اليمنيون في مصر... رجال أعمال وطلاب ومرضى يحلمون بالعودة

تقدر أعدادهم بنحو 200 ألف... ويفضلون وصف «عالقين» بدلاً من «لاجئين»

حفل لإحدى الفرق اليمنية على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية ({الشرق الأوسط})
حفل لإحدى الفرق اليمنية على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية ({الشرق الأوسط})
TT

اليمنيون في مصر... رجال أعمال وطلاب ومرضى يحلمون بالعودة

حفل لإحدى الفرق اليمنية على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية ({الشرق الأوسط})
حفل لإحدى الفرق اليمنية على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية ({الشرق الأوسط})

تتفاوت ظروفهم المعيشية داخل أروقة المدن المصرية الكبرى، ما بين «نازحين» هاربين من جحيم الحرب في بلادهم، و«عالقين» جاءوا للعلاج ولم يتمكنوا من العودة، ورجال أعمال لديهم استثمارات في مجالات كثيرة، وآخرين جاءوا قبل سنوات بحثاً عن فرص عمل وحياة أفضل، يعيش اليمنيون في مصر والقاسم المشترك بينهم جميعاً هو الخوف من كابوس الحرب الذي تتصاعد حدته يوماً بعد يوم.
ورغم ما تتعرض له المدن اليمنية من صراعات دموية، فإن حلم العودة يمثل لليمنيين المقيمين في مصر «وصفة وطنية»، يتشاركون فيها جميعاً، ويستمدون منها العون لمواجهة ظروف معيشية صعبة خارج وطنهم الأصلي. «الشرق الأوسط» رصدت أوضاع اليمنيين في مصر، والتقت بعدد كبير منهم، وألقت الضوء على بعض جوانب حياتهم اليومية داخل أحياء القاهرة والجيزة، بالإضافة إلى أنشطتهم الاقتصادية والتجارية.
ينتشر اليمنيون في كثير من المحافظات المصرية، أبرزها العاصمة القاهرة، ومدينة الإسكندرية (200 كيلومتر شمال القاهرة)، وأسيوط (جنوب القاهرة)، ومدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية (وسط دلتا مصر)، لكن العدد الأكبر منهم يتركز في القاهرة.
ورغم عدم وجود إحصائيات رسمية مصرية عن أعداد اليمنيين في مصر، فإن قيادات بالجالية اليمنية تقدر بأنهم يتراوحون بين 180 و200 ألف يمني.
ويواجه اليمنيون في مصر مشكلات، أهمها ضرورة الحصول على تأشيرة للدخول، وتحديد مدة الإقامة، بعد أن ظلوا نحو 60 عاماً يُسمح لهم بالدخول من دون تأشيرة، لكن مصر واليمن أقرتا نظاماً جديداً للدخول. فحسب الاتفاقية الموقعة في مارس (آذار) 2015، أصبح لزاماً عليهم الحصول على تأشيرة للدخول من السفارات المصرية في أي من العواصم العربية أو الأوروبية، أو عند الوصول إلى مصر، بالإضافة إلى طلب إقامة يتم تجديده كل 6 أشهر.
وأسفرت النقاشات بين الجانبين المصري واليمني عن تقديم بعض التسهيلات الخاصة التي أضيفت إلى الاتفاق، منها إعفاء كل من تجاوز عمره 60 عاماً، أو من كان عمره دون 16 عاماً، من رسوم الإقامة وغرامات تأخر التجديد، وإعفاء حاملي الجوازات «الدبلوماسية - الخاصة - المهمة» من شرط التأشيرة المسبقة، على أن تنطبق عليهم قواعد الإقامة نفسها التي تطبق على حاملي جوازات السفر العادية، مع منح المواطنين اليمنيين ميزة عن سائر الجنسيات الأخرى بإقامة أول 6 أشهر من دون رسوم، ومنح المتزوجين بمواطنات مصريات، ومن لديهم أبناء يحملون الجنسية المصرية، إقامة سنوية متجددة.
كما يمنح اليمنيون الذين يمتلكون شققاً سكنية تزيد قيمتها عن 50 ألف دولار، وأقاربهم من الدرجة الأولى، إقامة سنوية متجددة، ويمنح الدارسون بالمدارس والجامعات والمعاهد المصرية، وأقاربهم من الدرجة الأولى، إقامة سنوية متجددة حتى الانتهاء من الدراسة، ويمنح أيضاً من لديهم أعمال وسجلات تجارية، وأقاربهم من الدرجة الأولى، إقامة سنوية متجددة، وكذلك المستثمرون عبر الهيئة العامة للاستثمار، يمنحون وأقاربهم من الدرجة الأولى إقامة لمدة 5 سنوات متجددة.

تحويلات الأقارب
تشكل خريطة توزيع اليمنيين في القاهرة مدخلاً هاماً لفهم مشكلات جالية لها خصوصيتها الثقافية، ويرفض أبناؤها وصفهم بأنهم «لاجئون»، مفضلين تعبير «نازحين أو عالقين»، فالتوزيع الجغرافي يبرز في جانب منه تفاوتاً واضحاً ليس في المستوى المعيشي فحسب، وإنما في مستوى وقسوة المعاناة.
وفي جانب آخر، يبرز استمرار تدهور الأوضاع يوماً بعد يوم كلما طالت الحرب، فالذين انتقلوا فور وصولهم للسكن في الأحياء المصرية الراقية، مثل «المهندسين» و«الزمالك» و«مصر الجديدة»، اضطروا بفعل طول الأزمة ونفاد مدخراتهم إلى الانتقال لأحياء شعبية تكون كلفة الإيجار فيها أقل. أما الذين جاءوا مباشرة إلى الأحياء الشعبية، فاضطروا أيضاً للبحث عن مسكن مساحته أصغر وأقل كلفة في الأحياء نفسها، فيما عجز كثيرون عن سداد إيجار مسكنهم، وفقاً ليمنيين يعيشون في مصر منذ سنوات.
يقول فهد العريقي، رئيس مجلس أعيان الجالية اليمنية في مصر، لـ«الشرق الأوسط»: «لا توجد إحصائيات رسمية بعدد اليمنيين في مصر، لكن بحسب الإحصائيات التقريبية التي أجريناها، يصل العدد إلى ما بين 180 و200 ألف حتى نهاية 2017، بعد أن كان لا يتجاوز عددهم 100 ألف في عام 2016، والسبب في هذه الزيادة أن أعداداً كبيرة وصلت مصر من الأردن والسودان».
ويضيف: «عند بداية النزوح، عاش كثير من اليمنيين في الأحياء الراقية، كالمهندسين ومصر الجديدة والزمالك والعجوزة، لكن مع طول الأزمة وفقدان مدخراتهم اتجه معظمهم إلى الأحياء الشعبية، مثل فيصل والهرم. وفي بداية الأزمة، كانت الجمعيات الخيرية تقوم بدور كبير في مساعدة النازحين الفقراء، سواء الراغبين في العلاج أو المساعدة في تدبر النفقات الأساسية للمعيشة، لكن هذا الدور تقلص إلى حد كبير لأن العدد فاق إمكانيات الجمعيات، كما أن مساعدات رجال الأعمال اليمنيين تراجعت لأنهم فقدوا جزءاً كبيراً من مصدر دخلهم بسبب الحرب».
وتعتمد النسبة الأكبر من اليمنيين في مصر على المساعدات، ومساعدات أقاربهم وعائلاتهم في الخارج، بينما يمتلك عدد منهم مشروعات تجارية، معظمها متوسطة مثل المطاعم اليمنية والمحال التجارية، وتشكل تحويلات الأقارب من الخارج المصدر الرئيسي لمعظم الذين نفدت مدخراتهم، وهي تحويلات صغيرة تساعدهم على تسديد نفقات معيشتهم الأساسية.
ويتابع رئيس مجلس أعيان الجالية اليمنية قائلاً: «نحو 20 في المائة لديهم مشروعات تجارية، و80 في المائة يعيشون على مدخراتهم، والمصدر الأساسي لهذه الأسر هو المساعدات التي يتلقونها من أقاربهم وعائلاتهم من الخارج. ومع ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه المصري، يغطي مبلغ بسيط بالدولار النفقات الأساسية»، ولفت قائلاً: «رغم قسوة الحياة، فإن جميع اليمنيين لديهم حلم العودة إلى وطنهم، ولو انتهت الحرب سيعود جميع اليمنيين خلال شهر واحد».

مدارس يمنية
يشكل الطلاب نسبة كبيرة من الجالية اليمنية في مصر، وهم ينقسمون إلى شرائح مختلفة، فطلاب التعليم الجامعي يتوزعون ما بين طلاب منح التبادل الثقافي بين مصر واليمن، وهم الطلاب المبعوثون رسمياً من قبل الحكومة اليمنية، وطلاب المنح الخاصة التي تمولها جمعيات خيرية يمنية أسستها عائلات كبرى، بينما يدرس العدد الأكبر من الطلاب في جامعات خاصة على نفقتهم بنسبة تتراوح بين 60 إلى 70 في المائة، بحسب مسؤولين في الجالية.
ويرتاد الطلاب في مرحلة التعليم قبل الجامعي مدارس خاصة، بعدما قام رجال أعمال يمنيون بتبني مشروع لإنشاء مدارس يمنية خاصة في مصر، بدأ بمدرستين في القاهرة.
وتتركز معاناة طلاب التعليم الجامعي في عدم قدرتهم على سداد المصروفات الدراسية، خصوصاً مع تكرار تأخر المخصصات التي ترسلها الحكومة اليمنية للطلاب المبعوثين، وهو ما دفع الطلاب المبعوثين إلى الاعتصام داخل مقر السفارة في القاهرة عدة مرات خلال عام 2017، للمطالبة بصرف قيمة منحهم المتأخرة، وقامت الحكومة المصرية بإعفاء كثير من الطلاب أصحاب الحالات الخاصة من سداد الرسوم الدراسية، واستقبل الدكتور خالد عبد الغفار وزير التعليم العالي والبحث العلمي المصري، في أغسطس (آب) الماضي، عبد الملك المخلفاوي وزير الخارجية اليمني، حيث اتفقا خلال اللقاء على بحث المزيد من الإعفاءات للطلاب غير القادرين على سداد الرسوم الدراسية.
ومن جهته، يقول صهيب محمود، طالب في إحدى الجامعات المصرية الخاصة، لـ«الشرق الأوسط»: «حضرت إلى مصر قبل 3 سنوات، وأدرس في إحدى الجامعات الخاصة، وأسرتي تعيش منذ سنوات في إحدى الدول العربية، ويقومون بإرسال مبلغ شهري يكفي رسوم الدراسة ومصروفاتي، من سكن وطعام ومصروفات شخصية، وأنا أفضل حالاً من طلاب كثيرين يعانون مشكلات مادية بسبب عدم قدرتهم على سداد الرسوم الدراسية، لذلك أستضيف اثنين من زملائي اليمنيين في شقتي بمنطقة الدقي، لأن تحويلات أسرهم تتأخر كثيراً»، وأوضح أنه «يوجد كثير من الطلاب يعانون من عدم قدرتهم على تدبير نفقاتهم الأساسية».

البحث عن حياة أفضل
في السياق نفسه، يعيش كثير من اليمنيين في مصر منذ سنوات طويلة، بعضهم رجال أعمال أنشأوا مشروعات في مجالات كثيرة، بينها المطاعم اليمنية التي لاقت رواجاً واسعاً بين المصريين.
ويقول رجل الأعمال نبيل سهيل، الذي يمتلك سلسلة مطاعم يمنية في مصر، لـ«الشرق الأوسط»: «حضرت إلى مصر عام 2005، وأنشأت مطعماً يمنياً تطور إلى سلسلة مطاعم حققت نجاحاً كبيراً، فالتقارب الثقافي بين مصر واليمن ينعكس على الطعام، فأساتذتنا في المدارس والجامعات اليمنية كانوا مصريين، كما أن الجالية المصرية في اليمن كانت كبيرة العدد».
ويضيف: «معظم اليمنيين يتفهمون فرض مصر تأشيرة دخول، بعد أن كنا ندخل دون تأشيرة، وندرك أنها احتياطات أمنية بسبب الميليشيات، فلا توجد سلطة حكومية حقيقية في العاصمة اليمنية صنعاء حالياً، وهناك تلاعب كبير في إصدار الأوراق الثبوتية، لذلك نتفهم موقف مصر، ويوجد وعود بأن يعود نظام الدخول من دون تأشيرة فور استقرار الأمور».
وأوضح سهيل قائلاً: «أبرز المشكلات التي تواجه اليمنيين في مصر هي صعوبة اندماجهم في سوق العمل، لأن أغلبهم غير مؤهل علمياً أو مهنياً، ونحن كرجال أعمال نشارك في كثير من المبادرات لمساعدة غير القادرين، فجميع اليمنيين، مهما اختلفت ظروفهم، لديهم حلم بالعودة إلى وطنهم، فنحن شعب لديه ارتباط كبير بالأرض، وأكاد أجزم أنه بمجرد استقرار الأوضاع، سيعود معظم اليمنيين خلال شهر واحد».
إلى ذلك، لم يقتصر النجاح الذي حققه كثير من اليمنيين في مصر على رجال الأعمال، فالكثيرون حضروا إلى مصر منذ سنوات بحثاً عن فرصة عمل وحياة أفضل لأسرهم، وحققوا نجاحاً كبيراً في مهن مختلفة.
من جهته، يروي سعيد محمد (51 سنة)، يعمل طباخاً في أحد المطاعم اليمنية الشهيرة بحي المهندسين، لـ«الشرق الأوسط» قصة استقراره في مصر، قائلاً: «حضرت إلى مصر عام 2010 بحثاً عن حياة أفضل، وكنت أعمل طباخاً في اليمن. وفور وصولي إلى مصر، عملت في أحد المطاعم اليمنية، وكنت أسافر إلى أسرتي باليمن كلما استطعت. لكن بعد الحرب، قمت بإحضار أسرتي، واستقروا معي في مصر قبل نحو عام».
ويضيف: «مصر بلد جميل، وعلاقتي بالمصريين، سواء زملائي في العمل أو جيراني، جيدة جداً، وقد لاقيت كثيراً من الدعم والمساندة من أصدقاء مصريين عند وصولي»، ولفت إلى أنه «يعد الأكلات اليمنية الشهيرة لبعض جيرانه من المصريين الذين يدعونه أيضاً لتناول الأطعمة المصرية».

حلم العودة
مقاهي حي الدقي بالجيزة تحول عدد منها إلى ملتقى لليمنيين، وفرصة لتبادل الأخبار واستعادة الذكريات، وهي تشكل بطبيعتها تجمعاً يكاد يغطي فئات وأعمار الجالية اليمنية كافة، من طلاب وباحثين عن العلاج وعمال في مطاعم وتجار ونازحون دون عمل، وكأنها خريطة إنسانية لأوضاع اليمنيين في مصر.
بدوره، يقول بليغ المخلافي، المستشار الإعلامي لسفارة اليمن في القاهرة، لـ«الشرق الأوسط»: «رغم أن كثيراً من اليمنيين في مصر حققوا نجاحات كبيرة في أنشطة اقتصادية مختلفة، مثل المطاعم اليمنية والعقارات والسياحة والنقل، فإن حلم العودة إلى الوطن يسكن وجدان الجميع على اختلاف معاناتهم».
سهيل عبد الله، 35 سنة، أحد رواد مقاهي الدقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن قصة تلقيه العلاج في مصر، قائلاً: «أصبت العام الماضي بقذيفة في مدينة تعز أدت إلى بتر ساقي اليسرى، وحضرت للعلاج في مصر بصحبة شقيقي، ومن وقتها وأنا عالق لا أستطيع العودة، وقد وجد شقيقي عملاً في أحد المطاعم اليمنية بالمنطقة كي نتمكن من دفع الإيجار وتكاليف المعيشة، ورغم كوابيس الحرب التي توقظني من نومي فزعاً، فإنني أحلم بالعودة إلى بلدي».
ووفقاً لإحصائيات الأمم المتحدة، فإن الحرب اليمنية قد خلفت منذ بدايتها عام 2015 أكثر من 3 ملايين نازح، بينهم أكثر من مليون فروا إلى دول الجوار. وذكر التقرير أن الحرب خلفت أكثر من 10 آلاف قتيل، إضافة إلى أكثر من 40 ألف جريح.
وقام عدد من الأطباء اليمنيين في مصر بتأسيس لجنة طبية لخدمة المرضى اليمنيين، وتقوم اللجنة بمساعدة اليمنيين مجاناً من خلال عيادات مختلفة لأطباء يمنيين ومصريين، كما تقوم اللجنة بالتنسيق مع بعض المستشفيات ومراكز الأشعة والتحاليل التي تقدم تخفيضات كبيرة للعالقين اليمنيين.
ومن جانبه، يقول الدكتور السيد علي رضوان، الباحث المتخصص في دراسات الشأن اليمني والخليجي، لـ«الشرق الأوسط»: «مصر بالنسبة لليمنيين هي الوطن الثاني، وليست مجرد بلد للنزوح، خصوصاً أن معظم اليمنيين تلقوا تعليمهم في المدارس والجامعات اليمنية على يد أساتذة مصريين، فاليمنيون يعشقون مصر».



اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.


محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)

نجا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود من استهداف قُبيل بدء زيارته لمدينة بيدوا عاصمة ولاية جنوب غرب (جنوب البلاد)، في أعقاب تغييرات رسمية جذرية أطاحت برئيس الولاية.

ذلك الاستهداف هو الثاني الذي تدبره «حركة الشباب» الإرهابية ضد رئيس الصومال وينجو منه، خلال نحو عام... ويرى خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه يحمل «رسالة مزدوجة من الحركة، بأن لديها قدرة عملياتية وبإمكانها أن تستغل الظرف السياسي المتوتر»، متوقعاً أن تفرض الحكومة إجراءات أشد ضد الحركة، وتُحكم قبضتها السياسية والأمنية مؤقتاً في ضوء هذا الاستهداف.

وأفادت «وكالة بلومبرغ»، السبت، بأن حسن شيخ محمود نجا دون أن يُصاب بأذى، بعد تعرضه ومرافقيه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا جنوب البلاد، مساء الجمعة، بعد وقت قصير من نزول الرئيس من طائرته، وبدئه في تحية وحدات من الجيش والشرطة ومسؤولين حكوميين.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وأطلقت قذائف الهاون على المطار مباشرة بعد هبوط الطائرة الرئاسية أو أثناء وجود الموكب في المنطقة.

وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على الإنترنت، عناصر الحماية الخاصة بالرئيس الصومالي وهم يطوقونه بسرعة قبل إدخاله إلى مركبة مصفحة ضد الرصاص، كما تم الإبلاغ عن وقوع انفجارات بالقرب من المطار في ذلك الوقت.

وكان الرئيس حسن شيخ محمود في زيارة رسمية إلى المدينة، لتفقد العمليات الأمنية ولقاء قادة محليين، وأعلنت مصادر حكومية، أن الهجوم «فشل في تحقيق هدفه، وأن الرئيس واصل برنامجه دون انقطاع». فيما أعلنت «حركة الشباب» المسلحة المرتبطة بتنظيم «القاعدة» مسؤوليتها قائلة إنها استهدفت مطار بيدوا بقذائف هاون موجهة نحو الرئيس والوفد المرافق له، وفق إعلام صومالي محلي.

وهذه ثاني محاولة لاغتيال الرئيس الصومالي من «حركة الشباب» الإرهابية، وذلك بعد محاولة فاشلة أولى في مارس (آذار) 2025 بمقديشو باستخدام عبوة ناسفة، أسفرت عن قتلى وجرحى بين المدنيين والأمنيين.

الجيش الصومالي أثناء تنفيذ عملية عسكرية سابقة (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل في الشأن الأفريقي والصومالي، عبد الولي جامع بري، أن استهداف موكب حسن شيخ محمود بقذائف هاون «حدث مهم سياسياً وأمنياً؛ لأنه وقع لحظة وصوله إلى المطار خلال زيارة حساسة مرتبطة بترتيبات سياسية في إقليم جنوب غرب».

وأكد أن الحادث يحمل عدة رسائل؛ لأن «(حركة الشباب) هدفت للتأكيد على أن لديها قدرة عملياتية وتستطيع ضرب أهداف عالية المستوى حتى أثناء زيارات رسمية، كما أنها رسالة تحدٍّ للدولة ومحاولة إظهار أنها لا تستطيع السيطرة الأمنية بالكامل، لا سيما خارج العاصمة، ورسالة نفسية للرأي العام لإضعاف ثقة المواطنين».

ولم تؤكد «وكالة الأنباء الصومالية» هذه الأنباء، غير أنها أفادت، السبت، بأن زيارة الرئيس الصومالي المهمة لبيدوا «تأتي في إطار ترسيخ دعائم الدولة، واضعاً ملفات المصالحة الوطنية والتحول الديمقراطي على رأس أولويات الأجندة الرئاسية».

قوات من الجيش الصومالي تنتشر في مدينة بلدوين عقب هجوم سابق من «حركة الشباب» (أ.ب)

وجاءت الزيارة بعد أيام قليلة من إعلان الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة على مدينة بيدوا، وهي العاصمة المؤقتة لولاية (جنوب غرب)، ووصول قوات مسلحة للعاصمة استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين.

ويشير بري إلى أن الهجوم بقذائف الهاون غالباً «ليس عملية اغتيال دقيقة بقدر ما هو عملية استعراض قدرة وإرباك سياسي وإعلامي»، لافتاً إلى «أن التوقيت هنا أهم من الهجوم نفسه، حيث تأتي زيارة الرئيس إلى بيدوا في سياق تغييرات سياسية في إدارة جنوب غرب، وخلافات مع الحكومة وترتيبات انتقالية وإعادة ترتيب النفوذ الأمني في المدينة».

وأضاف: «الهجوم يحمل رسالة مزدوجة ضد الحكومة الفيدرالية، والترتيبات السياسية الجديدة في الإقليم».

ويعتقد بري أنه من المتوقع أن تتعزز شرعية العمليات العسكرية ضد «حركة الشباب» وترتفع لغة التعبئة الوطنية، لافتاً إلى أن الهجوم جاء في لحظة حساسة بعد تغييرات في قيادة الإقليم، «لذلك قد تستخدمه المعارضة للقول إن الوضع الأمني والسياسي غير مستقر نتيجة القرارات الأخيرة، مما قد يتحول إلى ورقة سياسية داخلية».


الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة؛ بهدف ضبط الوضع الاقتصادي بشكل مستدام.

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

ومن المنتظر أن «يؤسس البرنامج لإدارة متكاملة تربط بين استعادة الموارد العامة وحوكمتها، وإلغاء الرسوم والجبايات غير القانونية، إلى جانب إخضاع مختلف الأوعية الإيرادية والكيانات الاقتصادية لرقابة الدولة، بما يعزز كفاءة الإدارة المالية، ويحد من الهدر والتشوهات الاقتصادية».

وتأتي هذه الخطوة في أعقاب إقرار «المجلس التنفيذي» لـ«صندوق النقد الدولي» نتائج مشاورات «المادة الرابعة» لعام 2025، عقب انقطاع لأكثر من 11 عاماً، التي تُعدّ نافذة محورية لإعادة دمج الاقتصاد اليمني في المنظومة المالية الدولية.

وأشاد «صندوق النقد الدولي» بـ«الجهود التي بذلتها الحكومة اليمنية، والتي أسهمت في استقرار الاقتصاد وبدء التعافي التدريجي من الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية».

وأشارت وزارة المالية، في بيان، إلى أن هذا التوجه «يمثل استجابة عاجلة لمعالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الوطني الناجمة عن الحرب التي فرضتها ميليشيا الحوثي، والتي تسببت في صدمات مالية حادة، أبرزها تعطل مصادر النقد الأجنبي، وتوقف صادرات النفط الخام التي تمثل 65 في المائة من موارد الموازنة العامة للدولة».

كما أدت الحرب إلى «انقطاع تدفق الموارد المركزية إلى الخزانة العامة؛ مما قلّص الحيز المالي للدولة، وحدّ من قدرتها على التدخل الاقتصادي، وزاد من انكشاف الاقتصاد أمام الصدمات الداخلية والخارجية»، وفقاً للوزارة.

أعلنت وزارة المالية إطلاق برنامج تصحيح مالي شامل لاستئناف خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية (سبأ)

وشددت «المالية» اليمنية على أنها تقود «جهوداً حثيثة لإعادة ضبط المسار المالي والاقتصادي، والانتقال من مرحلة التشخيص إلى التنفيذ المؤسسي الفعلي، متصدرة الجهود لاستئناف الإجراءات العملية بموجب القرار رقم (11) لسنة 2025 الصادر عن مجلس القيادة الرئاسي بشأن خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية الشاملة».

وتوقعت أن تسهم هذه الخطوة في تعزيز الشفافية وترسيخ المصداقية الائتمانية للحكومة لدى المانحين والمستثمرين، بما يهيئ بيئة جاذبة للدعم الخارجي والتدفقات الاستثمارية.

وعلى الصعيد المحلي، رجّحت الوزارة أن تسهم الإجراءات في تحسين بيئة الثقة ورفع جودة السياسات الاقتصادية وتهيئة الظروف لاستقطاب الدعم والاستثمارات.

وفي السياق ذاته، أكدت أن نجاح هذه الجهود يتطلب «تفعيل الأدوات الرقابية، وفي مقدمتها الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، والهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد، والسلطة القضائية ممثلة في نيابة الأموال العامة، إلى جانب مختلف الجهات ذات العلاقة».

كما شددت على أهمية إعادة تفعيل «اللجنة العليا للمناقصات والمزايدات الحكومية»، بما «يعزز الرقابة على المال العام، ويضمن استكمال الدورة المستندية وفق الأطر القانونية، ويسهم في رفع كفاءة الإنفاق العام وضبط صرف المرتبات، ودعم مسارات التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة».

وأكدت وزارة المالية أن المرحلة المقبلة تتطلب ترجمة هذه التوجهات إلى ممارسات مؤسسية مستدامة، بوصفها المدخل الأساسي لإخراج الاقتصاد الوطني من أزمته الراهنة وتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي المنشود.

Your Premium trial has ended