المواجهة بين بري وباسيل في مرحلة غير مسبوقة... وجهود لاحتواء «الفتنة»

«حزب الله» يدعو عون للتدخل... وحركة «أمل» لاعتذار وزير الخارجية علناً

مناصرو حركة أمل يحملون علم الحركة ويقفون قرب الإطارات المحترقة في بيروت أمس احتجاجا على تصريحات وزير الخارجية (رويترز)
مناصرو حركة أمل يحملون علم الحركة ويقفون قرب الإطارات المحترقة في بيروت أمس احتجاجا على تصريحات وزير الخارجية (رويترز)
TT

المواجهة بين بري وباسيل في مرحلة غير مسبوقة... وجهود لاحتواء «الفتنة»

مناصرو حركة أمل يحملون علم الحركة ويقفون قرب الإطارات المحترقة في بيروت أمس احتجاجا على تصريحات وزير الخارجية (رويترز)
مناصرو حركة أمل يحملون علم الحركة ويقفون قرب الإطارات المحترقة في بيروت أمس احتجاجا على تصريحات وزير الخارجية (رويترز)

دفع فيديو مسرَّب لوزير الخارجية اللبناني، صهر رئيس الجمهورية، جبران باسيل، يصف فيه رئيس مجلس النواب نبيه بري بأنه «بلطجي»، متوعداً إياه بـ«تكسير رأسه»، دفع بالوضع السياسي والأمني في لبنان إلى حافة الانفجار بعد تحركات غاضبة لمناصري حركة «أمل» التي يرأسها بري في شوارع بيروت وضواحيها، وسط خطاب طائفي شديد اللهجة على مواقع التواصل الاجتماعي.
وقال مصدر أمني لبناني لـ«الشرق الوسط»، إن الجيش والقوى الأمنية اللبنانية استنفرت قواها، تحسباً لانزلاق التحركات والتحركات المضادة إلى اهتزاز أكبر، بينما لزم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الصمت، وأوعز إلى معاونيه بالأمر نفسه. وكما في الشارع، هاجم وزراء من حركة «أمل» بشدة، باسيل، الذي امتنع عن التعليق، ما خلا تصريح صحافي أدلى به ليل أول من أمس، أسف فيه لـ«التسريب»، ولم يتبرأ من مضمونه.
ورأت مصادر مطّلعة على موقف «حزب الله»، أن تداعيات هذه الأزمة ستبقى مفتوحة لحين إجراء الانتخابات النيابية، مؤكدة كذلك أهمية وعي المسؤولين، قائلة إن الحزب يحاول «قدر الإمكان ضبط الشارع، وهذا ما قام به أمس، عند خروج الاحتجاجات، لكن من يمكنه ضمان ذلك بشكل دائم؟». وكانت الاحتجاجات قد انتقلت بعد ظهر أمس، من مواقع التواصل الاجتماعي إلى شوارع العاصمة، حيث أقفل مناصرو حركة «أمل» طرقات في بيروت وبعلبك، وعمدوا إلى إحراق الدواليب، وتمزيق صور لرئيس الجمهورية، ورفع صور بري بدلاً عنها عند مداخل الضاحية الجنوبية لبيروت.
وأوصل التسريب، المواجهة السياسية بين «التيار الوطني الحر» وحركة «أمل»، المشتعلة أصلاً، إلى مرحلة غير مسبوقة، بحيث طغت تداعياتها على كل ما عداها من قضايا في لبنان، ما استدعى تدخلاً من حلفاء الطرفين في محاولة لتهدئة الأمور ومنعها من الانفجار في الشارع، كما حمّل «المجلس الإسلامي الشيعي»، «العهد»، مسؤولية إثارة الأجواء الطائفية.
كان كلام باسيل عن بري قد جاء خلال لقاء انتخابي عقده في بلدة بترونية، شمال لبنان، حسب ما أظهره فيديو نُشر مساء أول من أمس (الأحد)، وقال فيه «هذا بلطجي مش رئيس مجلس نواب»، متّهماً إياه بالطلب من المغتربين في أفريقيا عدم المشاركة في مؤتمر الطاقة الاغترابية الذي تنظمه وزارته. ولم تمرّ ساعات على انتشار الفيديو وما رافقه من ردود فعل، حتى انتشر تسجيل آخر يقول فيه باسيل في رد على سؤال حول كيفية التعامل مع سياسة بري: «الحل هو أن نكسر له راسو لا أن يكسر لنا راسنا».
وعلى وقع التصعيد والمواجهة السياسية والإعلامية، تكثّفت، أمس، الاتصالات واللقاءات بين مختلف الأطراف لاحتواء هذه الأزمة، خصوصاً على خط حلفاء الطرفين، أبرزهم «حزب الله» الذي لم يكن موقفه أقلّ وطأة من موقف «أمل»، إضافة إلى رئيس الحكومة سعد الحريري، ورئيس الحزب الاشتراكي النائب وليد جنبلاط. وأعلن الحريري عن مبادرة يقوم بها، بعد لقائه رئيس الجمهورية ميشال عون صباحاً، في وقت رأت مصادر مطلعة على موقف «حزب الله»، ضرورة تدخّل رئيس الجمهورية واعتذار باسيل عما صدر عنه لاحتواء الوضع وعدم تفاقم المشكلة بشكل أكبر بعدما انتقل الهجوم من السياسي إلى الشخصي والطائفي. وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «الخطأ واضح وفاعله معروف بعيداً عن أي مبررات كتلك التي كانت تساق في السابق بشأن (أزمة المرسوم) كتفسير في الدستور أو غيره. هناك وزير أساء لرئيس مجلس النواب وعليه تصحيح الخطأ». في المقابل، رأت مصادر في «التيار الوطني الحر» أنه لا تزال هناك إمكانية لتصحيح الموقف، لكنها ربطت الأمر بنيّة الطرف الآخر في التصعيد أو عدمه. وأوضحت لـ«الشرق الأوسط»: «تُبذل جهود للتوصل إلى حل وعدم تفاقم المشكلة، لكن إذا كان هناك قرار من الطرف الآخر بالتصعيد فعندها سيكون الوضع مختلفاً والنتيجة كذلك».
وقال رئيس الحكومة بعد لقائه رئيس الجمهورية: «أكدنا التهدئة التي يجب أن تحصل، وفخامته في هذا الجو». وأضاف: «إن شاء الله تتجه الأمور إلى التهدئة والإيجابية، فالبلد ليس بحاجة لا إلى تصعيد ولا إلى تأزيم. لقد سمعنا الكثير، وحصل هناك اعتذار من قبل الوزير باسيل. فلندع الأمور عند هذا الحد، ومع الوقت نأمل أن تحصل التهدئة. وأنا سأكمل جهودي في هذا الموضوع». ورداً على سؤال، قال الحريري: «جميعنا نعمل وستكون لي مبادرة». وكان باسيل قد عبّر لصحيفة «الأخبار» عن أسفه لما سرّب من كلام له في الإعلام، بقوله: «ما قيل خارج عن أدبيّاتنا وأسلوبنا في الكلام، وقد أتى نتيجة المناخ السائد في اللقاء».
وفي حين غابت المواقف الرسمية عن رئاسة الجمهورية حول الأزمة المستجدة بين «التيار» و«أمل»، تنفيذاً لتعليمات الرئيس عون بضرورة التزام الصمت، حسب ما قالت مصادر مطّلعة على موقفه، تكثّفت الزيارات باتجاه مقر رئيس مجلس النواب، حيث صدرت مواقف مؤيدة له ومطالبة باسيل بالاعتذار، وهو ما أشار إليه كل من وزيري الداخلية نهاد المشنوق، ووزير الأشغال يوسف فنيانوس.
وردّ وزير المال علي حسن خليل، بالقول: «لسنا من يطالب الوزير جبران باسيل بالاعتذار، ولكن إذا أراد ذلك فليكن أمام اللبنانيين والعالم». وكان رد خليل مساء الأحد، عند نشر الفيديو، قد اتّسم بالتصعيد والمواجهة ضد باسيل، إذ قال: «إذا كان هناك من يسمع، فليسمع أن صهره المفضل قليل الأدب، ووضيع، وكلامه ليس تسريباً بل هو خطاب الانحطاط ونعيق الطائفيين أقزام السياسة، الذين يتصورون أنهم بالتطاول على القادة يحجزون موقعاً بينهم».
وأصدرت هيئة الرئاسة في حركة «أمل» بياناً بعد اجتماع طارئ لها، محذرة من الفتنة. وجاء في بيانها: إن «ما جرى تداوله من كلام صادر عن رئيس التيار الوطني الحر يحمل إبعاداً خطيرة تهدد وحدة البلد واستقراره وأمنه، وهي دعوة مفتوحة لفتنة ستأخذ في طريقها كل ما أُنجز على مستوى البلد، وتذكّرنا بحروب التحرير والإلغاء المشؤومة التي جلبت للبنان الدمار والويلات».
وقال المشنوق إثر لقائه بري: إن «الرئيس بري أكد احترامه للمقامات الرئاسية، والكلام الذي صدر عن وزير الخارجية جبران باسيل يجب الاعتذار عنه، ويجب ألا تنقصه الشجاعة لذلك». وأضاف: «جئت أناشد الهدوء الوطني لدولة الرئيس، ومسؤوليته الوطنية عن كل اللبنانيين، والترفع فوق الصغائر، وعدم السماح لكلمات خاطئة صدرت عن أيٍّ كان بأن تتسبب بأي توتر في البلد».
وأصدر «حزب الله» لاحقاً بياناً عبّر فيه عن رفضه القاطع لكلام باسيل «الذي تعرض بالإساءة إلى دولة رئيس مجلس النواب الأخ الأستاذ نبيه بري شكلاً ومضموناً». وأكد أن «اللغة لا تبني دولة ولا تأتي بإصلاح بل تخلق المزيد من الأزمات وتفرّق الصف وتمزق الشمل وتأخذ البلد إلى مخاطر هو بغنى عنها»، مضيفاً: «بعدما وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه ندعو إلى المسارعة بمعالجة هذا الوضع القائم بأعلى درجة من الحكمة والمسؤولية».
ودخل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى على خط «المعركة»، محذراً من «النهج المتبع في إثارة الأجواء الطائفية والمذهبية»، حسب ما جاء في بيان له. واعتبر أن «استهداف بري، الحريص دوماً على الوحدة الوطنية وحفظ المؤسسات والضامن للاستقرار والعيش المشترك، يأخذ البلاد إلى فتنة داخلية لأهداف شخصية»، محملاً «(العهد) مسؤولية هذا النهج المستنكَر والمدان، وهو مطالَب بإعادة الأمور إلى نصابها، ووضع حد لهذا الاستهتار واللامسؤولية في إدارة شؤون الدولة في أخطر مرحلة يمر بها لبنان».
ولم تقتصر تداعيات كلام باسيل على لبنان، بل وصلت إلى أفريقيا عشية المؤتمر الاغترابي الذي تنظمه وزارة الخارجية، واعتصم صباح أمس، مناصرو بري في السفارة اللبنانية في أبيدجان، اعتراضاً على كلام باسيل، غير مرحّبين بحضوره.
وفي حين لا يزال مصير المؤتمر المزمع عقده يومي الجمعة والسبت المقبلين، غير واضح، نُقل عن مجموعة من أبناء الجالية في أبيدجان مقاطعتهم له، وذلك بعد مطالبات سابقة بتأجيله ريثما يتم العمل على تهدئة الوضع بين «التيار الوطني الحر» ورئيس مجلس النواب، اللذين كانت المواجهات بينهما قد بدأت على خلفية ما بات يُعرف بـ«مرسوم الضباط» والخلاف الدستوري بشأن التوقيع عليه.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.