مفوضية الاتحاد الأفريقي تهدد بفرض عقوبات على جنوب السودان

رئيس رواندا يترأس الاتحاد والسيسي في 2019... وموريتانيا تحتضن قمة في يوليو

صورة جماعية لزعماء أفريقيا أثناء قمة الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا أمس (إ.ب.أ)
صورة جماعية لزعماء أفريقيا أثناء قمة الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا أمس (إ.ب.أ)
TT

مفوضية الاتحاد الأفريقي تهدد بفرض عقوبات على جنوب السودان

صورة جماعية لزعماء أفريقيا أثناء قمة الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا أمس (إ.ب.أ)
صورة جماعية لزعماء أفريقيا أثناء قمة الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا أمس (إ.ب.أ)

بينما تسلم الرئيس الرواندي بول كاغامي رئاسة الاتحاد الأفريقي الدورية (2018) خلفاً للرئيس الغيني ألفا كوندي، أعلن في أديس أبابا أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي سيرأس الاتحاد الأفريقي في عام 2019. في حين ستحتضن موريتانيا قمة للاتحاد الأفريقي في يوليو الماضي.
وقال موسى فاكي محمد، رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، في الجلسة الافتتاحية للقمة، إن هذه الأخيرة تنعقد في سياق يتميز «ليس فقط بالتحديات التي تواجهها القارة الأفريقية ولكن أيضاً بانعدام اليقين في المنظومة الدولية برمتها، وهو الوضع الذي يجعل كثيرين يقولون إننا في مفترق الطرق».
وتطرق المسؤول الأفريقي إلى الإصلاح المؤسسي الذي ينتظره الاتحاد الأفريقي، وقال إن الرسالة القوية التي تأتي من جميع ربوع القارة وكل مكوناتها الاجتماعية، بسيطة وموحدة، وتكمن في التعجيل بإصلاح الاتحاد الأفريقي، والإسراع في ترسيخ الأمن والعدالة.
وعبر فاكي محمد عن سعادته من كون الجولة الأولى من مفاوضات إقامة منطقة التبادل الحرة الأفريقية تميزت بالنجاح، وقال إنه يتعين على القمة أن تعتمد الاتفاق الذي جرى التوصل إليه في هذا الصدد، وتنفيذ أجندة 2063 التي تروم إقامة سوق موحدة للتنقل الجوي في أفريقيا.
في سياق ذلك، دعا فاكي محمد القمة إلى اعتماد البروتوكول الخاص بحرية تنقل الأشخاص، وجواز السفر الأفريقي حتى يجري تجنيب المواطن الأفريقي المعاناة خلال تنقله في ربوع القارة، ليتم عبر ذلك وضع حد لإحساسه بأنه أجنبي في قارته.
وتحدث رئيس المفوضية الأفريقية عن ضرورة مكافحة الانتقال غير المشروع لرؤوس الأموال خارج أفريقيا، مشيراً إلى أن تقرير اللجنة ذات المستوى العالي التي أشرف عليها رئيس جنوب أفريقيا السابق ثابو مبيكي بين حجم هذه الكارثة، وضرورة وقف هذا النزف.
ودعا فاكي محمد إلى ضرورة تفعيل المؤسسات المالية والاقتصادية الأفريقية، وقال إن ذلك سيعزز السيادة المالية والنقدية في القارة.
من جهة أخرى، قال رئيس المفوضية الأفريقية إن الوقت حان لفرض العقوبات على كل من يعرقلون السلام في جنوب السودان، مجدداً دعم الاتحاد الأفريقي لمنظمة «إيقاد».
وبشأن الوضع في بروندي، قال فاكي محمد إن أطراف النزاع عليها أن تجلس للحوار فيما بينها، مشدداً على أن الحوار هو المخرج الوحيد للأزمة.
وحول الوضع في جمهورية الكونغو الديمقراطية، قال إن التوتر والعنف الذي عرفته الأيام الأخيرة، يُبين ضرورة تنفيذ اتفاق «سان سلفستر» في أفق تنظيم انتخابات بالبلاد في ديسمبر (كانون الأول) 2018.
وطالب فاكي محمد بتنفيذ اتفاق السلام والمصالحة والتسريع بذلك بموازاة مع تقديم دعم للقوات الأفريقية المشتركة (جي 5 ساحل)، كما طالب بمضاعفة الجهود في ليبيا، مشيراً إلى أن أفريقيا عليها أن تُسهِم بقدر كبير في إيجاد حل للأزمة الليبية، إلى جانب الأمم المتحدة والأطراف المعنية.
وبشأن نزاع الصحراء، عبر فاكي محمد عن أمله في التوصل إلى حل لهذا الوضع، وقال إن أفريقيا يمكنها أن تُسهِم إيجابيّاً في ذلك، بدعم من الأمم المتحدة، مشيراً إلى أن حل هذا النزاع سيساعد على إطلاق مشروع البناء المغاربي.
وبموازاة ذلك، قال المسؤول الأفريقي إنه ينبغي مضاعفة الجهود في محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة.
وبخصوص الإصلاح المؤسسي للاتحاد الأفريقي، قال فاكي محمد إنه يعرف تقدماً ملحوظاً، وإنه جرى عرض خطوطه العريضة في الجلسة المغلقة للقمة، التي سبقت الجلسة الافتتاحية الرسمية، مشيراً إلى تزايد عدد الدول الملتزمة بتقديم نسبة 0.2 في المائة من الضريبة المفروضة على الواردات.
وقال فاكي محمد: «أمامنا خياران؛ إما إن نتقدم في تنفيذ الإصلاح أو نفشل». بيد أنه أوضح أن الفشل سيؤثر بشدة على مصداقية الاتحاد الأفريقي وكل القيم التي يتشبث بها.
من جهته، جدد أحمد أبو الغيط الأمين العام للجامعة العربية، التزام الجامعة الراسخ بتمتين شراكتها الاستراتيجية مع أفريقيا. وقال إن الفضاء المشترك بين العالم العربي وأفريقيا يظل مسرحاً لكثير من بؤر التوتر وانعدام الاستقرار، وهو ما يحتِّم مضاعفة الجهود المشتركة لمواجهتها ومعالجة الأسباب العميقة التي أدت إلى نشوبها وتفاقمها.
وتطرق أبو الغيط للأزمة الليبية، وقال إنها تشكل أولوية مشتركة للجامعة العربية والاتحاد الأفريقي، وتتقاطع فيها جهود المنظمتين ودولهما الأعضاء، سعياً لإنهاء المرحلة الانتقالية التي تعيشها ليبيا، وتوحيد مؤسساتها المختلفة، وبناء هياكل مستقرة لدولتها، وإتمام مجمل الاستحقاقات المتبقية.
وأشار أبو الغيط إلى استعداد الجامعة للمساهمة في أي جهد - على الصعيدين السياسي والفني - لمعالجة أزمة المهاجرين والتصدي للانتهاكات التي يتعرضون لها في ليبيا، سواء عبر مساعدة مؤسسات الدولة الليبية، أو الدول المجاورة لها، أو الآلية الثلاثية التي تم تشكيلها بين الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وبشأن القضية الفلسطينية، قال أبو الغيط إنها تظل على رأس الأجندة المشتركة للعالم العربي وأفريقيا، معبراً عن التقدير للموقف الأفريقي الثابت والمبدئي في مناصرة الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة.
وأشاد أبو الغيط بالدول الأفريقية التي وقفت دائماً، رغم جميع الضغوط المكشوفة التي تُمارس عليها، مع الحق الفلسطيني في المحافل الدولية، وهو ما أثبتته مجدداً في الجمعية العامة للأمم المتحدة برفض القرار الأميركي أحادي الجانب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية إليها.
وقال أبو الغيط إن «هذا التضامن الأفريقي مع أشقائنا الفلسطينيين سوف يبقى قوياً وثابتاً في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، ورافضاً لمحاولاته الترشح لمجلس الأمن الذي يخرق قراراته ويحتقر إرادته».
بدوره، ألقى أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، خطاباً قال فيه إنه جاء العام الماضي إلى أديس أبابا ليعرب عن احترامه وامتنانه، وإيجاد فرص لتعميق الشراكة الاستراتيجية بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي.
وأضاف: «قلت آنذاك إنني أعرف أن أفريقيا قارة للصمود والأمل، والتزمت ببناء أرضية كبيرة للتعاون معكم، وألهمتني رؤيتكم لمستقبل أفريقيا».
وزاد غوتيريش قائلاً: «في ظرف عام واحد دخلنا في عهد جديد من الشراكة مع أفريقيا».
وذكر غوتيريش أنه يرى أن هناك خمسة مجالات لتعزيز الشراكة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، وأن المجال الأول يكمن في السلم والأمن، والثاني يكمن في التنمية المستدامة والشاملة، إذ قال إن «القضاء على الفقر من الأولويات المشتركة لدينا».
أما المجال الثالث، يقول غوتيريش، فيكمن في التغيير المناخي، مشيراً إلى أن مساهمة دول أفريقيا في الانحباس الحراري قليلة لكنها تدفع ثمناً أكبر.
وتشكل الهجرة، المجال الرابع، في نظر غوتيريش، إذ اعتبرها ظاهرة عالمية إيجابية تساهم في تقوية النمو الاقتصادي وتقلص من انعدام المساواة، وتربط بين مجتمعات مختلفة.
وأدان غوتيريش استغلال المهاجرين، وقال إن العالم المتقدم، في سياساته حول الهجرة، يجب على هذه الأخيرة أن تكون قائمة على وقائع وليس على خرافات.
أما إيميرسون منانجاجوا رئيس زيمبابوي الجديد، فاكتفى بالحديث عن سلفه روبرت موغابي، وقال مخاطباً القادة الأفارقة «أخوكم القائد موغابي آمن وبصحة جيدة. لقد توليت إدارة الحكومة لكي أصون إرثه بوصفه الأب المؤسس للجمهورية».
وزاد قائلاً: «الفترة الانتقالية في زيمبابوي تمت بطريقة سلمية. إننا مسرورون كوننا تغلبنا على التحدي الذي اعترض سبيلنا».
من جهته، قال جورج ويا رئيس ليبيريا الجديد مخاطباً رؤساء أفريقيا إنه «بفضل مساعدتكم وتوجيهاتكم سأتمكن من تخفيف وطأة الفقر، وبلوغ الأهداف التي قمنا بتحديدها».
وزاد قائلاً: «اعتزم أن أعمل معكم بروح التضامن».
وتحدث أيضاً رئيس بنين الجديد باتريس طالون، الذي التزم بالعمل من أجل المزيد من الأداء الفعال للاتحاد الأفريقي، وبلوغ الأهداف المشتركة.
وتحدث رئيس الصومال عبد الله فرماجو في كلمته فقط عن موضوع محاربة الفساد.
بدوره، قال رئيس الاتحاد الأفريقي المنتهية ولايته، إن «إصلاح الاتحاد الأفريقي من دون استقلاليته المالية سيجعلنا في أفريقيا لا نستطيع التحدث بصوت واحد، بفعل اعتمادنا على الآخر في النواحي المالية».
وأضاف: «سنستمر في بناء الثقة مع الشركاء لا سيما إذا كان هذا الشريك موثوقاً به، ويتعامل معنا على أساس الندية، واحترام سيادة الدول، وعدم إملاء القرارات علينا».

لقطات من القمة
> تأخر انطلاق الجلسة الافتتاحية الرسمية لقمة الاتحاد الأفريقي الـ30 لمدة 3 ساعات بسبب تأخر القادة الأفارقة في جلسة مغلقة جرى فيها بحث الإصلاح المؤسسي للاتحاد حيث تدخل أكثر من 40 رئيس دولة وحكومة، كما خصصت الجلسة المغلقة أيضا لبحث إنشاء منطقة تبادل حر أفريقية.
> عمت تصفيقات حارة قاعة القمة الأفريقية والمكان المخصص للصحافيين بعد أن أعطى رئيس الاتحاد الأفريقي ألفا كوندي الكلمة لرئيس ليبيريا الجديد جورج ويا. وقال وَيَا «إنه شرف كبير بالنسبة لي. إنها أول مرة أحضر فيها قمة للاتحاد الأفريقي، ولقد صفق لي الجمهور بشكل كبير. إنني أتعلَم».
> سجلت قمة أديس أبابا تواصل غياب الرئيس الإريتري آسياس أفورقي. وقالت مصادر دبلوماسية أفريقية لـ«الشرق الأوسط» إن أفورقي لم يحضر القمة الأفريقية منذ عام 2002. وكانت قمة دوربان في جنوب أفريقيا آخر قمة يحضرها مجاملة للعقيد الليبي معمر القذافي.
> تجتمع اليوم في أديس أبابا على هامش القمة الأفريقية اللجنة العليا للاتحاد الأفريقي حول الأزمة الليبية لبحث المستجدات الأخيرة على الساحة الليبية. وستستمع اللجنة لتقرير يقدمه الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا غسان سلامة.
> أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة زار أمس في مقر الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا المعرض المخصص لإبراز مساهمة المغرب في عمليات السلم والأمن بأفريقيا، والذي ينظم على هامش القمة الـ30 للاتحاد الأفريقي، وكان برفقته الدكتور سعد الدين العثماني رئيس الحكومة المغربية، وناصر بوريطة وزير الخارجية والتعاون الدولي، ومحسن الجزولي الوزير المنتدب في التعاون الأفريقي.



تطورات الأوضاع في مالي تثير قلق فرنسا… طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب

أسيمي غويتا زعيم الحكومة العسكرية في مالي (يمين) مجتمعاً مع مسؤولين روس من بينهم السفير إيغور غروميكو بقصر كولوبا في باماكو - مالي. الصورة نشرت 28 أبريل الحالي (رويترز)
أسيمي غويتا زعيم الحكومة العسكرية في مالي (يمين) مجتمعاً مع مسؤولين روس من بينهم السفير إيغور غروميكو بقصر كولوبا في باماكو - مالي. الصورة نشرت 28 أبريل الحالي (رويترز)
TT

تطورات الأوضاع في مالي تثير قلق فرنسا… طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب

أسيمي غويتا زعيم الحكومة العسكرية في مالي (يمين) مجتمعاً مع مسؤولين روس من بينهم السفير إيغور غروميكو بقصر كولوبا في باماكو - مالي. الصورة نشرت 28 أبريل الحالي (رويترز)
أسيمي غويتا زعيم الحكومة العسكرية في مالي (يمين) مجتمعاً مع مسؤولين روس من بينهم السفير إيغور غروميكو بقصر كولوبا في باماكو - مالي. الصورة نشرت 28 أبريل الحالي (رويترز)

التاريخ يعيد نفسه في مالي. فقبل 14 عاماً، تمكن تنظيم «النصرة» الإرهابي المسلح التابع لـ«القاعدة» من السيطرة على شمال البلاد وكانت فصائله تتجه جنوباً لمحاصرة العاصمة باماكو، وهو ما يحصل اليوم، حيث التنظيم نفسه و«جبهة تحرير أزواد» المنبثقة عن أتنية «الطوارق» والساعية للانفصال عن السلطة المركزية، اقتربا من باماكو التي يسعيان لفرض الحصار عليها؛ تمهيداً لاقتحامها وتشديد الخناق على حكومة رئيس المجلس العسكري الجنرال أسيمي غويتا.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستقبلاً الجنرال أسيمي غويتا رئيس المجلس العسكري المالي في الكرملين 23 يونيو الماضي (رويترز)

الأربعاء، أكد محمد المولود رمضان، الناطق باسم «جبهة أزواد»، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» في باريس أن «النظام سيسقط عاجلاً أم آجلاً». ووفق قراءته، فإن النظام القائم منذ الانقلابين العسكريين في عامي 2020 و2021 «لن يقوى على الصمود».

لكن ثمة فارقاً بين ما حصل سابقاً وما يحصل راهناً. فقبل 13 عاماً، طلب رئيس مالي، وقتها، من فرنسا التدخل لمنع المسلحين من السيطرة على باماكو، وجاءت استجابة الرئيس فرنسوا هولند سريعاً جداً؛ إذ عجَّل بإرسال قوة مسلحة سميت «سرفال» نجحت في وقف تقدم المهاجمين نحو العاصمة، ثم استعادت المدن الشمالية الواحدة تلو الأخرى. وفي عام 2014، تحولت «سرفال» إلى قوة «برخان» التي بقيت عاملة في مالي لمحاربة المسلحين والإرهابيين من كل نوع، وقد فاق عديدها خمسة آلاف رجل مدعومين بقوة جوية ومعدات قتالية ثقيلة.

رئيس المجلس العسكري متحدثاً للماليين عقب التقدم الذي أحرزه على الأرض منذ السبت الماضي (رويترز)

إلا أن التعبئة السياسية ضد الوجود الفرنسي التي أطلقها الانقلابيون أفضت، في نهاية المطاف إلى انسحاب القوة الفرنسية من مالي عام 2022، ولاحقاً من النيجر وبوركينا فاسو وتشاد، أي من كل ما يسمى «بلدان الساحل». واستبدل الانقلابيون قوة أخرى روسية بالقوة الفرنسية وصلت إلى باماكو تحت مسمى «فاغنر» وتغير اسمها لاحقاً، بعد مقتل قائدها أفغيني بريغوجين، في حادث سقوط طائرته في رحلتها من موسكو إلى سان بطرسبرغ، صيف عام 2023 إلى «أفريكا كوربس».

انسحاب روسي

ومع تسارع الأحداث، أعلن المتمردون الطوارق التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لـ«فيلق أفريقيا» من كيدال. وشدد رمضان على أن «هدفنا هو انسحاب الروس بشكل دائم من أزواد ومن مالي بأكملها»، مضيفاً: «لقد انتصرنا في جميع المواجهات التي خضناها مع الروس». وأضاف: «ليس لدينا مشكلة خاصة مع روسيا، ولا مع أي دولة أخرى. مشكلتنا تكمن مع النظام الحاكم في باماكو». وقال إن المتمردين ينظرون سلباً إلى التدخل الروسي. وأضاف أن الروس «دعموا من ارتكبوا جرائم خطيرة ومجازر، دمّروا مدناً وقرى ودمروا مراكز صحية ومدارس ومصادر مياه».

في هذه الصورة غير المؤرخة التي قدّمها الجيش الفرنسي مرتزقة روس في شمال مالي (أ.ب)

وأكدت وزارة الدفاع الروسية هذا الأسبوع أن مقاتلي «فيلق أفريقيا» المُرسلين لدعم المجلس العسكري في مالي، أُجبروا على الانسحاب من كيدال. وقال رمضان إن الروس طلبوا ممراً آمناً للانسحاب. وأضاف أن «الروس وجدوا أنفسهم في خطر. لم يكن هناك مخرج... محاصرين من جميع الجهات، طلبوا منا إيجاد حل». وتابع: «عندما أدركوا أنهم لا يستطيعون الصمود أمام قواتنا وقوتنا النارية، طلبوا الانسحاب». وأكد أن المتمردين يعتزمون الآن السيطرة على غاو وتمبكتو وميناكا عقب السيطرة على كيدال.

إحراج فرنسي

أما اليوم، فإن باريس تراقب عن بعد ما يجري في مستعمرتها السابقة التي كانت، خلال عقود، الأقرب إليها. فالحكومة الفرنسية ليست مستعدة لإنقاذ النظام الذي أخرجها من مالي رغم الخوف من تمدد التمرد إلى دول في غرب أفريقيا قريبة جداً من فرنسا، مثل السنغال وساحل العاج. ولعل ما يبرز الإحراج الفرنسي أن باريس انتظرت ثلاثة أيام قبل أن تعلق على سيطرة مقاتلي «جبهة أزواد» والإرهابيين يوم 25 الحالي على مدينتي كيدال وغاو الاستراتيجيتين، وعلى مناطق واسعة شمال البلاد، وحتى الاقتراب من باماكو ومن مطارها. ولم يأت التعليق في بيان رسمي أو في تصريح وزاري، بل جاء على لسان دبلوماسي أفاد بأن باريس «قلقة» من التطورات الجارية في مالي، وأنها تدين بأشد العبارات «أعمال العنف المرتكبة بحق المدنيين»، وتعرب عن «تضامنها مع الشعب المالي».

صورة عامّة لحركة الماليين في العاصمة باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين 26 أبريل الحالي (أ.ف.ب)

وأخيراً، أعرب الدبلوماسي المذكور عن رغبة فرنسا في «إرساء سلام واستقرار دائمين في مالي» من غير الإشارة لا من قريب ولا من بعيد إلى الحكومة أو المجلس العسكري. وفي السياق عينه، ذكر المصدر الدبلوماسي أن الحكومة «تولي اهتماماً أيضاً بأمن رعاياها» الموجودين في مالي وتدعوهم إلى توخي أقصى درجات الحذر.

والأربعاء، دعت فرنسا رعاياها إلى مغادرة البلاد «في ​أقرب وقت ممكن» عقب التطورات الميدانية المقلقة حتى داخل باماكو. وبانتظار مغادرتهم مالي، دعتهم إلى البقاء ⁠في منازلهم والحد من تنقلاتهم واتباع تعليمات السلطات المحلية مع إبقاء أقاربهم على اطلاع على أحوالهم.

ويقيم في مالي، وفق الخارجية الفرنسية، 4198 شخصاً، حسب أرقام العام الماضي. ولا تزال السفارة الفرنسية في باماكو مفتوحة، والمرجح جداً أن تعمد باريس إلى تقليص أعداد العاملين فيها بسبب تردي الأوضاع الأمنية.

صورة وزَّعها الجيش الفرنسي لمقاتلين من المرتزقة الروس خلال صعودهم إلى مروحية في شمال مالي أبريل 2022 (الجيش الفرنسي - أ.ب)

حقيقة الأمر أن باريس تستشعر العجز إزاء التطورات الجارية في باماكو؛ إذ إن وسائل التأثير المتوافرة لديها ضئيلة للغاية، لا، بل إنها تكاد تكون معدومة. ومنذ البداية نبَّهت فرنسا من أن ميليشيا «فاغنر» التي نشرت ما يزيد على 2000 عنصر لن تتمكن من الوقوف بوجه الحركات المسلحة والانفصالية، بل إن مهمتها الحقيقية هي حماية النظام وليس المواطنين. وثمة من يرى اليوم في باريس أن ما يحصل حالياً كان مرتقباً، وأن رحيل «أفريكا كوربس» لن يتأخر. ونقلت صحيفة «لو موند» في عددها ليوم الثلاثاء عن دبلوماسي آخر قوله إن «الهجمات غير المسبوقة تعني فشل القوات المالية وحليفتها الميليشيا الروسية» في السيطرة على الوضع، وفي حال تواصل هجومهم من الشمال إلى الجنوب فهذا يعني «العودة إلى سيناريو عام 2013».

متمردو الطوارق التابعون لتحالف «جبهة تحرير أزواد» يركبون على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال (أ.ف.ب)

البحث عن وسائل جديدة

رغم طلاقهما، نجح الجانبان، المالي والفرنسي، بعد مرحلة التوتر الكبرى بينهما التي رافقت وتبعت خروج القوة الفرنسية، في التفاهم على الحد الأدنى من العلاقات «المعقولة». وبرز ذلك من خلال السماح لفريق من المخابرات الفرنسية بالبقاء في باماكو من ضمن أطر السفارة الفرنسية. وحصلت باماكو على الشيء نفسه في سفارتها بباريس. وتفيد مصادر واسعة الإطلاع في باريس بأن التعاون «المخابراتي» بين الطرفين كان «جيداً» لحاجة كل منهما إلى الآخر.

وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو برفقة وزير خارجية روسيا في موسكو 28 فبراير 2024 (رويترز)

بيد أن العلاقات تدهورت مجدداً العام الماضي بعد أن ألقت السلطات المالية القبض على عميل للمخابرات الخارجية الفرنسية، اسمه «يان ف» بتهمة المشاركة في محاولة انقلابية لإسقاط الجنرال أسيمي غويتا والتآمر على أمن البلاد مع ضباط ماليين، الأمر الذي نفته باريس بقوة. وبطبيعة الحال، ألقي العميل المشار إليه في السجن ورفضت باماكو طلب باريس المتكرر بالسماح له بالعودة إلى فرنسا. وحاولت باريس الاستعانة بوسطاء للضغط على باماكو ومن بينهم المغرب. إلا أن هذه الجهود باءت بالفشل، وتحدثت مصادر عدّة عن تضارب في المواقف لجهة تحديد خط الواجب اتباعه في العلاقات مع مالي.

متمردو الطوارق التابعون لتحالف «جبهة تحرير أزواد» يركبون على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال (أ.ف.ب)

هكذا، تجد فرنسا نفسها اليوم في وضع غير مريح: فهي من جهة لا تستطيع غض النظر عن تطورات الوضع في مالي؛ نظراً لتأثيراته على بلدان الساحل الأخرى وعلى المصالح الفرنسية المباشرة إنْ الأمنية أو الاقتصادية. ذلك أن سيطرة المسلحين على هذا البلد الذي تحيط به سبعة بلدان (موريتانيا، والسنغال، وغينيا، وساحل العاج، وبوركينا فاسو والنيجر، وخصوصاً الجزائر) قد تتحول قنبلة متفجرة في حال سيطر عليه المسلحون الساعون لتوسيع تأثيرهم في منطقة الساحل وأبعد منها، أي في منطقة لباريس مصالح وشراكات كبرى فيها. ومن جهة ثانية، تبحث باريس عن «أدوات» تمكّنها من التأثير على مجرى الأحداث وهي تعي أن الأدوات السابقة التي استخدمتها مراراً من خلال التدخل المباشر لم تعد فاعلة، في حين أطراف أخرى إقليمية مثل الجزائر أو دولية مثل الولايات، المتحدة روسيا والصين حاضرة وجاهزة لملء الفراغ الذي خلفته فرنسا وراءها.


نيجيريا: مقتل قس واختطاف مصلين في هجوم على كنيسة

رجال الشرطة النيجيرية في أبوجا (أرشيفية - أ.ف.ب)
رجال الشرطة النيجيرية في أبوجا (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

نيجيريا: مقتل قس واختطاف مصلين في هجوم على كنيسة

رجال الشرطة النيجيرية في أبوجا (أرشيفية - أ.ف.ب)
رجال الشرطة النيجيرية في أبوجا (أرشيفية - أ.ف.ب)

اقتحم مسلحون مجهولون كنيسة في ولاية إيكيتي، جنوب نيجيريا، وقتلوا القس قبل أن يقتادوا عدداً من المصلين إلى مكان مجهول، وفق ما أكدت مصادر محلية، واعترفت به في وقت لاحق مصادر في الشرطة.

الهجوم وقع في بلدة إيدا أونيو إيكيتي، حين كان السكان يقيمون قُداساً مفتوحاً في ساحة الكنيسة، مساء الثلاثاء، قبل أن يقتحمه المسلحون، ثم يطلقون النار بشكل مباشر على القس، حين كان يقود التجمع الديني.

جندي أميركي يُدرّب جنوداً نيجيريين بمعسكر بجاجي في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

وقالت تقارير إعلامية محلية إن المهاجمين اجتاحوا ساحة التجمع الواقعة بضواحي البلدة بأعداد كبيرة، حيث فتحوا النار على القس وأردوه قتيلاً على الفور، ثم اقتادوا مجموعة من المصلين نحو الغابات المجاورة للبلدة.

وأضافت تقارير صحيفة «فانغارد» نقلاً عن مصادر محلية أن «المهاجمين المدججين بالسلاح استمروا في عمليتهم لعدة دقائق قبل أن يقتادوا ضحاياهم إلى الغابات»، وقال شهود نجوا من الهجوم: «كان من بين المختطفين كبار سن، وأطفال، اقتادهم المسلحون نحو الغابة، لقد دخلوا البلدة بأعداد كبيرة، ومدججين بالسلاح».

وقالت الصحيفة إنها حاولت التواصل مع الشرطة المحلية بخصوص الموضوع، ولكن «كل المحاولات باءت بالفشل، حيث لم يرد المسؤول الإعلامي للقيادة، صنداي أبوتو، على المكالمات، والرسائل المرسلة إليه»، حتى صباح الأربعاء.

مسيحيون اختطفتهم مجموعات مسلحة في كومين والي بعد عودتهم إلى ولاية كادونا (أ.ب)

وتحدثت تقارير عديدة عن «حالة من الارتباك والذعر تنتشر بين سكان البلدة»، وقال أحد السكان لصحيفة محلية: «إنه أمر مرعب ومفاجئ، اقتحموا البلدة بأعداد كبيرة، وأطلقوا النار على الناس بشكل عشوائي، قتلوا القس، واقتادوا الآخرين نحو الغابة، كان من بينهم كبار سن، وأطفال».

وفي تعليق على التطورات، أكد مسؤول حكومي رفيع وعضو في اللجنة الأمنية بالولاية وقوع الهجوم، متحدثاً شريطة عدم كشف اسمه لكونه غير مخول بالتصريح الرسمي، وقال إن الأجهزة الأمنية قد انتشرت بالفعل في المنطقة، وهي تقتفي أثر المهاجمين، معرباً عن ثقته في إنقاذ الضحايا دون أذى.

وقال المسؤول: «نعم، تم اختطاف بعض المصلين في إيدا أونيو اليوم (الثلاثاء)، والأجهزة الأمنية تتابع الأمر. لقد نشرت الحكومة قوات أمنية في المنطقة، وهي تطارد المهاجمين حالياً»، دون أن يعطي أي تفاصيل حول عدد المختطفين.

عناصر من جماعة «بوكو حرام» الإرهابية في نيجيريا (متداولة)

يثير استهداف الكنائس في الهجمات الإرهابية، واختطاف المسيحيين حساسية كبيرة في نيجيريا، خاصة بعد اتهامات الرئيس الأميركي دونالد ترمب سلطات نيجيريا بالتقاعس عن حماية المسيحيين الذين يتعرضون لما قال إنها «إبادة جماعية».

وترفض سلطات نيجيريا هذه الاتهامات، وتقول إن الصراع في نيجيريا لا يحمل أي طابع ديني، مشيرة إلى أن إرهابيي «بوكو حرام» و«داعش في غرب أفريقيا»، وشبكات الجريمة المنظمة، يستهدفون الشعب النيجيري دون أي تمييز بين دين، أو عرق.

وأكدت الحكومة النيجيرية في أكثر من مرة أن المسلمين يمثلون ضحايا رئيسين للهجمات الإرهابية في مختلف مناطق نيجيريا، وخاصة في الشمال الشرقي، حيث توجد بؤرة الإرهاب.

ضحايا الضربة الجوية للسوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو في 12 أبريل (أ.ب)

تعد نيجيريا، أكبر دولة في أفريقيا من حيث عدد السكان، مسرحاً لتعقيدات ديموغرافية ودينية فريدة؛ حيث ينقسم سكانها البالغ عددهم أكثر من ربع مليار نسمة بشكل شبه متساوٍ بين الشمال ذي الغالبية المسلمة والجنوب ذي الغالبية المسيحية.

ولا يقتصر الصراع في نيجيريا على البعد الديني البحت، بل يتداخل بعمق مع الهويات العرقية، حيث يهيمن عرق «الهوسا-فولاني» في الشمال، و«الإيغبو» و«اليوروبا» في الجنوب، والجنوب الغربي.

هذا التباين جعل القضايا الأمنية، مثل تمرد «بوكو حرام» في الشمال الشرقي أو نزاعات الرعاة والمزارعين في الحزام الأوسط، تتخذ أبعاداً طائفية وعرقية تزيد من حدة الاستقطاب الوطني.

رجال شرطة ومواطنون بمكان هجوم مسلح في جوس عاصمة ولاية بلاتو النيجيرية (رويترز)

في غضون ذلك، يعد «الحزام الأوسط» في نيجيريا بؤرة ساخنة للنزاعات العرقية-الدينية، حيث تتصادم مصالح الرعاة، وغالبيتهم من عرقية الفولاني المسلمة، مع المزارعين، وغالبيتهم من الجماعات العرقية المسيحية، حول الموارد الطبيعية، والأراضي، والمياه.

ومع تفاقم ظاهرة التغير المناخي، وزحف التصحر في الشمال، اندفع الرعاة نحو الجنوب، مما أدى إلى موجات عنف متبادلة، وتصاعدت أكثر خلال العقد الأخير، ولكنها بدأت تأخذ أبعاداً سياسية، وأمنية.


المتمردون الطوارق يطالبون روسيا بالانسحاب من مالي

عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن تنتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)
عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن تنتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)
TT

المتمردون الطوارق يطالبون روسيا بالانسحاب من مالي

عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن تنتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)
عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن تنتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)

قال متحدث باسم المتمردين الطوارق الأربعاء، إنّ المجلس العسكري الحاكم في مالي «سيسقط عاجلاً أم آجلاً» في مواجهة الهجوم الذي ينفذه انفصاليو الطوارق من «جبهة تحرير أزواد» و«جماعة نصرة الإسلام والمسلمين».

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن محمد المولود قوله أثناء زيارة إلى باريس، «سيسقط النظام عاجلاً أم آجلا. سيسقط، فليس لديهم حل للبقاء في السلطة... في مواجهة هجوم جبهة تحرير أزواد لاستعادة أراضي أزواد (شمال مالي) من جهة، وهجوم الآخرين (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) على باماكو ومدن أخرى». أضاف «لن يتمكّنوا من الصمود».

وشدد رمضان على أن «هدفنا هو انسحاب روسيا بشكل دائم من أزواد ومن مالي بأكملها»، مضيفاً «لقد انتصرنا في جميع المواجهات التي خضناها مع الروس».

إلى ذلك، حثت فرنسا رعاياها في مالي على مغادرة البلاد «في أقرب وقت ممكن» عقب الهجمات المنسقة التي وقعت مطلع الأسبوع، بما في ذلك في العاصمة باماكو.

وقالت وزارة الخارجية الفرنسية إن الوضع الأمني لا يزال متقلباً، وإنه ينبغي على المواطنين الفرنسيين البقاء في منازلهم والحد من تنقلاتهم واتباع تعليمات السلطات المحلية مع إبقاء أقاربهم على اطلاع على أحوالهم، إلى أن يغادروا البلاد.

جندي مالي في أثناء جلسة تدريب على مدفع «هاوتزر» في معسكر سيفاري بمنطقة موبتي (رويترز)

وأوصى تحديث الوزارة بشأن نصائح السفر إلى البلد الواقع في غرب أفريقيا بعدم زيارة مالي.

وهاجم متمردو الطوارق و جماعة تابعة لتنظيم «القاعدة في غرب أفريقيا» القاعدة العسكرية الرئيسية في مالي والمنطقة القريبة من مطار باماكو في الهجمات التي وقعت يوم السبت، كما طردت القوات الروسية التي تدعم القوات الحكومية من بلدة كيدال الاستراتيجية في الشمال.

وتوعد زعيم الحكومة العسكرية في مالي أمس الثلاثاء «بتحييد» المسؤولين عن ذلك.