«شراكة» دولية من باريس لملاحقة المسؤولين عن استخدام الأسلحة الكيماوية

الوضع السوري في لقاء «ضيق»... واحتفاء بـ«عودة» واشنطن إلى الملف

«شراكة» دولية من باريس لملاحقة المسؤولين عن استخدام الأسلحة الكيماوية
TT

«شراكة» دولية من باريس لملاحقة المسؤولين عن استخدام الأسلحة الكيماوية

«شراكة» دولية من باريس لملاحقة المسؤولين عن استخدام الأسلحة الكيماوية

أطلقت أمس من باريس وبحضور ممثلي 29 دولة ومنظمة بينهم كثير من الوزراء «الشراكة الدولية لمنع الإفلات من العقاب» لكل الضالعين في اللجوء إلى السلاح الكيماوي. واستبق وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان الذي تشارك رئاسة المؤتمر مع نظيره الأميركي ريكس تيلرسون الإعلان بالتأكيد صباحا في كلمته إلى الصحافة بمناسبة العام الجديد، أن «من يلجأ إلى السلاح الكيماوي فعليه أن يعرف أنه سيحاسب يوما ما رغم تعطيل مجلس الأمن». وكان لودريان يشير بذلك بوضوح إلى روسيا التي استخدمت حق النقض مرتين في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في مجلس الأمن لـ«دفن» لجنة التحقيق المشتركة في استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا. ولم تدع موسكو، بطبيعة الحال، إلى حضور المؤتمر باعتبارها متهمة بإجهاض الجهود الدولية في الملف الكيماوي السوري.
واتهم تيلرسون النظام السوري بالاستمرار في استخدام الأسلحة الكيماوية في إشارة إلى هجوم بغاز الكلور في الغوطة الشرقية. وقال الوزير الأميركي، بعد المؤتمر، إن «أكثر من 20 مدنيا سقطوا أمس، معظمهم أطفال، ضحايا لهجوم بغاز الكلور على ما يبدو»، مضيفا أن «الهجمات في الغوطة في الآونة الأخيرة تثير مخاوف خطيرة من أن بشار الأسد ربما لا يزال يستخدم الأسلحة الكيماوية ضد شعبه». ورأى تيلرسون أن «روسيا تتحمل في نهاية المطاف المسؤولية عن سقوط الضحايا في الغوطة الشرقية والعدد الذي لا يحصى من السوريين الآخرين الذين استهدفتهم أسلحة كيماوية منذ انخراط روسيا في سوريا».
وشهدت باريس أمس، عقب انتهاء أعمال المؤتمر، إصدار «إعلان نوايا» للمجموعة المؤسسة التي يلتزم أعضاؤها جماعيا بجمع جميع المعلومات الخاصة بالمسؤولين عن استخدام الأسلحة الكيماوية والمحافظة عليها، وتسهيل تقاسمها مع الدول والمنظمات المعنية والهيئات متعددة الأطراف التي سيعمل الموقعون على توفير الدعم لها. ويلتزم الموقعون بنشر أسماء الأشخاص والهيئات والمجموعات والحكومات الضالعين في استخدام الأسلحة الكيماوية عبر منصة إنترنت مخصصة لهذه الغاية التي تم إطلاقها أمس. وفي السياق عينه، يلتزم الموقعون بمساعدة البلدان التي تحتاج لتقوية إمكاناتها لتوفير آليات لجمع المعلومات أو سن قوانين للملاحقة على المستوى الوطني للمسؤولين عن هذه الجرائم.
رغم أن المؤتمر الذي جاء بمبادرة فرنسية - أميركية مشتركة، لم يكن مخصصا لسوريا رسميا، فإن حالة سوريا هي التي استحوذت بشكل رئيسي على أعماله. كذلك، فإن باريس بادرت إلى نشر لائحة تضم 25 اسما لأشخاص وهيئات اعتبارية وشركات سورية ولبنانية وفرنسية وصينية ضالعة في البرنامج الكيماوي السوري كما فرضت عليها عقوبات من طرف واحد آملة في أن تحذو أطراف أخرى حذوها. ونشرت اللائحة في الجريدة الرسمية الفرنسية. وتقوم العقوبات الفرنسية على تجميد أموال هذه الهيئات والشركات والأشخاص الذين عملوا لصالح مركز الأبحاث العلمية، الذي تعتبره باريس دينامو السلاح الكيماوي السوري. واعتبر وزير الاقتصاد برونو لو مير في بيان أمس، أنه يتعين «تجفيف الموارد المالية أكان ذلك في محاربة الإرهاب أو القضاء على انتشار أسلحة الدمار الشامل».
بيد أن عيب اللائحة المنشورة أنها لا تصل إلى المستوى السياسي. واعتذرت المصادر الفرنسية سلفا عن هذا النقص باعتبار أن الجهات المختصة «لا تمتلك اليوم العناصر الكافية التي تسمح بملاحقة السلطات السياسية السورية». وتجدر الإشارة إلى أنه أحصي 130 استخداما للسلاح الكيماوي في سوريا بين العامين 2012 و2017 وأن اللجنة المشتركة للأمم المتحدة ومنظمة منع استخدام الأسلحة الكيماوية، توصلت في تحقيقاتها إلى أن النظام السوري لجأ إلى هذا السلاح الكيماوي أربع مرات على الأقل إحداها في خان شيخون أبريل (نيسان) 2017، التي قضت على 80 شخصا. واتهمت اللجنة بالمقابل تنظيم داعش أيضا باستخدام السلاح الكيماوي مرة واحدة.
حقيقة الأمر أن كل هذا الضجيج الذي أثير أمس في باريس كان هدفه، من جهة، إظهار أن الأطراف الحاضرة ترفض أن تتحكم موسكو بمفردها بالملف الكيماوي، وأن تحمي من تشاء «والمقصود هنا النظام السوري» باللجوء إلى حق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن، ومن جهة ثانية، إبراز أن الزمن الذي كانت فيه موسكو وحدها أو بالتشارك مع طهران وأحيانا أنقرة، ترسم ما تشاء وتقرر ما تشاء، قد انتهى.
وإضافة إلى هذا السلاح، فإن الانعطافة الرئيسية في الملف السوري تتمثل بـ«عودة» الولايات المتحدة الأميركية إلى الواجهة في سوريا ليس فقط عسكريا كما كان الوضع سابقا لجهة محاربة «داعش»، بل سياسي أيضا من خلال «الاستراتيجية» الأميركية الجديدة. وبرزت أهمية ذلك من خلال الاجتماع المسائي «الضيق» الذي نظمه الطرفان الفرنسي والأميركي بحضور تيلرسون ولو دريان وعدد ضئيل من نظرائهما الذين يمثلون دولا «مؤثرة» في الملف السوري. وقبل ذلك عقد لو دريان وتيلرسون صباحا لقاء ثنائيا تركز حول «التوجهات الجديدة» للإدارة الأميركية في الملفات الساخنة وأولها الملفان السوري والإيراني. وقال لو دريان لصحافيين قبل الاجتماع إنه «يريد أن يرى مع الوزير الأميركي ما إذا كانت التصريحات الأخيرة التي صدرت عنه حول هذين الموضوعين (وأهمها خطابه في 17 الحالي) تتطابق مع مواقف الرئيس ترمب وأنه بالتالي ينطق باسم الإدارة كلها».
وكان منتظرا أن يعرض الوزير الأميركي مضمون «اللاورقة»، أي ورقة غير رسمية، للتشاور حول سوريا وللحصول على دعم لها لتكون أساسا للتفاوض مع الجانب الروسي. وأفادت أوساط دبلوماسية وتقارير إعلامية أن هذه «اللاورقة» تتناول، في الملف السوري، إدخال تعديلات على الدستور «الذي سيكون الطبق الرئيسي في اجتماعات فيينا وسوتشي»، وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية تحت إشراف الأمم المتحدة، ومصير الرئيس السوري بشار الأسد. لكن الأهم بالنسبة لباريس وللأطراف الأخرى الحاضرة، وفق ما قالته مصادر فرنسية لـ«الشرق الأوسط»، هو أن الجانب الأميركي انتهى «أخيرا» من إعادة صياغة سياسته السورية و«ملء الفراغ» الذي حل بوصول دونالد ترمب إلى البيت الأبيض. وكان تيلرسون عرض بالتفصيل «الاستراتيجية الجديدة» في خطابه يوم 17 يناير (كانون الثاني) أمام «هوفر إنستيتيوت» في ستانفورد، وفيه أكد أن عزم واشنطن على البقاء في سوريا سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا وإنشاء قوة من حرس الحدود من 30 ألف رجل، له خمسة أهداف أهمها ثلاثة: منع «داعش» من العودة واحتواء النفوذ الإيراني وحرمان الأسد من إعادة بسط سلطته على كل سوريا ودفعه إلى الخروج من الصورة في نهاية المطاف. ودعا تيلرسون في كلمته المشار إليها إلى «الصبر» فيما خص الأسد ما يعني قبول واشنطن ببقائه في السلطة «مؤقتا». وبحسب المصادر الفرنسية، فإن التصورات الأميركية «ليس فيها ما يصدم». وما تريده باريس هو «التنسيق» مع واشنطن والأطراف الأخرى و«تسويق» مبادرتها المتمثلة بـ«مجموعة الاتصال» المكونة من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وعدد من الدول الإقليمية، باعتبار أن مفاوضات جنيف تراوح مكانها واجتماعات آستانة وسوتشي غير كافيتين للوصول إلى حل، فيما السوريون عاجزون وحدهم عن التفاهم على مخرج من الحرب وعلى صورة سوريا المستقبل.
لكن هذا البناء النظري مرشح للتهافت بسب التطورات الأخيرة التي أدخلت عنصرا جديدا على المعادلات السورية، وهو الحرب التركية - الكردية التي أعادت خلط الأوراق وأحرجت الأطراف الغربية والروسية على السواء.



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».