اليمنيون في مصر... رجال أعمال وطلاب ومرضى يحلمون بالعودة

تقدر أعدادهم بنحو 200 ألف... ويفضلون وصف «عالقين» بدلاً من «لاجئين»

حفل لإحدى الفرق اليمنية على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية ({الشرق الأوسط})
حفل لإحدى الفرق اليمنية على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية ({الشرق الأوسط})
TT

اليمنيون في مصر... رجال أعمال وطلاب ومرضى يحلمون بالعودة

حفل لإحدى الفرق اليمنية على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية ({الشرق الأوسط})
حفل لإحدى الفرق اليمنية على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية ({الشرق الأوسط})

تتفاوت ظروفهم المعيشية داخل أروقة المدن المصرية الكبرى، ما بين «نازحين» هاربين من جحيم الحرب في بلادهم، و«عالقين» جاءوا للعلاج ولم يتمكنوا من العودة، ورجال أعمال لديهم استثمارات في مجالات كثيرة، وآخرين جاءوا قبل سنوات بحثاً عن فرص عمل وحياة أفضل، يعيش اليمنيون في مصر والقاسم المشترك بينهم جميعاً هو الخوف من كابوس الحرب الذي تتصاعد حدته يوماً بعد يوم.
ورغم ما تتعرض له المدن اليمنية من صراعات دموية، فإن حلم العودة يمثل لليمنيين المقيمين في مصر «وصفة وطنية»، يتشاركون فيها جميعاً، ويستمدون منها العون لمواجهة ظروف معيشية صعبة خارج وطنهم الأصلي. «الشرق الأوسط» رصدت أوضاع اليمنيين في مصر، والتقت بعدد كبير منهم، وألقت الضوء على بعض جوانب حياتهم اليومية داخل أحياء القاهرة والجيزة، بالإضافة إلى أنشطتهم الاقتصادية والتجارية.
ينتشر اليمنيون في كثير من المحافظات المصرية، أبرزها العاصمة القاهرة، ومدينة الإسكندرية (200 كيلومتر شمال القاهرة)، وأسيوط (جنوب القاهرة)، ومدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية (وسط دلتا مصر)، لكن العدد الأكبر منهم يتركز في القاهرة.
ورغم عدم وجود إحصائيات رسمية مصرية عن أعداد اليمنيين في مصر، فإن قيادات بالجالية اليمنية تقدر بأنهم يتراوحون بين 180 و200 ألف يمني.
ويواجه اليمنيون في مصر مشكلات، أهمها ضرورة الحصول على تأشيرة للدخول، وتحديد مدة الإقامة، بعد أن ظلوا نحو 60 عاماً يُسمح لهم بالدخول من دون تأشيرة، لكن مصر واليمن أقرتا نظاماً جديداً للدخول. فحسب الاتفاقية الموقعة في مارس (آذار) 2015، أصبح لزاماً عليهم الحصول على تأشيرة للدخول من السفارات المصرية في أي من العواصم العربية أو الأوروبية، أو عند الوصول إلى مصر، بالإضافة إلى طلب إقامة يتم تجديده كل 6 أشهر.
وأسفرت النقاشات بين الجانبين المصري واليمني عن تقديم بعض التسهيلات الخاصة التي أضيفت إلى الاتفاق، منها إعفاء كل من تجاوز عمره 60 عاماً، أو من كان عمره دون 16 عاماً، من رسوم الإقامة وغرامات تأخر التجديد، وإعفاء حاملي الجوازات «الدبلوماسية - الخاصة - المهمة» من شرط التأشيرة المسبقة، على أن تنطبق عليهم قواعد الإقامة نفسها التي تطبق على حاملي جوازات السفر العادية، مع منح المواطنين اليمنيين ميزة عن سائر الجنسيات الأخرى بإقامة أول 6 أشهر من دون رسوم، ومنح المتزوجين بمواطنات مصريات، ومن لديهم أبناء يحملون الجنسية المصرية، إقامة سنوية متجددة.
كما يمنح اليمنيون الذين يمتلكون شققاً سكنية تزيد قيمتها عن 50 ألف دولار، وأقاربهم من الدرجة الأولى، إقامة سنوية متجددة، ويمنح الدارسون بالمدارس والجامعات والمعاهد المصرية، وأقاربهم من الدرجة الأولى، إقامة سنوية متجددة حتى الانتهاء من الدراسة، ويمنح أيضاً من لديهم أعمال وسجلات تجارية، وأقاربهم من الدرجة الأولى، إقامة سنوية متجددة، وكذلك المستثمرون عبر الهيئة العامة للاستثمار، يمنحون وأقاربهم من الدرجة الأولى إقامة لمدة 5 سنوات متجددة.

تحويلات الأقارب
تشكل خريطة توزيع اليمنيين في القاهرة مدخلاً هاماً لفهم مشكلات جالية لها خصوصيتها الثقافية، ويرفض أبناؤها وصفهم بأنهم «لاجئون»، مفضلين تعبير «نازحين أو عالقين»، فالتوزيع الجغرافي يبرز في جانب منه تفاوتاً واضحاً ليس في المستوى المعيشي فحسب، وإنما في مستوى وقسوة المعاناة.
وفي جانب آخر، يبرز استمرار تدهور الأوضاع يوماً بعد يوم كلما طالت الحرب، فالذين انتقلوا فور وصولهم للسكن في الأحياء المصرية الراقية، مثل «المهندسين» و«الزمالك» و«مصر الجديدة»، اضطروا بفعل طول الأزمة ونفاد مدخراتهم إلى الانتقال لأحياء شعبية تكون كلفة الإيجار فيها أقل. أما الذين جاءوا مباشرة إلى الأحياء الشعبية، فاضطروا أيضاً للبحث عن مسكن مساحته أصغر وأقل كلفة في الأحياء نفسها، فيما عجز كثيرون عن سداد إيجار مسكنهم، وفقاً ليمنيين يعيشون في مصر منذ سنوات.
يقول فهد العريقي، رئيس مجلس أعيان الجالية اليمنية في مصر، لـ«الشرق الأوسط»: «لا توجد إحصائيات رسمية بعدد اليمنيين في مصر، لكن بحسب الإحصائيات التقريبية التي أجريناها، يصل العدد إلى ما بين 180 و200 ألف حتى نهاية 2017، بعد أن كان لا يتجاوز عددهم 100 ألف في عام 2016، والسبب في هذه الزيادة أن أعداداً كبيرة وصلت مصر من الأردن والسودان».
ويضيف: «عند بداية النزوح، عاش كثير من اليمنيين في الأحياء الراقية، كالمهندسين ومصر الجديدة والزمالك والعجوزة، لكن مع طول الأزمة وفقدان مدخراتهم اتجه معظمهم إلى الأحياء الشعبية، مثل فيصل والهرم. وفي بداية الأزمة، كانت الجمعيات الخيرية تقوم بدور كبير في مساعدة النازحين الفقراء، سواء الراغبين في العلاج أو المساعدة في تدبر النفقات الأساسية للمعيشة، لكن هذا الدور تقلص إلى حد كبير لأن العدد فاق إمكانيات الجمعيات، كما أن مساعدات رجال الأعمال اليمنيين تراجعت لأنهم فقدوا جزءاً كبيراً من مصدر دخلهم بسبب الحرب».
وتعتمد النسبة الأكبر من اليمنيين في مصر على المساعدات، ومساعدات أقاربهم وعائلاتهم في الخارج، بينما يمتلك عدد منهم مشروعات تجارية، معظمها متوسطة مثل المطاعم اليمنية والمحال التجارية، وتشكل تحويلات الأقارب من الخارج المصدر الرئيسي لمعظم الذين نفدت مدخراتهم، وهي تحويلات صغيرة تساعدهم على تسديد نفقات معيشتهم الأساسية.
ويتابع رئيس مجلس أعيان الجالية اليمنية قائلاً: «نحو 20 في المائة لديهم مشروعات تجارية، و80 في المائة يعيشون على مدخراتهم، والمصدر الأساسي لهذه الأسر هو المساعدات التي يتلقونها من أقاربهم وعائلاتهم من الخارج. ومع ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه المصري، يغطي مبلغ بسيط بالدولار النفقات الأساسية»، ولفت قائلاً: «رغم قسوة الحياة، فإن جميع اليمنيين لديهم حلم العودة إلى وطنهم، ولو انتهت الحرب سيعود جميع اليمنيين خلال شهر واحد».

مدارس يمنية
يشكل الطلاب نسبة كبيرة من الجالية اليمنية في مصر، وهم ينقسمون إلى شرائح مختلفة، فطلاب التعليم الجامعي يتوزعون ما بين طلاب منح التبادل الثقافي بين مصر واليمن، وهم الطلاب المبعوثون رسمياً من قبل الحكومة اليمنية، وطلاب المنح الخاصة التي تمولها جمعيات خيرية يمنية أسستها عائلات كبرى، بينما يدرس العدد الأكبر من الطلاب في جامعات خاصة على نفقتهم بنسبة تتراوح بين 60 إلى 70 في المائة، بحسب مسؤولين في الجالية.
ويرتاد الطلاب في مرحلة التعليم قبل الجامعي مدارس خاصة، بعدما قام رجال أعمال يمنيون بتبني مشروع لإنشاء مدارس يمنية خاصة في مصر، بدأ بمدرستين في القاهرة.
وتتركز معاناة طلاب التعليم الجامعي في عدم قدرتهم على سداد المصروفات الدراسية، خصوصاً مع تكرار تأخر المخصصات التي ترسلها الحكومة اليمنية للطلاب المبعوثين، وهو ما دفع الطلاب المبعوثين إلى الاعتصام داخل مقر السفارة في القاهرة عدة مرات خلال عام 2017، للمطالبة بصرف قيمة منحهم المتأخرة، وقامت الحكومة المصرية بإعفاء كثير من الطلاب أصحاب الحالات الخاصة من سداد الرسوم الدراسية، واستقبل الدكتور خالد عبد الغفار وزير التعليم العالي والبحث العلمي المصري، في أغسطس (آب) الماضي، عبد الملك المخلفاوي وزير الخارجية اليمني، حيث اتفقا خلال اللقاء على بحث المزيد من الإعفاءات للطلاب غير القادرين على سداد الرسوم الدراسية.
ومن جهته، يقول صهيب محمود، طالب في إحدى الجامعات المصرية الخاصة، لـ«الشرق الأوسط»: «حضرت إلى مصر قبل 3 سنوات، وأدرس في إحدى الجامعات الخاصة، وأسرتي تعيش منذ سنوات في إحدى الدول العربية، ويقومون بإرسال مبلغ شهري يكفي رسوم الدراسة ومصروفاتي، من سكن وطعام ومصروفات شخصية، وأنا أفضل حالاً من طلاب كثيرين يعانون مشكلات مادية بسبب عدم قدرتهم على سداد الرسوم الدراسية، لذلك أستضيف اثنين من زملائي اليمنيين في شقتي بمنطقة الدقي، لأن تحويلات أسرهم تتأخر كثيراً»، وأوضح أنه «يوجد كثير من الطلاب يعانون من عدم قدرتهم على تدبير نفقاتهم الأساسية».

البحث عن حياة أفضل
في السياق نفسه، يعيش كثير من اليمنيين في مصر منذ سنوات طويلة، بعضهم رجال أعمال أنشأوا مشروعات في مجالات كثيرة، بينها المطاعم اليمنية التي لاقت رواجاً واسعاً بين المصريين.
ويقول رجل الأعمال نبيل سهيل، الذي يمتلك سلسلة مطاعم يمنية في مصر، لـ«الشرق الأوسط»: «حضرت إلى مصر عام 2005، وأنشأت مطعماً يمنياً تطور إلى سلسلة مطاعم حققت نجاحاً كبيراً، فالتقارب الثقافي بين مصر واليمن ينعكس على الطعام، فأساتذتنا في المدارس والجامعات اليمنية كانوا مصريين، كما أن الجالية المصرية في اليمن كانت كبيرة العدد».
ويضيف: «معظم اليمنيين يتفهمون فرض مصر تأشيرة دخول، بعد أن كنا ندخل دون تأشيرة، وندرك أنها احتياطات أمنية بسبب الميليشيات، فلا توجد سلطة حكومية حقيقية في العاصمة اليمنية صنعاء حالياً، وهناك تلاعب كبير في إصدار الأوراق الثبوتية، لذلك نتفهم موقف مصر، ويوجد وعود بأن يعود نظام الدخول من دون تأشيرة فور استقرار الأمور».
وأوضح سهيل قائلاً: «أبرز المشكلات التي تواجه اليمنيين في مصر هي صعوبة اندماجهم في سوق العمل، لأن أغلبهم غير مؤهل علمياً أو مهنياً، ونحن كرجال أعمال نشارك في كثير من المبادرات لمساعدة غير القادرين، فجميع اليمنيين، مهما اختلفت ظروفهم، لديهم حلم بالعودة إلى وطنهم، فنحن شعب لديه ارتباط كبير بالأرض، وأكاد أجزم أنه بمجرد استقرار الأوضاع، سيعود معظم اليمنيين خلال شهر واحد».
إلى ذلك، لم يقتصر النجاح الذي حققه كثير من اليمنيين في مصر على رجال الأعمال، فالكثيرون حضروا إلى مصر منذ سنوات بحثاً عن فرصة عمل وحياة أفضل لأسرهم، وحققوا نجاحاً كبيراً في مهن مختلفة.
من جهته، يروي سعيد محمد (51 سنة)، يعمل طباخاً في أحد المطاعم اليمنية الشهيرة بحي المهندسين، لـ«الشرق الأوسط» قصة استقراره في مصر، قائلاً: «حضرت إلى مصر عام 2010 بحثاً عن حياة أفضل، وكنت أعمل طباخاً في اليمن. وفور وصولي إلى مصر، عملت في أحد المطاعم اليمنية، وكنت أسافر إلى أسرتي باليمن كلما استطعت. لكن بعد الحرب، قمت بإحضار أسرتي، واستقروا معي في مصر قبل نحو عام».
ويضيف: «مصر بلد جميل، وعلاقتي بالمصريين، سواء زملائي في العمل أو جيراني، جيدة جداً، وقد لاقيت كثيراً من الدعم والمساندة من أصدقاء مصريين عند وصولي»، ولفت إلى أنه «يعد الأكلات اليمنية الشهيرة لبعض جيرانه من المصريين الذين يدعونه أيضاً لتناول الأطعمة المصرية».

حلم العودة
مقاهي حي الدقي بالجيزة تحول عدد منها إلى ملتقى لليمنيين، وفرصة لتبادل الأخبار واستعادة الذكريات، وهي تشكل بطبيعتها تجمعاً يكاد يغطي فئات وأعمار الجالية اليمنية كافة، من طلاب وباحثين عن العلاج وعمال في مطاعم وتجار ونازحون دون عمل، وكأنها خريطة إنسانية لأوضاع اليمنيين في مصر.
بدوره، يقول بليغ المخلافي، المستشار الإعلامي لسفارة اليمن في القاهرة، لـ«الشرق الأوسط»: «رغم أن كثيراً من اليمنيين في مصر حققوا نجاحات كبيرة في أنشطة اقتصادية مختلفة، مثل المطاعم اليمنية والعقارات والسياحة والنقل، فإن حلم العودة إلى الوطن يسكن وجدان الجميع على اختلاف معاناتهم».
سهيل عبد الله، 35 سنة، أحد رواد مقاهي الدقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن قصة تلقيه العلاج في مصر، قائلاً: «أصبت العام الماضي بقذيفة في مدينة تعز أدت إلى بتر ساقي اليسرى، وحضرت للعلاج في مصر بصحبة شقيقي، ومن وقتها وأنا عالق لا أستطيع العودة، وقد وجد شقيقي عملاً في أحد المطاعم اليمنية بالمنطقة كي نتمكن من دفع الإيجار وتكاليف المعيشة، ورغم كوابيس الحرب التي توقظني من نومي فزعاً، فإنني أحلم بالعودة إلى بلدي».
ووفقاً لإحصائيات الأمم المتحدة، فإن الحرب اليمنية قد خلفت منذ بدايتها عام 2015 أكثر من 3 ملايين نازح، بينهم أكثر من مليون فروا إلى دول الجوار. وذكر التقرير أن الحرب خلفت أكثر من 10 آلاف قتيل، إضافة إلى أكثر من 40 ألف جريح.
وقام عدد من الأطباء اليمنيين في مصر بتأسيس لجنة طبية لخدمة المرضى اليمنيين، وتقوم اللجنة بمساعدة اليمنيين مجاناً من خلال عيادات مختلفة لأطباء يمنيين ومصريين، كما تقوم اللجنة بالتنسيق مع بعض المستشفيات ومراكز الأشعة والتحاليل التي تقدم تخفيضات كبيرة للعالقين اليمنيين.
ومن جانبه، يقول الدكتور السيد علي رضوان، الباحث المتخصص في دراسات الشأن اليمني والخليجي، لـ«الشرق الأوسط»: «مصر بالنسبة لليمنيين هي الوطن الثاني، وليست مجرد بلد للنزوح، خصوصاً أن معظم اليمنيين تلقوا تعليمهم في المدارس والجامعات اليمنية على يد أساتذة مصريين، فاليمنيون يعشقون مصر».



قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
TT

قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)

دخلت قوات حفظ السلام المصرية، المنتظر أن تشارك في الصومال مرحلة جديدة، بعد اصطفاف عسكري حضره الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بالقاهرة.

تلك القوات التي أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنها أمام مشاركة «مرتقبة» في الصومال، تواجه تحديات عديدة منها، وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، رد فعل «حركة الشباب» المتشددة، وإثيوبيا التي وجهت اعتراضات علنية لهذا الوجود المصري على خلفية خلافات البلدين.

وأفاد الجيش المصري، في بيان نقلته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، الأربعاء، بأن «رئيس الصومال شهد اصطفاف القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، وذلك في إطار الدور المصري الريادي الداعم للجهود الدولية في حفظ السلام، وتعزيز ركائز الأمن والاستقرار بالقارة الأفريقية».

ووفق البيان، «أتمت القوات المشاركة أعلى درجات الجاهزية من خلال مستوى تدريبي احترافي يُمكّن من تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار تحت مختلف الظروف».

وكان الرئيس المصري قد قال في مؤتمر صحافي، الأحد، بالقاهرة مع نظيره الصومالي: «تناولت محادثاتنا مشاركة مصر المرتقبة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم والاستقرار في الصومال، حيث أكدتُ أن مصر ماضية في استكمال نشر قواتها ضمن البعثة، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفي ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار في كافة ربوع الصومال».

الخبير العسكري والاستراتيجي والمستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، اللواء عادل العمدة، قال إن مشاركة مصر المرتقبة تأتي بطلب من الصومال وموافقة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، لافتاً إلى أن «الاصطفاف» يعني عسكرياً قرب المغادرة، وأن القوات جاهزة لإتمام المهمة المكلفة بها.

القوات المصرية المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ووفقاً للخبير في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، تشير المعطيات المتداولة منذ فترة إلى أن مشاركة القوات المصرية ضمن بعثة حفظ السلام المرتقبة في الصومال «لم تكن فكرة طارئة، بل خياراً مطروحاً بجدية ظل مرهوناً بالحصول على الضوء الأخضر من قيادتي البلدين في القاهرة ومقديشو»، متوقعاً انتشارها قريباً.

ويأتي هذا الاصطفاف بعد نحو شهرين من إعلان إسرائيل في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الاعتراف بإقليم أرض الصومال «دولة مستقلة ذات سيادة»، وحدوث مواجهات بالصومال، وهجمات من جانب «حركة الشباب».

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أعلن في ديسمبر 2024 أن بلاده ستشارك في قوة حفظ السلام الجديدة التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، التي حلت محل مهمة لمكافحة الإرهاب انتهت أواخر 2024.

وواجهت بعثة مصر منذ إعلان المشاركة تحديات. وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا خلال أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

جانب من القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ويرى العمدة أن أبرز التحديات تكمن في المهمة الموكلة إليها، وهي مكافحة الإرهاب والعناصر الخارجية على القانون، وتحديداً «حركة الشباب»، مستبعداً أن تكون هناك تحديات من الجانب الإثيوبي تجاه قوات مصر، «خاصة أن مصر دولة قوية وملتزمة بالإجراءات والمهام»، على حد قوله.

ويعتقد كلني أن احتمال وصول القوات المصرية لا يُنظر إليه بمعزل عن التوازنات الإقليمية الدقيقة؛ إذ يُرجَّح أن يثير قلق بعض دول الجوار، وفي مقدمتها إثيوبيا، في ظل استمرار ملفات خلافية عالقة بين القاهرة وأديس أبابا، وعلى رأسها أزمة سدّ النهضة.

ويضيف أن هذا التطور «يتقاطع مع شبكة من الترتيبات الأمنية والعلاقات المتشابكة التي تربط مصر بكلٍّ من إريتريا والسودان والصومال، فضلاً عن شبهات تتعلق بأدوار إسرائيلية غير مباشرة يُعتقد أن لإثيوبيا اطلاعاً عليها، وربما إسهاماً في تسهيل بعض مساراتها».

وعلى الرغم من وضوح دلالات هذا الحراك العسكري والسياسي، فإن تقدير حجم تأثير وصول القوات المصرية إلى الصومال لا يزال سابقاً لأوانه، وفق كلني الذي قال إن ردود فعل بعض دول القرن الأفريقي تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة، لا سيما في ظل مخاوف معلنة من تنامي قدرات الجيش الصومالي تدريباً وتسليحاً.


«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

TT

«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

يقترب ملف نزع سلاح حركة «حماس» من تطور جديد يمكن أن يساعد في فك أكثر ملفات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تعقيداً، مع تسريبات أميركية عن مقترح جديد يستهدف حلاً تدريجياً يشمل إخراج العتاد الثقيل من الخدمة فوراً.

المقترح الذي لم يخرج إلى إطاره الرسمي بعدُ، ولم يتحدث عنه الوسطاء أو «حماس»، يعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه قد يكون حلاً مناسباً شريطة أن تكون هناك ضمانات خاصة أميركية لتنفيذه وعدم انقلاب إسرائيل عليه، مشيرين إلى أنه بخلاف الضمانات الأميركية ستكون الضمانات على أرض الواقع أهم؛ مثل الانسحاب الإسرائيلي وانتشار قوات الاستقرار الدولية وقوات الشرطة الفلسطينية.

وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الأربعاء، بأن واشنطن تعد مقترحاً جديداً موجهاً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح لها بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى، وسيُقدَّم هذا المقترح خلال أسابيع.

مقاتلون من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» في خان يونس يوم 20 فبراير 2025 (د.ب.أ)

وحسب «نيويورك تايمز»، تهدف الخطة إلى إخراج الأسلحة الثقيلة من الخدمة فوراً، مع تسجيل الأسلحة الشخصية، ونقل مسؤولية الأمن إلى الإدارة الفلسطينية الجديدة في القطاع، فيما تتمسك إسرائيل بنزع سلاح «حماس» قبل أي انسحاب لقواتها من غزة، وتُصرّ الحركة على عدم التخلي عن أسلحتها دون ضمانات ملموسة تشمل دمج جهاز شرطتها ضمن الهيكل الأمني والإداري للقطاع.

ويأتي المقترح الذي سربته الصحيفة الأميركية بعد يومين من رفض القيادي البارز بـ«حماس»، خالد مشعل، في منتدى بالدوحة، الأحد، نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي».

ودعا مشعل «مجلس السلام»، الذي يرأسه ترمب إلى اعتماد «مقاربة متوازنة» قبيل اجتماعه المرتقب يوم 19 فبراير (شباط) الحالي، فيما أعلنت رئاسة الوزراء الإسرائيلية أن نتنياهو وقَّع، خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء، على عضوية الانضمام «لمجلس السلام» في غزة قبل لقاء الرئيس دونالد ترمب.

فلسطينيون يركبون على ظهر عربة تجرها سيارة في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد سمير راغب أن هذا المقترح قد يكون مقبولاً فلسطينياً ويعد حلاً واقعياً، لافتاً إلى أن هذا القبول يأتي من منطلق استحالة نزع كل الأسلحة دفعة واحدة، خصوصاً في ظل حالة الفوضى وانتشار السلاح الخفيف بأيدي العامة، ووجود عدائيات ضد «حماس» لا سيما من الجماعات المدعومة من إسرائيل وهو ما يجبرها على الاحتفاظ بسلاح خفيف إلى حين وجود قوات أمنية رسمية ومسيطرة على القطاع بمهنية.

ولفت راغب إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استبق هذا المقترح وصرح برغبته في نزع 60 ألف قطعة سلاح خفيف من «حماس»، مما يعني أننا سنكون أمام جولة تتطلب ضغوطاً أميركية على إسرائيل لقبول هذا المقترح.

ونبه إلى أن المقترح قابل للتطبيق خصوصاً أن حركة «حماس» قد فقدت بالفعل الجزء الأكبر من سلاحها الثقيل، سواء بنفاد الذخيرة ببعض الأسلحة الثقيلة أو تدمير منظومة الصواريخ، والمتبقي لديها في الأغلب هو سلاح خفيف.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، عبد المهدي مطاوع، أن هناك فرصة كبيرة لنجاح مخطط نزع السلاح تدريجياً، لأسباب أبرزها أن الإدارة الأميركية ستنزع أي مبرر لتعطيل المرحلة الثانية، وستعمل على وجود قوات الاستقرار، فضلاً عن أن «حماس» سوف تتمكن من تبرير مبدأ النزع لدى أنصارها الرافضين.

ويعتقد مطاوع أن إسرائيل تعيش عام انتخابات، وبالتالي نتنياهو وغيره سيصدرون تصريحات متشددة، وسيستغل نزع السلاح في هذا الأمر، لكن الموقف الأميركي وضغوطه حاسمة في هذا الاتجاه.

وفي الجانب الآخر، لا تزال إسرائيل تواصل عملياتها، وأعلن الجيش الإسرائيلي الأربعاء مقتل أحمد حسن، قائد كتيبة بيت حانون التابعة لحركة «حماس» في قطاع غزة، خلال عملية عسكرية شمال القطاع.

وفي ظل هذه الخروقات الإسرائيلية، يرى راغب أنه من الطبيعي أن تكون هناك ضمانات أميركية، والمضي في تنفيذ خطة السلام بإعادة الإعمار ونشر قوات الاستقرار الدولية التي من المفترض أن تكون مراقباً فاصلاً بين الطرفين لمدة عامين، لمنع أي اعتداءات إسرائيلية ومنع «حماس» من إحداث هجمات، مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع دون احتكاك.

وأوضح أن ذلك سيتم تحت رقابة قوات الاستقرار والشرطة الفلسطينية، وبالتالي لن تكون هناك فرصة لإعادة تسلح «حماس»، كما لن تكون هناك أسباب لعودة إسرائيل للحرب، خصوصاً أن كل شيء يمضي وفق خطة ترمب، مشيراً إلى أن تسليم السلاح يمثل بالنسبة لإسرائيل قضية رمزية تعني أنها نفذت أهداف الحرب، سواء كان جزءاً منها تم بالقوة أو آخر عبر التفاوض وتنفيذ مقترح ترمب.

ويعتقد مطاوع أن استمرار القصف شبه اليومي على غزة جزء من الملاحقة الساخنة التي تنتهجها حكومة نتنياهو ضمن سياق الانتخابات، والتأكيد على تنفيذ شروطها وأنها ستتوقف بعد نزع السلاح، لا سيما مع ضمانات مؤكدة من واشنطن في هذا الصدد لتهدئة المنطقة.


الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

TT

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

وضع رئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني، الدكتور شائع الزنداني، أولى إشارات تحرك حكومته بعد 24 ساعة من أدائها اليمين الدستورية، قائلاً إن وجهتها المقبلة ستكون عدن؛ وفي وقت قريب.

كما علل احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بأنه «لاستكمال العمل الذي بدأ»، مؤكداً أن «الانتقال إلى الداخل خطوة ضرورية لتفعيل الأداء»، وأضاف أن «الوجود في عدن يجب أن يرتبط بقدرة فعلية على إدارة الملفات؛ وأن الهدف إعادة انتظام المؤسسات».

جاء ذلك خلال حلقة خاصة من «بودكاست الشرق الأوسط»، سُجلت في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «SRMG» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» بالرياض.

تحدث الزنداني وبلاده في لحظة ضغط اقتصادي وتوقعات سياسية مرتفعة. وقال إن «المرحلة لا تحتمل خطاباً واسعاً، وإنما (تحتاج) عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة»، مشيراً إلى أن «تثبيت الإيقاع المؤسسي يسبق أي توسع في الأهداف».

تساؤلات الحكومة

تطرق الزنداني عن تشكيل حكومته، وأولوياتها، والعلاقة بالشركاء، ومستقبل المسار السياسي، وصولاً إلى قراءته الشخصية لمسار اليمن خلال نصف قرن من العمل العام.

تشكيل الحكومة جاء، حسب رئيسها، وفق معايير مهنية بحتة، مشيراً إلى أن «الاختيار اعتمد على المفاضلة بين الكفاءات والتخصصات والتجربة، بعيداً عن الإملاءات الحزبية». وقال إن الحكومة استقبلت سيراً ذاتية ولم تتلقَّ طلبات محاصصة، مضيفاً: «لم نتعامل مع الخلفيات السياسية بقدر ما ركزنا على القدرة على إدارة الملفات».

وأوضح أن العدد المعلن للوزراء لا يعكس بالضرورة حجم الحقائب الفعلية؛ إذ «الوزارات الحقيقية نحو 26، بينما وزراء الدولة جرى تعيينهم لمهام محددة؛ ولإشراك الشباب». وأشار إلى مراعاة التوازن الجغرافي والوطني، مؤكداً أن التمثيل الجغرافي كان حاضراً؛ «بهدف تنوع الدولة، لا توزيع المكاسب».

يرى الزنداني أن المواطن يمثل نقطة ارتكاز برنامج حكومته، قائلاً إن «الإنسان هو محط اهتمام الحكومة... تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي أولوياتنا».

وأشار إلى العمل على إعادة بناء المؤسسات وتعزيز الرقابة، مؤكداً أن ضعف البناء المؤسسي كان سبباً رئيسياً للاختلالات. وتحدث عن تحسن نسبي في بعض الخدمات، خصوصاً الكهرباء؛ بدعم سعودي، مضيفاً أن التحدي يكمن في استمرار الإصلاحات الاقتصادية وإدارة الموارد.

وفي ملف المحاسبة، قال إن توحيد القرار السياسي أتاح فرصة لتطبيق القانون، وزاد بالقول: «عندما تتوحد السلطة يصبح (الثواب والعقاب) ممكناً».

ويمتد حديث رئيس الحكومة إلى ما هو أبعد من توصيف الإجراءات التنفيذية، إذ يضع تشكيل حكومته في سياق أوسع يتعلق بإعادة تعريف علاقة الدولة بمجتمعها بعد سنوات من التآكل المؤسسي. فالحكومة التي تشكلت في ظرف استثنائي تسعى إلى إدارة الملفات اليومية، فضلا عن «إعادة تثبيت فكرة الدولة ذاتها في الوعي العام، من خلال انتظام الأداء، واستعادة الثقة، وفرض معيار الكفاءة في تولي المسؤوليات العامة».

هذه المقاربة تعكس إدراكاً بأن أزمة اليمن لم تكن سياسية أو أمنية فحسب؛ «بل أزمة ثقة ممتدة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وهو ما يجعل إعادة بناء تلك الثقة مدخلاً لأي استقرار قابل للاستمرار».

تفعيل الرقابة

في الملف الاقتصادي، يتجنب الزنداني إطلاق وعود سريعة، ويفضل الحديث بلغة إدارة الموارد وإعادة ترتيب الأولويات، مشيراً إلى أن التعافي لا يمكن أن يتحقق عبر قرارات جزئية، بقدر ما يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة. ويرى أن ضبط الموارد، واستثمارها بفاعلية، هما الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة الداخلية واستقطاب الدعم الخارجي، مؤكداً أن الاستقرار المالي يمثل الأساس لأي تحسن ملموس في حياة المواطنين.

ويأتي الانتقال المرتقب للحكومة إلى عدن ضمن هذا السياق بوصفه ضرورة عملية ووطنية، إذ يؤكد أن وجود السلطة التنفيذية داخل البلاد ليس مجرد خيار إداري، وإنما شرط لفاعلية القرار وقدرته على ملامسة الواقع.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن العمل من الداخل يمنح الحكومة قدرة أكبر على فهم أولويات المجتمع والتفاعل معها، كما يعزز حضور الدولة في المجال العام، وهو حضورٌ تراجَع خلال سنوات الصراع. وفي هذا الإطار، يضع أداء اليمين في الرياض ضمن سياق دستوري وأمني فرضته ظروف المرحلة، عادّاً أن التركيز ينبغي أن ينصرف إلى مضمون العمل الحكومي، لا إلى رمزية الموقع.

أما في الشأن الأمني، فيتحدث بنبرة تجمع بين الواقعية والحذر، مشيراً إلى أن تراكمات السنوات الماضية لا يمكن محوها في زمن قصير، لكنه يرى أن التنسيق بين الأجهزة الأمنية، وتوحيد القرار السياسي، أسهما في تحسين نسبي للمشهد. ويقر بأن الاحتجاجات تمثل جزءاً من الحياة العامة في المراحل الانتقالية، لكنه يشدد على أهمية التزامها الإطار القانوني؛ «حفاظاً على الاستقرار ومنع الانزلاق إلى مواجهات تعطل مسار التعافي».

توحد القرار العسكري

بشأن إعادة تنظيم القوات العسكرية، يرى الزنداني أن توحيد القيادة، وإعادة تموضع الوحدات خارج المدن، يمثلان خطوة ضرورية لترسيخ سلطة الدولة وتقليص مظاهر التداخل بين الأدوار الأمنية والعسكرية.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن تعدد الولاءات، الذي طبع المرحلة السابقة، أضعفَ قدرةَ المؤسسات على أداء وظائفها، وأن تجاوزه يشكل أساساً لإعادة بناء الاستقرار وتفعيل الدور التنفيذي للحكومة.

وعلى المستوى الخارجي، يعكس حديث رئيس الوزراء اليمني إدراكاً لأهمية وضوح التمثيل السياسي في تعزيز موقع الدولة دولياً؛ إذ يشير إلى أن وجود حكومة بقرار موحد يُسهِّل التفاعل الدبلوماسي ويمنح اليمن حضوراً قانونياً أقوى تماسكاً. ويبرر احتفاظه بحقيبة الخارجية بالحاجة إلى استكمال عملية إصلاح بدأت بإعادة تنظيم الوزارة والبعثات، مؤكداً أن انتظام العمل الدبلوماسي يمثل امتداداً طبيعياً لإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وفي سياق العلاقات الإقليمية، يصف العلاقة بالسعودية بأنها تجاوزت إطار الدعم التقليدي إلى شراكة متعددة الأبعاد، لافتاً إلى أن ما قدمته السعودية خلال السنوات الماضية انعكس على قطاعات حيوية، وأن المرحلة الحالية تتجه نحو توسيع هذا التعاون في مجالات التنمية والاستقرار الاقتصادي. ويرى أن هذه الشراكة تشكل أحد أعمدة الاستقرار، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي.

أما بشأن الحوثيين، فيؤكد أن الحكومة تعاملت مع مسار السلام بقدر من المرونة، لكنها اصطدمت بعدم الالتزام بالاتفاقات، مشيراً إلى أن التطورات العسكرية والاقتصادية الأخيرة أضعفت موقف الجماعة، ويرى أن أي مفاوضات مستقبلية ينبغي أن تستند إلى مرجعيات واضحة، وأن توحيد القوى المناهضة لهم منح الحكومة موقعاً تفاوضياً أقوى تماسكاً في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة.

نصف قرن من العمل الحكومي

عندما يستعيد الزنداني مسيرته المهنية، يتحدث عن تجربة تفوق الخمسين عاماً، وبدأت في سن مبكرة داخل التعليم، قبل أن تمتد لعقود في العمل الدبلوماسي.

ويرى أن اليمن مر بتحولات عميقة كشفت عن هشاشة البناء المؤسسي وأثرت في استقرار الدولة.

ومع ذلك، يؤكد أن التجربة التاريخية تفرض قراءة المستقبل بعين تتجاوز الإحباط، وتقوم على التعلم من الماضي، والعمل على تثبيت أسس الاستقرار، مشيراً إلى أن ما يبقى في نهاية المطاف هو مصلحة المواطن وليست المواقع أو المناصب.

ويمضي في حديثه مؤكداً أن التفاؤل في هذه المرحلة ليس خطاباً سياسياً، بل هو خيار عملي في مواجهة التعقيدات، وأن الرهان الحقيقي يكمن في إعادة بناء الثقة بين الدولة ومجتمعها، وتعزيز العمل المشترك مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما يفتح المجال أمام مرحلة تتوازن فيها إدارة التحديات مع استثمار الفرص المتاحة؛ لإعادة وضع اليمن على مسار الاستقرار والتعافي.