دار «سيلين»... بين فيبو فيلو وهادي سليمان وطموحات أغنى رجل في فرنسا

المدير الفني الجديد أكبر مفاجأة في عالم الموضة منذ سنوات

فيبي فيلو - هادي سليمان - من تشكيلة دار {سيلين} الأخيرة لربيع وصيف 2018
فيبي فيلو - هادي سليمان - من تشكيلة دار {سيلين} الأخيرة لربيع وصيف 2018
TT

دار «سيلين»... بين فيبو فيلو وهادي سليمان وطموحات أغنى رجل في فرنسا

فيبي فيلو - هادي سليمان - من تشكيلة دار {سيلين} الأخيرة لربيع وصيف 2018
فيبي فيلو - هادي سليمان - من تشكيلة دار {سيلين} الأخيرة لربيع وصيف 2018

تلقى عالم الموضة يوم الأحد الماضي أكبر مفاجأة يمكن أن تخطر على البال. المفاجأة كانت إعلان دار «سيلين» اسم هادي سليمان مصمماً فنياً لها وخليفة للبريطانية فيبي فيلو التي استقالت في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي من الدور الذي شغلته لعقد من الزمن. هادي سليمان كان آخر من يمكن توقع طرح اسمه ليتولى زمام الدار الفرنسية، لا لأنه ليس أهلاً للمنصب، بل لأنه اختفى من الصورة لفترة تُعد في قاموس الموضة طويلة جداً. ففي عام 2016 استقال من «إيف سان لوران» وهو في قمة نجاحه. حينها عزا البعض السبب إلى رغبته في إطلاق خط خاص به، والبعض الآخر لرغبته التفرغ لممارسة هواياته الخاصة مثل التصوير الفوتوغرافي، أو فقط رغبته العيش في لوس أنجليس بعيداً عن أجواء الموضة الباريسية. طالت غيبته ولم يعد اسمه يتصدر الأخبار كأنه أراد أن يتوارى عن الشهرة، ولم يكن بعلم أحد أنه طوال هذه المدة كان يجري مفاوضات مع برنار أرنو، رئيس مجموعة «إل في آم آش» المالكة لـ«سيلين»، الذي كان مُتحمساً له ولعودته إلى أحضان المجموعة. في تصريح له، قال أرنو إن سليمان من أكثر المصممين موهبة في عصرنا. وأضاف: «أنا من أشد المعجبين به منذ أن كان مصمماً في (ديور أوم)».
غني عن القول إن تعيينه في «سيلين» يأتي ليؤكد مدى طموح مجموعة «إل في آم آش» للارتقاء بالدار إلى مستوى «ديور» و«إيف سان لوران» وغيرها من بيوت الأزياء المتخصصة في مجالات متعددة. الدليل أن مهامه ستشمل إطلاق خط رجالي وخط «هوت كوتير»، إضافة إلى عطور تحمل اسم الدار التي كانت إلى حد الآن متخصصة في الأزياء الجاهزة فقط. وطبعاً كل من يعرف هادي سليمان يعرف أنه قادر على ذلك بفضل حسه الفني وفهمه لنبض الشارع، ويعرف أيضاً أن مهمته لن تقتصر على التصميم والإبداع، وبأنه سيتدخل في كل صغيرة وكبيرة بما في ذلك تصميم المحلات وخلق صورة جديدة وشاملة للدار.
جدير بالذكر أنها ليست المرة الأولى التي يعمل فيها المصمم مع مجموعة «إل في آم آش» حيث سبق له ذلك عندما كان مصمماً في القسم الرجالي بـ«ديور» بين عامي 2000 و2007. ورغم أنه غادرها في ظروف غامضة بين قائل إنه أراد إطلاق خط خاص به وقائل إنه أراد تصميم أزياء للمرأة أيضاً، فإن الكل يتفق أنه ترك بصمته واضحة فيها إلى الآن. فهو الذي روج للتصاميم الرشيقة، مثل السترات المحددة على الصدر والبنطلونات الضيقة التي تستحضر أسلوب مغنيي «الروك أند رول»، مُحفزاً كثيراً من الرجال على إنقاص أوزانهم حتى يستمتعوا بها. منهم طبعاً المصمم كارل لاغرفيلد الذي صرح بذلك في أكثر من مناسبة. برنار أرنو يعرف هذا الأمر تماماً من خلال تعامله المباشر معه أو من خلال متابعته له عندما عمل في دار «إيف سان لوران»، وبالتالي لا بد أنه عمل قدم كل الإغراءات اللازمة لكي يعود إلى أحضان المجموعة مرة ثانية، كما قدم عدة تنازلات، منها قبوله أن يبقى هادي سليمان في لوس أنجليس عوض باريس حيث توجد معامل وورش الدار.
المتتبع لمسيرة هادي سليمان يلاحظ أنه كلما غادر داراً عاد إليها بعد سنوات، وبشروطه. ففي بداياته وقبل «ديور أوم» عمل مع «إيف سان لوران» التي عاد إليها في عام 2012 محققاً لها طفرة غير مسبوقة. صحيح أنه قسم عالم الموضة بين معجب بأسلوبه الشبابي المنطلق ورافض له على أساس أنه حاول التملص من إرث المؤسس إيف سان لوران، إلا أن أرقام المبيعات كانت في صالحه.
فقد تضاعفت أرباح الدار في عام 2014 لتصل إلى 707 ملايين يورو، أي ما يعادل 787 مليون دولار مقارنة بـ353 مليون يورو في عام 2011. رغم هذا النجاح، قرر تركها في عام 2016 في ظروف قال عنها البعض إنها لم تكن ودية بسبب تضارب وجهات النظر بينه وبين فرنسوا هنري بينو، مالك «كيرينغ» المجموعة التي تنضوي تحتها «إيف سان لوران».
دخوله «سيلين» له دلالات كثيرة أهمها أن الدار تريد أن تفتح صفحة جديدة تخاطب من خلالها الجيل الجديد من الجنسين بكل الوسائل، بما في ذلك شبكات التواصل الاجتماعي والتسوق الإلكتروني وغيرها، وهو ما يُتقنه جيداً رغم أنف النقاد.

إلى أين؟

> بعض الشائعات تقول إنها قد تلتحق بدار «بيربري». فهذه الأخيرة فقدت هي الأخرى مصممها الفني كريستوفر بايلي، الذي أعلن استقالته في نهاية العام الماضي. طبعاً قد تكون المسألة مجرد شائعة لأنه لا دار «بيربري» ولا فيبي فيلو أكدتا الخبر، وإن يتمنى العديد أن تتحول الإشاعة إلى واقع. فـ«بيربري» دار بريطانية، مقرها الرئيسي بلندن، وهذا يعني أنها لن تضطر للسفر إلى باريس كل أسبوع أو شهر، وهو ما كانت تشتكي منه. كما أن علاقتها بالرئيس التنفيذي الجديد لـ«بيربري» ماركو غوبيتي جيدة جداً، حيث شكلا مع بعض ثنائياً ناجحاً قبل أن يغادر «سيلين» إلى «بيربري» في بداية العام الماضي.
هو بدوره يحتاج لمصمم مثلها يستطيع أن يُطبق رؤيته واستراتيجيته الجديدة، التي أعلنها منذ بضعة أشهر، وتتمثل في رغبته أن يجعل من «بيربري» دار أزياء رفيعة، برفع أسعار منتجاتها.
قراره هذا، أصاب المستثمرين بالخوف، لا سيما أنهم يتذكرون أن دار «مالبوري» حاولت تطبيق الاستراتيجية ذاتها منذ سنوات وفشلت فشلاً ذريعاً. كانت النتيجة أنها لم تستطع استقطاب زبونات جديدات، بل العكس، خلقت فجوة واسعة بينها وبين زبوناتها القدامى. ماركو غوبيتي متشبث برأيه ومقتنع بأن التجربتين مختلفتان، إلا أنه يحتاج إلى دعم معنوي وفعلي يتمثل في مصمم يفهمه جيداً ويشكل معه فريقاً متماسكاً وناجحاً.
أوساط الموضة تتمنى أن تكون فيبي فيلو هي السند الذي يتكئ عليه، حتى لا تغيب عن الساحة طويلاً، خصوصاً أن التجارب السابقة تشير إلى أنها لا تتسرع وتأخذ وقتها قبل أن تأخذ أي خطوة. فعندما تركت دار «كلوي» مثلاً أخذت إجازة عامين تقريباً لتستمتع بعائلتها قبل أن تلتحق بدار «سيلين». الآن، وبحُكم عقدها مع الدار الفرنسية لا بد أنها تخضع للشروط نفسها التي تنصها عقود المصممين عموماً، وتشترط عدم عملهم في مجال مماثل أو مع دار أزياء منافسة قبل مضي بضعة أشهر أو سنوات.

فيبي فيلو..خاطبت المرأة المثقفة وسعت للارتقاء بالصغيرات

> فيبي فيلو، التي عملت في الدار لـ10 سنوات قبل أن تستقيل في نهاية العام الماضي، كانت في المقابل تخاطب امرأة مثقفة وناضجة إلى حد ما، ولا يستطيع أحد، بمن فيهم برنار أرنو، إنكار ما قدمته للدار من نجاحات تجارية وفنية.
ومع ذلك، وقبل أن ينتهي عام 2017 بأسابيع قليلة أعلنت استقالتها من دون أن تحدد وجهتها الجديدة. عاشقات أسلوبها أصبن بخيبة أمل، لأنها خلال العشر سنوات التي قضتها فيها، رسخت مكانتها كمصممة مؤثرة. وصفتها كانت التعمق في شخصية الدار واحترام رموزها وفي الوقت ذاته ضخها بأسلوب خاص ومعاصر. وهذا تحديداً ما جعل اسم «سيلين» لصيقاً بالمرأة العصرية، سواءً كانت فتاة صغيرة تتطلع للحصول على حقيبة يد هندسية أو حذاء غريب التصميم، أو سيدة أعمال تعشق بنطلوناتها ومعاطفها وغيرها من القطع التي تتسم بالعصرية والعملية الوظيفية في الوقت ذاته. قوة فيلو لم تكن احترام ما تريده المرأة فحسب، بل ترجمته في أرض الواقع بأسلوب يجمع النُضج بالابتكار.
عندما تسلمت مقاليد دار «كلوي» بعد استقالة صديقتها ستيلا ماكارتني في عام 2001، لم تتبع الأسلوب القديم نفسه، واعتمدت لغة شبابية لتخاطب جيل بنات العشرينات. فككت الفساتين المنسدلة وخلصتها من إيحاءاتها الرومانسية لتكتسب صورة عصرية أكثر هندسية. وهكذا أصبحت «سيلين» في عهدها أكثر حداثة تعكس طموحات وذوق امرأة واثقة وقوية بغض النظر عن عمرها ومكانتها.
فجأة أصبح الكل يريد أن يلبس «سيلين» لأنهم بذلك يُثبتون أنهم ينتمون إلى نادٍ يفهم الموضة ويتذوق جمالياتها. كانت جريئة منذ أول تشكيلة، حيث رفعت شعار «المينيماليزم» وأن البساطة أهم من التعقيدات، الأمر الذي جعل بنات جنسها يشعرن بأنها فهمت متطلباتهن كأمهات وسيدات أعمال لهن مسؤوليات متعددة لا يردنها أن تؤثر على راحتهن ولا على أناقتهن. أكثر ما جذب الانتباه في هذه التشكيلة جاكيتات «سافاري» باللون الكاكي، التي لا تزال من القطع التي تتكرر في عروضها دائماً بشكل أو بلون جديد. لعبت أيضاً بطول الفساتين والمعاطف، وبالأحجام والمفهوم الرجولي والأنثوي، إذ فككت مثلاً القميص الرجالي وقدمته للمرأة بأشكال وأطوال متنوعة ومثيرة لتؤكد للعالم أنها تنتمي إلى نوع نادر من المصممين لهم القدرة على التأثير على الذوق العام وتحديد توجهات الموضة. ليس هذا فحسب، بل تفوقت على معظمهم بقدرتها على جعل الغريب والنشاز يبدو أنيقاً ومرغوباً فيه، لا سيما فيما يتعلق بأشكال الأحذية التي قدمتها طوال 10 سنوات. لم تكن أنيقة بالمفهوم التقليدي ومع ذلك لمست وتراً حساساً لدى عشاق الموضة.
ففي عرضها لعام 2016، قدمت أحذية وظيفية للغاية من دون كعوب، مع فساتين أنثوية خفيفة مزينة بحواشٍ من الساتان. وفي عام 2013 أرسلت العارضات على المنصة بصنادل أثارت كثيراً من اللغط، لكن كان لها الفضل في إخراج الدار من رسميتها وكلاسيكيتها الباريسية المألوفة وحقنها بجرعة شبابية مستقاة من الشارع. فجأة صغُرت امرأة «سيلين» وأصبحت شابة تتسلطن في ساحة الموضة. بعد أن أصبحت الحقائب والأحذية الدجاجة التي تبيض ذهباً للدار، توالى تركيزها عليهما. في تشكيلتها لربيع وصيف 2015 مثلاً قدمت أحذية بكعوب معوجة بألوان مثل الأصفر المستردي والأحمر القاني والذهبي والأبيض. لم تكن خفيفة على النظر، لكنها كانت خفيفة في المشي كونها مصنوعة من «النابا» أجود أنواع الجلود. هذه الأحذية أصبحت مطلب كل أنيقة وشابة تريد معانقة الموضة. ومع ذلك سيبقى إرثها هو حذاء أديداس «ستان سميث» الذي منحته بُعداً جمالياً اكتسح شوارع الموضة وتبنته المرأة مع فساتينها كما مع بنطلون الجينز. وهكذا كما أقبلت المرأة الأربعينية على تصاميمها أقبلت الفتيات الصغيرات على إكسسواراتها، لا سيما أنها نجحت في أن تطرح عدة حقائب ناجحة تجارياً مثل حقيبة «بادينغتون» التي كانت حلم كل فتاة تقريباً، وحقائب «ذي فانتوم» و«ترابيز أند تريو» وغيرها.


مقالات ذات صلة

تاريخ قديم في مبنى جديد

لمسات الموضة تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)

تاريخ قديم في مبنى جديد

صناعة الرفاهية لم تعد محصورة في المُنتج، ولا حتى في فرادة المكان والمعمار فحسب، فهناك عنصر أكثر أهمية، لا يمكن شراؤه بسهولة، ألا وهو الخبرة البشرية.

جميلة حلفيشي (بيدمونت - ميلانو)
لمسات الموضة لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)

بعد غياب... «ماكوين» تعود إلى أسبوع لندن للموضة لربيع وصيف 2027

أخذ شون ماكغير عذابات الراحل لي ماكوين ومخاوفه وتناقضاته، وحوّلها من مصدر للاضطراب إلى مادة للإبداع، ومن مصدر للألم إلى لغة جديدة تتميز بها الدار اليوم

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)

داريو فيتالي مديراً إبداعياً لـ«إمبوريو أرماني»

خرج المصمم الإيطالي داريو فيتالي من دار «فيرساتشي» بعد مجموعة واحدة. والآن عُيّن مديراً إبداعياً لخط «إمبوريو أرماني»،.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تحول محل لبيع الجرائد والمجلات إلى معرض مصغر يحكي قصصاً مصرية (عزة فهمي)

«عزة فهمي» تروي أخبار مصر بالمجوهرات

بالنسبة لها هناك قطع مجوهرات نختارها وأخرى هي التي تختارنا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة من عرض «رالف لورين» (أ.ب)

أسبوع نيويورك لربيع وصيف 2027 يبتسم من جديد

تزامُن انتعاش الأسبوع مع وصول ممداني إلى السلطة يجعل من الصعب فصل الموضة عن المدينة نفسها. كلاهما يتحرك بديناميكية ورغبة في استعادة المكانة المهمة

جميلة حلفيشي (لندن)

مصنع «لورو بيانا» الجديد للملابس المحبوكة... استثمار في البشر والحجر

تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)
تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)
TT

مصنع «لورو بيانا» الجديد للملابس المحبوكة... استثمار في البشر والحجر

تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)
تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)

سيبقى يوم 18 من شهر سبتمبر (أيلول) 2026 تاريخياً بالنسبة لدار «لورو بيانا». ففي هذا اليوم افتتحت مركزها الجديد في «غيمي» بمنطقة بيدمونت الإيطالية، على بعد 45 دقيقة تقريباً من وسط ميلانو. وهو مركز متخصص في صناعة الملابس المحبوكة يجمع كل عمليات الدار تحت سقف واحد، بدءاً من البحث والتطوير ووصولاً إلى المنتجات النهائية، مروراً بمساحة متخصصة للتدريب ونقل المهارات إلى الأجيال المقبلة.

أول منشأة تصنيع تابعة للدار صُممت من دون استخدام الوقود الأحفوري وتراعي مفهوم الاستدامة بشكل جدي (لورو بيانا)

حضر الافتتاح فريديريك أرنو، الرئيس التنفيذي، وبير لويجي لورو بيانا، نائب رئيس مجلس الإدارة وأحد أفراد الجيل السادس من عائلة لورو بيانا، إلى جانب أدولفو أورسو، وزير الشركات و«صنع في إيطاليا».

وكما قال أرنو، في كلمة الافتتاح فإن «مصنع غيمي ليس مجرد منشأة جديدة، بل يمثل محطة استراتيجية مهمة تجمع بين تطوير أساليب التصنيع ودعم خططنا للنمو وتطلعاتنا على المدى الطويل».

أهم ما في هذه الخطوة أنها تجمع بين الاستثمار الصناعي والحفاظ على الحرفة وتطويرها وتأتي في وقت أصبحت فيه مسألة الاستمرارية أكثر إلحاحاً في صناعة الرفاهية عموماً والموضة خصوصاً.

يعد المشروع أكبر استثمار صناعي في تاريخ لورو بيانا لكنه أيضاً استثمار في الخبرة (لورو بيانا)

ما تشعر به خلال الجولة التي دعت فيها الدار الإيطالية «الشرق الأوسط» لمشاركتها هذا الحدث، إلى جانب باقة من الشخصيات ووسائل الإعلام، هو أن صناعة الرفاهية لم تعد محصورة في المُنتج ولا حتى في فرادة المكان والمعمار وحدها، فهناك عنصر أكثر أهمية، لا يمكن شراؤه بسهولة، ألا وهو الخبرة البشرية.

فالخيط يمكن الحصول عليه، والآلة يمكن تطويرها، والمبنى يمكن تصميمه، لكن معرفة كيفية التعامل مع مادة نادرة، وتحويلها إلى قطعة فخمة ومريحة، تحتاج إلى أشخاص وخبرة ووقت. فالحرفي لا يتعامل مع الخيط باعتباره مادة ثابتة، بل يفهم سلوكه ومدى مرونته خلال العمل. وتلك معرفة تتكون مع الوقت والممارسة، ولا يمكن اختصارها في مواصفات تقنية للآلة وحدها.

يتم اختبار الغرز والخيوط والبنية إلى جانب كل التفاصيل في كل مرحلة من الإنتاج (لورو بيانا)

من هذه الزاوية، يمثل المصنع الجديد استثماراً في المستقبل البشري بقدر ما هو استثمار في التصنيع. وهو وفق رؤية الدار البعيدة، محاولة لإبقاء الحرفة داخل المؤسسة، بتوثيقها وتعليمها، ثم نقلها إلى أشخاص قادرين على الإبقاء عليها لعقود، إن لم نقل قروناً.

استثمار في الحرفة

من الناحية الصناعية، يُمثِل المشروع أكبر استثمار لـ«لورو بيانا» حتى الآن. استغرق تطويره ثلاث سنوات، ويمتد على مساحة تزيد على 8 آلاف متر مربع. والهدف منه منذ البداية كان جمع المعرفة المتراكمة، والحرفية الإيطالية، والخبرة في التعامل مع المواد النادرة، ثم نقل هذه الخبرة إلى جيل جديد. في هذا السياق، يُوضِح أرنو، أن المركز سيضم خلال السنوات المقبلة نحو 300 شخص، في خطوة تعكس بحسبه «الاستثمار في الجيل التالي من الحرفيين والعاملين في هذا المجال». وأضاف: «غيمي لا يقدم نفسه بوصفه مجرد مصنع جديد، وإنَما يمثل محطة استراتيجية باعتباره جزءاً من الطريقة التي تريد الدار أن تبنى بها مستقبلها».

يتم إنتاج الجزء الأمامي والخلفي والأكمام والياقة والحواف بشكل منفصل ثم تبدأ مرحلة تجميع كل الأجزاء معاً (لورو بيانا)

كان من الممكن أن تُقوِي «لورو بيانا» حضورها وإيراداتها بزيادة عدد المتاجر أو طرح منتجات كثيرة، لكن الاستثمار هنا يتجه أولاً إلى ما تحتاجه للحفاظ على تميزها في عالم تشتد فيه المنافسة بين صناع الموضة، وذلك بخلق اكتفاء ذاتي في مهاراتها البشرية.

فالحرفيون هم من يُحوِلون الألياف النادرة إلى قطع نهائية، عبر عملية طويلة تجمع بين التكنولوجيا والحرفة، وبين الابتكار والتقاليد، وبين الدقة واللمسة الإنسانية. وتنسجم هذه الرؤية مع توجه فريديريك أرنو منذ توليه منصب الرئيس التنفيذي في يونيو (حزيران) 2025 خلفاً لدايمون برتراند، في تبنِي استراتيجية أوسع تستهدف نمواً مدروساً ومتدرِجاً.

المواد النادرة تحدد الإنتاج

ثم إن المواد التي تعتمد عليها الدار مثل صوف «Gift of Kings®» و«الفيكونا» لا تتوافر بكميات كبيرة أساساً، لهذا لا يمكن زيادة الإنتاج بسرعة.

تعتبر الألياف الطبيعية ونعومتها قوة بنت عليها الدار سمعتها عالمياً (لورو بيانا)

وكان برنار أرنو، الأب، ورئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة «إل في آم آش»، قد تحدث عن هذه المسألة خلال إعلان نتائج المجموعة لعام 2025، مشيراً إلى أن التحدي بالنسبة إلى «لورو بيانا» ليس تسريع النمو، وإنما الحفاظ على وتيرته ضمن حدود لا تؤثر في جودة المنتجات. وأضاف أن الدار لا تريد التوسع بسرعة كبيرة، بل إنها مستعدة للتدخل لكبح النمو عندما يصبح أسرع مما ينبغي، بهدف الحفاظ على مستوى الجودة الذي تقوم عليها العلامة.

هذه المقاربة تختلف عن نموذج التوسع السريع الذي يمكن أن تتبعه علامات الأزياء في قطاعات أخرى، هي أيضاً من الأفكار التي تظهر بوضوح خلال زيارة «غيمي». فما يبدو للوهلة الأولى استثماراً في مصنع لزيادة القدرة الإنتاجية، يتعلق في جانب أساسي منه بحماية الجودة والسيطرة على وتيرة النمو.

وصل أجزاء القطعة غرزة بغرزة عملية تحتاج إلى دقة ووقت عند التعامل مع خيوط رفيعة جداً (لورو بيانا)

ووفق ما تؤكد عليه الدار، فإن تحسين القدرة التصنيعية لا يعني بالضرورة إنتاج كميات ضخمة من كل منتج، وهو ما يرتبط بمفهوم الرفاهية التي تريد تسويقها للعالم. هذه الرفاهية يشعر بها المستهلك، ولا يلاحظها بسهولة، لأنها قد تكون مجرد غرزة محاكة بطريقة معينة، أو ملمس خيط فائق الدقة، أو طريقة التعامل مع الألياف الطبيعية أثناء تعرضها للحرارة والرطوبة. إضافة إلى ذلك، فإن بعض أنواع الصوف يتسم بألياف فائقة النعومة في علاقة حميمة بين المادة والتقنية. وخيط Royal Lightness أكبر مثال على ذلك.

فهو يجمع بين صوف ميرينو فائق النعومة وحرير Mulberry. وفيما يبلغ قطر ألياف الميرينو المستخدمة نحو 13.5 ميكرون، يبلغ سمك الحرير نحو 21 دينيراً، وهذا ما يجعل الخيط رفيعاً وناعماً للغاية، وفي الوقت ذاته، أكثر صعوبة في التعامل معه، إذ قد ينقطع بسهولة إذا لم يتم التحكم في عملية الحياكة بدرجة عالية من الدقة. وهنا تبرز أهمية تدريب الحرفيين، لأن التكنولوجيا وحدها لا تكفي.

هذه الأهمية هي التي ساهمت في إطلاق الدار لأكاديمية الحرف في عام 2015، وتقع حالياً في مبنى أبيض بسقف أحمر كان في الماضي منزل حارس الموقع، قبل أن يخضع للترميم ويصبح جزءاً من المشروع الجديد.

كل شيء في المصنع من نوعية الخشب إلى النوافذ والإضاءة تأخذ بعين الاعتبار راحة الحرفي ومعايير الاستدامة (لورو بيانا)

في هذا المكان، يتم التدريب على عدد من المهارات الأساسية في صناعة الملابس المحبوكة، مثل برمجة تصنيع الملابس، وتجميع القطع، والتشطيب اليدوي، وإصلاح القطع، إلى جانب مسارات تدريب وتطوير أخرى. وتكتسب الأكاديمية أهميتها في أنها لا تنقل المعرفة من خلال تعليم نظري، وإنما من خلال الممارسة والعمل إلى جانب أصحاب الخبرة.

مكان يهتم بالطبيعة والإنسان

هذا ويحمل موقع «غيمي» تاريخاً صناعياً طويلاً. فقد كان فيما مضى مصنعاً للورق ثم تحوّل إلى مصنع للقطن لأكثر من مائة عام. وفي عام 1987، استحوذت عليه لورو بيانا واستخدمته لاحقاً لغزل الصوف الممشط، وإنتاج خيوط لصناعة الأقمشة والملابس المحبوكة. ومع المشروع الجديد، أعيد تطوير الموقع مع الحفاظ على بعض عناصر القديمة، مثل برج المياه التاريخي ومنزل حارس العقار السابق، الذي تحوَل اليوم إلى مقر لأكاديمية الحرف.

تجري Loro Piana أبحاثاً واختبارات على الخيوط قبل استخدامها لتحديد الطريقة الأنسب لإظهار خصائصها (لورو بيانا)

يراعي تصميم متطلبات شهادة «LEED Gold»، ويضم نظماً لاستعادة مياه الأمطار، وألواحاً للطاقة الشمسية الكهروضوئية، إلى جانب أنظمة متقدّمة لإدارة الطاقة.

ويُصبح بذلك أول منشأة تصنيع تابعة للدار صُممت من دون استخدام الوقود الأحفوري. حتى النباتات والأشجار التي غُرست فيه تراعي عدم حاجتها إلى سقي مستمر، وبالتالي لا تستنزف المياه.

بينما تُتيح الواجهات الزجاجية الممتدة على مساحات واسعة بدخول أكبر قدر ممكن من ضوء النهار إلى المبنى، ما يحدّ من الحاجة إلى الإضاءة الاصطناعية، في حين يقوم نظام إضاءة ذكي بتعديل مستوى الإضاءة تلقائياً وفقاً للظروف وعدد الموجودين في المكان.

تظهر هذه الفكرة في المساحات المفتوحة، والحدائق، والساحات.

من الصوف إلى القطعة النهائية

تمثّل مرحلة المعاينة النهائية للتأكد من كل التفاصيل مرحلة مهمة في صناعة كل منتج (لورو بيانا)

داخل المصنع، مركز عمليات التنفيذ والإنتاج، تبدأ رحلة الملابس المحبوكة من مرحلة البحث والتطوير، وكل تصميم يبتكره قسم التصميم يمر بعدة مراحل. من الرسوم الأولية وتجارب الحياكة، إلى تطوير العينة واختبارها قبل انتقالها إلى المرحلة التالية من الإنتاج. بعد ذلك تبدأ البرمجة والحياكة بتطوير الغرز وبناء القطع اعتماداً على نظم التصميم بمساعدة الحاسوب (CAD) المتخصصة. وتُعد مرحلة تجميع الملابس مجالاً يجمع هو الآخر بين التخصص والعمل اليدوي، لتأتي المرحلة الأخيرة ألا وهي غسل الملابس وكيّها، وهما خطوتان أساسيتان للوصول إلى النعومة المطلوبة والحفاظ على شكل القطعة وثباتها وأبعادها.

أهمية التكنولوجيا لا تُقلِل من أهمية عين الإنسان وحرفيته اليدوية (لورو بيانا)

في نهاية الجولة، يصعب النظر إلى «غيمي» باعتباره مجرد مصنع ضخم. فالمشروع الذي يضع الإنسان في قلب هذه العملية ينظر إلى المستقبل ويستبق عصراً جديداً لصناعة الرفاهية، يتعامل مع التكنولوجيا كونها وسيلة للتطور والتطوير، لكن من دون إلغاء الجانب الإنساني الذي يحتاج إلى يد تُدير التكنولوجيا. أما قلبها النابض، فيبقى أولاً وأخيراً في أليافها الطبيعية التي قال رئيسها التنفيذي السابق داميان برتراند في لقاء خاص مع الشرق الأوسط إنها هي التي تجعل من «لورو بيانا» دار أزياء مختلفة عن غيرها. فإلى جانب تصاميمها التي لا تتبع موجات الموضة الموسمية، تتوجه بصوفها النادر للعارفين وأصحاب الذوق الرفيع لنُدرته وطرق غزله.


بعد غياب... «ماكوين» تعود إلى أسبوع لندن للموضة لربيع وصيف 2027

لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)
لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)
TT

بعد غياب... «ماكوين» تعود إلى أسبوع لندن للموضة لربيع وصيف 2027

لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)
لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)

كان قرار لوكا دي ميو، الرئيس التنفيذي لمجموعة «كيرينغ»، بإعادة «ماكوين» للعرض في موطنها الأصلي بلندن، بعد غياب دام نحو 4 سنوات، قراراً موفقاً، أسعد عشاق الدار والمشرفين على أسبوع الموضة في لندن على حد سواء؛ ففي فوضى لندن، بكل ما فيها من تناقضات، شيء ينسجم تماماً مع روح الدار التي أسسها الراحل ألكسندر ماكوين، المعروف بـ«لي ماكوين». مديرها الإبداعي الحالي شون ماكغير عبَّر عن هذه العودة بأن المجموعة «احتفاء بقوة لندن التي لا تتوقف عن الإلهام وكسر المتعارف عليه»، مضيفاً أن «(ماكوين) دار وُلدت في لندن، وأن موقف المدينة من الابتكار الذي لا يُساوم وروحها المتمردة يقعان في صميمها».

لمسات الدار الإبداعية تظهر واضحة في التفاصيل الدقيقة (ماكوين)

وتأتي عودة «ماكوين» إلى لندن في وقت تشهد فيه الدار إعادة ترتيب على المستوى الإداري والتجاري؛ ففي يونيو (حزيران)، عُيّن جيانفرانكو داتيس رئيساً تنفيذياً، بعد أن شغل سابقاً منصباً قيادياً في برادا، وكُلّف بتحسين الأداء المالي للدار وتعزيز موقعها في السوق. كما يأتي في وقت تحتاج فيه لندن إلى دعم من كل أبنائها لكي تستعيد بريقها، وهو ما عبَّر عنه عمدة المدينة، صادق خان، بحضوره العرض، ولورا وير، الرئيسة التنفيذية للمجلس البريطاني للأزياء، بتصريحها بأن العرض جزء من مسعى أوسع لإعادة دور أزياء بريطانية المولد مثل «ماكوين» و«مالبيري» إلى برنامجها الرسمي.

ظهرت بدلات ماكوين بأكتاف مغلقة صُممت لتشبه أجنحة الملائكة المطوية (ماكوين)

عرض يستحضر الجذور

قدمت «ماكوين» عرضها لربيع وصيف 2027، في القبو السفلي لكنيسة لينكولن إن، وهي قاعة تعود إلى القرن السابع عشر، تحمل أرضيتها الحجرية أسماء رجال استخبارات ومحامين ووعاظ رحلوا منذ زمن، ودُفنت عظامهم تحتها، بينما ارتفع سقف قوطي بأقبية على شكل نجوم، في مشهد لافت بجماله.

وبعد أن أخذ المدعوون أماكنهم على المقاعد الخشبية البسيطة، وانطلقت موسيقى فرقة «شارد فويسز»، بدأ العرض مستحضراً روح «لي ماكوين» العالقة بين الظلام والنور؛ فمن خلال مجموعته الجديدة، قدّم شون ماكغير رؤيته الخاصة لإرث ماكوين، مستلهماً حرية لندن وتناقضاتها، ومستعيداً، في الوقت نفسه، شيئاً من روح ألكسندر ماكوين نفسه. ويختصر المصمم هذه الرؤية بقوله: «الأمر كله يتعلق بتصادم الأشياء».

الظلام كان دائماً مصدراً مهماً للإبداع في دار ماكوين، كذلك اللون الأسود (ماكوين)

كان هذا أول عرض يقدمه شون ماكغير لـ«ماكوين» في لندن، منذ توليه قيادة الدار. وقد جمع العرض بين أزياء النساء والرجال، متنقلاً بين الإشارات الدينية وثقافة التمرد للمدينة، حيث حاول الجمع بين عالمين متباعدين في رؤيته لـ«ماكوين»: القداسة ذات الطابع الكلاسيكي الجديد، والجانب الأكثر انفلاتاً وارتباطاً بكسر التقاليد. واستند في الطرف الأول إلى لوحة «معمودية المسيح» لبييرو ديلا فرانشيسكا، التي أثارت اهتمامه بشدة عندما كان طالباً وصل حديثاً إلى لندن، بينما استمد الطرف الآخر من حفلات النوادي الليلية التي تقام في الأقبية تحت الأرض.

تم تفصيل البدلات بمعايير «سافيل رو» وهانتسمان التي تتعامل معها الدار منذ سنوات (ماكوين)

ظهرت بدلات «ماكوين» بأكتاف مغلقة صُممت لتشبه أجنحة الملائكة المطوية، تحت تسريحات شعر ذات قمتين، استوحيت من مظهر كيث فلينت، الموسيقي البريطاني المعروف بشخصيته المسرحية الصاخبة وشعره الملون والمصفف بطريقة حادة وفريدة من نوعها. وضمت المجموعة 3 إطلالات رجالية صُممت خصيصاً بالتعاون مع هانتسمان في سافيل رو، الذي كان يتولى تفصيل ملابس لي ماكوين نفسه وتعاملت معه الدار تقليداً. استخدمت في هذه الإطلالات أقمشة صوف بريطانية تقليدية، مع أكتاف مبالغ في حجمها وخصور مرتفعة وضيقة، لتعيد تقاليد الخياطة البريطانية إلى جانب النسب الطويلة والممتدة التي اعتمدها ماكغير.

بدت تداخلات الألوان في فساتين زُيّنت بأوراق معدنية متناثرة بلا انتظام كأنها تستعيد أثر أضواء ليلة صاخبة (ماكوين)

طال هذا التناقض الفساتين التي تم تصميمها بأسلوب كلاسيكي وفخم فقط ليكسر المصمم أناقتها بإضافة لمسات فوضوية تتأرجح بين الغرابة والجرأة. من بينها أحزمة صممها شون لين، أحد المتعاونين الأوائل مع «ماكوين»، وأشكال مشوهة من أقمشة مطاطية امتدت فوق صدور فساتين الساتان اللامع، إلى جانب كورسيهات مفتوحة من الخلف تتجاوز خط الكتفين.

طال التناقض فساتين كلاسيكية وفخمة تعمّد المصمم كسر أناقتها بلمسات فوضوية لم تؤثر في جمالها (ماكوين)

أما تداخلات الألوان فبدت كأنها تستعيد أثر أضواء ليلة صاخبة على العين. وكان من أبرز القطع فستان مكوّن من جماجم معدنية مترابطة، مطرزة يدوياً، بحيث بدت كل جمجمة مختلفة عن الأخرى.

وزُيّنت بعض القطع بأوراق معدنية متناثرة بلا انتظام، وكأن الريح حملتها وأسقطتها فوق البدلات والفساتين. ودفع استخدام الشبك والجلد المثقب والسراويل والتنانير الرياضية المحبوكة ذات الحواف الملونة المجموعة أكثر نحو أزياء حفلات الـ«رايف» الصاخبة. أما أقمشة الجاكار، فغُيّمت نقوشها وتداخلت طبقاتها وتشوّهت تفاصيلها إلى درجة بدت معها على حافة فقدان تماسكها.

ظهرت هذه التناقضات أيضاً في خامات من التول الشفاف بدرجات دخانية وأورغانزا عاكسة للضوء، إلى جانب لوحة ألوان مستوحاة من البورتريهات الدينية وتفاصيل زهرية دقيقة.

جمع العرض بين أزياء النساء والرجال، متنقلاً بين الإشارات الدينية وثقافة التمرد للمدينة (ماكوين(

وفي الجانب الأكثر رقة من المجموعة، ظهرت طبعات زهرية بألوان متوهجة على الأورغانزا، بينما امتدت تطريزات دقيقة ونقوش جاكار مستوحاة من الليل إلى أقمشة شفافة. وجاء الساتان المطلي بسطحه الأكثر صلابة ليشكل تبايناً مع هذه الخامات الخفيفة. ويبدو مما قدمه ماكغير أنه يعرف أن الظلام كان دائماً مصدراً مهماً للإلهام والإبداع في دار «ماكوين». لكن الفرق بينه وبين لي ماكوين أنه يستعمل هذا الظلام لغاية فنية بينما كان المؤسس يعيشه سوداويته بشكل شخصي. ماكغير عبَّر عن ذلك قائلاً: «يمكنك أن تتحدث عن الأشياء المظلمة، ويمكنك أن تدخلها في عملك، لكن لا تدعها تدخل حياتك. عليك أن تستمتع بوقتك». كانت ترجمته لهذه الفكرة واضحة من خلال تحرَك المجموعة بين الظلال، بحثاً عن لحظة من النشوة.

جاء الساتان المطلي بسطحه الأكثر صلابة ليشكل تبايناً مع هذه الخامات الشفافة (ماكوين)

وهذا ما يُحسب لشون ماكغير في هذه المجموعة، أنه لم يحاول ترويض جنون لي ماكوين بقدر ما أعاد ضبطه، محتفظاً بتوتره وحدّته من دون الوقوع في محاكاته. أخذ عذابات لي ماكوين ومخاوفه وتناقضاته، وحوّلها من مصدر للاضطراب إلى مادة للإبداع، ومن الألم إلى لغة جديدة تتميز بها الدار اليوم.


داريو فيتالي مديراً إبداعياً لـ«إمبوريو أرماني»

داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)
داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)
TT

داريو فيتالي مديراً إبداعياً لـ«إمبوريو أرماني»

داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)
داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)

خرج المصمم الإيطالي داريو فيتالي من دار «فيرساتشي» بعد مجموعة واحدة. والآن عُيّن مديراً إبداعياً لخط «إمبوريو أرماني»، ومشرفاً على إكسسوارات «جورجيو أرماني»؛ مما يمنحه موطئ قدم أيضاً في قلب الخط الرئيسي والأهم.

ويُعدّ تعيينه أول تغيير كبير في القيادة الإبداعية لإمبراطورية «جورجيو أرماني» منذ تأسيسها عام 1975.

فقد ظل جورجيو أرماني يشرف شخصياً على التصميم والتنسيق والتوجيه الفني في مختلف أعماله حتى وفاته في سبتمبر (أيلول) 2025. ومنذ ذلك الحين، يتولى عدد من معاونيه وأفراد من عائلته، بينهم سيلفانا أرماني، رئيسة قسم الأزياء النسائية، وليو ديل أوركو، المسؤول عن الأزياء الرجالية، إدارة استوديوهات الشركة، في محاولة للحفاظ على استمرارية أعمال تبلغ قيمتها ملياري يورو.

من هو داريو فيتالي؟

داريو فيتالي... تجربة طويلة قبل دخوله «إمبوريو أرماني» (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)

قبل «أرماني» و«فيرساتشي»، أمضى فيتالي 14 عاماً خلف الكواليس في «ميوميو»، حيث انتهى به الأمر إلى تولي منصب مدير التصميم والصورة للعلامة. وجاء رحيله عن «فيرساتشي» في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، بعد يومين من إتمام «برادا» استحواذها على دار الأزياء الإيطالية مقابل 1.25 مليار يورو.

قدّم مجموعة واحدة فقط، في ديسمبر الماضي، تضمنت تصاميم مرحة تتحدى القوالب التقليدية بألوانها الزاهية وتنسيقاتها المتعددة الطبقات؛ الأمر الذي أبعد «فيرساتشي» عن عنصر الإغراء الذي ارتبط بها وأعطى الأمل في عهد جديد.

وهذا ما صرّحت به سيلفانا أرماني، رئيسة تصميم الأزياء النسائية، وليو ديل أوركو، رئيس تصميم الأزياء الرجالية في «مجموعة أرماني» بالقول إن «إمبوريو أرماني» أكثر من مجرد خط أزياء؛ «إنها كيان نرتبط به بعمق، فقد تابعنا رحلتها وشاركنا فيها منذ بدايتها». ويضيفان أن تعيين فيتالي مهم جد؛ لأن المتوقع منه أن يُعبّر عن روحها باحترام وأصالة وفي الوقت نفسه ضخ دم جديد فيها، لا سيما أنه سيتمتع بمساحة شاسعة من الحرية للتجريب والابتكار.

«إمبوريو أرماني»... الخط الأصغر

يخاطب الخط عشاق الموضة ممن يتوقون لبصمات «أرماني» في التفصيل والدقة (إمبوريو أرماني)

تأسست «إمبوريو أرماني» عام 1981 لتقديم نسخة أعلى شباباً وعفوية، وأدنى مرتبة من خط الرفاهية الرئيسي؛ «جورجيو أرماني»، وبالتالي تستهدف قاعدة أوسع من عشاق الموضة. وقد توسعت لتضم بعض خطوط الشركة المتوسطة، بينها «أرماني جينز» و«أرماني كوليزوني»، بعد إعادة الهيكلة التي أجرتها الشركة عام 2017. ويأتي تعيين المصمم في وقت يواجه فيه هذا الخط ضغوطاً تجارية وحاجة إلى هوية أعلى تميزاً.

لكن اعتماد «إمبوريو» بدرجة أكبر على المنتجات ذات الأسعار الأدنى، إلى جانب شبكة توزيع تعتمد إلى حد كبير على المتاجر متعددة الأقسام ومتاجر الأزياء الرجالية الصغيرة التي تبيع علامات عدة، جعلها أكبر تعرضاً للضغوط التي أصابت القطاع المتوسط من سوق الموضة في السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها تراجع تجارة الجملة.

يتميز خط «إمبوريو أرماني» بالأناقة والتفصيل الإيطالي رغم سعره الأدنى من الخط الرئيسي (إمبوريو أرماني)

وخلال السنوات الأخيرة، حاولت الشركة إعادة «إمبوريو» إلى القيم الأساسية لـ«أرماني»: الأناقة غير المتكلفة. لتحقيق ذلك، جددت متاجرها الرئيسية، وقدمت عروضاً للأزياء ركزت على الأزياء المفصلة المريحة، بألوان متحفظة يغلب عليها الكحلي والرمادي المائل إلى البيج.

لهذا يُمثل وصوله بداية فصل جديد في تاريخ العلامة، ويفتح حواراً بين الابتكار والهوية، بما يعزز البنية الإبداعية للمجموعة ويدعم تطورها، مع الحفاظ على الرؤية الجمالية التي لطالما ميّزت اسم «جورجيو أرماني».