خبراء يتوقعون عودة الاحتجاجات في إيران لعدم تحقيق المطالب

خبراء يتوقعون عودة الاحتجاجات في إيران لعدم تحقيق المطالب
TT

خبراء يتوقعون عودة الاحتجاجات في إيران لعدم تحقيق المطالب

خبراء يتوقعون عودة الاحتجاجات في إيران لعدم تحقيق المطالب

أجمع خبراء سياسيون واقتصاديون على أن نجاح النظام الإيراني في قمع المظاهرات وإخماد جذوتها، ما هو إلا تأجيل للمشكلة التي تواجه طهران في الوقت الحالي، مشيرين إلى أن النظام في حال لم يستطع معالجة المظالم ولم يستجب لمطالب المتظاهرين، فستبقى احتمالات تجدد الاحتجاجات قائمة، وستتعمق وضعية الأزمة في إيران، وسيزداد تآكل شرعية النظام.
وأكد الخبراء أن الاحتجاجات الأخيرة وتلك التي سبقتها في العقود الثلاثة الأخيرة تعبّر عن أزمة بنيوية في النظام الإيراني، حيث يواجه 3 أزمات مركبة ومتداخلة، تتمثل في أزمات الهوية، ونموذج بناء الأمة – الدولة، ونموذج بناء القوة، مشيرين إلى أنه لا يمكن التوصل إلى فهم دقيق لإيران دون تفكيك هذه الأزمات البنيوية التي تحكم نظرة النظام إلى نفسه وإلى العالم.
وذهب الخبراء المشاركون في جلسة نقاشية عقدها «مركز الإمارات للدراسات السياسة» في العاصمة الإماراتية أبوظبي بعنوان: «إيران المأزومة... الأسباب والسياقات والمآلات»، إلى أن من تجليات الأزمة في إيران، حالة التصارع بين مراكز القوى في النظام، ومن ذلك التناقض بين توجهات حكومة الرئيس حسن روحاني التكنوقراطية الحداثية، وتوجهات «الحرس الثوري»، حيث سعى الأخير إلى إفشال سياسات الحكومة الرامية إلى إعادة انخراط إيران في العالم، وتطبيع علاقاتها مع دول الإقليم.
وتطرقت النقاشات إلى قضية التناقضات والتعقيدات في السياسة الخارجية الإيرانية نتيجة لتراجع دور وزارة الخارجية في صنع هذه السياسة، ودخول «الحرس الثوري» طرفا فاعلا فيها وتسلمه ملفات إقليمية، فضلاً عن تأثير تدخل مكتب القائد الأعلى في السياسة الخارجية، وهي التدخلات الممثلة بجهود مستشار القائد الأعلى للشؤون الدولية، علي ولايتي.
وفي هذا الشأن، تمت الإشارة إلى تداعيات الازدواجية في مراكز اتخاذ القرار بين التيارين الثوري والحكومي، التي من أهمها غياب الثقة في الحوار وإبرام الاتفاقات مع الحكومة الإيرانية.
وقالت الدكتورة ابتسام الكتبي، رئيسة «مركز الإمارات للسياسات» إن الاحتجاجات الأخيرة «انطلقت من هموم ومطالب اقتصادية ومعيشية، إلا أن المتظاهرين سرعان ما وجّهوا انتقادهم إلى النظام الحاكم وسياساته التي أدت إلى إفقار الشعب وتبديد ثروته على التدخلات الخارجية».
وأضافت: «الاحتجاجات الأخيرة، وتلك التي سبقتْها، لا تُنبئ فقط عن تآكل شرعية النظام، وتفاقم الأزمات الهيكلية الداخلية؛ السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، بل الأهم أنها تدلل على إخفاق (النموذج الإيراني)، وهو الإخفاق الذي يُظهره سعي كثيرٍ من الإيرانيين إلى الهجرة للخارج».
من جهته، قال حسن العمري، الخبير في الشأن الإيراني، إن النظام الإيراني استفاد من انغلاقه بأن «جعل مقاربة أعراض أزماته غير سهلة بالنسبة لمعظم مراكز التفكير والدول، فضلاً عن صعوبة قراءة توزيع القوة داخل المشهد السياسي الإيراني».
وأضاف: «قامت الثورة في إيران عام 1979 لمعالجة أزمات متراكمة في إيران، لكن التيار الديني الذي احتكر القوة عمّق تلك الأزمات، وأضاف لها أبعاداً جديدة».
وأكد أن «إيران تعاني اليوم من 3 أزمات مركبة ومتداخلة: الأولى هي أزمة نموذج الهوية، والأزمة الثانية هي أزمة نموذج بناء الأمة - الدولة، أما الأزمة الثالثة فهي نموذج بناء القوة الذي تبناه تحالف مؤسسة ولاية الفقيه ومؤسسة الحرس الثوري».
ولفت العمري إلى أن «مركب الأزمات الثلاث سيُبقي إيران تعاني من حالة الإحباط واليأس، وتراجع منظومة القيم الاجتماعية، وانحسار الثقة الاجتماعية؛ سواء بين مكونات المجتمع نفسه، أو بين مختلف طبقات المجتمع والنظام الحاكم».
وشدد على أن «الاحتجاجات الأخيرة مثلت تجلياً لمركب الأزمات في إيران، وبيّنت خطأ كل الرهانات على أن حل أزمة الملف النووي سيستتبع بالضرورة حلولاً لأزمات إيران الداخلية، وأنه سيساهم بإعادة رسم المشهد الداخلي نحو الاعتدال والانخراط البنّاء مع النظام الدولي، لأن أزمة النظام الإيراني بنيوية تكمن في منظوره لنفسه وللعالم».
وقال أليكس فاتنكا، الخبير في الشؤون الإيرانية، إن «المظاهرات التي اندلعت مؤخراً في إيران كانت منطلقاتها سياسية أيضا وليست اقتصادية فقط؛ فالذين خرجوا إلى الشوارع كان يحركهم غضب وسخط موجه إلى النظام الحاكم».
وأكد فاتنكا أن «حركة الاحتجاجات لم تكن تخضع لقيادة موحدة، ولم تكن لديها أجندة»، وأن مراكز القوة والسلطة في إيران تتركز في بيت القائد و«الحرس الثوري» والرئاسة، مشدداً على أن توجهات حكومة روحاني تتناقض مع توجهات «الحرس الثوري»، و«هي تعبر عن توجهات تكنوقراطية حداثية، وتسعى إلى إعادة انخراط إيران في العالم، وهذا يُغضب جنرالات (الحرس الثوري)».
ودارت النقاشات حول تقييم قوة النظام الإيراني، ومدى قدرته على البقاء والاستمرار، وما إذا كانت الأزمات التي يعانيها النظام ستقود إلى تعديله أو تغييره.
وفيما يتعلق بالاتفاق النووي، وعن خيارات إيران في حال انسحبت واشنطن من الاتفاق، قال المجتمعون إن الرأي الغالب هو أنه ليس من السهل على إدارة ترمب أن تنسحب من الاتفاق.
وفي المحور الأخير الذي بحثته النقاشات، وهو محور «استشراف مستقبل إيران ومآلاتها الاستراتيجية»، تم التطرق إلى سيناريوهات الانتقال السياسي المقبل في إيران، حيث جرى ترجيح أن تتحكم مجموعة كبيرة من «المؤسسات» المتنافسة في عملية اختيار القائد الجديد، ويبدو «الحرس الثوري» الخليفة الفعلي لخامنئي.
ولفت الخبراء إلى أنه مما يبعث على التشاؤم من حدوث أي تحول إيجابي نتيجة لهذا الانتقال في إيران، أن أياً من المرشحين المعروفين لخلافة خامنئي ليس أقل تشدداً من خامنئي نفسه بشأن السياسات الداخلية أو الخارجية، «لكن القائد الجديد سيكون في موقع مريح لتوسيع نفوذ إيران السياسي - الديني في الخارج، وهذا الانتقال السياسي سوف يؤثر على الشرق الأوسط بأكمله، خصوصا دول الخليج العربية».
وبخصوص سيناريوهات السياسة الخارجية، توقع المشاركون أن تدفع أزمات الداخل النظام الإيراني إلى التفكير في سلسلة من التنازلات أمام المجتمع الدولي، لكسب امتيازات اقتصادية قبل كل شيء، والحيلولة دون إفلاس أو انهيار النظام.
وفي ما يتعلق بالأنشطة الإقليمية الإيرانية، «فالواقع يقول إنه من غير المرجح أن تعمل الحكومة الإيرانية على تغيير نهجها في ظل الشعور العالي بالتهديد الخارجي، ومن المرجح أن تبقى طهران قادرة على كسر الإجماع الدولي حيال أنشطتها الداعمة للإرهاب والمزعزعة للاستقرار».
أما فيما يتعلق بالسيناريوهات الاقتصادية، فقد ذهب الخبراء إلى أن الافتقار إلى نموذج اقتصادي واضح المعالم في إيران سيبقى عاملاً حاسماً في اضطراب السياسات الاقتصادية وتناقضها في كثير من الأحيان.
وإضافة إلى ذلك، تبرز مسألتان مهمتان فيما يخص تأثير الوضع الاقتصادي على الاحتجاجات: الأولى تكلفة الأعمال المخلة بالاستقرار التي تمارسها إيران في الخارج. والثانية تداعي النظام المصرفي الإيراني... و«سيتعين على النظام الإيراني خلال السنوات القليلة المقبلة الاختيار بين أمرين: إما مواصلة الإصلاحات الاقتصادية النيوليبرالية المؤلمة، لكن مع انفتاح في الفضاء السياسي، أو مواصلة الإصلاحات الاقتصادية المؤلمة مع تشديد القبضة الأمنية والسياسية».



فيلم وثائقي يكشف تفاصيل جديدة عن سرية عملية «البيجر» الإسرائيلية

مواطنون وعناصر إسعاف أمام السيارة التي استُهدفت بغارة إسرائيلية في زبدين في جنوب لبنان وأدت إلى مقتل مصاب بتفجيرات «البيجر» وزوجته (أ.ف.ب)
مواطنون وعناصر إسعاف أمام السيارة التي استُهدفت بغارة إسرائيلية في زبدين في جنوب لبنان وأدت إلى مقتل مصاب بتفجيرات «البيجر» وزوجته (أ.ف.ب)
TT

فيلم وثائقي يكشف تفاصيل جديدة عن سرية عملية «البيجر» الإسرائيلية

مواطنون وعناصر إسعاف أمام السيارة التي استُهدفت بغارة إسرائيلية في زبدين في جنوب لبنان وأدت إلى مقتل مصاب بتفجيرات «البيجر» وزوجته (أ.ف.ب)
مواطنون وعناصر إسعاف أمام السيارة التي استُهدفت بغارة إسرائيلية في زبدين في جنوب لبنان وأدت إلى مقتل مصاب بتفجيرات «البيجر» وزوجته (أ.ف.ب)

يكشف فيلم وثائقي جديد تفاصيل لم تكن معروفة من قبل عن العملية الإسرائيلية التي أدت إلى تفجير آلاف أجهزة «البيجر» التي كان يستخدمها عناصر «حزب الله» في لبنان، مسلطاً الضوء على السباق الذي خاضته إسرائيل للحفاظ على سرية العملية بعدما بدأت تظهر داخل التنظيم شكوك بشأن الأجهزة.

ووفقاً لمواقع عبرية، يحمل الفيلم، الذي أخرجه جاستن بولك، اسم «Paging Hezbollah»، ويتناول مراحل الإعداد للعملية التي استغرقت سنوات، وصولاً إلى تفجير أجهزة «البيجر» في سبتمبر (أيلول) 2024. ويضم مقابلات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورئيس الموساد السابق دافيد برنياع، والقائد السابق للمنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي أوري غوردين، إلى جانب إفادات من مسؤولين إسرائيليين سابقين.

ومن بين أبرز التفاصيل التي ظهرت بالتزامن مع الفيلم رواية وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت عن الأيام التي سبقت تنفيذ العملية، عندما بدأت إسرائيل تخشى أن يكون «حزب الله» قد اقترب من اكتشاف حقيقة الأجهزة التي جرى العبث بها وزرع متفجرات داخلها.

وقال غالانت إن إسرائيل علمت خلال الأسبوع الأول من أغسطس (آب) 2024 بأن أحد عناصر «حزب الله» بدأ يشك في أجهزة «البيجر»، ويحاول معرفة ما إذا كانت قد تعرضت للتلاعب.

وفي مقابلة أجراها بعد إقالته من الحكومة، ولم تسمح الرقابة العسكرية بنشر أجزاء منها في حينه، قال إن إسرائيل تمكنت من تحديد هوية الشخص الذي أثارت الأجهزة شكوكه و«تخلصت منه»، في محاولة لمنع انتشار الشكوك داخل التنظيم.

عنصر أمن في «حزب الله» يحمل جهاز «وكي توكي» بعد إزالة البطارية في أثناء تشييع عناصر بالحزب قُتلوا خلال تفجيرات «البيجر» (أ.ف.ب)

لكن الشك لم يكن الخطر الوحيد الذي واجه العملية، فقد اكتشفت إسرائيل أن «حزب الله» بدأ يفحص بعض أجهزة «البيجر»، وأن معدات متخصصة كانت في طريقها إلى لبنان للمساعدة في تحديد ما إذا كانت الأجهزة قد تحتوي على متفجرات.

وبحسب الرواية الإسرائيلية، كانت إيران قد أرسلت جهازاً للأشعة لفحص أجهزة «البيجر». وقال غالانت إن إسرائيل قررت تدمير معدات الفحص، إلى جانب أهداف أخرى، حتى لا يدرك «حزب الله» أن الضربات مرتبطة مباشرة بالعملية السرية.

وأصبح الوقت عاملاً حاسماً. فمع ظهور مؤشرات على أن الأجهزة قد تخضع لفحص أكثر دقة، كان أمام إسرائيل، وفق رواية غالانت، خيار تنفيذ العملية قبل أن تنكشف أو المخاطرة بأن يؤدي استمرار الانتظار إلى كشفها بالكامل.

وكان نتنياهو قد كشف في وقت سابق جانباً من هذه التفاصيل، قائلاً إن إسرائيل علمت في الأسبوع الثالث من سبتمبر بأن «حزب الله» أرسل ثلاثة أجهزة «بيجر» إلى إيران لفحصها. وأضاف أن إسرائيل قصفت قبل ذلك جهاز فحص كان التنظيم يستعد لإدخاله، كما قتلت الشخص الذي كان سيشغله.

وفي 17 سبتمبر 2024، بدأت العملية بانفجار آلاف أجهزة «البيجر» في أنحاء مختلفة من لبنان، قبل أن تتبعها في اليوم التالي تفجيرات استهدفت أجهزة اتصال لاسلكية. ووفق أرقام أوردتها مصادر إسرائيلية، أدت العمليتان إلى مقتل 39 شخصاً وإصابة أكثر من 3400.

ووصف غالانت العملية بأنها أُعدت على مدى نحو عقد، وقال إن تفجير أجهزة «البيجر» أدى إلى إصابات واسعة بين عناصر «حزب الله»، خصوصاً في الأصابع والعينين والفخذين.

أما أجهزة الاتصال اللاسلكية التي فُجرت في اليوم التالي، فكانت أكبر حجماً وتحتوي على كميات أكبر من المتفجرات، بحسب غالانت. لكن معظمها كان موجوداً داخل مستودعات عند تفجيرها، ما حدّ من تأثير العملية مقارنة بالمرحلة الأولى.

ويقدم الفيلم الوثائقي، إلى جانب إفادات المسؤولين الإسرائيليين، صورة عن الطريقة التي حاولت بها إسرائيل إبقاء العملية مخفية حتى اللحظة الأخيرة. فلم تكن المسألة، وفق الرواية الإسرائيلية، مجرد زرع متفجرات داخل أجهزة اتصال وإدخالها إلى صفوف «حزب الله»، وإنما الحفاظ على سرية الخطة بعدما بدأت داخل التنظيم محاولات للتحقق من سلامة الأجهزة.

وبحسب غالانت، جرى التعامل مع الأحداث على أنها سلسلة من الضربات المنفصلة، بدلاً من الكشف عن وجود عملية واحدة مترابطة. وكان الهدف من ذلك منع «حزب الله» من جمع الخيوط وفهم الصورة كاملة قبل أن يحين موعد تفجير الأجهزة.

ومع عرض «Paging Hezbollah»، تعود عملية «البيجر» إلى الواجهة من زاوية مختلفة: ليس فقط باعتبارها هجوماً واسعاً استهدف وسائل اتصال «حزب الله»، وإنما أيضاً باعتبارها عملية سرية دخلت في أيامها الأخيرة سباقاً بين الحفاظ على الخطة وإمكانية اكتشافها من داخل التنظيم نفسه.


نتنياهو يلجأ لأساليب انتخابية قديمة لتحسين صورته الأمنية رغم هجوم «حماس»

رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو يقف إلى جانب زوجته سارة في أثناء الإدلاء بصوتيهما في يوم الانتخابات العامة الإسرائيلية وذلك في مركز اقتراع بالقدس في الأول من نوفمبر 2022 (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو يقف إلى جانب زوجته سارة في أثناء الإدلاء بصوتيهما في يوم الانتخابات العامة الإسرائيلية وذلك في مركز اقتراع بالقدس في الأول من نوفمبر 2022 (رويترز)
TT

نتنياهو يلجأ لأساليب انتخابية قديمة لتحسين صورته الأمنية رغم هجوم «حماس»

رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو يقف إلى جانب زوجته سارة في أثناء الإدلاء بصوتيهما في يوم الانتخابات العامة الإسرائيلية وذلك في مركز اقتراع بالقدس في الأول من نوفمبر 2022 (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو يقف إلى جانب زوجته سارة في أثناء الإدلاء بصوتيهما في يوم الانتخابات العامة الإسرائيلية وذلك في مركز اقتراع بالقدس في الأول من نوفمبر 2022 (رويترز)

يستخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفس أساليب الحملات الانتخابية التي أثبتت فاعليتها على مدى عقود في محاولته الاحتفاظ بالسلطة في الانتخابات المقررة الشهر المقبل، ويقدم نفسه على أنه الشخص الوحيد القادر على ضمان أمن الإسرائيليين في منطقة معادية.

لكن قبل الانتخابات بأربعة أسابيع، يجد نتنياهو صعوبات في إنقاذ مصداقيته الأمنية التي حطمها هجوم حركة «حماس» المباغت على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 في أثناء فترة رئاسته للحكومة، في أحد أسوأ الإخفاقات الأمنية في تاريخ البلاد، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وانتخابات 27 أكتوبر هي الأولى في إسرائيل منذ ذلك اليوم الذي شهد سقوط أكبر عدد من القتلى في تاريخها، وكان أسوأ هجوم على اليهود دبرته حركة مسلحة فلسطينية وفاجأت به الجيش الإسرائيلي منذ المحرقة (الهولوكوست).

ويرفع حزب «الليكود» اليميني، الذي ينتمي إليه نتنياهو، شعاراً رسمياً هو «نتنياهو لا يستسلم». وتتوقع معظم استطلاعات الرأي أن الحزب سيخسر نحو ثلث مقاعده في البرلمان.

ويصور نتنياهو منافسيه السياسيين، في خطاباته ومقاطع الفيديو القصيرة الخاصة بالحملة الانتخابية، على أنهم يساريون ضعفاء يفتقرون إلى العزيمة لشن حرب على أعداء إسرائيل، وإلى الشجاعة اللازمة لمواجهة منتقديها في الخارج.

لكن يوهانان بليسنر، رئيس معهد الديمقراطية الإسرائيلي غير الحزبي، قال إن السؤال الكبير هو ما إذا كان نتنياهو، الذي سيبلغ 77 عاماً قبل الانتخابات، لا يزال قادراً على تقديم نفسه باعتباره أكثر المؤهلين لقيادة إسرائيل فيما يتعلق بشؤون الأمن القومي والدبلوماسية أم لا.

واضطر نتنياهو في الأسابيع القليلة الماضية إلى نفي تقارير إعلامية أفادت بأن شركاءه في الشرق الأوسط حذروه من هجوم محتمل لحركة «حماس»، وهو ما استغله خصومه السياسيون.

وقال بليسنر: «هذا أمر جديد. خاض السيد نتنياهو الانتخابات من قبل، لكنه لم يخضها أبداً بعد هذا الفشل الأمني الكبير».

وأضاف أنها «في نواحٍ عديدة استفتاء على رئيس الوزراء الحالي ومسؤوليته عن الفشل ومسؤولية الحكومة والطريقة التي نفذوا بها رد إسرائيل».

نتنياهو يواجه العالم

وأدى هجوم «حماس» على إسرائيل إلى اندلاع حرب على جبهات متعددة حقق فيها الجيش الإسرائيلي بعض النجاحات ضد الحركة الفلسطينية وحلفائها: «حزب الله» و«إيران»، لكنه لم يحقق سوى مكاسب استراتيجية قليلة. ويقول نتنياهو إن الصراع غيّر المنطقة وسيظل يغيرها.

لكن تصرفات إسرائيل في حرب غزة، التي أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين وتحويل جزء كبير من القطاع إلى أنقاض، أدت إلى عزلها دبلوماسياً بشكل أكبر. وانسحبت عشرات الوفود من القاعة عندما بدأ نتنياهو كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأسبوع الماضي.

وتراجع التأييد لإسرائيل حتى في الولايات المتحدة، أهم حليف لها.

وظهرت صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وهو يصافح نتنياهو على لوحات الدعاية الانتخابية في حملة عام 2019، لكن صورته غابت هذه المرة عن مقاطع الفيديو الخاصة بحملة حزب «الليكود».

غير أن نتنياهو، الذي ظل لأطول فترة يقضيها رئيس وزراء في المنصب وانتخب رئيساً للحكومة لأول مرة في عام 1996، لم يحد عن الأساليب الانتخابية التي أبقته في السلطة بشكل شبه متواصل منذ عام 2009.

وقال مصدر مقرب من نتنياهو إن رئيس الوزراء يتعامل مع كل الانتخابات كما لو أنه سيخسرها، وإن هذا كان أحد الأسباب التي جعلته يفوز في أحيان كثيرة حتى عندما كانت الظروف ضده.

وذكر مصدر آخر مطلع أن فريق نتنياهو يتمتع بالتركيز على ما يبدو، ولا يظهر أي علامة على الذعر أو التشتت رغم استطلاعات الرأي.

وحظيت كلمة نتنياهو في الأمم المتحدة، والتي دافع فيها بقوة عن إجراءات إسرائيل في المنطقة وهاجم فيها المنتقدين، بتغطية مكثفة على قناته على منصة «تلغرام» التي يستخدمها إلى حد كبير في نشر الرسائل السياسية.

ونشر ستة مقاطع قبل الكلمة، منها مقطع قال فيه: «فخور بتمثيلكم أمام العالم، وعلى وشك الصعود (إلى المنصة) للدفاع عن إسرائيل ضد الأمم المتحدة»، بالإضافة إلى خمسة مقتطفات من كلمته.

وكان الرابط المؤدي إلى الكلمة بالكامل مصحوباً بتعليق باللغة العبرية يقول: «نتنياهو يواجه العالم».

طريق مسدود في النهاية؟

أثار موضوع معتاد آخر في حملة نتنياهو الخوف بين الأحزاب التي تمثل الأقلية العربية في إسرائيل عن طريق التحذير من تشكيل حكومة مع فصائل عربية ستكون متساهلة جداً تجاه الفلسطينيين وتعرض الأمن للخطر إذا فاز منافسوه السياسيون في الانتخابات.

والمنافس الرئيسي لنتنياهو هو غادي آيزينكوت، وهو قائد سابق للجيش من الصقور فقد ابنه في أثناء خدمته في غزة، ويترأس حزب «يشار الجديد» من تيار الوسط. وتعني كلمة (يشار) بالعبرية: «مستقيم» أو «نزيه».

وظهر آيزينكوت منذ يوم السبت فقط في أربعة منشورات لحزب «الليكود»، من بينها صور تم إنشاؤها بالذكاء الاصطناعي، تظهره مع قادة الأحزاب العربية.

وقال نتنياهو في مقطع فيديو انتخابي بتاريخ 18 سبتمبر (أيلول): «لا يوجد شيء مستقيم. حزب (يشار( مجرد خدعة. يوجد إما اليسار وإما اليمين. هذا هو جوهر هذه الانتخابات. هل تريدون دولة فلسطينية؟ (أم) تريدون دولة يهودية؟».

لكن أموتز آسا إيل، المحلل السياسي في معهد شالوم هارتمان، قال إن استخدام نتنياهو للأساليب المعروفة ضد آيزينكوت قد تكون محاولة صعب نجاحها بسبب خلفية آيزينكوت الأمنية ومرشحي الأحزاب اليمينية الوسطية.

ورغم أن استطلاعات الرأي بشأن الانتخابات غالباً ما تكون غير دقيقة، يعلم نتنياهو أن حصوله على أغلبية برلمانية تسمح له بتشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة أمر مستبعد.

وقال آسا إيل: «يبدو أن سياسة نتنياهو تتمثل ببساطة في الفوز بما يكفي لمنع ظهور حكومة بديلة والوصول إلى حالة الجمود تبقيه رئيساً مؤقتاً للوزراء لحين إجراء انتخابات أخرى».


الإيرانيون تحت وطأة تكاليف متصاعدة بعد 7 أشهر من الحرب

أشخاص يتجولون في سوق محلية بطهران 26 سبتمبر 2026 (رويترز)
أشخاص يتجولون في سوق محلية بطهران 26 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

الإيرانيون تحت وطأة تكاليف متصاعدة بعد 7 أشهر من الحرب

أشخاص يتجولون في سوق محلية بطهران 26 سبتمبر 2026 (رويترز)
أشخاص يتجولون في سوق محلية بطهران 26 سبتمبر 2026 (رويترز)

قد يُظهر قادة إيران ثقة في مسار حربهم مع الولايات المتحدة، لكن الحياة تزداد صعوبة بالنسبة إلى المواطنين العاديين الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف الضروريات الأساسية أو الإيجار، إذ يقطع الحصار الأميركي شريان الحياة المالي للدولة، أي صادرات النفط.

ومن مهندس أُجبر على مغادرة طهران بسبب ارتفاع الإيجار، إلى امرأة اضطرت إلى الإقلاع عن التدخين بسبب سعر السجائر، ومقدمي رعاية يكافحون لشراء الأدوية، تتأثر جوانب الحياة اليومية كلها، حسب استطلاع أجرته وكالة «رويترز».

وقال بهنام رياضي، مالك مطعم أُجريت معه مقابلة مصورة في طهران: «أضطر إلى بيع ما أقدمه بهامش ربح ضئيل جداً، ومع ذلك لا أستطيع إغلاق عملي لأنني سأصبح عاطلاً عن العمل».

أشخاص يتجولون في بازار تجريش بطهران 23 سبتمبر 2026 (رويترز)

ولا يستطيع رياضي رفع أسعاره لأن زبائنه لا يستطيعون دفع المزيد، ومعظمهم لا يشتري الآن سوى الضروريات.

ولا يتضح إلى أي مدى قد تدفع الضغوط الاقتصادية إيران نحو تسوية دبلوماسية، فيما تشدد إيران بدورها قبضتها على صادرات الطاقة عبر مضيق هرمز، ما يدفع أسعار النفط والغاز إلى الارتفاع في الولايات المتحدة وحول العالم.

الضغوط تدفع نحو الدبلوماسية

وقالت مصادر أميركية وإيرانية وأخرى في الشرق الأوسط الأسبوع الماضي إن الضغوط الاقتصادية كانت أحد دوافع التحرك الدبلوماسي الأخير. وعبّر مسؤولون إيرانيون مراراً عن مخاوفهم من الاضطرابات، وقمعت السلطات بلا رحمة بوادر المعارضة.

وفي يناير (كانون الثاني)، قبل أكثر من شهر من شن الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران، قتلت السلطات آلاف المتظاهرين الذين أرهقتهم الضائقة الاقتصادية المتراكمة على مدى سنوات.

لكن جميع من تحدثت إليهم «رويترز» قالوا إن لديهم الآن من الهموم اليومية ما يكفي لكيلا يفكروا في الاحتجاج.

عناصر من «الباسيج» يحملون نماذج لصواريخ خلال مسيرة عسكرية في طهران 18 سبتمبر 2026 (رويترز)

وتعيش هدية، وهي ربة منزل في الستينات من عمرها في شمال إيران، على راتب تقاعد زوجها من الخدمة المدنية. وبالكاد تستطيع تحمل تكاليف الدواء، أو حتى حفاضات البالغين التي تحتاج إليها والدتها المسنة المصابة بمرض ألزهايمر.

وأرادت أن تشتري لحفيدها حقيبة جديدة لأول يوم له في المدرسة هذا الخريف، لكن ثمنها بلغ خمسة أو ستة أضعاف ما كانت تتوقعه، فلم تستطع في النهاية أن تشتري له سوى دفتر وأقلام رصاص.

ومثل معظم الإيرانيين الذين تحدثت إليهم «رويترز» عبر الهاتف أو تطبيقات المراسلة، لم ترغب في الكشف عن هويتها، خشية التعرض للعقاب بسبب التحدث إلى وسائل إعلام أجنبية.

وقال (أ. ج.)، وهو مدرس طلب الاكتفاء بالأحرف الأولى من اسمه، إنه لا يستطيع دائماً تحمل تكاليف الدواء الذي تحتاج إليه والدته.

وكان قد انتقل للعيش مع والدته وإخوته في قرية بشمال البلاد، تاركاً طهران بعدما تحولت المدارس إلى التعليم عبر الإنترنت بسبب الحرب، لكنه يخشى ألا يقدر على تكاليف العودة إذا استؤنف التدريس الحضوري.

شخص يمر أمام شاشة تعرض معلومات عن أسعار صرف العملات في طهران 27 سبتمبر 2026 (رويترز)

وفي سنندج، مركز محافظة كردستان، قالت نازنين، وهي معالجة نفسية تبلغ 34 عاماً، إنها أقلعت عن التدخين بسبب كلفته، بعدما كانت ترى في السابق أن الإقلاع مستحيل.

أما من يستطيعون تحمل كلفة تجاوز القنوات المعتادة للحصول على السلع أو الخدمات عبر السوق السوداء، فيجدون أنها باتت أكثر انتشاراً وأعلى كلفة.

وقال رجل إنه دفع 200 دولار بالعملة الصعبة لجراح لتجاوز الإجراءات البيروقراطية اللازمة لإجراء عملية جراحية.

وقال آخر إن طلبات الشرطة للرشى أصبحت أكثر تكراراً، وإنه اضطر إلى دفع مبلغ أكبر من ذي قبل بعد أن أوقِف عند نقطة تفتيش من دون أوراق هوية.

خسائر كبيرة

وقال مهندس معماري، اكتفى بذكر الحرفين الأولين من اسمه (أ. أ.)، إن الإيرانيين الأكثر ثراء يقلصون إنفاقهم أيضاً، مضيفاً: «كلهم أصبحوا فقراء مقارنة بنمط الحياة الذي اعتادوه».

وتعرض إطار سيارته لثقب الأسبوع الماضي، وهو مضطر إلى القيادة بالإطار الاحتياطي أسبوعين إلى أن يحصل على بديل رخيص، لأنه لم يعد قادراً على شراء الإطارات المتاحة فوراً.

ويخشى أن تتجه إيران نحو نقص في الوقود، ما قد يعطل سلاسل الإمداد ويتسبب في فوضى اقتصادية أوسع.

إيرانيتان تتناولان الغداء في مطعم بطهران 26 سبتمبر 2026 (رويترز)

وبالفعل، تتسبب الحرب في خسائر كبيرة للوظائف في القطاع الخاص.

وقالت (م. هـ.)، وهي امرأة في طهران طلبت أيضاً الاكتفاء بالحرفين الأولين من اسمها، إنها فقدت هذا الشهر وظيفتها في قسم المشتريات في شركة محلية، رغم أن عقدها لمدة عام كان قد جُدد في اليوم السابق فقط.

وعليها الآن أن تعيد الأموال التي دفعتها الشركة إلى نظام الضمان الاجتماعي الإيراني عن العام المقبل. وحددت عائلتها أولويات الإنفاق بصرامة، وفي مقدمتها الطعام.

وقالت: «الحمد لله أننا ما زلنا قادرين على تحمل تكلفة الإنترنت، كي نبقى على تواصل، وربما نشاهد فيلماً».

وقال بيجن، وهو مهندس سابق يبلغ 40 عاماً ويعطي الآن دروساً للطلاب لكسب المال، إنه وزوجته غادرا شقتهما في طهران وانتقلا إلى منطقة خارج العاصمة وصفها بأنها «أشبه بحي فقير».

عناصر من «الباسيج» خلال مسيرة عسكرية في طهران 18 سبتمبر 2026 (رويترز)

واستنفد الزوجان مدخراتهما، ويخططان للانتقال إلى مدينة أخرى يأملان أن تكون المعيشة فيها أقل كلفة.

ويرى أصحاب المتاجر تراجع مستويات المعيشة أوضح من غيرهم. وقال رامين يوسفي‌نيا، في مقابلة مصورة في طهران، إن جميع زبائن متجره للبقالة قلصوا مشترياتهم.

وقال: «ما كانوا يشترون منه خمس أو عشر قطع، لا يستطيعون الآن شراء أكثر من قطعتين. ولا تسألوني حتى عن المدخرات. هذا هو الواقع».