الحياة تحت نار الحرب في شمال سيناء

{الشرق الأوسط} ترصد يوميات عائلات عزلها الإرهاب

مزارع يجلب الماء على طريق في جنوب الشيخ زويد («الشرق الأوسط»)
مزارع يجلب الماء على طريق في جنوب الشيخ زويد («الشرق الأوسط»)
TT

الحياة تحت نار الحرب في شمال سيناء

مزارع يجلب الماء على طريق في جنوب الشيخ زويد («الشرق الأوسط»)
مزارع يجلب الماء على طريق في جنوب الشيخ زويد («الشرق الأوسط»)

يحاول المصري الأربعيني المقيم في شمال سيناء حسن سالم التغلب على خوفه من المجهول، عبر التمسك بالحياة فوق أرضه، فيسير مترجلاً مرة، أو ممتطياً ظهر دابته لمسافة تصل لنحو 10 كيلومترات تبدأ من منزله في قرية الجورة (جنوب الشيخ زويد)، وصولاً إلى أقرب نقطة تصلها السيارات. ومنها يبحث عن سيارة نصف نقل يستقلها مع آخرين يُحشرون في صندوقها الخلفي المتهالك، وصولاً إلى السوق للتزود بحاجيات تكفى معيشته وأسرته المكونة من 5 أطفال ووالديه المسنَّين.
وتعبر المسيرة الأسبوعية لسالم عن واقع عدد غير قليل من سكان قرية الجورة الواقعة على بعد 15 كيلومتراً إلى الجنوب من مدينة الشيخ زويد، والتي تشهد منذ سنوات صوراً مختلفة من مراحل مواجهة قوات الجيش والشرطة في مصر مع جماعات إرهابية (أغلبها من عناصر تنظيم «ولاية سيناء» التابع لـ«داعش») والتي تنشط في شمال سيناء منذ أكثر من 5 سنوات. ولا تزال تدور رحى تلك الحرب في الجزء الشمالي الشرقي من شبه جزيرة سيناء.
يتحدر سالم من إحدى عشائر قبيلة السواركة (أكبر قبائل سيناء عدداً)، ولا تزال عائلته مع 400 أسرة أخرى (تضم نحو 3 آلاف رجل وامرأة وطفل) يقيمون في قرى أبو العراج والجورة والظهير في الشيخ زويد، فيما قرر آخرون النزوح إلى مناطق أكثر أماناً داخل سيناء ومحافظات أخرى، فراراً من نيران الحرب وملاحقات «داعش» أفراداً من بينهم، بتهمة التعاون مع قوات الأمن المصرية.
ووفقاً لقاعدة البيانات الرسمية لمركز معلومات محافظة شمال سيناء، فإن مركز الشيخ زويد يقع على مساحة 783 كيلومتراً مربعاً، من إجمالي مساحة شمال سيناء البالغة 27 ألف كيلومتر مربع، ويقدر عدد سكان المركز بنحو 60 ألفاً من إجمالي سكان شمال سيناء البالغ 455 ألفاً حتى عام 2016.
وقدّرت إحصائية رسمية غطت الفترة بين 2013 ومنتصف 2017، أعداد النازحين من نيران الحرب على الإرهاب في مراكز شمال سيناء كافة إلى مناطق آمنة داخل المحافظة بنحو 6700 أسرة تضم أكثر من 26 ألف شخص.
ويقول حسن سالم لـ«الشرق الأوسط» إن «الصعوبات الفعلية التي تواجه مَن يعيشون في مناطق الحرب على الإرهاب بدأت بعد إغلاق مناطقهم كلياً في أواخر 2016، والسماح بالتحرك للدخول والخروج منها في نطاق ضيق، وذلك عبر السير في ممرات أو على عربات تجرّها الدواب».
ويضيف متفاخراً: «لن نغادر قُرانا. نعيش على أرض يداهمها خطر الموت من كل جانب، لكننا سعداء بأننا من فئة الصامدين في شمال سيناء. أقول ذلك رغم المعاناة من مسألة بسيطة مثل الذهاب إلى السوق، والتي نتحملها أسبوعياً لإحضار متطلبات الأسرة من سوق مدينة الشيخ زويد، حتى إننا نُحضّر لها مسبقاً، ونستهدف شراء البقوليات والمعلبات التي لا تتلف مع الوقت».
ويشير سالم إلى أن «الجزء الأصعب في طريق الذهاب إلى الشيخ زويد، يحدث عند إصابة أحدهم بمرض مفاجئ أو تعرض سيدة للولادة المفاجئة، أو التعرض للإصابة بطلقات النيران العشوائية». وأوضح أنه «إذا كان الوقت ليلاً نضطر إلى الانتظار حتى ساعات الصباح، لتجنب قرار حظر التجوال ليلاً، ثم قطع المسافة على عربات الكارو (التي تجرها الدواب)، وصولاً إلى أقرب نقطة تصلها السيارات، لأن مناطقنا ممنوع فيها كلياً سير المركبات والدراجات البخارية بأنواعها، وفي حال ظهورها تصبح عرضة للطلقات النارية».
ببساطة يصوغ الرجل معادلة الحياة تحت نيران الحرب على الإرهاب، فيقول: «أصبحنا نعرف المسموح والممنوع، ونلتزم بالتعليمات الأمنية التي تنص على حرية التحرك نهاراً مترجلين أو بواسطة الدواب، والتزام البيوت ليلاً».
لكنه يتطلع على مستوى آخر وسط كل هذه المعاناة إلى حصول أبنائه على نصيبهم من التعليم. ويقول إن «مدارس القرية تعمل جزئياً بطاقة 4 معلمين من أهلها يتبادلون التدريس للأطفال، بينما توجد حضانة صغيرة تتولى بعض الفتيات مهمة إدارتها، حتى إننا أصبحنا نعتمد على أنفسنا في كل شيء، خصوصاً أنه بات صعباً أن يحضر إلينا موظفون من خارج أسر القرية بسبب صعوبة الحياة هنا».
الحاج علي محمد، وهو مزارع خمسيني من أبناء قرية الجورة، يشير إلى صعوبة الحصول على التيار الكهربائي، إذ تقع محطة التغذية الرئيسية في مدينة الشيخ زويد، ويتعرض للقطع بين الحين والآخر بسبب الهجمات الإرهابية، بينما تتمثل أزمة الحصول على المياه في النقل، إذ كانت تصل في السابق في ناقلات كبيرة وتدخل في خزانات إسمنتية تحت الأرض، لكن ذلك لم يعد سهلاً بعد وقف حركة المركبات، وهو ما يجبرهم على نقلها في عبوات بلاستيكية على عربات تجرها الدواب. وفي حالة قطع الكهرباء وتوقف عمل المحطات، يسير أهالي القرية لمسافة 20 كيلومتراً بوسيلة النقل ذاتها للوصول إلى أقرب بئر مياه جوفية تتجمع فيها مياه رشح عذبة على ساحل البحر المتوسط والتعبئة منها يدوياً.
ويلفت المزارع السيناوي إلى تلقيه وعدداً من أقرانه تهديدات من عناصر «داعش» بعدم الوصول إلى مزارع الزيتون والخوخ الخاصة بهم أو حرثها، «وتبين أن السبب يعود إلى زرعها بالعبوات الناسفة وتلغيمها».
حال الجورة يشبه حال جارتها قرية الظهير التي تبعد عن مدينة الشيخ زويد نحو 13 كيلومتراً إلى الجنوب، وتقطنها نحو 60 أسرة، استطاعت التكيف مع الظروف. ويشرح الشاب العشريني محمد أبو سِلمي أن أهل القرية تمكنوا «بجهد ذاتي» من «تشغيل مدرستين، إحداهما ابتدائية والأخرى إعدادية، وحضانة أطفال، وأصبح مقرها في مجلس ديوان القرية بعد أن دمر عدد من المسلحين مدرسة القرية الإعدادية، وفجروها مستخدمين عبوات ناسفة، ولغموا مدرسة أخرى وأصبح دخولها خطراً».
وقال أبو سِلمي إن «مدرستي» ديوان القرية تدرسان للتلاميذ مناهجهم، «بمساعدة وتكاتف من جهود المتعلمين من الشباب ومَن خرجوا على المعاش من المعلمين من أهل القرية». وأضاف أن «التكاتف المجتمعي هنا فريضة، وكثيراً ما نُفاجأ بنفاد المؤن من أحد البيوت، ويتم تدبيرها من بيت آخر، وبعض الأسر تتقاسم وجبات الطعام في بعض الأحيان لأيام عندما تحدث على أطراف القرية مواجهات وعمليات أمنية، وتصعب مغادرتها لإحضار متطلبات المعيشة».
لا يتغير المشهد كثيراً في قرية ثالثة قريبة من مسرح المواجهات مع الجماعات الإرهابية، وهي أبو العراج، غير أنها تبدو أسعد حظاً، إذ تقع على مشارف آخر نقطة في الطريق البري المسموح فيه بمرور السيارات. وحسب أحد أبناء القرية، ويدعى سامح أبو العراج، فإن 6 منازل في القرية تعرضت لسقوط قذائف، بينما قُتل نحو 7 من الأهالي وأصيب آخرون.
ويقول أبو العراج لـ«الشرق الأوسط» إن «الأهالي هنا يعيشون في أرضهم، وبعضهم يملك مزارع يتم ريّها من آبار مياهُها مالحة لا تصلح للشرب لكنها تصلح للزراعة، ويتم تشغيلها فقط عند توفر التيار الكهربائي غير المنتظم، لكننا وعلى مستوى آخر نتمتع بوجود مدرستين تنتظم فيهما حركة الدراسة بشكل طبيعي، وتعتبر قوة العمل فيها من معلمين من أبناء القرية».
ويقول البرلماني إبراهيم أبو شعيرة، عضو مجلس النواب المصري عن مركز الشيخ زويد، إن قرى جنوب المركز تربطها بالمدينة طريق رئيسية واحدة، وهي مغلقة أمام المدنيين ولا يُسمح بالسير عليها سوى لقوات الأمن، وحافلات تخص القوات الدولية المتعددة الجنسيات التي تتخذ في جنوب قرية الجورة معسكراً ومطاراً لها.
وأشار أبو شعيرة إلى أنه يتلقى «شكاوى من الأهالي في تلك المناطق للمطالبة بفتح الطريق الوحيدة أمامهم، ودائماً ما تحول دون ذلك إجراءات أمنية تخص سير معركة الحرب على الإرهاب هناك».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.