية الحالية إلى حين موعد الانتخابات النيابية المقررة في شهر مايو (أيار) المقبل، لتكون المواجهة الأكبر في انتخابات رئيس المجلس النيابي ومشاورات تشكيل الحكومة المقبلة التي ستشكّل ملعباً للاشتباك السياسي.

انفجرت المواجهة بين جبران باسيل وزير خارجية لبنان رئيس «التيار الوطني الحرّ» (التيار العوني) نهاية الأسبوع الماضي عند تسريب شريط فيديو يهاجم فيه رئيس مجلس النواب نبيه برّي، واصفاً إياه بـ«البلطجي»، ومتوعّداً بـ«تكسير رأسه». ثم تحوّلت مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة حرب افتراضية بين مناصري الطرفين، استعيدت عليها لغة الحرب الطائفية التي لم يغب عنها نواب ووزراء محسوبون أيضاً على «التيار الوطني الحر» (الذي أسسه رئيس الجمهورية ميشال عون، حمو باسيل) و«حركة أمل» برئاسة برّي.
«أمل» طالبت باعتذار باسيل، وبينما ظل رئيس الجمهورية صامتاً طوال يوم الاثنين، الذي انتهى بإصدار «حزب الله» - الذي كان قد التزم الحياد في كل أزمات حليفيه السابقة - بياناً استنكر فيه كلام باسيل. إلا أن ما كان ينتظره «حزب الله» و«أمل» من عون ومناصريه بات مستحيلاً بعدما عمد مناصرو «أمل» إلى النزول إلى الشارع وإحراق الدواليب والاعتداء على مركز «التيار الوطني الحر»، فعندها كسر عون صمته ببيان اعتبر فيه «أن الخطأ الذي بُني على خطأ هو خطأ»، وطلب من الطرفين التسامح. وفي المقابل، لم يرَ «حزب الله» و«أمل» في بيان الرئيس إلا مساواة بين «القاتل» و«القتيل»، وصعّد وزراء «أمل» ونوابها مواقفهم مطالبين باسيل بالاستقالة، بينما آثر الأخير الصمت، واكتفى عبر بيان لاجتماع «تكتل التغيير والإصلاح» باعتبار «أن الملف قد انتهى».

أجواء الحرب
لكن «انتهاء الملف» بالنسبة إلى باسيل كان سبباً إضافياً للتصعيد في شارع «أمل» وصل مساء الأربعاء إلى مهاجمة ضاحية الحدث (ذات الغالبية المسيحية المارونية)، التي اعتبرت تقليدياً «خط تماس» بين المسيحيين والمسلمين، إبان الحرب (1975 - 1990)، وبذا علت لغة الحرب والتهديد على ما عداها من مواقف، قبل أن يستدرك المسؤولون في الطرفين، الأمر، ويدعون إلى التهدئة والمحافظة على السلم الأهلي، وكان لـ«حزب الله» الدور الأبرز في هذا الإطار.
ولاحقاً في بيان لها، بعد ثلاثة أيام على الأزمة، دعت «أمل» للتوقّف عن أي تحرك في الشارع قطعاً للطريق على من يريد حَرف النظر عن الموضوع الأساسي، وضرب علاقات اللبنانيين مع بعضهم. وطلبت من «جميع الحركيين على اختلاف مستوياتهم المساعدة على تطبيق هذا الأمر».
وتوجّت كل الجهود السياسية، التي لعب خلالها «حزب الله» - حليف الطرفين - دور «رأس الحربة»، باتصال أجراه الرئيس عون ببرّي سبقه لقاء بين رئيس الحكومة سعد الحريري ورئيس الجمهورية. وأعلنت بعده رئاسة الجمهورية عن الاتصال الذي أكد خلاله عون «أن الظروف الراهنة والتحديات تتطلب طي صفحة ما جرى أخيراً، والعمل يداً واحدة لمصلحة لبنان»، وهو ما رأت فيه حركة أمل خطوة إيجابية، ووصف برّي الاتصال بــ«الجيد جداً».
هذه الأزمة، التي كان كلام باسيل وهجومه على برّي بوصفه «البلطجي» كفيلاً بتفجيرها، لم تكن «رمّانة بل قلوباً ملآنة» - وفق المثل الشعبي اللبناني -. ذلك أن هناك تاريخاً من المواقف والمواجهات السياسية بين الجانبين منذ عشرات السنين، مروراً بالانتخابات الرئاسية التي رفض برّي خلالها التصويت لصالح عون، وما لحقها من أزمات بين الطرفين، أبرزها في الفترة الأخيرة حول ما بات يعرف بـ«أزمة المرسوم» التي لا تزال عالقة، ووصلت إلى حد المواجهة السياسية الأكبر بينهما.
«الكيمياء المفقودة» بين الرجلين (برّي - عون) واستطراداً إلى باسيل، صهر عون ورئيس «تياره»، لن تقتصر على الطرفين، بل يتوقع أن تترك تداعياتها على المعادلة السياسية اللبنانية ضاربة عرض الحائط بـ«التسوية» التي أدّت إلى انتخاب عون وتشكيل الحكومة الحريرية الحالية، والفرز السياسي عبر ما يعتبره البعض انفراداً بالسلطة من قبل «التيار العوني» و«تيار المستقبل» بغطاء من «حزب الله».
وفي هذا الإطار، يحمّل مصدر في «8 آذار» باسيل - ومن خلفه رئيس الجمهورية - المسؤولية بالقول: «لو عمد عون إلى الاتصال برئيس مجلس النواب من اليوم الأول كان الموضوع حلّ في لحظة، لكن على العكس من ذلك، بيان عون ساوى خطأ باسيل بخطأ شباب متحمسين». وأضاف أن الأمر نفسه يصدق على «مرسوم أقدمية الضباط» الذي كان في طريقه إلى الحل من خلال المبادرة التي قدّمها برّي، وتبناها رئيس الحكومة سعد الحريري، «قبل أن يؤدّي اتصال من جهة إلى إيقافها». وتابع المصدر: «كل ذلك يدل على أنهم (أي تيار عون) مصرّون على نهجهم وهو ما لن نسكت عنه».

باسيل مستفيد انتخابياً
من ناحية أخرى، رغم تأكيد مختلف الأطراف على أن الانتخابات النيابية «خط أحمر»، ترى مصادر عدّة أن ما حصل يخفي في طياته نية لتأجيل هذا الاستحقاق الذي تشير المعطيات الراهنة إلى أنه يسير في طريقه الصحيح ما لم تحصل أي مفاجآت. وليس بعيداً عن هذه الأجواء، يقول مصدر في «فريق 8 آذار» أن «ما يقال فوق الطاولة غير ما يقال تحتها... بعيداً عن الإعلام».
وبعد كلام برّي بأن هناك محاولات لتأجيل الاستحقاق كان وزير المال علي حسن خليل، ممثل «أمل» في الحكومة، واضحاً في هذا الإطار، إذ قال: «إذا كان الهدف من وراء ما حصل هو تعطيل الانتخابات، فنطمئنكم أنها حاصلة بموعدها». وهذا ما شدّدت عليه أيضاً جهات مطّلعة على موقف «حزب الله»، مؤكدة على ثوابته الثلاثة: «الاستحقاق الانتخابي، وبقاء الحكومة، والوضع الأمني الذي يجب أن يبقى مستقراً، بينما لن يتجاوز الخطاب السياسي حدود السقف الذي وصل إليه». وحسب هذه الجهات، فإن «التسوية الرئاسية، كذلك، لم تسقط رغم أن الأمور صعبة ولبنان يعيش على التسويات التي تأتي دائماً بعد خلاف معيّن» قبل أن تستدرك «لكن، لا شك، في أن الفرز السياسي سيتغيّر وملامحه واضحة منذ الآن».
جدير بالذكر، أنه منذ اللحظة الأولى لتسريب «فيديو باسيل» لم تخل الاتهامات من «أهداف انتخابية» لصالح باسيل، الذي يرفع دائماً «شعار استعادة حقوق المسيحيين»، وهو الذي كان قد خاض دورتين انتخابيتين، ولم ينجح بالفوز بمقعد نيابي. وهو يعوّل اليوم على الفوز بعد تعديل قانون الانتخابات. في المقابل، وإن كان الأمر سينعكس أيضاً إيجاباً على برّي و«حركة أمل»، فهذه الاستفادة لن يكون لها التأثير الكبير في الأرقام انطلاقاً من تحالفاته الانتخابية، خصوصاً ضمن «تحالف الثنائي الشيعي» الاستراتيجي مع «حزب الله».
خبراء بالشأن الانتخابي واستطلاعات الرأي يرجّحون ارتفاع شعبية وزير الخارجية في الشارع المسيحي المتشدد على خلفية الأزمة الأخيرة، ووفق الباحث في «الدولية للمعلومات» محمد شمس الدين، فإن «القراءة الأولية تفيد بأن ما حصل رفع من شعبية باسيل، بعد ردّة فعل مناصري الرئيس نبيه برّي، بوصولهم إلى منطقة مسيحية، والاستياء الكبير الذي ولّده في الأوساط السياسية المسيحية حتى المتضامنة مع برّي».

رسالة برّي للحليف
في سياق ثانٍ، فإن «ربط نزاع» خلاف برّي - عون بجهود من «حليفي» الطرفين، وأبرزهم «حزب الله» ورئيس الحكومة سعد الحريري، لا يعني أن الوضع في لبنان سيعود إلى طبيعته، خصوصاً بعد اهتزاز «التسوية» التي أدت إلى انتخاب عون رئيساً، ونجحت في تشكيل حكومة برئاسة الحريري. وقد تكون الإجابة الفاترة للنائب علي بزّي (كتلة برّي) عند سؤاله، خلال «مصالحة الحدث» عما إذا كانت طويت الصفحة «ماشي الحال»، خير دليل على هذا الأمر.
وبالفعل، قواعد المعادلة السياسية بدأت تتغيّر، بما في ذلك فرز التحالفات. وأهمها، بحسب ما يرى الوزير السابق الدكتور سليم الصايغ، نائب رئيس حزب الكتائب اللبنانية، «عدم تفرّد الثنائي (التيار الوطني الحر) و(المستقبل)، بالقرار اللبناني بغطاء من (حزب الله)، تنفيذاً لما أفرزته التسوية». ويوضح الصايغ: «ردة فعل برّي ليست رسالة فقط إلى باسيل، بل إلى أصحاب التسوية مجتمعين بمن فيهم حليفه (حزب الله) بعدما عمدوا إلى التفرّد بالسلطة والقرارات. وعبّر برّي عن هذا الواقع بصراحة بعد اتصال عون به، بالقول للصحافيين عند سؤاله عن مسألة فتح دورة استثنائية للمجلس النيابي: هذه عند رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وليس بالضرورة أن تحصل بالتشاور معي... هما عادة لا يتشاوران معي في الأشياء التي هي من صلاحياتي، فكيف بالدورة التي هي من صلاحياتهما؟».
ولا ينفي الصايغ أن المستفيد الأكبر من مواجهة «برّي - باسيل» هو الأخير «الذي يحاول الظهور بأنه يواجه السلاح الشيعي، وهو أمر غير حقيقي». ويضيف: «عاش لبنان أزمة وطنية هي الثانية والأكبر من نوعها خلال عهد الرئيس عون، بعد أزمة استقالة الحريري والعودة عنها، وهذا يدل على هشاشة المعادلة السياسية التي أتت بالتسوية الرئاسية». ويرى نائب رئيس الكتائب أن سلوك باسيل في هذه الأزمة الممتدة من «التوقيع على مرسوم الضباط» هو «محاولة لتظهيره بأن هناك مشكلة كبيرة بين ما يسمى الفريق الشيعي والتيار الوطني الحر... وذلك لتقديم أوراق اعتماده إلى جهات غربية وإبعاد تهمة تغطية سلاح (حزب الله) عنه».
ولا تبتعد قراءة مصدر في «أمل» كثيراً عن رأي الصايغ، إذ اعتبر أن «ما حصل ليس قضية خطأ ارتكب، وكلام لا شكّ أنه كبير بحق رئيس مجلس النواب، ما يعكس نوعاً من الاستبداد والتسلط والهيمنة من شخص اعتاد منذ فترة على هذا السلوك... هذا لم ولن نقبل به بعد الآن، وسنكون له بالمواجهة على طاولة الحكومة التي لا نزال متمسكين باستمرارها».
في المقابل، ترى جهات في «التيار الوطني الحر» أن التسوية «ما زالت مستمرة بدليل حرص الجميع على بقاء الحكومة وإجراء الانتخابات»، داعية إلى انتظار نتائجها، خصوصاً فيما يتعلق بتشكيل الحكومة المقبلة. مع الإشارة إلى أن المواجهة الأبرز في تلك المرحلة ستكون، وفق التقديرات، في حرص برّي على تكريس «التوقيع الشيعي» على المراسيم عبر التمسك بوزارة المال كي تكون من حصة الطائفة الشيعية.
المصدر في «أمل» يؤكد من جهته «أكثر من الخطأ والاعتذار نحن أمام نهج يعتمده فريق باسيل ومشروع لم يبن ولن يبني وطناً... بل يعود بنا إلى خطاب الحرب والطائفية، وهو ما لم نرض ولن نرضى به». ثم يتساءل: «هل المطلوب ضرب (اتفاق الطائف) والدستور؟ هناك من يريد أن يطبّق الدستور وهناك من يعمل لضربه، و(مرسوم الضباط) الذي تم القفز به فوق الدستور عبر تجاهل توقيع وزير المال خير دليل على هذا الأمر». ويستطرد: «من هنا معركتنا ستكون على طاولة الحكومة، وليس خارجها، في مواجهة كل الصفقات، السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعملون على تمريرها... ومن الآن فصاعداً سنكون لهم بالمرصاد». وكان برّي نفسه قد قال بعد المصالحة الشفهية: «في الحكومة نحن مستمرون والانتخابات حاصلة، ولكننا أيضاً مستمرون على مواقفنا من الملفات المعروفة، ومنها الكهرباء»، وهو ما سبق أن أكد عليه وزير المال علي حسن خليل بالقول: «الوضع لن يكون سهلاً والوضع السياسي ليس مريحاً... أما على الأرض فنحن طلبنا الخروج من الشارع».

تباين... أم توزيع أدوار؟
للمرة الأولى منذ بدء الخلافات بين «أمل» و«التيار الوطني الحرّ»، أخذ «حزب الله» موقفاً علنياً إلى جانب برّي، بعدما كان «عتب» الأخير على حليفه الشيعي قد وصل إلى مرحلة متقدمة. وفي هذه الأثناء، حاول الحريري المساواة بين الجانبين عبر استنكار كلام باسيل من جهة، ورفض اللجوء إلى الشارع من جهة أخرى.
عتب «أمل» على «حزب الله» لا ينفيه مصدر نيابي في كتلة «التنمية والتحرير» (كتلة «أمل») عندما يجيب على سؤال على رأيه بمدى صمود اتفاق «الحزب» و«التيار»، بالقول: «نحن موقفنا واضح ويجب توجيه السؤال لهم»، إلا أنه في الوقت عينه على مواقف الأطراف الأخرى.
وفي بيانه كان «حزب الله» رفض رفضاً قاطعاً الكلام الذي أساء إلى برّي شكلاً ومضموناً، معتبراً «أن هذه اللغة لا تبني دولة ولا تأتي بإصلاح، بل تخلق المزيد من الأزمات وتفرّق الصف وتمزّق الشمل وتأخذ البلد إلى مخاطر هو بغنى عنها». لكن استياء «حزب الله» من كلام حليفه المسيحي، ثم الانحياز إلى حليفه الشيعي، لا يعني سقوط «ورقة التفاهم» التي وقعها مع «التيار الوطني الحر» عام 2006، بحسب ما يؤكد الطرفان، ويرى فيه الوزير السابق سليم الصايغ أمراً صعباً.
ووفق مراقب مطلّع على موقف «الحزب،» فـ«إن حلفاء (الحزب) في (التيار الوطني الحر) يعرفون أن ما يربط (الحزب) و(أمل) تحالف وجودي، وهما جسدان بروح واحدة، وما يسيء للحركة لن يُقبل به ولا مجال للسكوت عنه». في حين يؤكد القيادي «العوني» الوزير السابق الدكتور ماريو عون أن «التحالف مع (الحزب) استراتيجي وصلب». وأردف «أما المواقف الأخيرة فتستوجب بعض الإيضاحات في الوقت المناسب»، مضيفاً: «موقف (الحزب) لم يكن موجّهاً ضد (التيار)، بل مؤيداً لشريكه الثاني (الشيعي)، وبالتالي، لم يكن هناك أي تجنٍ على (التيار)... وهو ما لن يؤثر على التفاهم الاستراتيجي بينهما».
الصايغ يذهب أبعد في هذه المجال فيقول: «ما يحصل لا يعدو كونه توزيع أدوار بين هذه الأفرقاء، و(حزب الله) لا يمكنه الخروج من اتفاقه مع (التيار)، والعكس صحيح، لأسباب عدة أهمها أن (الوطني الحر) يشكّل الغطاء المسيحي لسلاح (الحزب )من جهة ويستفيد منه باسيل، رئيس (التيار) من جهة أخرى عبر فرض سلطته على الدولة». ويضيف «كل ما يحصل اليوم ليس إلا شراء وقت للأزمة المفتوحة... بينما لا تزال المشكلة الأساس في الدولة وتركيبتها، والحل كان ولا يزال، إيجاد حل لسلاح (حزب الله) الذي يحكم لبنان واستكمال تطبيق اتفاق الطائف أو تعديل ما يجب تعديله».
وعلى خط الأفرقاء السياسيين الآخرين، بين حلفاء وخصوم الطرفين، كان موقف الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط، حليف برّي، والمتضرّر من التسوية الرئاسية وتداعياتها السياسية في السلطة، صريحاً إلى جانب برّي. وفي الاتجاه نفسه قال سليمان فرنجية القيادي في «تيار المردة»، وخصم باسيل، وحليف «الوطني الحر السابق» أن «الوطن يغلي و(العهد) يترنّح ورئيس «التيار الوطني الحر» وزير الخارجية جبران باسيل يحصي الأصوات»، (في إشارة إلى الانتخابات النيابية).
بعكس جنبلاط وفرنجية، كان موقف «القوات اللبنانية» الذي صدر على لسان رئيسه الدكتور سمير جعجع بعد ردة فعل مناصري «أمل» في الشارع، والاعتداء على مركز «التيار»، ميالاً إلى باسيل، رغم «الاختلافات» بينهما. وقال ما معناه إنه بغض النظر عن رأي «القوات» أو تقييمها لما قاله وزير الخارجية، وبغض النظر عن علاقتها وتقديرها للرئيس برّي، لا يستطيع أن يقبل ما حصل في الشارع «لأنه انتهاك صريح لمنطق الدولة ووجودها».
في المقابل، كان حزب الكتائب المعارض، الذي اتّهم بتسريب فيديو باسيل، عبر مناصرة «كتائبية» كانت موجودة في لقاء قرية محمَرْش البترونية، واضحاً في استنكار كلام باسيل، لا سيما أن الحزب لم يسلم من اتهامات في الفيديو المسرّب لكلامه، ليعود بعدها ويستنكر كل ردود الفعل التي حصلت في الشارع، مؤكداً على أن «الكلمة يرد عليها بكلمة أو بالقضاء».



الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟