جاسيندا آردرن... رئيسة الوزراء الحامل

الزعيمة الشابة فتحت في نيوزيلندا نقاشاً حول «موازنة» الأمومة والعمل

جاسيندا آردرن... رئيسة الوزراء الحامل
TT

جاسيندا آردرن... رئيسة الوزراء الحامل

جاسيندا آردرن... رئيسة الوزراء الحامل

قبل أسبوع من الآن لم يكن كثيرون قد سمعوا بجاسيندا آردرن، رئيسة وزراء نيوزيلندا الجديدة، رغم أنها بوصولها إلى المنصب الأعلى في الدولة، حققت أكثر من سابقة. فهي، بعمر الـ37. باتت أصغر امرأة تتزعم دولة. وفي نيوزيلندا، باتت أصغر زعيمة للبلاد منذ 150 سنة. وخلال فترة قياسية لا تتجاوز الشهر ونصف الشهر، نجحت هذه المرأة الشابة بقيادة حزبها، حزب العمال، للفوز بالانتخابات العامة بعدما كانت الاستطلاعات ترجح خسارته. لقد أعادت آردرن العمال إلى السلطة بعد عقد من الزمن جلسوا فيه في صفوف المعارضة. وألهم انتشال آردرن حزبها من الحضيض ورفعه إلى القمة في هذه الفترة القصيرة أحزابا يسارية في دول أخرى تتوق للفوز، مثل حزب العمال البريطاني وزعيمه جيريمي كوربن الذي ظهر في فيديو على «فيسبوك» يقول فيه متوجها إليها: «جاسيندا، افعليها (فوزي). لأجلنا جميعا!». أما في نيوزيلندا، بلدها، فإنها أثارت «جنوناً» بين الناخبين. فالصحافة المحلية كانت تتحدث عن «جاسيندا مانيا» - أو «الجنون بجاسيندا». كل هذا حدث الصيف الماضي، بدءاً بتسلم جاسيندا زعامة حزبها وصولاً لقسمها اليمين كرئيسة للحكومة في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. ولكن كل هذا لم يكن كافيا لإعطاء جاسيندا آردرن شهرة مدوية... أما ما حوّلها إلى نجمة عالمية فهو خبر واحد صدر عنها في 19 يناير (كانون الثاني) الجاري، وهو إعلانها أنها حامل بطفلها الأول.
كانت تجلس على كرسي ترتدي قميصا أبيض. شعرها أملس غامق اللون، يتدلى على كتفيها. وإلى جانبها، على كرسي منفصل جلس شريك حياتها ووالد طفلها. كانا يبتسمان وهما يستمعان لسؤال الصحافي الذي يجري المقابلة معهما. بدت ابتسامة غير مريحة. لا عجب. فهي جاسيندا آردرن رئيسة الوزراء. والسؤال لم يكن له أي علاقة بفوزها في الانتخابات النيوزيلندية الأخيرة أو بسياساتها ولا حتى آرائها.
«هل كنت تشعرين بالغثيان في الصباح؟» سألها المذيع. أجابته وهي تبتسم وتحاول أن تبدو طبيعية: «نعم بالطبع. عانيت من الغثيان…» وراحت تتحدث بين المزاح والجد، كيف كانت توازن بين أعراض الحمل المبكرة والتفاوض على تشكيل الحكومة. لم تبخل بالتفاصيل. ولكنها كانت كلما أعطت تفاصيل أكثر ازداد تعطش الصحافي لطرح المزيد من الأسئلة الشخصية. سألها «هل سترضعين طفلك أثناء وجودك في البرلمان؟» ضحكت. صديقها بدا مرتبكا أكثر منها للسؤال. لمس وجهه بتوتر. هي أجابت وهي تهز رأسها «نعم نعم نعم». ثم راحت تتحدث بتفاصيل تشبع مستمعيها. قبل أن تتوقف وتقول: «ولكن أنا في وضع مختلف عن باقي أعضاء في البرلمان. لا يتوجب علي الجلوس هناك كل يوم. المطلوب مني الحضور فقط يوما في الأسبوع وقت الأسئلة والأجوبة، لذلك أنا في وضع أفضل من أخريات».
لم يكتفِ الصحافي. بل تابع يسأل: كيف علمت أنك حامل؟ ومتى وكيف أخبرتي شريكك؟
كلها أسئلة لم تمانع جاسيندا بالإجابة عنها بروح منفتحة، بغرض «الشفافية» مع ناخبيها. وما أن انتهت المقابلة، حتى بدأت أخرى استمعت فيها إلى أسئلة شخصية تكرّرت من صحافي آخر. ومجدداً كانت تجيب بصبر وابتسامة.
هكذا تحوّلت أولى المقابلات التي أدلت بها رئيسة وزراء نيوزيلندا إلى مساءلات شخصية حول الحمل والأطفال، من دون أن تكون لها أي علاقة بالسياسة وبرنامج حكومتها.
- الدفاع عن الخصوصية
مقاربة آردرن هذه فاجأت كثيرين. ذلك أنها قبل أشهر قليلة، قبل حملها وحتى قبل تنصيبها رئيسة للوزراء، رفضت الإجابة على أسئلة تتعلق بنياتها المستقبلية لأن تصبح أماً، ودافعت بشراسة عن حق المرأة بالخصوصية في هذا الأمر. حينذاك، وفي مقابلة إذاعية سألها أحد المشاركين في حوار عن نياتها المستقبلية المتعلقة بالأمومة والأطفال. وتابع «لنا الحق بأن نعرف ما إذا كانت المرأة التي قد تصبح رئيسة حكومتنا، ستأخذ إجازة أمومة وتترك واجباتها». وجاء رد آردرن حازماً. نظرت إليه وهي تشير بإصبعها وقالت «أنت… مرفوض تماماً أن تقول، إنه في العام 2017، على المرأة أن تجيب على هذا السؤال (حول نيتها الإنجاب) قبل أن تدخل مكان العمل».
وحقاً، قبل أن تصبح آردرن رئيسة وزراء وأسئلة من هذا النوع تلاحقها. ربما لصغر سنها، بالنسبة لزعيمة حزب. وأيضا لأنها عزباء.
كانت إجاباتها تدور بين توبيخ السائل والتعبير عن قلقها من القدرة على موازنة الأمومة والعمل. قالت ذات يوم إنه أمر تفكر فيه بالطبع ولكنه يقلقها وسيكون صعبا. وحتى أنها في إحدى المقابلات التي أدلت بها بعد إعلانها حملها، قالت إن الأمر جاء صدفة ولم يكن حملها مخططا له.
- مفاوضات الحكومة والسر
في الواقع اكتشفت آردرن حملها قبل 6 أيام فقط من الانتهاء من مفاوضات تشكيل الحكومة. ومع ذلك أبقت الأمر سرا. ولم تخبر إلا شريك حياتها وعائلتيهما. وبقي الخبر سرا لثلاثة أشهر إضافية. حتى خرجت في منتصف الشهر الجاري لتعلن أن عائلتها الصغيرة «من شخصين ستتحول إلى 3 في يونيو (حزيران). وأنها ستأخذ إجازة أمومة لـ6 أسابيع في يونيو، على أن يتولى نائبها مهامها خلال هذه الفترة.
بعض الصحافة المحلية هاجمتها. واعتبرت أنه من المستحيل أن توازن بين عملها كرئيسة وزراء وكونها أما جديدة. البعض حتى استذكر سيرينا ويليامز نجمة كرة المضرب الشهيرة، وانسحابها من بطولة أستراليا بعد أشهر من وضعها طفلتها، كدليل على مدى صعوبة موازنة العمل والأمومة. واستعان المشككون بتغريدات لويليامز على «تويتر» تتحدث فيها عن مدى صعوبة فتح وإغلاق عربات الأطفال وتقول: إنه من الأسهل تسجيل نقاط في مباراة كرة مضرب. وكتبت صحيفة «ستاف» تقول: «إذا تمكن طفل من تحدي واحدة من أعظم الرياضيات في العالم، فإنه من حق نيوزيلندا أن تقلق على رئيسة وزرائها».
ولكن آردرن كررت مرارا أن لديها خطة «لموازنة» الأمرين. وكشفت مع شريك حياتها كلارك غايفورد – وهو مقدم برنامج شهير حول الصيد - أنه هو سيتفرغ للاعتناء بالطفل. وبالطبع سيستعينان أيضا بمساعدين ومربّيات وكثر من أفراد العائلة… ولكن الجدل استمر وتوسع إلى خارج نيوزيلندا.
- اتهامات بـ«الخيانة»
الصحافية ليز جونز كتبت في صحيفة «الديلي ميل» البريطانية المحافظة لتنتقد آردرن بشكل قاس، واصفة إياها بـ«الخائنة» لأنها أخفت حملها على شعبها ولم تكشف عنه إلا بعد تأكدها من أنها أصبحت رئيسة للحكومة. وأضافت أنها رغم استعانتها بالمربيات فإن الشعب النيوزيلندي لن يتمكن من «التنافس على انتباهها مع طفل حديث الولادة». وكما هو متوقع، أثار مقال جونز جدلا كبيرا في نيوزيلندا التي تلقت - بشكل عام - خبر حمل آردرن بصورة إيجابية. ورغم أن أسئلة كثيرة طرحت حول الموضوع فإن أحدا لم يذهب إلى حد وصفها بـ«الخائنة»، والتهجم عليها بهذا الشكل. ووصل الجدل بالطبع إلى أسماع رئيسة الوزراء التي عندما سئلت عن المقال، قالت إنها لم تقرأه ولكن سمعت به، قبل أن تضيف أن معظم الردود في نيوزيلندا كانت إيجابية، ولكنها تعلم أن عليها أن تعمل بجهد كبير لتثبت قدرتها على موازنة الأمرين. وتابعت تقول ردا على سؤال كيف تجد العمل وهي حامل: «أنا حامل ولست معوّقة».
- رحلة طويلة مع «العمال»
جدير بالذكر أن رحلة آردرن الطويلة مع حزب العمال النيوزيلندي، وصعودها السريع لتصبح زعيمة الحزب، يروي رحلة شابة طموحة ومجتهدة وقادرة على التواصل مع الناخبين بصورة عفوية وطبيعية.
ابنة رجل الشرطة ولدت في مدينة هاملتون النيوزيلندية يوم 26 يوليو (تموز) 1980. وبدأت رحلتها في حزب العمال قبل نحو 20 سنة عندما انضمت إلى الحزب وهي ما زالت في الـ17 من العمر. يومذاك كانت تنتمي لطائفة المورمون (الطائفة المحافظة التي نشأت في الولايات المتحدة ومقرها الرئيسي في مدينة سولت ليك عاصمة ولاية يوتاه). وفي تلك الفترة كانت ناشطة جدا في الكنيسة التي ينتمي إليها والداها. غير أنها تركتها بعد فترة قصيرة بحجة أن تعاليمها «لا تنسجم مع أفكارها»، كما قالت لاحقا. وهي الآن كما تعلن لا تعتنق أي دين.
بعد تخرّج جاسيندا من جامعة وايكاتو، حاملة بكالوريوس الإعلام والسياسة والعلاقات العامة، عملت باحثة في مكتب رئيسة الوزراء (العمالية) هيلين كلارك آنذاك. كذلك عملت لفترة مستشارة لرئيس وزراء بريطانيا توني بلير، قبل أن تعود إلى نيوزيلندا وتفوز بمقعد في البرلمان عام 2008. وحافظت على مقعدها منذ ذلك الحين، وسُلّمت حقيبة وزيرة الأطفال في «حكومة الظل» العمالية. وفي مطلع العام الفائت، شاركت آردرن بمسيرة كبيرة نظمتها النساء في نيوزيلندا ضد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي كان قد أدى لتوه قسم اليمين ودخل البيت الأبيض على وقع مظاهرات نسائية معارضة خرجت في عواصم كثيرة.
- الصعود السريع
غير أن الصعود السريع في عالم السياسة حدث في مارس (آذار) الماضي عندما انتخبت نائبة لزعيم الحزب بعد استقالة أنيت كينغ. بيد أنها لم تبق في المنصب سوى 5 أشهر فقط إذ أصبحت زعيمة لحزب العمال في مطلع أغسطس (آب) بعد استقالة الزعيم السابق أندرو ليتل. ويبدو أن ثقة حزبها بها كانت كبيرة، ذلك أن ليتل فاتحها بُعيد اختيارها نائبة له، 7 مرات بنيته الاستقالة وتسليمها الدفة، ولكنها في المرات السبع كانت ترفض.
ولكنها في النهاية قبلت. واستقال ليتل قبل شهر ونصف من الانتخابات العامة في البلاد لاقتناعه بعجزه عن قيادة حزبه إلى الفوز. والحقيقة أن حزب العمال تحت قيادته ما كان يحظى بدعم أكثر من 24 في المائة من الناخبين بحسب استطلاعات الرأي. ولكن، ما إن تسلمت آردرن زعامة الحزب حتى بدأت ترتفع أسهمه، لتصل نسبة تأييده الشعبي إلى 43 في المائة خلال أقل من شهر.
وفي نهاية المطاف، بعد يوم الانتخابات يوم 23 سبتمبر الماضي سجل حزب العمال نصراً ناقصاً، إذ حصل الحزب على نحو 37 في المائة من أصوات الناخبين لكنه، في أي حال، زاد عدد مقاعده 14 مقعدا ليصبح لديه 45 مقعداً، محققاً بذا أفضل نتيجة له منذ خسارته السلطة عام 2008. في المقابل، عجز الحزب الوطني (محافظ) بزعامة رئيس الحكومة بيل إنغليش، عن الظفر بغالبية مطلقة، مع أنه فاز بالنسبة الأكبر من الأصوات بلغت 44 ضمنت له 56 مقعدا برلمانياً.
- مشكلة اسمها... بيترز
وهكذا، في ضوء عجز أي من الحزبين الكبيرين اليساري (العمال) واليميني (الوطني) عن ضمان غالبية مطلقة في البرلمان، وبالتالي، تشكيل حكومة حزب واحد، صار الرهان الكبير هو اجتذاب تأييد ثالث أكبر الأحزاب، وهو حزب «نيوزيلندا أولاً» الشعبوي بزعامة وينستون بيترز، مع العلم أن العمال عزّزوا وضعهم بكسبهم تأييد نواب «حزب الخضر». وبعد جولات من التفاوض والمساومات طالت نحو 3 أسابيع، نجحت آردرن بالحصول على تأييد بيترز وحزبه، ما أمّن لحزبها ولحلفائها «الخضر» الغالبية البرلمانية المطلقة المطلوبة, وبالفعل، شكلت الحكومة الائتلافية وعيّن بيترز نائباً لرئيسة الوزراء، وأقسمت آردرن اليمين كرئيسة للحكومة يوم 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي وتدخل التاريخ السياسي لبلدها كأصغر رئيسة منذ 150 سنة.
مع هذا، ثم من يتخوّف من تحالفها مع «نيوزيلندا أولاً»، ومن أن الزعيمة الشابة قد وضعت نفسها أمام تحدٍ أصعب بكثير من الموازنة بين الحكم والأمومة، ذلك أن بيترز (72 سنة) شخصية تجسد أفكاراً وميولاً على النقيض من أفكار آردرن وميولها. فهو رجل قومي متشدد ضد الهجرة واللجوء، سبق له إطلاق مواقف وصفها البعض بالعنصرية. ثم إنه يكره الإعلام. أضف إلى ذلك أنه بموجب الصفقة الائتلافية مع العمال حصل على منصبي نائب رئيس الحكومة ووزير الخارجية، وحصل حزبه على حقائب وزارية أخرى مع أنه يحتل 9 مقاعد فقط داخل البرلمان.

- بطاقة شخصية
> رئيسة وزراء نيوزيلندا رقم 40.
> عمرها 37 سنة وهي أصغر رئيسة وزراء للبلاد منذ 150 سنة.
> انضمت لحزب العمال عندما كانت في السابعة عشرة من العمر
> تخرجت من جامعة وايكاتو عام 2001 وحازت على بكالوريوس في الإعلام العلاقات العامة والسياسة
> بعد تخرجها عملت باحثة في مكتب رئيسة الوزراء العمالية هيلين كلارك
> غادرت نيوزيلندا بعد بضع سنوات وانتقلت إلى نيويورك حيث تطوعت في مطبخ لتقديم الحساء للفقراء
> بعدما باتت بحاجة إلى مدخول حصلت على وظيفة كمستشارة في مكتب رئيس الوزراء البريطاني توني بلير في لندن ضمن فريق من 80 شخصا
> لم تلتق بلير قط خلال فترة عمله مستشارة لديه
> عادت إلى نيوزيلندا ونجحت في دخول البرلمان عام 2008 لتصبح أصغر نائب
> عام 2014 اختيرت لتصبح وزيرة للأطفال في «حكومة الظل»
> في فبراير (شباط) 2017 انتخبت نائبة لزعيم حزب العمال
> في أغسطس (آب) 2017 انتخبت زعيمة حزب العمال بعد تنحي زعيمه آندرو ليتل
> رفضت تولي زعامة حزب العمال 7 مرات عندما طلب منها زعيم الحزب
> عندما تسلمت زعامة الحزب ارتفعت نسبة التأييد خلال شهر من 23 في المائة إلى 43 في المائة
> فاز حزب العمال في الانتخابات العامة في 23 سبتمبر (أيلول) الماضي بـ37 في المائة من الأصوات وحل ثانيا بين الأحزاب المتنافسة خلف الحزب الوطني اليميني الحاكم
> باتت رئيسة الوزراء في 26 أكتوبر (تشرين الأول) بعدما قرر وينستون بيترز زعيم حزب «نيوزيلندا أولا» الدخول معها في مفاوضات تشكيل الحكومة
> تعيش مع صديقها وشريك حياتها مقدم برنامج الصيد كلارك غايفورد
> اكتشفت أنها حامل قبل 6 أيام من إنهاء المفاوضات على تشكيل حكومة في 16 أكتوبر
> ستأخذ 6 أسابيع إجازة أمومة في يونيو (حزيران) المقبل على أن يتولى مهامها نائبها
> كانت تنتمي إلى طائفة المورمون ولكن تركت الكنيسة لأنها ما عادت تؤمن بتعاليمها

- رؤساء حكومات نيوزيلندا منذ 1945
> رئيس وزراء نيوزيلندا هو الحاكم الفعلي للدولة - الأرخبيل، الواقعة في جنوب غربي المحيط الهادي، إلى الجنوب الشرقي من أستراليا، وهي ثاني أكبر دول قارة أوقيانيا من حيث عدد السكان بعد أستراليا.
ورسمياً، يعين رئيس الوزراء الحاكم العام لنيوزيلندا، ممثلاً ملكة بريطانيا، ولكن بعد أن يحصل على تفويض شعبي عبر الانتخابات، بمعنى أن يضمن الحزب الذي يتزعمه الغالبية في البرلمان. وتقليدياً، يعتبر هنري سيويل (تولى السلطة عام 1856) أول رئيس حكومة للبلاد.
ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، هيمن حزبان على الحياة السياسية النيوزيلندية، هما: الحزب الوطني (محافظ يميني) وحزب العمال (يساري معتدل)، إلا أن الحال مختلف قبل ذلك، وقد شغل منصب رئيس الحكومة ساسة من حزبي الإصلاح (اليمين المحافظ) والأحرار (الليبرالي) اللذين انتهيا، وورث المشهد السياسي عنهما الحزبان الكبيران المعاصران.
وفيما يلي قائمة برؤساء حكومات نيوزيلندا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية:
بيتر فريزر (حزب العمال) - من 1940 حتى 1949
سيدني هولند (الحزب الوطني) - من 1949 حتى 1957
كيث هوليوك (الوطني) - 1957
والتر ناش (العمال) - من 1957 حتى 1960
كيث هوليوك (الوطني) - من 1960 حتى 1972
جاك مارشال (الوطني) - 1972
نورمان كيرك (العمال) - 1972 حتى 1974
هيو وات (العمال) - 1974 (رئيس بالوكالة)
بيل رولينغ (العمال) - 1974 حتى 1975
روبرت مالدوون (الوطني) - من 1975 حتى 1984
ديفيد لونغي (العمال) - من 1984 حتى 1989
جيفري بالمر (العمال) - من 1989 حتى 1990
مايك مور (العمال) - 1990
جيم بولجر (الوطني) - من 1990 حتى 1997
جيني شيبلي (الوطني) - من 1997 حتى 1999
هيلين كلارك (العمال) - من 1999 حتى 2008
جون كي (الوطني) - من 2008 حتى 2016
بيل إنغليش (الوطني) - من 2016 حتى 2017
جاسيندا أردرن (العمال) - منذ 2017 ...



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.