جاسيندا آردرن... رئيسة الوزراء الحامل

الزعيمة الشابة فتحت في نيوزيلندا نقاشاً حول «موازنة» الأمومة والعمل

جاسيندا آردرن... رئيسة الوزراء الحامل
TT

جاسيندا آردرن... رئيسة الوزراء الحامل

جاسيندا آردرن... رئيسة الوزراء الحامل

قبل أسبوع من الآن لم يكن كثيرون قد سمعوا بجاسيندا آردرن، رئيسة وزراء نيوزيلندا الجديدة، رغم أنها بوصولها إلى المنصب الأعلى في الدولة، حققت أكثر من سابقة. فهي، بعمر الـ37. باتت أصغر امرأة تتزعم دولة. وفي نيوزيلندا، باتت أصغر زعيمة للبلاد منذ 150 سنة. وخلال فترة قياسية لا تتجاوز الشهر ونصف الشهر، نجحت هذه المرأة الشابة بقيادة حزبها، حزب العمال، للفوز بالانتخابات العامة بعدما كانت الاستطلاعات ترجح خسارته. لقد أعادت آردرن العمال إلى السلطة بعد عقد من الزمن جلسوا فيه في صفوف المعارضة. وألهم انتشال آردرن حزبها من الحضيض ورفعه إلى القمة في هذه الفترة القصيرة أحزابا يسارية في دول أخرى تتوق للفوز، مثل حزب العمال البريطاني وزعيمه جيريمي كوربن الذي ظهر في فيديو على «فيسبوك» يقول فيه متوجها إليها: «جاسيندا، افعليها (فوزي). لأجلنا جميعا!». أما في نيوزيلندا، بلدها، فإنها أثارت «جنوناً» بين الناخبين. فالصحافة المحلية كانت تتحدث عن «جاسيندا مانيا» - أو «الجنون بجاسيندا». كل هذا حدث الصيف الماضي، بدءاً بتسلم جاسيندا زعامة حزبها وصولاً لقسمها اليمين كرئيسة للحكومة في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. ولكن كل هذا لم يكن كافيا لإعطاء جاسيندا آردرن شهرة مدوية... أما ما حوّلها إلى نجمة عالمية فهو خبر واحد صدر عنها في 19 يناير (كانون الثاني) الجاري، وهو إعلانها أنها حامل بطفلها الأول.
كانت تجلس على كرسي ترتدي قميصا أبيض. شعرها أملس غامق اللون، يتدلى على كتفيها. وإلى جانبها، على كرسي منفصل جلس شريك حياتها ووالد طفلها. كانا يبتسمان وهما يستمعان لسؤال الصحافي الذي يجري المقابلة معهما. بدت ابتسامة غير مريحة. لا عجب. فهي جاسيندا آردرن رئيسة الوزراء. والسؤال لم يكن له أي علاقة بفوزها في الانتخابات النيوزيلندية الأخيرة أو بسياساتها ولا حتى آرائها.
«هل كنت تشعرين بالغثيان في الصباح؟» سألها المذيع. أجابته وهي تبتسم وتحاول أن تبدو طبيعية: «نعم بالطبع. عانيت من الغثيان…» وراحت تتحدث بين المزاح والجد، كيف كانت توازن بين أعراض الحمل المبكرة والتفاوض على تشكيل الحكومة. لم تبخل بالتفاصيل. ولكنها كانت كلما أعطت تفاصيل أكثر ازداد تعطش الصحافي لطرح المزيد من الأسئلة الشخصية. سألها «هل سترضعين طفلك أثناء وجودك في البرلمان؟» ضحكت. صديقها بدا مرتبكا أكثر منها للسؤال. لمس وجهه بتوتر. هي أجابت وهي تهز رأسها «نعم نعم نعم». ثم راحت تتحدث بتفاصيل تشبع مستمعيها. قبل أن تتوقف وتقول: «ولكن أنا في وضع مختلف عن باقي أعضاء في البرلمان. لا يتوجب علي الجلوس هناك كل يوم. المطلوب مني الحضور فقط يوما في الأسبوع وقت الأسئلة والأجوبة، لذلك أنا في وضع أفضل من أخريات».
لم يكتفِ الصحافي. بل تابع يسأل: كيف علمت أنك حامل؟ ومتى وكيف أخبرتي شريكك؟
كلها أسئلة لم تمانع جاسيندا بالإجابة عنها بروح منفتحة، بغرض «الشفافية» مع ناخبيها. وما أن انتهت المقابلة، حتى بدأت أخرى استمعت فيها إلى أسئلة شخصية تكرّرت من صحافي آخر. ومجدداً كانت تجيب بصبر وابتسامة.
هكذا تحوّلت أولى المقابلات التي أدلت بها رئيسة وزراء نيوزيلندا إلى مساءلات شخصية حول الحمل والأطفال، من دون أن تكون لها أي علاقة بالسياسة وبرنامج حكومتها.
- الدفاع عن الخصوصية
مقاربة آردرن هذه فاجأت كثيرين. ذلك أنها قبل أشهر قليلة، قبل حملها وحتى قبل تنصيبها رئيسة للوزراء، رفضت الإجابة على أسئلة تتعلق بنياتها المستقبلية لأن تصبح أماً، ودافعت بشراسة عن حق المرأة بالخصوصية في هذا الأمر. حينذاك، وفي مقابلة إذاعية سألها أحد المشاركين في حوار عن نياتها المستقبلية المتعلقة بالأمومة والأطفال. وتابع «لنا الحق بأن نعرف ما إذا كانت المرأة التي قد تصبح رئيسة حكومتنا، ستأخذ إجازة أمومة وتترك واجباتها». وجاء رد آردرن حازماً. نظرت إليه وهي تشير بإصبعها وقالت «أنت… مرفوض تماماً أن تقول، إنه في العام 2017، على المرأة أن تجيب على هذا السؤال (حول نيتها الإنجاب) قبل أن تدخل مكان العمل».
وحقاً، قبل أن تصبح آردرن رئيسة وزراء وأسئلة من هذا النوع تلاحقها. ربما لصغر سنها، بالنسبة لزعيمة حزب. وأيضا لأنها عزباء.
كانت إجاباتها تدور بين توبيخ السائل والتعبير عن قلقها من القدرة على موازنة الأمومة والعمل. قالت ذات يوم إنه أمر تفكر فيه بالطبع ولكنه يقلقها وسيكون صعبا. وحتى أنها في إحدى المقابلات التي أدلت بها بعد إعلانها حملها، قالت إن الأمر جاء صدفة ولم يكن حملها مخططا له.
- مفاوضات الحكومة والسر
في الواقع اكتشفت آردرن حملها قبل 6 أيام فقط من الانتهاء من مفاوضات تشكيل الحكومة. ومع ذلك أبقت الأمر سرا. ولم تخبر إلا شريك حياتها وعائلتيهما. وبقي الخبر سرا لثلاثة أشهر إضافية. حتى خرجت في منتصف الشهر الجاري لتعلن أن عائلتها الصغيرة «من شخصين ستتحول إلى 3 في يونيو (حزيران). وأنها ستأخذ إجازة أمومة لـ6 أسابيع في يونيو، على أن يتولى نائبها مهامها خلال هذه الفترة.
بعض الصحافة المحلية هاجمتها. واعتبرت أنه من المستحيل أن توازن بين عملها كرئيسة وزراء وكونها أما جديدة. البعض حتى استذكر سيرينا ويليامز نجمة كرة المضرب الشهيرة، وانسحابها من بطولة أستراليا بعد أشهر من وضعها طفلتها، كدليل على مدى صعوبة موازنة العمل والأمومة. واستعان المشككون بتغريدات لويليامز على «تويتر» تتحدث فيها عن مدى صعوبة فتح وإغلاق عربات الأطفال وتقول: إنه من الأسهل تسجيل نقاط في مباراة كرة مضرب. وكتبت صحيفة «ستاف» تقول: «إذا تمكن طفل من تحدي واحدة من أعظم الرياضيات في العالم، فإنه من حق نيوزيلندا أن تقلق على رئيسة وزرائها».
ولكن آردرن كررت مرارا أن لديها خطة «لموازنة» الأمرين. وكشفت مع شريك حياتها كلارك غايفورد – وهو مقدم برنامج شهير حول الصيد - أنه هو سيتفرغ للاعتناء بالطفل. وبالطبع سيستعينان أيضا بمساعدين ومربّيات وكثر من أفراد العائلة… ولكن الجدل استمر وتوسع إلى خارج نيوزيلندا.
- اتهامات بـ«الخيانة»
الصحافية ليز جونز كتبت في صحيفة «الديلي ميل» البريطانية المحافظة لتنتقد آردرن بشكل قاس، واصفة إياها بـ«الخائنة» لأنها أخفت حملها على شعبها ولم تكشف عنه إلا بعد تأكدها من أنها أصبحت رئيسة للحكومة. وأضافت أنها رغم استعانتها بالمربيات فإن الشعب النيوزيلندي لن يتمكن من «التنافس على انتباهها مع طفل حديث الولادة». وكما هو متوقع، أثار مقال جونز جدلا كبيرا في نيوزيلندا التي تلقت - بشكل عام - خبر حمل آردرن بصورة إيجابية. ورغم أن أسئلة كثيرة طرحت حول الموضوع فإن أحدا لم يذهب إلى حد وصفها بـ«الخائنة»، والتهجم عليها بهذا الشكل. ووصل الجدل بالطبع إلى أسماع رئيسة الوزراء التي عندما سئلت عن المقال، قالت إنها لم تقرأه ولكن سمعت به، قبل أن تضيف أن معظم الردود في نيوزيلندا كانت إيجابية، ولكنها تعلم أن عليها أن تعمل بجهد كبير لتثبت قدرتها على موازنة الأمرين. وتابعت تقول ردا على سؤال كيف تجد العمل وهي حامل: «أنا حامل ولست معوّقة».
- رحلة طويلة مع «العمال»
جدير بالذكر أن رحلة آردرن الطويلة مع حزب العمال النيوزيلندي، وصعودها السريع لتصبح زعيمة الحزب، يروي رحلة شابة طموحة ومجتهدة وقادرة على التواصل مع الناخبين بصورة عفوية وطبيعية.
ابنة رجل الشرطة ولدت في مدينة هاملتون النيوزيلندية يوم 26 يوليو (تموز) 1980. وبدأت رحلتها في حزب العمال قبل نحو 20 سنة عندما انضمت إلى الحزب وهي ما زالت في الـ17 من العمر. يومذاك كانت تنتمي لطائفة المورمون (الطائفة المحافظة التي نشأت في الولايات المتحدة ومقرها الرئيسي في مدينة سولت ليك عاصمة ولاية يوتاه). وفي تلك الفترة كانت ناشطة جدا في الكنيسة التي ينتمي إليها والداها. غير أنها تركتها بعد فترة قصيرة بحجة أن تعاليمها «لا تنسجم مع أفكارها»، كما قالت لاحقا. وهي الآن كما تعلن لا تعتنق أي دين.
بعد تخرّج جاسيندا من جامعة وايكاتو، حاملة بكالوريوس الإعلام والسياسة والعلاقات العامة، عملت باحثة في مكتب رئيسة الوزراء (العمالية) هيلين كلارك آنذاك. كذلك عملت لفترة مستشارة لرئيس وزراء بريطانيا توني بلير، قبل أن تعود إلى نيوزيلندا وتفوز بمقعد في البرلمان عام 2008. وحافظت على مقعدها منذ ذلك الحين، وسُلّمت حقيبة وزيرة الأطفال في «حكومة الظل» العمالية. وفي مطلع العام الفائت، شاركت آردرن بمسيرة كبيرة نظمتها النساء في نيوزيلندا ضد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي كان قد أدى لتوه قسم اليمين ودخل البيت الأبيض على وقع مظاهرات نسائية معارضة خرجت في عواصم كثيرة.
- الصعود السريع
غير أن الصعود السريع في عالم السياسة حدث في مارس (آذار) الماضي عندما انتخبت نائبة لزعيم الحزب بعد استقالة أنيت كينغ. بيد أنها لم تبق في المنصب سوى 5 أشهر فقط إذ أصبحت زعيمة لحزب العمال في مطلع أغسطس (آب) بعد استقالة الزعيم السابق أندرو ليتل. ويبدو أن ثقة حزبها بها كانت كبيرة، ذلك أن ليتل فاتحها بُعيد اختيارها نائبة له، 7 مرات بنيته الاستقالة وتسليمها الدفة، ولكنها في المرات السبع كانت ترفض.
ولكنها في النهاية قبلت. واستقال ليتل قبل شهر ونصف من الانتخابات العامة في البلاد لاقتناعه بعجزه عن قيادة حزبه إلى الفوز. والحقيقة أن حزب العمال تحت قيادته ما كان يحظى بدعم أكثر من 24 في المائة من الناخبين بحسب استطلاعات الرأي. ولكن، ما إن تسلمت آردرن زعامة الحزب حتى بدأت ترتفع أسهمه، لتصل نسبة تأييده الشعبي إلى 43 في المائة خلال أقل من شهر.
وفي نهاية المطاف، بعد يوم الانتخابات يوم 23 سبتمبر الماضي سجل حزب العمال نصراً ناقصاً، إذ حصل الحزب على نحو 37 في المائة من أصوات الناخبين لكنه، في أي حال، زاد عدد مقاعده 14 مقعدا ليصبح لديه 45 مقعداً، محققاً بذا أفضل نتيجة له منذ خسارته السلطة عام 2008. في المقابل، عجز الحزب الوطني (محافظ) بزعامة رئيس الحكومة بيل إنغليش، عن الظفر بغالبية مطلقة، مع أنه فاز بالنسبة الأكبر من الأصوات بلغت 44 ضمنت له 56 مقعدا برلمانياً.
- مشكلة اسمها... بيترز
وهكذا، في ضوء عجز أي من الحزبين الكبيرين اليساري (العمال) واليميني (الوطني) عن ضمان غالبية مطلقة في البرلمان، وبالتالي، تشكيل حكومة حزب واحد، صار الرهان الكبير هو اجتذاب تأييد ثالث أكبر الأحزاب، وهو حزب «نيوزيلندا أولاً» الشعبوي بزعامة وينستون بيترز، مع العلم أن العمال عزّزوا وضعهم بكسبهم تأييد نواب «حزب الخضر». وبعد جولات من التفاوض والمساومات طالت نحو 3 أسابيع، نجحت آردرن بالحصول على تأييد بيترز وحزبه، ما أمّن لحزبها ولحلفائها «الخضر» الغالبية البرلمانية المطلقة المطلوبة, وبالفعل، شكلت الحكومة الائتلافية وعيّن بيترز نائباً لرئيسة الوزراء، وأقسمت آردرن اليمين كرئيسة للحكومة يوم 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي وتدخل التاريخ السياسي لبلدها كأصغر رئيسة منذ 150 سنة.
مع هذا، ثم من يتخوّف من تحالفها مع «نيوزيلندا أولاً»، ومن أن الزعيمة الشابة قد وضعت نفسها أمام تحدٍ أصعب بكثير من الموازنة بين الحكم والأمومة، ذلك أن بيترز (72 سنة) شخصية تجسد أفكاراً وميولاً على النقيض من أفكار آردرن وميولها. فهو رجل قومي متشدد ضد الهجرة واللجوء، سبق له إطلاق مواقف وصفها البعض بالعنصرية. ثم إنه يكره الإعلام. أضف إلى ذلك أنه بموجب الصفقة الائتلافية مع العمال حصل على منصبي نائب رئيس الحكومة ووزير الخارجية، وحصل حزبه على حقائب وزارية أخرى مع أنه يحتل 9 مقاعد فقط داخل البرلمان.

- بطاقة شخصية
> رئيسة وزراء نيوزيلندا رقم 40.
> عمرها 37 سنة وهي أصغر رئيسة وزراء للبلاد منذ 150 سنة.
> انضمت لحزب العمال عندما كانت في السابعة عشرة من العمر
> تخرجت من جامعة وايكاتو عام 2001 وحازت على بكالوريوس في الإعلام العلاقات العامة والسياسة
> بعد تخرجها عملت باحثة في مكتب رئيسة الوزراء العمالية هيلين كلارك
> غادرت نيوزيلندا بعد بضع سنوات وانتقلت إلى نيويورك حيث تطوعت في مطبخ لتقديم الحساء للفقراء
> بعدما باتت بحاجة إلى مدخول حصلت على وظيفة كمستشارة في مكتب رئيس الوزراء البريطاني توني بلير في لندن ضمن فريق من 80 شخصا
> لم تلتق بلير قط خلال فترة عمله مستشارة لديه
> عادت إلى نيوزيلندا ونجحت في دخول البرلمان عام 2008 لتصبح أصغر نائب
> عام 2014 اختيرت لتصبح وزيرة للأطفال في «حكومة الظل»
> في فبراير (شباط) 2017 انتخبت نائبة لزعيم حزب العمال
> في أغسطس (آب) 2017 انتخبت زعيمة حزب العمال بعد تنحي زعيمه آندرو ليتل
> رفضت تولي زعامة حزب العمال 7 مرات عندما طلب منها زعيم الحزب
> عندما تسلمت زعامة الحزب ارتفعت نسبة التأييد خلال شهر من 23 في المائة إلى 43 في المائة
> فاز حزب العمال في الانتخابات العامة في 23 سبتمبر (أيلول) الماضي بـ37 في المائة من الأصوات وحل ثانيا بين الأحزاب المتنافسة خلف الحزب الوطني اليميني الحاكم
> باتت رئيسة الوزراء في 26 أكتوبر (تشرين الأول) بعدما قرر وينستون بيترز زعيم حزب «نيوزيلندا أولا» الدخول معها في مفاوضات تشكيل الحكومة
> تعيش مع صديقها وشريك حياتها مقدم برنامج الصيد كلارك غايفورد
> اكتشفت أنها حامل قبل 6 أيام من إنهاء المفاوضات على تشكيل حكومة في 16 أكتوبر
> ستأخذ 6 أسابيع إجازة أمومة في يونيو (حزيران) المقبل على أن يتولى مهامها نائبها
> كانت تنتمي إلى طائفة المورمون ولكن تركت الكنيسة لأنها ما عادت تؤمن بتعاليمها

- رؤساء حكومات نيوزيلندا منذ 1945
> رئيس وزراء نيوزيلندا هو الحاكم الفعلي للدولة - الأرخبيل، الواقعة في جنوب غربي المحيط الهادي، إلى الجنوب الشرقي من أستراليا، وهي ثاني أكبر دول قارة أوقيانيا من حيث عدد السكان بعد أستراليا.
ورسمياً، يعين رئيس الوزراء الحاكم العام لنيوزيلندا، ممثلاً ملكة بريطانيا، ولكن بعد أن يحصل على تفويض شعبي عبر الانتخابات، بمعنى أن يضمن الحزب الذي يتزعمه الغالبية في البرلمان. وتقليدياً، يعتبر هنري سيويل (تولى السلطة عام 1856) أول رئيس حكومة للبلاد.
ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، هيمن حزبان على الحياة السياسية النيوزيلندية، هما: الحزب الوطني (محافظ يميني) وحزب العمال (يساري معتدل)، إلا أن الحال مختلف قبل ذلك، وقد شغل منصب رئيس الحكومة ساسة من حزبي الإصلاح (اليمين المحافظ) والأحرار (الليبرالي) اللذين انتهيا، وورث المشهد السياسي عنهما الحزبان الكبيران المعاصران.
وفيما يلي قائمة برؤساء حكومات نيوزيلندا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية:
بيتر فريزر (حزب العمال) - من 1940 حتى 1949
سيدني هولند (الحزب الوطني) - من 1949 حتى 1957
كيث هوليوك (الوطني) - 1957
والتر ناش (العمال) - من 1957 حتى 1960
كيث هوليوك (الوطني) - من 1960 حتى 1972
جاك مارشال (الوطني) - 1972
نورمان كيرك (العمال) - 1972 حتى 1974
هيو وات (العمال) - 1974 (رئيس بالوكالة)
بيل رولينغ (العمال) - 1974 حتى 1975
روبرت مالدوون (الوطني) - من 1975 حتى 1984
ديفيد لونغي (العمال) - من 1984 حتى 1989
جيفري بالمر (العمال) - من 1989 حتى 1990
مايك مور (العمال) - 1990
جيم بولجر (الوطني) - من 1990 حتى 1997
جيني شيبلي (الوطني) - من 1997 حتى 1999
هيلين كلارك (العمال) - من 1999 حتى 2008
جون كي (الوطني) - من 2008 حتى 2016
بيل إنغليش (الوطني) - من 2016 حتى 2017
جاسيندا أردرن (العمال) - منذ 2017 ...



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».