باريس وأنقرة عازمتان على تعزيز علاقاتهما الاستراتيجية وتعاونهما الأمني

إردوغان: حصلنا على وعود كثيرة لمساعدة اللاجئين السوريين وعلى أموال قليلة

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون (يمين) والتركي رجب طيب إردوغان (أ.ف.ب)
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون (يمين) والتركي رجب طيب إردوغان (أ.ف.ب)
TT

باريس وأنقرة عازمتان على تعزيز علاقاتهما الاستراتيجية وتعاونهما الأمني

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون (يمين) والتركي رجب طيب إردوغان (أ.ف.ب)
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون (يمين) والتركي رجب طيب إردوغان (أ.ف.ب)

لم يكن لقاء أمس بين الرئيسين الفرنسي والتركي في قصر الإليزيه الأول من نوعه. ذلك أن الرجلين سبق لهما أن التقيا عدة مرات بمناسبة مؤتمرات دولية. لكنها المرة الأولى التي يأتي فيها رجب طيب إردوغان إلى عاصمة أوروبية كبرى بعد محاولة الانقلاب التي كادت تطيح به في شهر يوليو (تموز) من العام 2016، وإذا كانت برلين هي الشريك «الطبيعي» الأول لأنقرة حيث تقيم أكبر جالية تركية في ألمانيا، إلا أن توتر العلاقات بين الطرفين والاتهامات المتبادلة وإعلان المستشارة الألمانية أنه «حان الوقت» لوقف المفاوضات مع الجانب التركي حول الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فإن إردوغان «اختار» باريس لتكون بوابته إلى أوروبا. لذا، لم يخف إردوغان غبطته بهذه الزيارة، إذ لم يتردد في الإعراب عن «سعادته» بالمجيء إلى فرنسا، كما أنه وصف الرئيس ماكرون بـ«الرئيس والصديق العزيز». وعمد ماكرون إلى رد التحية بأفضل منها، ليس فقط عن طريق الترحيب بالضيف التركي ولكن عن طريق التعبير عن مواقف فيها الكثير من نقاط الالتقاء معه. إلا أن البهجة اختفت عن وجه الرئيس التركي عندما طرح عليه صحافيان فرنسيان سؤالين «محرجين» وثانيهما تضمن تنديدا بتركيا بسبب ما اعتبره الصحافي «ازدواجية» في التعامل مع التنظيمات الإرهابية، حيث استند إلى تقارير إعلامية تفيد بأن تركيا سهلت إيصال السلاح ومرور الجهاديين إلى سوريا. وكان رد إردوغان على الصحافي اتهامه بأنه «يتحدث كجماعة فتح الله غولن»، وذهب أبعد من ذلك عندما سأله لماذا لا يتحدث عن 4000 شاحنة محملة بالسلاح نقلها الأميركيون إلى التنظيمات في سوريا، ومنها إلى وحدات حماية الشعب والحزب الديمقراطي الكرديين «الإرهابيين»، وفق وصفه.
لا أحد يمكن أن يعتقد للحظة واحدة أن إيمانويل ماكرون يرأس مؤسسة خيرية. واستقباله لإردوغان رغم الحملة الشرسة التي شنتها ضده أحزاب اليسار وجمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان لاستقباله الرئيس التركي الذي تعتبره مسؤولا يدوس على حقوق الإنسان والحريات العامة إنما هو ثمرة حسابات سياسية واستراتيجية. واستبق ماكرون الزيارة بإعلان أنه «لا يريد القطيعة مع تركيا» وأنه عازم، انطلاقا من مبدأ أساسي في سياسته بلاده الخارجية، على «الحديث مع الجميع وتسمية الأمور بأسمائها»، مضيفا أنه سيقوم بذلك بـ«كل احترام» ولكن «في الوقت نفسه مع الحرص على الدفاع عن قيمنا ومصالحنا». ومن جهته، وصف وزير الخارجية جان إيف لو دريان تركيا بأنها «شريك استراتيجي في أكثر ملف: الهجرات (إلى أوروبا عبر الأراضي التركية)، الحرب على الإرهاب، البحث عن حلول للأزمات الإقليمية». وبنظر لو دريان، فإن الحوار مع تركيا «متطلب وبناء»، كما أنه «يقوم على التزامات تركيا نفسها في ملف حقوق الإنسان».
اجتماع أمس الذي بدأ متأخرا لنحو خمسين دقيقة حصل في ظل إجراءات أمنية مشددة وحضور كثيف لرجال الشرطة التي أحاطت بقصر الإليزيه وأقفلت الشوارع المفضية إليه. وكان لافتا ضخامة «البعثة» الأمنية التي رافقت الرئيس التركي والعدد الكبير من الصحافيين الذين انتقلوا معه إلى باريس.
أسفرت زيارة إردوغان عن توقيع ثلاث اتفاقيات تناولت القطاعات الدفاعية والطيران المدني (شراء الخطوط الجوية التركية 25 طائرة أيرباص) والتأمين وعن توافق الطرفين على تعزيز التعاون الاقتصادي في كافة قطاعاته وزيادة المبادلات التجارية التي تصل حاليا إلى 13 مليار يورو. وأعرب إردوغان عن رغبته بالارتقاء بها لتصل إلى 20 مليار يورو.
بيد أن أهمية الزيارة الأولى تكمن في الملفات السياسية والاستراتيجية وعلى رأسها محاربة الإرهاب. وفي هذا السياق، أعلن ماكرون عن «غبطته» بالتعاون الأمني والاستراتيجي مع تركيا ووصفه بأنه اليوم، «وبعد أن عادت الثقة»، بات «من نوعية عالية»، منوها بتبادل المعلومات بين الأجهزة الاستخبارية، ومشددا على أن البلدين يحاربان عدوا واحدا هو «داعش». ورأى ماكرون أن البلدين «يواجهان إشكاليات مشتركة على المستويات الثنائية والإقليمية والدولية».
واحتل الملف السوري حيزا بينا في محادثات الرجلين. والنتيجة العملية الوحيدة التي أسفر عنها اللقاء الذي حضره وزيرا الخارجية من الجانبين التوافق حول دعوة «أصدقاء الشعب السوري» إلى عقد اجتماع في تركيا الشهر القادم. وتضم المجموعة عشر دول هي الدول الغربية والمملكة السعودية وتركيا والأردن والإمارات العربية المتحدة. وكما فعل ذلك في كلمته إلى السلك الدبلوماسي أول من أمس، برر ماكرون سياسته «المهادنة» إزاء النظام السوري كما هاجم مساري أستانة وسوتشي، معتبرا أن الفائدة الوحيدة التي نتجت عن الأول هي مناطق خفض الصعيد التي لا يبدو أنها محترمة من جانب النظام لا في الغوطة ولا في الشمال السوري. أما بالنسبة لسوتشي فقد اعتبر الرئيس الفرنسي أنها «ليست الإطار المناسب» للوصول إلى الحل السياسي، مشددا على أهمية أن يكون الحل شاملا وأن يضمن مصالح كافة المكونات السياسية في إشارة إلى المعارضة وكذلك الأقليات وتوفير عملية انتقال سياسية. أما الهدف من ذلك فهو التوصل إلى سلام صلب ودائم يمكن من «إعادة الاستقرار إلى سوريا». وفهم من الرئيسين أن فرنسا وتركيا ستعملان معا على أفكار وطروحات. ونزع ماكرون عن الأطراف الخارجية القدرة على الحلول محل السوريين لبناء السلام، معتبرا أن الحل يجب أن يكون بأيدي السوريين أنفسهم وأن يعبروا عن خياراتهم من خلال انتخابات حرة يشارك فيها الجميع وعلى رأسهم السوريون الذين هجروا وبشكل أساسي بسبب ما قام به النظام. أما إردوغان الذي دافع عن أستانة وسوتشي، فقد عاد للتأكيد أن الهدف هو «ليس الحل مع الأسد بل من غير الأسد». وكما في كل مناسبة فقد ندد إردوغان بالحزب الديمقراطي الكردي وبوحدات حماية الشعب، معتبرا أنها تتماهى مع حزب العمال الكردستاني الإرهابي، ومعربا عن دهشته من تعامل الولايات المتحدة معها.
وفي سياق مواز، شكا إردوغان من شح المساعدات التي تصل إلى تركيا التي تستضيف كما قال أكثر من 3 ملايين لاجئ سوري. وبحسب الرئيس التركي، فإن بلاده أنفقت 30 مليار دولار على اللاجئين بينما حصلا على الكثير من الوعود والقليل من الأموال هي 900 مليون من الاتحاد الأوروبي و600 مليون من الأمم المتحدة.
كان واضحا أن إردوغان جاء راغبا بالحصول على دعم فرنسي في موضوع انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. وفي رأيه أن وضع تركيا فريد من نوعه لأنها «تنتظر على أبواب أوروبا منذ 54 عاما» وأنها «تعبت» من الانتظار. وشكا إردوغان من أن 16 فصلا تفاوضيا «من أصل 35» قد فتحت لكن حتى الآن لم يتم إغلاق أي منها. وإزاء هذا الوضع وبالنظر للتطورات الأخيرة التي حصلت في تركيا خصوصا منذ المحاولة الانقلابية، فقد اعتبر الرئيس ماكرون أنه من الصعب توقع حصول تقدم بين الجانبين بسبب أوضاع حقوق الإنسان في تركيا. ولذا، فإنه اقترح إعادة النظر بالمسار الحالي وبرغبة تركيا في الانضمام وأن تقوم بدل ذلك «شراكة» بين الجانبين بسب غياب الأفق، وذلك بغرض المحافظة على «انتماء» تركيا إلى أوروبا. وفي أي حال وبغض النظر عن الوضع القائم اليوم، أكد ماكرون أن «مستقبل تركيا يجب أن يكون في أوروبا».



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».