الفتيات غير مرغوب فيهن في الهند حتى في العائلات الثرية

الإجهاض المبكر أحد الحلول للتخلص منهن

الفتيات غير مرغوب فيهن في الهند حتى في العائلات الثرية
TT

الفتيات غير مرغوب فيهن في الهند حتى في العائلات الثرية

الفتيات غير مرغوب فيهن في الهند حتى في العائلات الثرية

يشير تقرير حكومي هندي إلى وجود أرقام متزايدة مما تسمى فئة «الفتيات غير المرغوب فيهن»، حيث بلغ عددهن نحو 21 مليون طفلة، وترجع التسمية إلى ظاهرة اجتماعية في الهند، حيث يفضل الآباء والأمهات المولود الذكر على الأنثى. وكشف التقرير أن العديد من الأزواج يفضلون الأبناء لدرجة أنهم إذا رُزقوا بأنثى يواصلون محاولات الإنجاب حتى يأتيهم «الولد». وحسب التقرير فإن تفضيل الأبناء ليس مجرد مشكلة تواجهها المناطق الريفية فحسب، بل إنها من المشكلات الكبيرة القائمة كذلك في المناطق الحضرية، ولدى العائلات الثرية والحديثة.
وتلخص حالة ممثلة بوليوود الشهيرة «كانغانا راناوات»، البالغة من العمر 29 عاماً، والتي أسرت القلوب بفنها ونالت العديد من الجوائز، تلك الظاهرة بكل وضوح. حيث قالت النجمة في حديث إنها كانت طفلة منبوذة لدى عائلتها التي كثيراً ما كانت تذكّرها بأنها لم يكن مرغوباً فيها بالأساس.
وقالت راناوات: «أنجب والداي طفلاً ذكراً توفي بعد 10 أيام فقط من مولده. وكانوا يصفونه بالبطل. ولم يتمكن والداي من تجاوز أزمة فقدانهما المولود الذكر. ثم انجبا شقيقتي واعتنيا بها جيداً، وكان هناك احتفال كبير لقدومها. ولكن عندما أنجباني، لم تستطع والدتي على وجه التحديد تحمل فكرة أنها أنجبت أنثى أخرى. إنني أعلم هذه القصص بالتفصيل ذلك لأنه مع زيارة كل ضيف إلى بيتنا، أو كان هناك تجمع عائلي، كانا يكرران هذه القصة أمامي بأنني كنت طفلة غير مرغوب فيها لديهما». وكشفت النجمة كذلك أن والديها حاولا إنجاب طفل ذكر آخر وأنها لديها الآن شقيق أصغر منها.
تؤكد حالة «كانغانا راناوات» نتائج الاستقصاء الحكومي سالف الذكر بأن العديد من الآباء والأمهات الهنود يواصلون محاولات إنجاب الأطفال حتى يُرزقوا بالذكر، الأمر الذي أسفر عن ارتفاع عدد البنات غير المرغوب فيهن داخل المجتمع الهندي. وهذا التفضيل أدى بصورة طبيعية إلى تنامي فئة الفتيات غير المرغوب فيهن مع انخفاض فرص الوصول إلى الموارد.
وهناك حالة حديثة تعكس أيضاً آلام ومعاناة الطفلة الأنثى. ففي أحد مستشفيات مدينة جودبور الغربية الهندية، تم تبديل طفلة بصبي عن طريق الخطأ، فما كان من أمّ الطفلة إلا أن رفضت قبولها. واندلعت معركة على حضانة الطفلة، حيث لم ترغب كلتا العائلتين في قبول المولودة. وتدخلت المحكمة في خاتمة المطاف، وأجرت تحليل الحمض النووي، وأعادت الطفلة إلى أمها الأصلية، ووجهت إليها الأوامر بإرضاعها. وتعكس هذه الحالة مستوى الرفض المبدئي لوجود الفتيات.
ويرى الكثير من الأسر الهندية أن الفتيات يمثلن أعباء ثقيلة على كواهلها، حيث تخشى من ارتفاع تكاليف الزواج والزفاف الخاصة بهن، والاستياء المطرد من الإنفاق على تعليمهن من دون فائدة، حيث تغادر الإناث منزل الأبوين بعد ذلك للزواج.
وعلى الرغم من الإعلان الرسمي أنه من الأعمال غير القانونية، لا تزال العائلات الهندية مستمرة في إجراء اختبار الحمل لمعرفة نوع الجنين قبل الولادة، الأمر الذي يتبعه الإجهاض في أغلب الأحيان في حالة أن الجنين كان أنثى. وأشار تقرير لوزارة الاقتصاد الهندية إلى أن زيادة ثروة العائلة لم يمنع من تفضيل الذكور على الإناث بين مختلف العائلات.
وتسلط رانجانا كوماري من مجلس الأبحاث الاجتماعية الهندي، الضوء عن حياة النساء اللاتي لم يتعرضن للإجهاض المبكر. فما الذي تقوله هذه الأرقام عنهن؟ إن الفتاة، مع اعتبار الموارد المحدودة في الأسرة الواحدة، تحصل دائماً على الأقل من التغذية وحتى التعليم والفرص، حيث تقوم الأمهات الهنديات بإرضاع الفتيات لفترات أقل بكثير مما يفعلن مع الذكور، كما أنهن يتعمدن الإهمال في تغذية الفتيات خشية أن يؤدي الأمر إلى بلوغهن المبكر ثم تثور الحاجة إلى الزواج والزفاف المكلف. وفي حالة المرض، يُنقل المولود الذكر سريعاً إلى المستشفى في حين أن الفتيات المريضات ينتظرن في المنازل، وذلك لأن العائلة ليس لديها اهتمام حقيقي ببقائهن على قيد الحياة.
تقول رانجانا كوماري: «يعتقدن أنه يجب عليهن إطعام وتغذية الصبي، ولكن تنخفض الرغبة كثيراً عندما يتعلق الأمر بالإناث، وهذا من الأمور الشائعة في المجتمعات الهندية الريفية. سرعان ما يؤخذ الصبي المريض إلى الطبيب، ولا تَلقى الأنثى المريضة نفس المعاملة. فهي آخر من يتلقى العلاج في حالة المرض».
ويعد «وأد الإناث» من العوامل البارزة أيضاً في الأرقام الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة. وأردفت السيدة كوماري تقول: «إنها من الممارسات المعتادة في أواسط الهند منذ فترة ليست بالقصيرة، إذ تعتاد الأمهات على إطعام الأنثى الرضيعة الملح حتى تموت».
ولا تعكس هذه الأرقام وجهين خالصين من أوجه العملة هناك، بل هي انعكاس صارخ للقيود الاجتماعية الراسخة، والمعتقد في صحتها منذ الولادة، حتى صارت من الأعراف والتقاليد المقبولة. كما أن أفضلية الذكور على الإناث تعد تعزيزاً للأفكار والآيديولوجيات القديمة التي تفترض القيمة المطلقة للذكور والعبء الثقيل للإناث. ولقد كانت هذه الأعراف والتقاليد من ركائز الهيمنة السياسية والثقافية في الهند، حيث استقرت العقليات على قبول الأطر الطبقية التمييزية جيلاً بعد جيل. ويُمنح الذكور أحقية ممارسة الطقوس الدينية للوالدين، وهم في بعض المجتمعات الهندية الوريث الوحيد لأملاك وأموال العائلة. أما الفتاة، من ناحية أخرى، فهي دائماً من الأعباء والمسؤوليات الثقيلة، إذ يتعرض الوالدان كثيراً لضغوط دفع المهور عند زواج بناتهن.
وهناك تصور عام بأن أفضلية الذكور أكثر شيوعاً بين غير المتعلمين وأبناء الطبقة العاملة في المناطق الريفية. غير أن هذا التصور غير صحيح أو دقيق على نحو مطلق، إذ إن ظاهرة الاختلال في النِّسب بين الجنسين يمكن ملاحظتها كذلك حتى بين المتعلمين والمثقفين والأثرياء من الهنود في المدن الكبيرة بالبلاد مثل دلهي ومومباي.
وأعربت خبيرة الخصوبة الدكتورة سيما مالهوترا، عن أسفها الشديد بسبب تعداد طلبات العائلات الثرية المستعدة لدفع مبالغ كبيرة من الأموال لضمان أن يكون الطفل القادم ذكراً وليس أنثى. وقالت إنه على الرغم من أن المستشفى الذي تعمل به يرفض على الدوام مثل هذه الطلبات فإن هناك مستشفيات أخرى لا ترفضها، وأردفت تقول: «أعلم أن هناك عيادات خاصة في دلهي تقوم بذلك الأمر».
والعديد من النساء، ومنهن نساء متعلمات، ومن أبناء الطبقة الوسطى المثقفة، قالوا إنهن يتعرضن لضغوط شديدة، وأغلبها من الأزواج والأقارب حتى ينجبن الأبناء الذكور.
ولقد تناولت وسائل الإعلام الهندية، وعلى نطاق واسع، قضية الدكتورة ميتو خورانا، التي لجأت إلى اتخاذ إجراءات قضائية ضد زوجها الطبيب لمحاولته إجبارها على إجهاض الجنينين التوأم في أحشائها لأنهما «أنثيان».
وقالت الدكتورة ميتو خورانا، إن زوجها وأسرته كانوا عاقدين العزم على أنه يجب عليها إنجاب عدم هاتين الفتاتين، «قالوا لي إننا لا نستطيع تربية طفلتين، ولن نتمكن من تحمل تكاليف زواجهن في المستقبل». وفي مواجهة حالة العداء الشديدة من زوجها وعائلته، قررت في نهاية المطاف الانفصال عن زوجها، وقالت: «لقد طردني خارج المنزل بسبب رغبته في الزواج مرة أخرى بامرأة لا تلد إلا الذكور فقط».



ألف زهرة تتفتح تطريزاً على الأوشحة وفساتين السهرة

ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)
ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)
TT

ألف زهرة تتفتح تطريزاً على الأوشحة وفساتين السهرة

ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)
ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)

بين التطريز وأناقة النساء علاقة حب قديمة. وكانت هذه المهارة، أي الغرز بالخيوط الملونة على القماش، من الأمور التي لا بدّ للفتاة أن تتقنها منذ الصغر ليكتمل تأهيلها وتستحق صفة ربّة بيت. وإلى جانب التطريز يحضر النسيج «التريكو»، وشغل الإبرة «الكروشيه»، و«الدانتيلا». فإذا كان التطريز قد توارى في فترة من الفترات، فإنه يشهد عودة قوية مع فساتين السهرة، وكذلك مع العباءات والقفاطين والجلابيات التي أصبحت مرغوبة ومطلوبة، لا سيما في شهر الصيام.

مطرّزات تاريخية شاهدة على أناقة الزمن (دليل المعرض)

من هنا تأتي أهمية هذا المعرض، الموجود حالياً وحتى أواخر الخريف المقبل، في متحف الموضة في باريس، المعروف باسم «قصر غالييرا».

يتنقل الزوار بين نماذج من الأزياء المطرزة بفخامة عبر العصور. كل شيء هنا يدعوك لأن تشهق من روعة ما ترى: أزاهير، وشجيرات، وبلابل تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها. تتجول بين الصالات وكأنك تتنزه في حديقة فردوسية الألوان: ورد، وخشخاش، وقرنفل، وعناقيد عنب، وفراشات. معرض يقدِّم لك الطبيعة على الحرير، والقطيفة، والتافتا، والكتان، ويروي لك تاريخ فنٍّ من الفنون الجميلة الذي يترك إبداعاته على قماش الفستان المتنقّل، والوشاح، والحقيبة، والقبعة، بدل أن يسجنها على خامة اللوحة حبيسة المتاحف.

فساتين بتطريزات الأمس (دليل المعرض)

يعرض متحف أزياء مدينة باريس تقنيات التزيين وإبداعات المصممين القدامى والصاعدين، وقطعاً من مجموعته أو مستعارة من دور الأزياء الكبرى. ويهيب بنا عنوان المعرض: «دعوا ألف زهرة تتفتح!». وهي مناسبة للاحتفاء بالمهارات النسيجية الثلاث الرئيسية التي تُشكّل جوهر الموضة الباريسية: النسيج، والتطريز، والطباعة. وهي تقنيات يستلهم المصممون إبداعاتهم مما تتيحه من إمكانات. ففي عشرينات القرن الماضي تجرأ بول بواريه على نثر أنماط تُذكِّر بأسلوب الرسام بوتيتشيلي على سترة خضراء. وبعد عقود، غطّى نيكولا غيسكيير، مصمم دار «بالنسياغا»، هيكلاً مرناً من مادة «النيوبرين» بأكمام من الورد. وإذا اقتربنا أكثر من عصرنا الحالي، نجد المصممة اليابانية ري كاواكوبو تجرؤ على ابتكار فستان على هيئة سلة زهور عملاقة.

تطريز أحذية السهرة (دليل المعرض)

ومنذ العام الماضي، أدرج المتحف في منهاجه تنظيم سلسلة من المعارض المخصصة للحِرف اليدوية، تستكشف من زوايا مختلفة المهارات والتقنيات التي ارتبطت بعالم الأزياء. والهدف هو تسليط الضوء على ثراء مجموعاته ومقتنياته، وكذلك إلقاء نظرة جديدة على تاريخ الموضة منذ القرن الـ18 حتى يومنا الحالي. وهذا هو المعرض الأول في السلسلة؛ إذ يضم أكثر من 350 عملاً ما بين الملابس والإكسسوارات والصور الفوتوغرافية وفنون الغرافيك وعُدّة العمل وأدواته.

أوشحة مطرّزة من شرق أوروبا (دليل المعرض)

كما يكرِّم قصر غالييرا الحرفيين الذين طوّروا هذه المهارات، والذين غالباً ما تغيب أسماؤهم حين يطغى عليها اسم مصمم الأزياء المرموق. ومن هؤلاء من صنعت أناملهم شهرة المصممين المرموقين؛ فقد ظهرت بيوت تاريخية تخصصت في التطريز مثل «لوساج» و«موريل». وبهذا فإن المعرض يعيد الاعتبار إلى مهن غالباً ما يتم تجاهلها في عالم الموضة: مصمِّم النسيج، والمُطرِّز، وصانع الريش، وفنان الزخارف الزهرية. إن هؤلاء ساهموا في تكريس باريس عاصمة للموضة ومنطقة متميزة بالتجديد والاستمرار.


السعودية تُعيد تعريف رعاية الموهوبين

40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)
40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)
TT

السعودية تُعيد تعريف رعاية الموهوبين

40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)
40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

لم يكن الحديث عن الموهبة في «المؤتمر الآسيوي التاسع عشر للموهبة والإبداع» نقاشاً تقنياً حول أدوات تعليمية بقدر ما كان عرضاً لتجربة وطنية متكاملة، نضجت عبر عقود، وانتقلت من مبادرات تعليمية مبكرة إلى منظومة مؤسسية باتت اليوم محل اهتمام دولي، وتُعرض من جدة بوصفها نموذجاً قابلاً للنقاش والتطوير.

وفي قلب هذا المشهد، برزت تجربة «مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع»، بوصفها نموذجاً وطنياً ينظر إلى الموهبة لا بكونها استثناءً، بل طاقة كامنة تستدعي الاكتشاف والرعاية والاستدامة.

«الموهبة»... من المفهوم إلى المنظومة

الأمير فيصل بن مشاري آل سعود مستشار أمين عام «مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع» (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

مستشار أمين عام «مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع»، الأمير الدكتور فيصل بن مشاري آل سعود، قدّم خلال كلمته في المؤتمر قراءة معمّقة لمسار رعاية الموهوبين في المملكة، وأكد أن «الموهبة» ليست مجرد اسم لمؤسسة، بل كلمة عربية تعني الهبة والقدرة الفطرية، وتُشكل جوهر الفلسفة التي قامت عليها التجربة السعودية.

واستعاد الأمير فيصل البدايات المبكرة للتعليم النظامي في المملكة، متوقفاً عند تأسيس مدرسة «دار التوحيد» في الطائف عام 1945، بوصفها تجربة انتقائية هدفت إلى جمع الطلاب المتميزين من مختلف المناطق وتوفير بيئة تعليمية متكاملة لهم، في وقت كانت فيه المدارس محدودة.

وأوضح الأمير فيصل أن مرحلة التحول الأبرز جاءت في نهاية التسعينات، مع تنفيذ مشروع وطني بحثي لدراسة الموهبة ورعايتها، مهّد لتأسيس «موهبة» عام 1999 بوصفها جهة غير ربحية تُعنى باكتشاف الموهوبين وتمكينهم. ومع إنشاء الوقف الداعم للمؤسسة في عام 2011، انتقلت التجربة من منطق المبادرات إلى منطق الاستدامة، ضمن رؤية طويلة المدى لرعاية الموهبة بوصفها استثماراً وطنياً.

رحلة تمتد من المدرسة إلى سوق العمل

طلاب وطالبات «موهبة» على المسرح أثناء افتتاح أعمال «المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع» (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

ما يُميّز النموذج السعودي، كما عُرض في المؤتمر، أنه لا يتوقف عند الاكتشاف المبكر. تبدأ الرحلة من التعليم العام، عبر أدوات علمية مقننة للتعرف على الموهوبين من الصف الثالث حتى المرحلة الثانوية، لكنها تمتد لاحقاً إلى برامج إثراء وبحث علمي، ومسارات جامعية، وربط مبكر بالصناعة وريادة الأعمال.

وشدد الأمير فيصل على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في اكتشاف الموهبة فقط، بل في استدامة رعايتها وبناء بيئة تعليمية ومجتمعية تسمح لها بالنمو وتحقيق الأثر عبر مراحل الحياة المختلفة، مؤكداً أن نجاح هذه المنظومة يتطلب تكامل أدوار المؤسسات التعليمية والجامعات والقطاع الخاص.

وشهد حفل الافتتاح لحظة رمزية لافتة مع صعود 19 طالباً وطالبة من «موهبة» إلى المسرح، ضمن فقرة حملت عنوان «ثمرة التمكين»، عكست بصورة مباشرة نتائج الاستثمار الوطني في اكتشاف الموهبة ورعايتها.

وفي هذا السياق، جاء انعقاد «المؤتمر الآسيوي التاسع عشر للموهبة والإبداع» في جامعة الأعمال والتكنولوجيا بجدة بوصفه امتداداً طبيعياً لتجربة وصلت إلى مرحلة العرض والمساءلة الدولية.

المؤتمر، الذي انطلق برعاية وزير التعليم، وبمشاركة أكثر من 40 دولة، وبحضور أكثر من 1000 شخصية من الخبراء وصنّاع القرار، أصبح منصة لتبادل النماذج والخبرات، ومناقشة مستقبل تعليم الموهوبين في عالم سريع التحول.

دكتور عبد الله صادق دحلان رئيس مجلس أمناء جامعة الأعمال والتكنولوجيا بجدة (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

وأكد رئيس مجلس أمناء جامعة الأعمال والتكنولوجيا، الدكتور عبد الله دحلان، في كلمته أن الاستثمار في الموهبة يُمثل الاستثمار الأسمى في مستقبل الأوطان، مشدداً على أن قوة الدول باتت تُقاس بما تستثمره في عقول أبنائها وبناتها، لا بما تمتلكه من موارد فقط.

من جانبها، أشارت رئيسة الاتحاد الآسيوي للموهبة، الدكتورة كيونجبين بارك، إلى أن التحولات المتسارعة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتعلم الرقمي تفرض إعادة التفكير في تعليم الموهوبين، ليس من حيث التسريع الأكاديمي فحسب، بل من حيث بناء الحكمة والمسؤولية والقدرة على التعامل مع التحديات العالمية المعقدة.

من الرعاية إلى القياس

وجاء الإعلان خلال المؤتمر عن إطلاق أول مؤشر عالمي لتقييم رعاية الموهوبين ليُشكّل محطة مفصلية في هذا المسار، ناقلاً النقاش من «كيف نرعى الموهبة؟» إلى «كيف نقيس أثر هذه الرعاية؟»، ومؤكداً انتقال التجربة السعودية من التطبيق المحلي إلى الإسهام في صياغة أدوات تقييم عالمية.

وبين تجربة وطنية تبلورت عبر الزمن، ومؤتمر دولي جمع الخبرات والتجارب في جدة، تتضح ملامح قصة واحدة: قصة بلد اختار أن يجعل من الموهبة ركيزة للتنمية، لا عبر مبادرة عابرة، بل عبر منظومة تُبنى، وتُراجع، وتُقدَّم للعالم اليوم بوصفها نموذجاً مفتوحاً على المستقبل.

Your Premium trial has ended


معرض مصري يُعيد تشكيل النمط الاستهلاكي فنياً

أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)
أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)
TT

معرض مصري يُعيد تشكيل النمط الاستهلاكي فنياً

أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)
أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)

في معرضه «استهلاكي»، يطرح الفنان التشكيلي المصري ياسر جعيصة رؤية بصرية تسعى إلى تفكيك مفهوم الاستهلاك، لا بوصفه فعلاً اقتصادياً وحسب، بل نظام يومي متأصل في ثقافة الحياة المعاصرة، وسلوك مكرّس يُعيد تشكيل علاقتنا بالأشياء وبأنفسنا، وذلك ضمن المعرض الذي يستضيفه غاليري «ياسين» بالقاهرة حتى 19 فبراير (شباط) الحالي.

يعتمد جعيصة في أعماله على الأثر بوصفه مدخلاً جمالياً لطرح مفهومه الفني، معتمداً على ما يخلّفه الإنسان وراءه من بقايا، ما يجعلها تتحوّل داخل اللوحات إلى ما يُشبه مروّية بصرية تشهد على تراكمية استهلاكية متنامية، فالإنسان لا يظهر هنا باعتباره فاعلاً مرئياً، بل من خلال نتاج سلوكه، وما يخلّفه من مفردات استهلاكية تتكدّس وتفرض حضورها.

تزاحم عناصر الطعام داخل اللوحة (الشرق الأوسط)

ويُكثّف الفنان من هذا الأثر عبر الاشتغال على الحشد والتكرار، أو ما يصفه هو نفسه بـ«الزخم المقصود بوصفه أداة تعبيرية تنقل حالة الاستهلاك داخل المساحة التصويرية، كما في استهلاك مواد مثل الكاميرات والأحذية والصحف وغيرها من المفردات»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

لا يعمل الزخم داخل اللوحات بوصفه ازدحاماً شكلياً فحسب، بل حالة بصرية ضاغطة تعكس منطق الاستهلاك ذاته، فالتداخل الكثيف للعناصر المادية ينتج عنه ثقل بصري ودلالي، ويجعل العين في مواجهة مباشرة مع فائض لا يُتيح مسافة للراحة أو التأمل، ويتجلّى ذلك بوضوح في اللوحات التي ترصد تكدّس الكراتين، في إحالة مباشرة إلى تصاعد معدلات الشراء عبر الإنترنت وشركات الشحن، في حين تتخذ أعمال أخرى منحى أكثر إدهاشاً، بفعل الكم الفانتازي لاستهلاك الطعام والحلوى، وأكواب القهوة، والمشروبات الغازية؛ حيث تتحول الوفرة إلى مشهد إشكالي، لا إلى علامة رخاء.

الاعتماد على الزخم والتكدس في تناول موضوع المعرض (الشرق الأوسط)

وعبر 28 لوحة، تتحوَّل السلعة المستهلكة إلى بطل للمشهد، فلا يحضر الإنسان بجسده بقدر ما يحضر بسلوكه، ويبدو اختيار الفنان لأحجام لوحات كبيرة مقصوداً، ليصبح المنتج المستهلك هو صاحب السطوة والسيطرة في مقابل الإنسان، وكأن اللوحة تعكس انقلاب الأدوار بين الفاعل والمنتَج، فلا يعمل التكديس عنصراً شكلياً، بل استراتيجية فنية تكشف تحوّل الاستهلاك من فعل مؤقت إلى نظام ضاغط، يحوّل الكثرة إلى عبء بصري ودلالي.

ورغم هذا الغياب شبه الكامل للجسد البشري في اللوحات، فإن العنصر الإنساني يتصدّر عدداً محدوداً من الأعمال، كما في لوحة «استهلاكي من الأصدقاء»، ويُشير جعيصة إلى هذه اللوحة بوصفها تعبيراً عن «حالة من الاستهلاك العكسي، عن أصدقاء يدخلون حياتنا ثم لا يلبثون أن يختفوا»، وهو ما يوسّع أفق قراءة الاستهلاك، بحيث لا يعود محصوراً في بُعده المادي، بل يمتد إلى علاقاتنا الإنسانية نفسها، وإلى منطق الاستبدال والتخلّي الذي يحكمها أحياناً.

ظهور العنصر البشري في لوحة «استهلاكي من الأصدقاء» (الشرق الأوسط)

ويلعب اللون دوراً أساسياً في تعميق هذا المعنى، فاختيارات الفنان اللونية عبر خامتي الزيت والأكريليك تعزّز من الإحساس بالزخم، وتتدرّج اللوحات بين ألوان داكنة ومحايدة تحيط بمفردات مثل الأحذية والقهوة، وألوان زاهية ومشبعة تطغى على لوحات استهلاك الأغذية والألعاب، في تدرّج بصري يعكس تفاوت أنماط الاستهلاك وحدّتها، وما تحمله من إغواء بصري متعمّد.

أما مفردات مثل «البيوت» و«السيارات»، فتفتح مسارات دلالية إضافية داخل المعرض؛ تحيل البيوت إلى فكرة البدايات والحميمية التي تتآكل مع كثافة التنقل والاستهلاك، في حين تشير السيارات إلى الاقتناء بوصفه نمطاً اجتماعياً وربما وجاهة رمزية، ولا تسعى الأعمال إلى تقديم إجابات مغلقة بقدر ما تترك للمتلقي مساحة للتفاعل مع قصته الشخصية مع الاستهلاك، بوصفه «كائناً استهلاكياً» قد يشترك مع غيره أو يختلف في طبيعة هذا النمط ومستواه.

جانب من معرض «استهلاكي» (الشرق الأوسط)

وفي هذا السياق، تتحول لوحات المعرض إلى مساحة مساءلة بصرية، تضع المتلقي أمام مفارقة أساسية: «أصبح الشخص الواحد يستهلك اليوم ما كانت تستهلكه أسرة كاملة في السابق؛ فهل صار الاقتناء رغبة أم غريزة أم شرهاً؟»، وهو السؤال الذي يطرحه جعيصة لا بوصفه إدانة، بل دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في علاقتنا بالأشياء، وبما نكدسه أو نتخلص منه، وبما يكشفه ذلك عنا.