أنقرة تواصل عملية عفرين وتحذر واشنطن من مواجهة في منبج

رفضت بحث اقتراح أميركي بإقامة «شريط أمني» على حدود سوريا

TT

أنقرة تواصل عملية عفرين وتحذر واشنطن من مواجهة في منبج

صعدت أنقرة من لهجتها في مواجهة واشنطن في اليوم السادس لعملية «غصن الزيتون» العسكرية التركية في عفرين، وحذرتها من مواجهة «غير متكافئة» في منبج إذا لم تقم بسحب قواتها من هناك، لافتة إلى «أزمة ثقة» تحول دون مناقشة مقترح المنطقة الآمنة الأميركي في الوقت الراهن.
وفي غضون ذلك، كذبت أنقرة الرواية الأميركية التي جاءت في بيان البيت الأبيض حول الاتصال الهاتفي بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره التركي رجب طيب إردوغان ومطالبة ترمب بـ«الحد» من العملية العسكرية شمال سوريا وإنهائها بأسرع وقت.
وقال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إن إردوغان أبلغ ترمب في الاتصال الهاتفي بينهما مساء أول من أمس ضرورة سحب القوات الأميركية من منطقة منبج بشمال سوريا.
وأضاف جاويش أوغلو خلال مؤتمر صحافي مع نظيره النمساوي أن تركيا لن تهاجم قوات النظام السوري ما لم تتحرك ضدها.
وأعلن إردوغان أول من أمس قبل ساعات من اتصاله الهاتفي مع ترمب أن بلاده ستوسع عمليتها العسكرية في سوريا (غصن الزيتون) لتشمل مدينة منبج، في خطوة قد تضع القوات التركية في مواجهة مع الولايات المتحدة، قائلا إن القضاء على «اللعب» على حدودنا سيبدأ من منبج.
وتراجعت أنقرة خطوة أخرى عن التفاهم مع واشنطن بشأن الوضع في الشمال السوري، وقال جاويش أوغلو إنه لن يكون من الصواب أن تناقش تركيا مع الولايات المتحدة احتمال إقامة «منطقة آمنة» في سوريا قبل أن تحل مسائل الثقة بين البلدين الشريكين في حلف شمال الأطلسي (ناتو).
وكان جاويش أوغلو أعلن في مقابلة تلفزيونية أول من أمس أن نظيره الأميركي ريكس تيلرسون اقترح منطقة آمنة بعمق 30 كيلومترا داخل الأراضي السورية على الحدود مع تركيا، لكن عاد أمس وقال: «فُقدت الثقة في الولايات المتحدة خلال تلك الفترة. حتى تعود الثقة مرة ثانية لن يكون من الصواب مناقشة هذه القضايا».
ورأى الوزير التركي أن البيت الأبيض قد يكون قرأ خطأ المحادثة الهاتفية التي أجراها إردوغان مع ترمب، مرجحا أن يكون بيان البيت الأبيض حول المكالمة كتب قبل إجرائها. وأضاف: «أعتقد أن بيان البيت الأبيض جرى إعداده من قبل الجانب الأميركي قبل إجراء المكالمة، لذا لم يعكس الحقائق بشكل تام».
وكانت البيت الأبيض أعلن أن ترمب طالب إردوغان في الاتصال الهاتفي بـ«الحد» من العمليات العسكرية في عفرين، لكن مصدرا تركيا، لمح إلى أن مضمون الاتصال الذي أعلن عنه البيت الأبيض لم يكن دقيقاً. وقال لـ«رويترز» إن «ترمب لم يتبادل المخاوف بشأن تصعيد العنف فيما يتعلق بالعملية العسكرية الحالية في عفرين، مناقشة الرئيسين لعملية (غصن الزيتون) اقتصرت على تبادل وجهات النظر».
وذكرت مصادر تركية أن البيان الأميركي بشأن الاتصال الهاتفي لم ينقل محتوى الاتصال بشكل كامل ولفتت إلى أن الجانب الأميركي شدد على ضرورة ضبط عملية «غصن الزيتون» بوقت محدد مع الإشارة إلى الوجود العسكري الأميركي، حتى ولو بشكل قليل في منبج، وأخذ الحيطة لمنع احتمال وقوع اشتباكات ساخنة هناك.
وبحسب المصادر ذاتها، شدد الرئيس التركي على ضرورة انسحاب عناصر وحدات حماية الشعب الكردية إلى شرق الفرات، كما هو متفق عليه من قبل، وعند انسحابها ستتم حماية «منبج» من أي تهديد محتمل لتنظيم داعش من خلال الجيش السوري الحر بدعم عسكري تركي.
وقالت المصادر إن إردوغان شدد خلال الاتصال على ضرورة وقف الدعم الأميركي المقدم للميليشيات الكردية في إطار مكافحة الإرهاب، وإن ترمب رد بتأكيد أنهم توقفوا عن تقديم الأسلحة كما لن يقوموا بذلك مستقبلا.
وأكدت المصادر أن ترمب لم يستخدم عبارة «التصريحات المدمرة والخاطئة القادمة من تركيا»، بل إنه تطرق للحديث عما تسببه الانتقادات الواضحة للولايات المتحدة من إزعاج.
وكن جاويش أوغلو لفت أول من أمس إلى أن الولايات المتحدة دعمت الميليشيات الكردية بالسلاح، وأن الرئيس دونالد ترمب تعهد لإردوغان بوقف ذلك الدعم، كما قدمت واشنطن الكثير من التعهدات بخصوص انسحاب الوحدات الكردية من منبج بعد انتهاء العمليات فيها ضد «داعش»، إلا «أنها لا تزال منتشرة فيها حتى الآن».
وفي السياق ذاته، قال نائب رئيس الوزراء المتحدث باسم الحكومة التركية بكير بوزداغ إنه يتعين على الولايات المتحدة أن «تكف عن دعم الإرهابيين» إذا أرادت تجنب مواجهة محتملة مع تركيا في سوريا. وقال بوزداغ في مقابلة تلفزيونية أمس إن «الذين يساندون المنظمة الإرهابية (في إشارة إلى دعم واشنطن لوحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبرها تركيا امتدادا لحزب العمال الكردستاني المحظور) سيصبحون هدفا في هذه المعركة»، مضيفا أن «الولايات المتحدة بحاجة لمراجعة جنودها وعناصرها الذين يقدمون الدعم للإرهابيين على الأرض بطريقة ما لتجنب مواجهة مع تركيا».
واعتبر بوزداغ أن مقترح الولايات المتحدة بخصوص إقامة منطقة آمنة في شمال سوريا، أمر يمكن بحثه بشكل منفصل، أما وقف عملية «غصن الزيتون»، فهو أمر غير قابل للنقاش. وعبر: «إذا كانت واشنطن لا ترغب في مواجهة أنقرة، علما بأنها لا تريد ونحن لا نرغب في ذلك، فإن الطريق معروف وهو وقف دعم الإرهابيين».
وقال إنه لا يمكن لأحد «مساءلة مصداقية تركيا» في مسألة محاربة تنظيم داعش الإرهابي، كما لا يمكن مساءلتها في قراراتها أيضا، مضيفا: «إذا كانت الولايات المتحدة تريد التضامن معنا، فالأمر بسيط، عليها وقف دعم الميليشيات الكردية بالسلاح، وجمع الأسلحة المقدمة لها، وإبلاغ إرهابييها بعدم مهاجمة تركيا والتخلي عن ذلك وانسحابهم إلى شرق نهر الفرات».
من جانبه، قال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم إن عملية غصن الزيتون تسير بنجاح وكما هو مخطط لها، وتواصل تقدمها، حيث وصل عدد القتلى من الإرهابيين في عفرين إلى أكثر من 300.
وشدد على أن بلاده لن تسمح أبداً بتشكيل كيان إرهابي سواء في شرق أو غرب نهر الفرات، معتبرا أن أميركا تُصغر نفسها ومكانتها من خلال استمرار إصرارها على دعم «تنظيم إرهابي».
ميدانيا، تواصلت عملية «غصن الزيتون» لليوم السادس بقصف مدفعي مكثف وتقدم بري بطيء من عدة جبهات، وأعلنت رئاسة الأركان التركية أمس تحييد 303 عناصر على الأقل من التنظيمات الإرهابية (التحييد يشمل القبل أو الاعتقال أو الاستسلام) في إطار العملية الجارية في عفرين.
وقالت رئاسة الأركان التركية، في بيان، إنّ عملية غصن الزيتون تستمر وفق الخطة المرسومة، وتستهدف أوكار ومخابئ ومواقع التنظيمات الإرهابية.
وتمكنت القوات المشاركة في العملية أمس من القبض على 7 من عناصر الوحدات الكردية في عفرين ونقلتهم إلى ولاية هطاي التركية.
وفي وقت لاحق، أصدرت محكمة تركية قراراً بالحبس بحق 3 منهم فيما تواصل السلطات الإجراءات القانونية مع الآخرين.
في الوقت نفسه، تواصل القوات التركية المتمركزة في النقاط الحدودية مع سوريا، قصفها للمواقع العسكرية للوحدات الكردية في عفرين.
وأطلقت وحدات المدفعية التركية المتمركزة في النقاط الحدودية بولاية هطاي الجنوبية، أمس، طلقاتها باتجاه مواقع وحدات حماية الشعب الكردية في عفرين، وسمع دوي الانفجارات الناجمة عن القصف، في أحياء ولاية هطاي القريبة من الحدود السورية.
وأغلقت سلطات ولاية كليس جنوبي تركيا، مسجد «جالق» التاريخي، بسبب بدء أعمال الترميم والصيانة، بعد أن تعرض مساء أول من أمس لقصف من جانب الوحدات الكردية أدى إلى مقتل تركي وسوري وإصابة 13 آخرين.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.