السرد الروائي ما بعد صدام... رحيل النص

أغلب الذين تصدوا للكتابة الجديدة جاءوا من خارج المشهد الأدبي

الحلة عاصمة السخرية - تحت سماء الشيطان - عشرون شتاء - المكاريد
الحلة عاصمة السخرية - تحت سماء الشيطان - عشرون شتاء - المكاريد
TT

السرد الروائي ما بعد صدام... رحيل النص

الحلة عاصمة السخرية - تحت سماء الشيطان - عشرون شتاء - المكاريد
الحلة عاصمة السخرية - تحت سماء الشيطان - عشرون شتاء - المكاريد

ربيع 2003 أطاحت هزة مجتمعية بمقياس التحول الاجتماعي الكبير بنظام حديدي، هو نظام صدَّام حسين، قوامه الخوف والرعب والخشية من مشاهدة النفس في مرآة الصدق، فجميع الأشياء مراقبة وتخضع للتقارير التي تؤدي إلى الأقبية السرية والموت بلا محاكمة.
التحوّل الدراماتيكي الذي أزاح «جمهورية الخوف» في العراق، بدا وكأنه نهاية حقبة التكتم المضني، واستبداله بالانفتاح على مختلف المستويات، ومنها مستوى الأدب والفن عبر تهشيم الشكل الخارجي لطبيعة النص، وفق ضرورة المتن الحكائي، لا سيما في عالم السرد. حدث ذلك، ليس بانسحاب الأسماء التي وقفت مندهشة إزاء هذا الانزياح، بل من خلال كل الذين تصدوا لذاكرتهم بحرية تامة، وتوق للبوح خارج محددات النص السردي دون الالتفات إلى الدرس النقدي القديم. والملاحظ أن أغلب الذين تصدوا للكتابة الجديدة قدموا من خارج المشهد الأدبي متدرعين بأسمائهم فقط، دون دعاية مسبقة أو نشر في صحف أو مجلات، وهذه واحدة من مظاهر رحيل شكل النص التي ندافع عنها في هذه المقالة. ولا ننسى هنا الإشارة إلى أن ما خدم هذا الاتجاه هي عملية تسويق النص عبر توفر إمكانية الطباعة ضمن سياق تجاري متاح للجميع في سوق مفتوحة بلا أبواب. ثم إن تلك النصوص لم تتجه نحو الإسفاف، بل تولدت ذائقة ثقافية سياسية، إن جاز التعبير، ساعدت في إصدار الكثير من الكتب المؤثرة دون الخضوع للرقابة التي أضرت كثيراً بالكتابة منذ بداية بزوغ عالم الطباعة في العراق.
نعم، ثمة رأي يقول: إن الرقابة في الأيام الأخيرة لنظام صدام لم تعد فاعلة بسبب أن ما يطبع متشابه ويسير مع الجدار، وبرزت في المشهد كتابات الرئيس نفسه في الحقل الأدبي مثل «زبيبة والملك» حتى «اخرج منها يا ملعون» تحت اسم مؤلف مجهول «رواية لكاتبها» في إشارة لمسخ الأسماء، وجعلها غير ذات أهمية والاكتفاء بالإشارة للمتن الممسوخ والمتكرر لكتابة لا تكشف ولا تنير، إنها فقط تشير إلى السذاجة في الطرح، وتدوير نفايات الأفكار في تشابه يفضي إلى لا شيء.

الخروج من عنق المجايلة
إزاء المتغيرات العسكرية وسقوط نظام البعث، انفتحت أبواب العراق على مصاريعها بكل الاتجاهات، وسكنت فورة العوز والفقر في جانب البوح والتعبير، وصعدت نبرة التعبير المباشر، وتزايد عدد الصحف - مع غياب الرقيب كذلك - والفضائيات والإذاعات، وخرجت الجموع من أقبيتها إلى الشوارع تعبر عن مكنوناتها، أما الكتابة الحقيقية التي تبحث في جذور الماضي تحت ضوء الحاضر فإنها وقفت مرتبكة من القوالب القديمة، في القصة أو الشعر أو الرواية، أو مبحث اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي أكاديمي متخصص، فحصل الزحاف الجديد المتمثل بخلط كل ذاك القديم وفق واقع جديد بآليات مختلفة في البوح والانتقال إلى التعبير الصادق والخروج إلى الضوء دون خلفية سابقة في المشهد الأدبي أو الصحافي. وأصبح للوجوه الجديدة الحضور الكافي، وهي تجترح طريقاً جديداً في تفاصيل متن السرد، بعيداً عن الأشكال الأدبية واختلافاتها الجيلية (نسبة إلى الأجيال الأدبية العراقية) حتى توقف السجع بعد الألفين، حيث كانت المجايلة تعني الاختلاف في طريقة الكتابة وفق عالم النقد، فهذا أدب واقعي يتبعه القص الواقعي والشعر والمسرح، وهذا أدب تجريبي في الستينات في كل المجالات، وهذا سبعيني يقترب من اليومي في التناول، وهذا ثمانيني حاصره التوجه التعبوي وارتحال الكثير من المبدعين إلى خارج العراق هرباً من البطش والحفاظ على النوع، وهذا تسعيني يغترف من كل الذين سبقوه، ولكن بتسويق أقل، والاعتماد في أغلب الأحيان على الاستنساخ. كل هذا التنوع والاختلاط والتوقف عن الكتابة لأغلبهم ثم بزوغ المتغير الهائل في زوال صدام استدعى أو شكّل النصوص الجديدة في المتن والتغير الشكلي برمته ليصنع أسماء جديدة.

كتّاب جدد
أكثر ما يهمنا في متابعة النصوص الجديدة، كتّابها الذين حضروا المقاعد الأمامية في المشهد الكتابي - لا نستطيع القول الأدبي أو الفني - وسوف نمر على بعضهم، معتذرين للآخرين لعدم إمكانية حصر كل ما نشر، إضافة إلى تمثيل هذا الشكل الجديد بطريقة السرد، باعتبار المؤلف شاهداً على مرحلة.
في كتاب المؤلف قيس حسن «تحت سماء الشيطان... مفكرة شخصية لأربعة عقود عراقية» يتجلى الهروب من الخطاب المتوارث، والانزياح إلى أساسيات السرد الحديث في الاقتراب من القارئ بصيغة جديدة هو ما عمد إليه حسن في الكتابة خارج متن التجنيس الأدبي، رغم الانحياز إلى منطقة المذكرات، ولكن ليس بروح المنتهي من الأيام، وكأن التجربة في نزعها الأخير كما كانت المذكرات تكتب في نهاية العمر، بل هي الشروع ببداية التفكير في كشف المستور من الحكاية التي عاشها أيام الصمت ومحاولة الهرب وطريقة تشكل البشر وسط فضاء والتواءات التشوه. وحسن لا يخجل من قول الحقيقة، أي لم ينخرط في المعارضة رغم عدم الاقتناع بالنظام، بل تتبع خيط اعترافاته ومشاهداته لكيفية تشكل حيوات الآخرين، وهو يعبر الحدود هارباً من الخدمة الإلزامية في الجيش إلى إيران عبر إقليم كردستان.
فيما ينقل لنا الكاتب حمودي نشمي في كتابه «عشرون شتاءً»، وهو الطبيب والضابط المجند، تجربته المضنية في تحمل حياة لا يقوى على تجرعها الإنسان الذي يجنح للمدنية: «بدأنا بصفوف منتظمة، قامات منتصبة، رؤوس مرفوعة، نفوس ذليلة وأمعاء فارغة، نمرُ أمام منصة الاستعراض وكبار الضباط يتوسطهم علي حسن المجيد وزير الدفاع، وهو مزهو بتخريج كوكبة من الضباط الأشاوس الجياع الذين سيلقنون العدو الدروس، وأي دروس؟!».
أما الكاتب نوفل الجنابي فينتقل من عالم السيناريو إلى نسق التأليف الجديد في كتابه «الحلة... عاصمة السخرية».
في ظل انبثاق الكتابة الجديدة التي خرجت من التشكل الجديد للجنس الأدبي، حيث يبدو العنوان الفرعي التابع للرئيسي -الحلة- مفتوحاً على قراءة سسيولوجية متفحصة للحيوات البشرية، وأثرهم في تشكل الحياة الاجتماعية إزاء مواجهات قاهرة ومرة لاضطهاد سياسي يقود البشر لمصائرهم دون أن يستطيعوا التحكم بنهايتها، وهم يتمسكون بالأمل.
إننا إزاء هذه النماذج المنتقاة، نشهد سرداً معاكساً للتأليف التقليدي، الذي يتكئ على آلية السيناريو التي تقطع أوصال السرد، وصولاً إلى التشويق المنشود، باعتماده على السرد الموصول بالتاريخ اليومي لرواية المخبوء من الحكي في زمن الخوف. وبذلك يحقق السرد الجديد شكله الخاص في الكتابة والتلقي يذكرنا بدرس جعفر الخليلي في سردياته الخمسينية المبكرة خارج سرب القص التقليدي والإيفاء بإيصال المتن الحكائي، وفق الحدث المؤثث بزمنه الاجتماعي الذي حصل في أوانه.
نتيجة لهبوب رياح التغير، وبفضل الخبرة المتراكمة، أضاف كتاب عراقيون من الداخل، ومن المهجر، إضافات جنحت نحو المذكرات، أو البوح الذاتي، وكانت ظاهرة عدم استيعاب النص الشعري أو السرد تتفشى في ثنايا كتاباتهم، فكانت إسهامات الكاتب محمد غازي الأخرس في كتابه «المكاريد»، وخضير الزيدي في أسطرة الواقع اليومي ونبش «سكراب» الحياة العراقية، وإظهار المسكوت عنه في الكراجات ودفاتر الخدمة العسكرية والمقاهي وحكايا العجائز إلى ضوء السرد الحديث، ورشيد هارون في متابعة دواخل النفس البشرية المسحوقة، وكشف عوالم المقابر الجماعية في كتاب «أذكر أني»، ومن المهجر فوزي كريم و«مراعي الصبار» وشوقي عبد الأمير في «يوم في بغداد» ورياض رمزي في «الديكتاتور فناناً» وهم يكشفون عمق المسكوت عنه في نقل تفاصيل تاريخية يشتركون بها مع مجايليهم، مما أثار الكثير من الجدل في بعض التفاصيل الصغيرة ومدى مصداقيتها.
النص الجديد يحتاج إلى قراءة نقدية لترسم شكله السردي الحديث، حتى لا يبدو ابناً عاقاً للسرد العراقي. لأن الكتابة نوع من التخفيف عن الهم أو هي حبل الإنقاذ خشية السقوط في هاوية التاريخ.
* كاتب وشاعر عراقي



تفاؤل حكومي في مصر بنجاح خطة «تقليل الإنجاب»

مصر أطلقت حملة «100 مليون صحة» للتوعية والوقاية من الأمراض (وزارة الصحة والإسكان)
مصر أطلقت حملة «100 مليون صحة» للتوعية والوقاية من الأمراض (وزارة الصحة والإسكان)
TT

تفاؤل حكومي في مصر بنجاح خطة «تقليل الإنجاب»

مصر أطلقت حملة «100 مليون صحة» للتوعية والوقاية من الأمراض (وزارة الصحة والإسكان)
مصر أطلقت حملة «100 مليون صحة» للتوعية والوقاية من الأمراض (وزارة الصحة والإسكان)

جاء إعلان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر عن انخفاض معدلات المواليد بنسبة 18.2 في المائة، مصحوباً بحالة من التفاؤل لدى المؤسسات الحكومية المعنية بقضية الزيادة السكانية، بما يُعطي انطباعاً بنجاح خطة «تقليل الإنجاب» وبرامج «تنظيم الأسرة» التي تبنتها مصر، وواصلت تنفيذها على مدى نحو 40 عاماً.

وأعلن رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أكرم الجوهري، عن انخفاض مستويات الإنجاب في مصر بنسبة 18.2 في المائة، إذ بلغ متوسط عدد الأطفال لكل سيدة 2.33 طفل، وفقاً للنتائج الأولية للمسح الصحي للأسرة المصرية لعام 2025، مقارنةً بـ2.85 طفل في عام 2021.

وقال، خلال مؤتمر «إعلان نتائج المسح الصحي للأسرة المصرية 2025»، إن المسح نُفذ بالتعاون مع وزارتي الصحة والتخطيط، مشيراً إلى أنه يأتي امتداداً لسلسلة المسوح السكانية الصحية التي أُجريت في مصر خلال الفترة من 1988 إلى 2014.

جانب من مؤتمر نتائج المسح الصحي للأسرة المصرية (وزارة التخطيط)

وقال وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية في مصر، أحمد رستم، إن المسح الصحي للأسرة المصرية يكتسب أهمية خاصة، لما يوفره من مؤشرات دقيقة حول الأوضاع الصحية والسكانية، وصحة الأم والطفل، والصحة الإنجابية، والتغذية، وغيرها من المؤشرات التي تمثل مرجعاً أساسياً في صياغة السياسات السكانية والصحية والاجتماعية.

وأكد الوزير في كلمته بالمؤتمر أن «نتائج هذا المسح تُمثل قاعدة معرفية تدعم تقييم فعالية البرامج الحكومية والسياسات الصحية والسكانية، وتُسهم في توجيه التدخلات التنموية إلى الفئات والمناطق الأكثر احتياجاً، فضلاً عن دعم تصميم السياسات المستقبلية القائمة على الأدلة، بما يتوافق مع أولويات الدولة المصرية ورؤية مصر 2030».

ويرى الدكتور صلاح سلام، نقيب الأطباء سابقاً بشمال سيناء، أن «هذه المعدلات لا أعتقد أنها تُشير إلى نجاح خطة تنظيم الأسرة بقدر كونها ترتبط بانخفاض معدلات الدخل».

وأضاف سلام لـ«الشرق الأوسط» أن «خفض معدلات الإنجاب بوصفه هدفاً للدولة ربما لا يرتبط ببرامج مدروسة لتنظيم الأسرة، كما حدث في عامي 1996 و2002، والتي أسهمت في خفض معدلات الإنجاب إلى نحو 2.8، فيما كان المستهدف 2.2. لكن ربما يكون السبب هو انخفاض مستويات الدخل، ما يدفع الأسر إلى التفكير كثيراً قبل الإنجاب، في ظل ارتفاع تكاليف العلاج والتعليم، وارتفاع تكلفة الحياة عموماً. وهذا، في رأيي، أحد الأسباب الرئيسية لانخفاض معدلات الإنجاب».

مصر أطلقت حملات عدة لتنظيم الأسرة (وزارة الصحة والسكان)

وكان وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية قد شدد على أن نتائج المسح وما توفره من بيانات تأتي في إطار توجه الدولة المصرية إلى إيلاء قطاع الصحة أولوية قصوى؛ ولذلك تحرص الدولة على توجيه الاستثمارات العامة إلى هذا القطاع، إذ بلغ حجم الاستثمارات العامة المخصصة له في خطة 2026-2027 نحو 108 مليارات جنيه (الدولار يساوي نحو 52 جنيهاً مصرياً)، بزيادة تُقدّر بنحو 27 في المائة عن العام السابق.

وكانت مصر قد أطلقت عدداً من الحملات التوعوية لتنظيم الأسرة عبر تقليل الإنجاب، حفاظاً على المعدلات السكانية الملائمة للموارد، ومن بينها حملات دعائية أطلقت في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، بعد طفرات في الزيادة السكانية التي شهدتها مصر من 26 مليون نسمة عام 1960 إلى 58 مليون نسمة عام 1990، في حين سجل عدد سكان مصر 109 ملايين نسمة في مايو (أيار) الماضي.


«حين رآني الغياب»... مسرحية سعودية عن إعادة اكتشاف الذات

شارك العرض السعودي ضمن فعاليات ملتقى أولادنا بالقاهرة (الشرق الأوسط)
شارك العرض السعودي ضمن فعاليات ملتقى أولادنا بالقاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«حين رآني الغياب»... مسرحية سعودية عن إعادة اكتشاف الذات

شارك العرض السعودي ضمن فعاليات ملتقى أولادنا بالقاهرة (الشرق الأوسط)
شارك العرض السعودي ضمن فعاليات ملتقى أولادنا بالقاهرة (الشرق الأوسط)

قدّم العرض المسرحي السعودي «حين رآني الغياب» تجربة إنسانية تتوقف أمام واحد من أكثر الأسئلة ارتباطاً بعلاقة الإنسان بذاته وبنظرة الآخرين إليه، من خلال رحلة درامية تتقاطع فيها مشاعر الفقدان والغياب مع البحث عن الهوية واكتشاف القيمة الحقيقية للإنسان بعيداً عن الصورة التي يرسمها الآخرون عنه.

واحتضن «ملتقى أولادنا» لذوي الإعاقة بالقاهرة العرض ضمن فعالياته، ليضع أمام الجمهور تجربة مسرحية تنطلق من الاختلاف والفقدان، لكنها تتجاوزهما إلى سؤال أعمق حول معنى أن يرى الإنسان نفسه قبل أن ينتظر أن يراه الآخرون، وقُدم على خشبة المسرح الصغير في دار الأوبرا المصرية.

ولا يتعامل العرض مع الغياب بوصفه فقداناً لشخص أو شيء فقط، وإنما يقدمه بوصفه حالة إنسانية يمكن أن يعيشها الفرد حتى وهو محاط بالآخرين، فقد يشعر بأنه غير مرئي أو غير مفهوم، فيبدأ رحلة البحث عن صورته في عيون المحيطين به، قبل أن يكتشف أن الطريق إلى ذاته يمر أولاً عبر مواجهة الألم والتصالح مع ما يحاول الهروب منه، في عرض كتبته هدى حدادي، وقام ببطولته محمد لادان، وأخرجته أمينة السوداني.

فريق عمل المسرحية مع سلاف فواخرجي وداليا البحيري بعد انتهاء العرض (الشرق الأوسط)

وقالت مخرجة العرض أمينة السوداني، لـ«الشرق الأوسط» إن السؤال الأساسي الذي أرادت أن يخرج به المشاهد هو: «هل أحتاج إلى أن يراني الآخرون حتى أرى نفسي؟»، موضحةً أن «حين رآني الغياب» لا يبحث عن إجابة جاهزة، بقدر ما يضع الإنسان أمام علاقته بذاته وبنظرة الآخرين إليه لأن الرحلة تنتهي عند لحظة يدرك فيها الإنسان أن قيمته لا تتحدد بما يراه الآخرون فيه، وإنما بما يكتشفه هو في داخله.

وأوضحت أن عنوان العرض يحمل مفارقة أساسية، إذ يرتبط الغياب عادةً بشيء نفتقد إليه، بينما حاولت في العمل تحويله إلى مساحة يستطيع الإنسان من خلالها رؤية نفسه بوضوح، لافتةً إلى أن الغياب في العرض ليس فراغاً، بل حالة تكشف الإنسان لنفسه، ومن هنا جاءت الفكرة التي تقوم على أنه حين يغيب الآخر، يبدأ الإنسان في رؤية ذاته.

ولفتت إلى أن «الغياب ظهر في العرض بوصفه حالة داخلية، مع العمل على تحويله إلى إحساس مرئي على الخشبة من خلال اللغة البصرية»، على حد تعبيرها. موضحةً أن الخشبة انقسمت إلى ثلاثة عوالم هي: «الغياب»، و«العتب واللوم»، و«الذات»، بهدف جعل الجمهور يشعر بالغياب من خلال المكان والضوء والصورة وحركة الشخصية، بدلاً من الاكتفاء بشرحه عبر الحوار.

وأشارت إلى أن «العمل تعمد الابتعاد عن تقديم رسالته في صورة خطاب مباشر، لأن الشخصية تعيش التجربة أمام المشاهد، بينما يتشكل المعنى من علاقتها بالمجسمات والعصا والمكان والشاشة، التي تمثل تصور الشخصية للعالم المحيط بها»، وفق قولها.

وعن الفرق بين تقبل الاختلاف والتحرر من نظرة الآخرين، قالت إن الشخصية تبدأ رحلتها وهي متأثرة بالصورة التي يرسمها الآخرون عنها، قبل أن تدرك تدريجياً أن المشكلة ليست دائماً في الاختلاف نفسه، وإنما في الطريقة التي يسمح بها الإنسان لهذه النظرة بأن تحدد صورته عن ذاته، مشيرةً إلى أن النهاية لا تتوقف عند «تقبل الاختلاف»، وإنما تمثل خطوة باتجاه التحرر من الحاجة إلى تعريف الذات من خلال الآخرين.

العرض قُدِّم على المسرح الصغير في الأوبرا المصرية (الشرق الأوسط)

وحول مشاركة محمد لادان، وهو ممثل كفيف يؤدي شخصية تتقاطع بعض أسئلتها مع تجربته، أكدت المخرجة أن «هناك فصلاً واضحاً بين محمد الإنسان ومحمد الممثل والشخصية التي يؤديها»، موضحةً أنها لم تتعامل معه بوصفه يؤدي تجربته الشخصية، وإنما كممثل يمتلك أدواته وخبرته ويمنح الشخصية من حضوره.

وأضافت أن «تجربته الشخصية يمكن أن تكون مساحة للإحساس والفهم ساعدته على تجسيد الشخصية، لكنها ليست النص ولا تفسيره»، ورأت أن «وجود ممثل كفيف في العمل مهم، لكن الاختيار بالنسبة لي كان فنياً قبل أن يكون رمزياً، لكون البطل لم يكن مجرد ممثل يحقق فكرة المشاركة، وإنما ممثل قادر على حمل الشخصية وتجسيد أسئلتها على الخشبة، وتم اختياره منذ اللحظة الأولى لقراءة النص، قبل ظهور قدراته الفنية وحضوره القوي على المسرح»، حسب تعبيرها.

وقالت إن العمل نفسه تغير خلال البروفات، لأن الممثل شريك أساسي في اكتشاف الشخصية، لافتةً إلى أن وجود محمد كممثل كفيف أعاد تشكيل مفهوم «الرؤية» داخل العرض، فلم يعد السؤال بالنسبة إليها «مَن يرى؟ ومَن لا يرى؟»، وإنما «ما الذي نراه فعلاً؟ وهل الرؤية مرتبطة بالعين وحدها؟»، الأمر الذي انعكس بدوره على المعالجة البصرية للعمل.

وأكدت أن المسرحية تطرح أيضاً سؤالاً حول الطريقة التي قد يختصر بها المجتمع الإنسان في صفة أو اختلاف واحد، موضحةً أن «العمل لا يسعى إلى محاكمة المجتمع بقدر ما يضع هذه النظرة أمام المشاهد، لينتقل مركز النظر من: ماذا ينقص الإنسان؟ إلى: مَن الإنسان؟».

وفيما يتعلق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الشاشة والتصميمات الغرافيكية، أكدت المخرجة أنها لم تتعامل معها بوصفها وسيلة للإبهار البصري، وإنما بحثت عن قدرتها على التعبير عن المعنى الدرامي.


لأول مرة... اسم ترمب يظهر بين أسماء المواليد في أميركا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل طفلين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل طفلين (رويترز)
TT

لأول مرة... اسم ترمب يظهر بين أسماء المواليد في أميركا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل طفلين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل طفلين (رويترز)

كشفت أحدث بيانات أسماء المواليد الصادرة عن إدارة الضمان الاجتماعي الأميركية عن أن اسم الرئيس الأميركي دونالد ترمب بلغ أدنى مستوى له على الإطلاق من حيث الشعبية بين الآباء الأميركيين... لكن يبدو أن اسم عائلته يسلك مساراً مختلفاً.

ووفقاً لإدارة الضمان الاجتماعي، استُخدم اسم «ترمب» اسماً أول لسبعة أطفال ذكور ولدوا في الولايات المتحدة العام الماضي. وهذه هي المرة الأولى التي يظهر فيها الاسم على الإطلاق في البيانات العامة للحكومة الفيدرالية.

وقالت صوفي كيم، رئيسة تحرير موقع «Nameberry» المتخصص في أسماء الأطفال، لـ«هاف بوست»: «هناك تقليد طويل جداً يتمثل في تحول أسماء عائلات الرؤساء إلى أسماء أولى للأطفال، وعادةً ما يكون هؤلاء من الذكور».

واستشهدت بالرئيس الأميركي السادس والعشرين، ثيودور روزفلت، مثالاً على ذلك.

وأوضحت كيم: «بدأ استخدام اسم عائلة ثيودور روزفلت اسماً أول في عام 1885، ودخل قائمة أفضل 150 اسماً في عام 1902، أي بعد عام واحد من توليه الرئاسة، واستمر ضمن أفضل 150 اسماً حتى عام 1908».

وأضافت: «وظل ضمن أفضل 500 اسم حتى عام 1971. وحتى أسماء عائلات الرؤساء التي قد تبدو أقل شبهاً بأسماء الأشخاص، مثل تافت وكوليدج، دخلت قائمة أفضل 1000 اسم خلال فترات تولي أصحابها الرئاسة».

لماذا ظهر اسم «ترمب» الآن؟

وعلى عكس بوش وأوباما وبايدن، ظهرت أسماء عائلات هؤلاء الرؤساء في بيانات إدارة الضمان الاجتماعي في بدايات فترات رئاستهم. لكن اللافت أن اسم ترمب احتاج إلى عام 2025 للوصول إلى هذا المستوى.

وقالت آبي ساندل، مؤسسة مدونة «Appellation Mountain» المتخصصة في أسماء الأطفال، إن هذا التقليد يعود إلى فترة أبعد قليلاً: «لأسباب تتعلق بالخصوصية، لا تكشف إدارة الضمان الاجتماعي عن الأسماء التي أُطلقت على أقل من خمسة أطفال ذكور أو إناث».

وأضافت: «من المحتمل أن يكون عدد قليل من الأطفال قد سُمي ترمب في السنوات السابقة. فأي اسم يحظى بهذا القدر من الاهتمام العام، سواء كان ذلك الاهتمام إيجابياً أو سلبياً أو لأي سبب آخر، سيظهر على أطراف بيانات الشعبية».

وقالت كيم: «معظم الرؤساء المعاصرين ظهر اسم عائلتهم في البيانات في العام الذي تولوا فيه المنصب، لذا فمن المثير للدهشة، إن لم يكن أكثر، أننا لم نرَ اسم ترمب يظهر في القائمة حتى بداية ولايته الثانية».

وأضافت: «أنا متأكدة من أن عدداً قليلاً من الأطفال سُمي ترمب في عام 2017، لكن يبدو أن العدد لم يكن كافياً للوصول إلى الحد الأدنى البالغ خمسة أطفال الذي تعتمد عليه قائمة إدارة الضمان الاجتماعي».

لكن ريبيكا والبرغ، المتخصصة في اتجاهات أسماء الأطفال لدى موقع «BabyCenter»، قالت: «لا تزال ترى أن توقيت ظهور الاسم مرتبط بالانتخابات والدورة الإخبارية».

وقالت: «كانت دورة انتخابات 2024 قد وضعت ترمب وإدارته تحت الأضواء. لكن الأمر يستغرق عادةً نحو تسعة أشهر حتى تؤثر الأخبار أو لحظة من الثقافة الشعبية في اتجاهات أسماء الأطفال، ولهذا السبب يظهر اسم ترمب في بيانات عام 2025».

تأثير صورة ترمب السياسية

كما تختلف الولاية الرئاسية الثانية لترمب بشكل واضح عن ولايته الأولى في كثير من الجوانب.

وقالت كيم: «أما سبب وجود عدد أكبر، ولو بشكل طفيف، من الأطفال الذين يحملون اسم ترمب اليوم، فأعتقد أن الأمر يتعلق بصورة ترمب العامة خلال حملته الانتخابية لعام 2024 وفي بداية ولايته الثانية».

وأضافت: «قدّم ترمب نفسه على أنه شهيد بعد نجاته من محاولة اغتيال وخروجه من إدانته ولوائح الاتهام بحقه من دون تداعيات كبيرة من جانب الناخبين. ومن المرجح أن الآباء الذين اختاروا اسم ترمب لأبنائهم يرون ترمب بطلاً وشهيداً، أي شخصاً جديراً بالإعجاب بحيث يطلقون اسمه على طفلهم».

وقارنت كيم مرة أخرى اختيار اسم ترمب الأول باختيار أسماء مثل بيكهام أو زندايا.

وقالت: «ترتبط هذه الأسماء ارتباطاً لا ينفصم بشخصية بارزة واحدة. واستخدام هذه الأسماء يمثل تأييداً لأفعال ذلك الشخص ومعتقداته».

أما مستشارة أسماء الأطفال تايلور همفري، فلم تكن متفاجئة تماماً من ظهور اسم ترمب في بيانات إدارة الضمان الاجتماعي.

وقالت: «دونالد جيه ترمب يحظى بقاعدة جماهيرية ضخمة ومخلصة للغاية، وإذا كانت فترة توليه الرئاسة قد علمتنا شيئاً، فهو أن علينا توقع ما هو غير متوقع».

هل يصبح «ترمب» اسماً شائعاً؟

يرى معظم الخبراء الذين تحدثت إليهم «هاف بوست» أن وجود ترمب في عالم أسماء الأطفال سيكون مؤقتاً.

وقالت ساندل: «سأصف الأمر بأنه أقل من كونه اتجاهاً وأكثر من كونه حالة عابرة».

وأضافت: «الأطفال السبعة الذين حملوا اسم ترمب لا يقارنون بأسماء أخرى ارتفع استخدامها خلال موجات من الاهتمام الإعلامي. فقد تضاعف استخدام اسم كوبي ثلاث مرات بعد وفاة نجم كرة السلة المأساوية، كما شهد اسم شخصية مسلسل (Wednesday) المستوحى من (عائلة آدامز) على (نتفليكس) ارتفاعاً في الاهتمام، وارتفع استخدام اسمي تشابيل وروان مع تحول أغنية (Pink Pony Club) إلى ظاهرة واسعة الانتشار على الإنترنت».

وأضافت: «وفي عام 2025 أيضاً، أُطلق اسم كامالا على عشر فتيات».

وتوقعت كيم أن يختفي الاسم تماماً في الإصدار المقبل لبيانات إدارة الضمان الاجتماعي.

وقالت: «لا أتوقع أن يظهر اسم ترمب في بيانات عام 2026. من المرجح أن يكون هذا ظهوراً عابراً لمرة واحدة في البيانات. وحتى إذا ظهر مرة أخرى، فمن غير المرجح أن يزداد انتشار اسم ترمب، وبالتأكيد سيختفي من قائمة إدارة الضمان الاجتماعي بحلول نهاية فترة رئاسته».