ارتباط الشعر بالانتصار... والسرد بالهزيمة

متلازمة أخرى بين قمع القص وقمع المرأة (2ـ 2)

محمد حسين هيكل - واسيني الأعرج - جمال الغيطاني - نجيب محفوظ
محمد حسين هيكل - واسيني الأعرج - جمال الغيطاني - نجيب محفوظ
TT

ارتباط الشعر بالانتصار... والسرد بالهزيمة

محمد حسين هيكل - واسيني الأعرج - جمال الغيطاني - نجيب محفوظ
محمد حسين هيكل - واسيني الأعرج - جمال الغيطاني - نجيب محفوظ

لعل أمر الانصراف النقدي والفكري عن الاهتمام بالسرد في تراثنا، والانحياز إلى الشعر دراسة وفناً من أعقد المشكلات التي يمكن الخوض فيها؛ لتداخل الأسباب وتعددها، ففي المسار الديني، ظهرت خطورة القص في لحظة بدء جمع الحديث الشريف؛ الذي تزامن مع تكاثر القصاص في العصر الأموي، وأوائل العصر العباسي، فقد كثر الوعَّاظ والمذكِّرون الذين كانوا يستخدمون القصص في الترغيب والترهيب بأحاديث موضوعة في الغالب، مما حمل الخلفاء والفقهاء على التصدي لهذه الظاهرة، فهذا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يسأل زرعة القاصَّ الذي اشتهر بالقص في الكوفة: علام ثبات الدين؟ فلما تأكد من علمه بالأمور الشرعية سمح له بالقص، وهذه أم أبي حنيفة تسأل ابنها أن يحملها إلى أحد القصَّاص لتستفتيه في أمر يخصُّها، فقال لها: «أنا صاحب الفتيا في العراق، هل لي أن أفتيك؟»، فأصرَّت عليه، فحملها أبو حنيفة براً بها إلى ذلك القاص، وتقتنع بما قاله القاص لها، كما عُرف عن أحمد بن حنبل تصديه لظاهرة القصَّاص حيث يقول: «ما أحوجنا إلى قاصٍّ صدوقٍ»، ويقول أيضاً «ما أكذب القصَّاصَ والسُؤْال»، وبعد ذلك يأمر الخليفة العباسي المعتضد بالله بمنع القصاص؛ الذين انتشروا في بغداد من القص في الجوامع والطرقات، بعد أن رأى العامة تلتف حولهم وتتقرب منهم، فهل الخليفة كان يخشى التأثير السياسي لهؤلاء القصاص، أم أن سطوة المؤسسة الدينية كانت نافذة بحيث دفعت الخليفة إلى إصدار أوامره لمنع القصاص؟ أم أن انفصام ثقافة النخبة عن العامة، أتاحت لهؤلاء القصاص أن يحددوا جمهورهم المستهدف؟ أم إلى الدور التعويضي الذي تلعبه القصة في نفوس العامة؟ هذه أسئلة ينبغي أن تحضر عند مقاربة العلاقة المرتبكة بين الشعر والسرد في تراثنا.
وفي مقابل التضييق على القصاص، كان الشعراء يستقبلون في المحافل، وتفتح لهم أبواب البلاط، ويُحتفى بهم ويُكَرمون، ولم يجد الشعراء نهياً ولا أمراً بعدم القول في أي أمرٍ يرونه مناسباً للقول، فقد تعددت تجارب الشعراء حتى تجاوزت المسموح الديني، كما في شعر أبي نواس وبشار بن برد ومسلم بن الوليد وغيرهم، لقد تبلور ما يشبه الموقف الجماعي بين الديني والسياسي والثقافي على التماهي مع الشعر، والتصدي في الوقت نفسه لظاهرة نمو الفنون السردية، وقد يُحتجُّ بالمقامة والاهتمام بها، غير أن أمر المقامة لم يؤخذ من زاوية سردية، بل من زاوية لغوية بلاغية، فهي في ذلك أقربُ إلى الدرس النقدي الذي حظي به الشعر، وعندما استقبلت المقامة سردياً استقبلت على أنها هزلٌ مسلٍ ليس إلا، وليست من ثمَّ من أدب الخاصة، وهذه النظرة الطبقية إلى الفنون تضخَّمت حتى فجَّرت العامة نصها الخالد «ألف ليلة وليلة»، فسخرت من الخاصة أيما سخرية، ومن يعود إلى الليالي يلحظ اهتمامها المثير بانتهاك معاقل الخاصة؛ المتمثلة في بلاط الخلفاء، ويلحظ أيضاً الانتصار غير المسبوق للمرأة في تراثنا، وهي متلازمة أخرى بين قمع السرد وقمع المرأة، ولعل كتاب «بلاغات النساء» لابن طيفور قد جسد هذه اللعبة الطبقية، عندما جمع أقاصيص تنتصر فيها المرأة على حساب الرجل، وليس أي رجل، بل الخليفة رمز السلطة في أعلى مستوياتها.
لقد كان خطابنا الثقافي منقسماً إلى خطابين متضادين: خطابٌ نخبويٌّ، وآخر شعبويّ، احتضن الخطاب النخبوي الشعر، ووظَّفه لخدمة سياقاته السياسية والاجتماعية، فكان حاضراً ومواكباً لاحتفالات البلاط السياسي، والمحافل الاجتماعية الكبرى، أما الخطاب الشعبوي فقد استغل الإمكانات السردية لمواجهة السلطة، وما «كليلة ودمنة»، و«نصوص المقامات»، و«ألف ليلة وليلة» وغيرها إلا أمثلة على مقاومة النخبوي سياسياً واجتماعياً. فهل يمكن أن نتكيف مع هذه الفرضية؟
بمراجعة العديد من الأدبيات والمقولات والملاحظات في سياق نشوء وتطور الأدب العربي شعراً وسرداً، يجب أن نحرِّر أمراً في غاية الأهمية، يضاف إلى إشكالية ازدواجية الخطاب الثقافي، وهذا الأمر يتعلق بالناحية المصطلحية، فإذا كان الشعر قد تحدد بمصطلحه قديماً وحديثاً، واستقرَّ هذا المصطلح حتى في الخطاب القرآني، فإن من معضلات السرد في تراثنا العربي غياب المصطلح الذي يجمع شتات الفنون السردية من حكاية ونادرة وطرفة ومقامة ومثل وغيرها، تحت اسم جامع يحدد هويتها في مقابل الشعر، وإنَّ عدم ربط الفنون السردية في سياقٍ يجمعها أضعف من شخصيتها أمام الشعر المستقل باسمه، الجامع لشخصيته.
فالنثر (المصطلح) الذي استخدم في مقابل السرد تتداخل فيه أنواع أخرى غير الفنون القصصية، فالخطابة والمنافرات والمفاخرات وسجع الكهان، وبعد ذلك كل الكتابات النثرية في علوم العربية والنقد والتاريخ والتفسير وغيرها تحشر في هذا المصطلح، وهو ما تنبه إليه النقاد العرب في مطلع القرن العشرين، وخصوصاً زكي مبارك وطه حسين، عندما أطلقوا مصطلح النثر الفني لتمييز الفنون الحكائية عن غيرها من أشكال النثر، ورغم أن هذا المصطلح يعد تحولاً جاداً في النظر إلى مفهوم الفنون السردية، إلا أنه ما يزال قاصراً عن تحديد الهوية السردية للفنون الحكائية الخصبة بجمالياتها والغنية بمدلولاتها، غير أن هذا المصطلح لم يكن كافياً؛ ليدل على سردية النص، فهذا الدكتور علي الراعي يضع رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل في خانة وسطٍ بين الرواية والنثر الفني، ففي نظره لم ترق رواية «زينب» لفن السرد الروائي، لكنها نثرٌ فني يرتقي عن النثر العادي، ولم يتم تجاوز هذه الإشكالية المصطلحية إلا في أواخر السبعينات الميلادية من القرن الماضي، عندما تمت الاستفادة من التحولات النظرية السردية في الغرب، وأصبح مصطلح «السرد» هو السائد في تعريف الفنون السردية المختلفة تراثية كانت أم عصرية.
إن المحطات السردية الضخمة التي أنتجها الأدب العربي مثل «كليلة ودمنة»، و«البخلاء»، و«المقامات»، و«رسالة الغفران»، و«رسالة التوابع والزوابع»، و«أدب الرحلات»، و«ألف ليلة وليلة»، والسير الشعبية على اختلاف أنواعها، بالإضافة إلى قصة «مجنون ليلى» التي تعددت روايتها في الكثير من المصادر، ولعل أشهرها ما رواه صاحب «الأغاني»، كل هذه المحطات استقبلت متفرقة بوصفها إنتاج أفراد لا ظاهرة متماسكة تنمو باتجاه أفقٍ سردي متعاظم النمو والازدهار؛ الذي بلغ ذروته في «ألف ليلة وليلة»: ما مسؤولية الدور النقدي الذي كرَّس اهتمامه بظاهرة الشعر شرحاً وتمحيصاً وتبويباً وتصنيفاً؟ وفي المقابل، ظلَّ الجهد السردي ينمو بعيداً عن دوائر التأثير الثقافي، فلم يدرس ولم يصنف ولم يبوب؟
هنا ظهر حجم المشكلة، فعندما استفاق العرب في عصر النهضة في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فتشوا عن تراثهم القصصي، فوجدوه مهملاً، لم تبنَ مساراته بالتوازي مع الشعر، لقد وقع الارتباك عند رواد النهضة المشتغلين بالكتابة القصصية من أمثال ناصيف اليازجي وأحمد فارس الشدياق، فقلة من الكتاب رأت ضرورة الاشتغال على المنجز السردي القديم، لكن أين هو؟ لم يجدوا سوى المقامة التي لها شخصية مميزة، بوصفها نصاً يمكن أن يحتذى، ومع ذلك، لم يكن الأمر مقنعاً ومشجعاً، فالتفتوا إلى السرد القادم من الغرب في شكل الرواية والقصة القصيرة التي كانت حاضرة في الترجمات الكثيرة، وفي هذه اللحظة استشعر محمد المويلحي ضرورة الإفادة من الشكلين العربي والغربي معاً، فقدَّم مغامرة روائية ذكية بعنوان «حديث عيسى بن هشام» حاول فيها أن يجمع بين شكلين، المقامة في شكلها الثنائي (الراوي والبطل)، والرواية المنفتحة في أفقها الزمني، وفي حركتها وإيقاعها الذي يقترب من نبض الواقع، لكن هذه التجربة لم يستفد من فكرتها إلا في أواخر الستينات عندما بدأ جمال الغيطاني، ونجيب محفوظ، وواسيني الأعرج، وغيرهم بالقيام بمهمة استلهام التراث السردي، لكن هذه المرة بوعي قومي وجماليٍ، قومي؛ لتزامن هذه التجربة مع المد الوحدوي والقومي الذي سعى لإعادة تأسيس التراث القومي، وجماليٍّ؛ لما في هذه التجربة من غنى جمالي وإنسانيٍ، وإن من يقرأ روايات الغيطاني يدرك الكنوز السردية الهائلة التي يحفل بها التراث السردي التي ظلت غائبة أو مغيبة لأسبابٍ كثيرة.
وأريد أن أختم بملاحظة تستحقُّ أن نتوقف أمامها، ولعلَّها تلخص أزمة العلاقة بين الشعر والسرد: ألا تلاحظون معي أن هناك علاقة بين الانتصار والشعر، وعلاقة أخرى بين السرد والهزيمة! الأمر ليس لغزاً، بل ملاحظة أرى أنها جديرة بالنظر، فعلى مدى قرونٍ تمتَّع الشعر بمنزلة رفيعة، لكنَّ ذلك كان ارتباطاً بحال الأمة المنتصرة عسكرياً وسياسياً، المتماسكة حضارياً وإنسانياً، فكان الشعر حاضراً؛ لاستثمار حالة الانتصار هذه، فحضر في المعارك، والحروب، وفي الجدل السياسي، وفي بلاط الخلفاء، وعندما فقدت الأمة زهوها وانتصارها انحسر دور الشعر المتباهي بالانتصار؛ ليأتي دور السرد معوضاً الانكسار بالحضور، وتغذية الوجدان العام؛ الذي لم يعد للشعر فيه الدور الفاعل، وفي الحديث: «إن بني إسرائيل لما هلكوا قصوا»، الألباني في السلسلة الصحيحة، 4-246. فلم تنتشر قصص بني إسرائيل إلا في حال شتاتهم وضعفهم، فهو أمرٌ يكاد يكون لازمة بين فنون السرد والهزيمة، مثلما الأمر بين الشعر والانتصار.
كلُّ الفنون العظيمة مثل «ألف ليلة وليلة» والسير الشعبية، ظهرت في العصور المتأخرة في وقت انكسار الأمة، وضعفها، وتمزق مركزيتها، وغاب الشعر الذي فقد روح الانتصار في الأمة، وتحول إلى ألغازٍ وإخوانيات، وانعدمت روح الإبداع والابتكار، ورغم وجود استثناءاتٍ هنا وهناك، فإنها لا تغيِّر المعطى العام الذي يؤكد ضعف الشعر وازدهار السرديات منذ القرن العاشر الهجري، حتى مطلع القرن العشرين بعد حركة إحياء الشعر، وعليه يمكن أن نقول إن الشعر للانتصار والسرد للهزيمة، أي أن الشعر يصلح لعصور انتصار الأمة وحيويتها، وإذا ضعف حال الأمة جاءت السرديات؛ لتؤسس خطاب ما ينبغي أن يكون وليس ما هو كائنٌ، وهو خطابٌ يعزِّز القيم المعنوية في غياب حالة الانتصار، فمن يقرأ «سيرة عنترة» يلحظ اتحاد الشعوب تحت راية واحدة، وهو تعبيرٌ رمزي يعوِّض غياب الوحدة والقوة في حال الأمة.
ولأن واقعنا الرَّاهن ما زال يغرق في الضعف والفرقة والتنافس، فلا صوت يعلو فوق صوت السرديات المقروءة، والمرئية كالدراما التلفزيونية، فالزمن زمن الرواية كما أشار إلى ذلك العديد من النقاد، والشواهد أبلغ من شهادات النقاد، فالرواية حاضرة على مستوى الإبداع والتلقي والنقد بمعايير غير مسبوقة.
هل لأنَّ هناك إدراكاً متأخراً لأهمية السرد فاحتلَّ الصدارة، أم هي حتمية التاريخ تفرض فنونها وأجناسها؟ إنَّ الحضور لا يقاس بالكم، لكن يقاس بالتأثير، وبهذا المعنى، تحتلُّ الرواية، على وجه الخصوص، صدارة القول الأدبي، متمكنة من القراء بدرجاتٍ مقروئية غير مسبوقة.
أما القول بتفوق الرواية على الشعر، فهو قولٌ قادمٌ من سنوات الإحباط التي عانى منها السرد، قولٌ يتغافلُ عن الاشتراطات المعرفية، والحتميات التاريخية، التي بُنيت عليها العلاقة الفكرية بين الشعر والسرد، فحضور الرواية بهذا الزخم ليس موتاً في المقابل للشعر، بل إشكالية الشعر في ذاته لا في غيره.
هل هذه الظاهرة، ظاهرة التنافر لا التجاور بين الشعر والسرد ظاهرة طبيعية؟ مرة أخرى أعتقد أننا أمام مكتسبين يجب الاهتمام بهما معاً، ورغم أن حضور السرد، وقوة تأثيره ونفوذه، أمرٌ حتميٌّ، وليس ناتجَ وعي أو تحولٍ في الذهنية النخبوية، فهناك من لا يزال ينظر بعين النقص للفنون السردية من باب الاستعلاء أحياناً، كون السرد ارتبط في أذهانهم باللهو والهزل، وبالعامة لا الخاصة. كما أن تراجع الشعر يعود ربما إلى انفصاله عن الفواعل الاجتماعية، وانفتاحه على تجارب غربية منها قصيدة النثر التي سجلت الصدمة وبقيت محدودة التأثير.

* أستاذ السرديات في جامعة الملك عبد العزيز بالسعودية



«المجيبون»... تماثيل «الأوشابتي» تروي أسرار الحياة الأبدية في المتحف المصري

تماثيل الأوشابتي عرفت بوظيفة روحية في المقابر المصرية القديمة (المتحف المصري)
تماثيل الأوشابتي عرفت بوظيفة روحية في المقابر المصرية القديمة (المتحف المصري)
TT

«المجيبون»... تماثيل «الأوشابتي» تروي أسرار الحياة الأبدية في المتحف المصري

تماثيل الأوشابتي عرفت بوظيفة روحية في المقابر المصرية القديمة (المتحف المصري)
تماثيل الأوشابتي عرفت بوظيفة روحية في المقابر المصرية القديمة (المتحف المصري)

«أن يكون لك خادم مخلص في الحياة الأخرى... هذا بالضبط ما فكّر فيه المصري القديم عندما صنع هذه التماثيل الصغيرة، التي لم تكن مجرد شكل جنائزي، بل كانت أشبه بموظفين روحيين مهمتهم ضمان راحة وسعادة المتوفى في العالم الآخر»؛ بهذا الكلمات سلّط المتحف المصري بميدان التحرير (وسط القاهرة) الأضواء على تماثيل «الأوشابتي» التي عادة ما ترافق الموتى في المقابر المصرية القديمة، موضحاً في بيان، الثلاثاء، أن كلمة «أوشابتي» مشتقة من الفعل المصري القديم «وشب»، الذي يعني «يُجيب». لهذا تُعرف أيضاً باسم «التماثيل المُجيبة» أو «المجيبون».

كانت الفكرة ببساطة أنه عندما يُنادى على المتوفى في العالم الآخر للقيام بعمل شاق، مثل حرث الحقول أو ري الأرض، ينهض هذا التمثال الصغير ويقول «هأنذا»، ليتولى المهمة بدلاً من سيده. لتصبح هذه التماثيل بمنزلة ضمانة دائمة للراحة والخلود. كانت هذه التماثيل في البداية مجرد رؤوس حجرية توضع في المقبرة، وفى عصر المملكة الوسطى (حوالي 2050 إلى 1710 قبل الميلاد) أصبحت تأخذ شكل مومياء صغيرة، وكان يوضع تمثال واحد أو اثنان في المقبرة. وفي الدولة الحديثة وما بعدها وصلت لفكرتها الأكثر تعقيداً، إذ لم يعد تمثال واحد يكفي، بل أصبح هناك «جيش» كامل يقوم على خدمة المتوفى طوال أيام السنة. وبلغ العدد النموذجي 365 تمثالاً، يمثل كل منها يوماً من أيام السنة. وفي بعض الفترات المتأخرة، زاد هذا العدد ليصل إلى أكثر من ذلك.

أحد تماثيل الأوشابتي (المتحف المصري)

تصف المتخصّصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، تسليط الضوء على تماثيل «الأوشابتي» في المتحف المصري بأنها «خطوة بالغة الأهمية في إعادة قراءة الفكر الجنائزي للمصري القديم بعيداً عن النظرة الشكلية للقطع الأثرية، إذ تكشف هذه التماثيل عن دور رمزي عميق بوصفها (موظفين روحيين) أو وكلاء يعملون نيابةً عن المتوفّى في العالم الآخر».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن «وجود (الأوشابتي) لم يكن مجرد عنصر تزييني داخل المقبرة، بل ارتبط بنصوص دقيقة خصوصاً تعاويذ الفصل السادس من كتاب الموتى التي تفعّل وظيفتها لتؤدي الأعمال الزراعية والخدمية بدلاً من صاحب المقبرة، بما يعكس تصوراً متكاملاً للحياة الأبدية قائماً على الاستمرارية والتنظيم والعمل».

وأشارت إلى أن إبراز «الأوشابتي» بهذا المنظور العلمي يؤكد على الدور المتحفي ليس بوصفه قاعة عرض فقط بل منصات للمعرفة وإعادة تفسير التراث في ضوء مناهج علم المصريات الحديثة، ما يبرز قدرة القطع الأثرية على سرد تاريخ روحي وفكري كامل، يربط الإنسان المصري القديم بأسئلته الكبرى حول الخلود.

وصنعت هذه التماثيل من خامات متعددة مثل الخشب والحجر والبرونز، كما تبرز تماثيل «الفيانس» (القاشاني) كأحد أروع الأنواع. وهو خزف زجاجي ملون كان يُنتج في مصر القديمة بألوان ساحرة، خاصة الأزرق الفيروزي والأخضر، التي كانت ترمز للحياة والنماء، وفق بيان المتحف.

وتعرض قاعات المتحف المصري مجموعات متميزة من تماثيل «الأوشابتي»، من بينها القاعة 22 في الدور العلوي التي تضم مجموعة من تماثيل «الأوشابتي» المصنوعة من الفيانس. وحسب البيان، فهي «ليست قطعاً فنية فحسب، بل نافذة على عقلية المصري القديم وفلسفته تجاه الموت. وتعكس إيمانه الراسخ بالحياة بعد الموت، وحرصه على الاستعداد لها بتفاصيل دقيقة، ليستمتع بالأبدية دون مشقة».

ويرى عالم المصريات والخبير الآثاري، الدكتور حسين عبد البصير، أن «تسليط الضور على هذه التماثيل فكرة جيدة بوصفها عناصر فاعلة داخل منظومة الحياة الأبدية، لا مجرد قطع جنائزية صامتة، وهو طرح يقرّب العقيدة المصرية القديمة من الوعي المعاصر دون إخلال بجوهرها».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن وصف «الأوشابتي» بـ«المجيب» أو «الموظف الروحي» يستند إلى نصوص العقيدة نفسها، لا سيما صيغة الاستجابة الواضحة: «إذا دُعيتُ أُجيب»، وهو ما يكشف عن تصور منظم للعالم الآخر يقوم على الواجب والعمل والاستمرارية.

وعدّ عبد البصير أن هذا المدخل «يفتح أفقاً سردياً وتعليمياً مهماً داخل المتحف، إذ تتحول القطعة الأثرية إلى شاهد على رؤية المصري القديم للحياة بعد الموت بوصفها امتداداً منضبطاً للحياة الدنيا، وهي زاوية تتيح قراءة إنسانية عميقة لـ(الأوشابتي)، وتمنحه صوتاً فكرياً يعبّر عن فلسفة المصري القديم في العمل والعدل والمعنى، لا عن طقوس الموت فقط».

Your Premium trial has ended


مسرح «زقاق» يطفئ أنواره بعد عِقد من الإبداع

فرقة مسرح زقاق تودع جمهورها على أمل لقاء جديد (مسرح زقاق)
فرقة مسرح زقاق تودع جمهورها على أمل لقاء جديد (مسرح زقاق)
TT

مسرح «زقاق» يطفئ أنواره بعد عِقد من الإبداع

فرقة مسرح زقاق تودع جمهورها على أمل لقاء جديد (مسرح زقاق)
فرقة مسرح زقاق تودع جمهورها على أمل لقاء جديد (مسرح زقاق)

أعلن جنيد سري الدين، أحد مؤسسي «زقاق»، إقفال مسرح الفرقة في الكرنتينا بالعاصمة بيروت. وأوضح أنهم كانوا يأملون استمرار الخشبة التي انطلقت قبل 10 سنوات بدل أن تتحوّل إلى معمل.

تأسس فريق «زقاق» عام 2006 في فرن الشباك، ثم انتقل إلى الكرنتينا، حيث أنشأ مسرحاً نشطاً طوال عِقد كامل. خلال هذه السنوات، قدَّم الفريق أكثر من 40 عملاً مسرحياً، ونظَّم ورشاً درَّبت نحو 7200 مشارك، واستقبل ما يزيد على 129 ألف متفرج.

جنيد سري الدين (مسرح زقاق)

لكن لماذا يُقفل هذا المسرح أبوابه في وقت تحتاج فيه المدينة إلى مسارح جديدة؟

يجيب سري الدين في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «نواجه تكاليف تفوق قدراتنا المادية وأكبر من استثماراتنا، فجميع أشكال الدعم والتبرعات التي تلقيناها لم تُفضِ إلى النتائج المرجوة».

ويشير إلى أن ثِقل التكلفة المالية وعدم قدرة الفريق على تحمّلها، يقابله سبب آخر يتمثّل في الحاجة إلى التوجّه نحو آفاق أوسع، ويضيف: «شعرنا بضرورة القيام بنقلة نوعية مختلفة، ولذلك نخطط لمشروع جديد يرتبط ارتباطاً مباشراً بالمدينة».

ورغم الصعوبات التي تواجه الفريق، يؤكد سري الدين أن تغيير المكان لا يعني التوقف عن العمل، بل قد يكون أحياناً ضرورة لانطلاقة أفضل.

علاقة فريق «زقاق» بمسرحه في الكرنتينا تتجاوز البعد المكاني. فهي علاقة مشبعة بالذكريات والتحديات واللحظات الحلوة والمرّة، ويعلّق جنيد: «نحن ممتنون لكل ما أنجزناه في هذا المكان، الذي نعدّه قطعة من روحنا. صحيح أننا نشعر بالحزن لمغادرته، لكن البلد بأكمله يعيش حالة تشتّت، ولن نسمح لهذا الواقع بأن يؤثر سلباً علينا. من الضروري القيام بتحولات مدروسة لنتمكّن من البقاء والاستمرار».

وفي عام 2024، وخلال الحرب التي شهدها لبنان في جنوبه، اضطر مسرح «زقاق» إلى إلغاء مشاريع فنية عدّة، فرفع الصوت عالياً، وطالب، من خلال بيان أصدره، بضرورة إيجاد حلول جذرية تحمي الفن في لبنان. ومما جاء فيه: «يُواجه الفن الجريمة، ويحمي التماسك المجتمعي، ويُعزز الشعور بالوجود المشترك». وأضاف: «نعلم أنه بإمكان الجهود الفردية التأثير على النقاش العام وإعادة بناء القيم التي تُحقق إمكانية تغيير عالمي أشمل. ونترقَّب عودة اللقاء بأمان لنتشارك من جديد الأعمال الفنية».

يُطفئ مسرح زقاق أنواره بعد 10 سنوات من العمل الإبداعي (مسرح زقاق)

هذا اللقاء الذي كان يرنو إليه لم يدم إلا نحو سنة. فجاء قرار الإقفال لينسف كل الآمال بإمكانية الاجتماع تحت هذا السقف مدة أطول؛ «لقد كان بإمكاننا استغلال الفترة القصيرة التي تفصلنا عن موعد انتهاء عقدنا مع أصحاب المكان، فنمدِّد حياته الفنية قبل أن نتحوَّل إلى وجهة أخرى. لكن وضعنا المادي وغلاء الإيجارات دفعانا إلى تسريع عملية المغادرة».

ولا يخفي سري الدين عتبه على الدولة اللبنانية، في ظل إهمالها وغياب دعمها للفن وأهله، ما يسهم في شرذمة هذا القطاع، ويقول: «المراكز الثقافية عندنا معرَّضة دائماً للتوقف عن العمل. وتكلفة الإيجارات المرتفعة تُشكل سبباً أساسياً في تخريب مسيرة مسارح تبحث عمَّن ينتشلها من أزماتها. وبصورة عامة، لا توجد رعاية جدية من الدولة للاهتمام بالوجهات الثقافية».

في المرحلة المقبلة، يتجه فريق «زقاق» نحو افتتاح مسرح جديد يحافظ على هدفه الأساسي: دعم الفنان وتشجيعه، وفتح مساحات تتيح له بلورة مواهبه والمشاركة في أعمال مسرحية تعبّر عن أفكاره، ويتابع: «إنها لحظة انتقالية نعوِّل عليها كثيراً. القرار كان صعباً جداً، لكننا نعمل على تحويله إلى طاقة نستمد منها الأمل لولادة مختلفة».

ويأسف جنيد لنيَّة تحويل مسرح «زقاق» في الكرنتينا إلى معمل أو مصنع، قائلاً: «كنا نتمنى الحفاظ على روحه الثقافية والفنية. فهذا المكان تربَّينا وكبرنا في ظلّه، ويعني لنا الكثير كفريق ناضل لنشر ثقافة المسرح الأصيل».

مشهد من إحدى المسرحيات التي عرضت على خشبة زقاق (مسرح زقاق)

يُذكر أن فريق «زقاق» قدّم مئات الأعمال المسرحية، من بينها: «ثلاث أبيات من العزلة»، «بينوكيو»، و«ستوب كولينغ بيروت»، و«نص بسمنة ونص بزيت»، وغيرها.

وكان فريق مسرح «زقاق» قد تأثر مباشرة بتداعيات الانفجارات والحروب في لبنان؛ «لقد اضطررنا إلى ترميمه أكثر من مرة، وكذلك بعد انفجار بيروت. وكما المقاهي والمطاعم المنتشرة في المنطقة، تمسَّكنا برسالة لبنان الثقافية وبدأنا المشوار من جديد. عمر فريقنا اليوم يتجاوز الـ20 عاماً، وشكَّل هذا المكان جزءاً من مشوارنا لا نستطيع بالتأكيد نسيانه».

ويختم جنيد سري الدين: «في غياب دعم من الجهات الرسمية، لا بد أن نصل إلى نهايات من هذا النوع. لكن في المقابل، يبقى افتتاح مسرح جديد الخطوة الأهم. فالمدينة تعاني اليوم خسارة مساحات متتالية في المجال الفني عامة، والثقافي المسرحي خاصة. وسنكمل المشوار ونتحدَّى الصعاب رغم كل شيء».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


المتحف البريطاني ينجح في بقاء قلادة ذهبية للملك هنري الثامن

قلادة ذهبية (رويترز)
قلادة ذهبية (رويترز)
TT

المتحف البريطاني ينجح في بقاء قلادة ذهبية للملك هنري الثامن

قلادة ذهبية (رويترز)
قلادة ذهبية (رويترز)

نجح المتحف البريطاني في جمع مبلغ 3.5 مليون جنيه إسترليني لضمان بقاء قلادة ذهبية ذات صلة بزواج الملك هنري الثامن من زوجته الأولى، كاترين أراغون، ضمن مقتنياته الدائمة، حسب «بي بي سي» البريطانية.

وكان المتحف، الواقع في قلب لندن، قد أطلق حملة تبرعات في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي للاستحواذ على قلادة «قلب تيودور» بصفة نهائية، وهي التي عثر عليها أحد هواة الكشف عن المعادن في حقل بمقاطعة وارويكشاير عام 2019.

وقد أعلن المتحف أخيراً عن بلوغ هدفه التمويلي بعد تلقيه تبرعات شعبية بقيمة 360 ألف جنيه إسترليني، إلى جانب سلسلة من المنح المقدمة من صناديق ائتمانية ومؤسسات فنية.

وفي السياق نفسه، صرح نيكولاس كولينان، مدير المتحف، قائلاً: «إن نجاح هذه الحملة يبرهن على قدرة التاريخ على إلهام الخيال، ويوضح أهمية أن تستقر قطع مثل (قلب تيودور) في المتاحف».

هذا، وقد كشفت الأبحاث التي أجراها المتحف عن أن القلادة ربما صُنعت للاحتفال بخطوبة ابنتهما الأميرة ماري (التي كانت تبلغ عامين آنذاك) من ولي العهد الفرنسي (الذي كان يبلغ ثمانية أشهر) في عام 1518. وتجمع القلادة بين «وردة تيودور» ورمز «الرمان» الخاص بكاترين، كما تحمل شعاراً مكتوباً بالفرنسية القديمة «tousiors» وتعني «دائماً».

وعقب اكتشافها، أُدرجت القلادة بموجب «قانون الكنوز لعام 1996»، والذي يمنح المتاحف والمعارض في إنجلترا فرصة الاستحواذ على القطع التاريخية وعرضها للجمهور. ومن أجل عرضها بشكل دائم، تعين على المتحف سداد مكافأة مالية للشخص الذي عثر عليها وصاحب الأرض التي اكتُشفت فيها.

وقد حرص المتحف على اقتناء القلادة نظراً لندرة القطع الأثرية الباقية التي توثق زواج هنري الثامن من كاترين أراغون. وأوضح المتحف أن أكثر من 45 ألف فرد من الجمهور أسهموا في الحملة، وهو ما غطى ما يزيد قليلاً على 10 في المائة من المبلغ المطلوب.

كما حصل المشروع على دعم بقيمة 1.75 مليون جنيه إسترليني من «صندوق ذكرى التراث الوطني»، المعني بحماية الكنوز التراثية المتميزة والمهددة بالضياع في المملكة المتحدة. وشملت قائمة الجهات المانحة أيضاً جمعية «صندوق الفنون» الخيرية، وصندوق «جوليا راوزينغ»، وجمعية «أصدقاء المتحف البريطاني الأميركيين».

وفي حديثه لبرنامج «توداي»، عبر إذاعة «بي بي سي 4»، أضاف كولينان: «إن تكاتف 45 ألف مواطن وتبرعهم بالمال لإبقاء هذه القطعة في البلاد وعرضها أمام العامة، يعكسان الحماس الشعبي تجاه هذا الأثر. إنها حقاً قطعة فريدة من نوعها».