متحف رومانسي في قلب روما

في غرفة الشاعر الإنجليزي جون كيتس

جون كيتس  -  غرفة كيتس في روما حيث مات
جون كيتس - غرفة كيتس في روما حيث مات
TT

متحف رومانسي في قلب روما

جون كيتس  -  غرفة كيتس في روما حيث مات
جون كيتس - غرفة كيتس في روما حيث مات

لقد كُتب الكثير من البحوث والمقالات عن الشاعر النخبوي الإنجليزي الغنائي (جون كيتس 1795 - 1821) الذي يعد من أكثر الشعراء رومانسية في تاريخ الشعر الإنجليزي إلى الدرجة التي قتلته فيها تلك الرومانسية الرقيقة العذبة وهو شاب لا يتجاوز من العمر 26 عاماً.
حياته القصيرة بقيت محاطة بنوع من السرية، حيث لم يتسنَّ لأحد من المؤرخين والكتاب تناول أحداثها، خصوصاً تلك الفترة القصيرة الثرية التي عاشها في مدينة روما التاريخية والتي أحبها وبها نضجت أفكاره ووثقت خطواته الشعرية.
ويبدو أن العديد من النقاد الذين تجاهلوا هذا الشاعر، الذي يعد الأكثر عاطفية بعد وليم شكسبير، قد ساهموا، بهذه الدرجة أو تلك، في موته التراجيدي.
زيارة إلى بيته الصغير الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى متحف، وعاش به الشاعر فترة قصيرة امتدت إلى 3 أشهر من نوفمبر (تشرين الثاني) 1820 إلى فبراير (شباط) 1821، وذلك على ضوء إلحاح طبيبه الإنجليزي الخاص الذي كان يسكن هو الآخر قريباً من ساحة «إسبانيا» التي تقع في قلب العاصمة الإيطالية روما، ذات المدرجات التي تنتهي بالأسفل بنافورة المياه التي يطلق عليها اسم «لابركاجا» التي نحتها النحات الإيطالي الشهير بيترو برنيني على شكل سفينة رومانية قديمة عام 1627 بطلب من البابا أوريانو الثامن. والبيت هو شقة في الطابق الثاني تطل بشبابيكها الواسعة على الساحة ومدرجاتها الشهيرة.
يزور هذا البيت (المتحف) الصغير الذي تحول إلى سيرة ذاتية لهذا الشاعر الشاب، عدة آلاف من السياح الذين يأتون من كل أنحاء العالم، لينتظموا بشكل جماعات صغيرة لرؤية غرفة نوم الشاعر وحاجياته وكتبه ومقتنياته ولوحاته ورسائله، التي ظلت في أماكنها كما أرادها الشاعر.
قصة المتحف الصغير هذا الذي تديره إحدى المؤسسات الإنجليزية المتخصصة في المحافظة على التراث الثقافي، تتلخص بلقاء عدد من كبار الشعراء الإنجليز والأميركان جمعتهم إحدى المناسبات عام 1904 فى مدينة روما، ليقرروا ضرورة امتلاك بيت الشاعر كيتس في روما، فسارعوا لتقديم طلب إلى المؤسسات الحكومية الإنجليزية المعنية، يطالبونها بتحويل البيت الصغير إلى متحف (يكون شاهداً تاريخياً لذلك النبع من الثراء والفتوة الشعرية التي أضاءت الوجود الإنساني). وبالفعل استجابت المؤسسات المعنية واشترت الشقة الصغيرة التي ظلت مغلقة لسنوات طويلة، وفي عام 1909 حملت الواجهة الأمامية العليا من باب البناية لوحاً مرمرياً أبيض كبيراً يشير إلى بيت الشاعر وتاريخ مكوثه فيه، كما هي العادة المتبعة في العديد من المدن الإيطالية التي تخلِّد ذكرى مَن مرّوا وعاشوا وماتوا فيها من كبار الشعراء والكتاب والسياسيين.
البيت (المتحف) هو الآن عبارة عن محفل ثقافي نادر، يقدم للزائر العديد من الجوانب الخفية في حياته القصيرة والتي حال المرض دون إكمال عطاءاتها الشعرية المتميزة، فقد مات بمرض عضال ودُفن في إحدى المقابر التي تجمعه وعدداً كبيراً من الشعراء والمثقفين والفلاسفة الأجانب الذين وافتهم المنية وهم في روما. ويحمل قبره القريب من قبر المفكر الإيطالي الكبير «غرامشي» شاهداً يحمل اسمه كواحد من الشعراء الأجانب الذين أحبوا هذه المدينة العريقة.
الصعود إلى البيت (المتحف) يجعل المرء يمتلك مشاعر مختلطة ما بين الحزن والفرح، عن الشاعر الشاب الوسيم المحتشم بحياته الغامضة، الذي انزوى في هذا البيت، وهو كما يصفه العديد من الرسائل التي كتبها، يحمل خجلاً إنجليزياً كبيراً، تختلط فيه مشاعر الانتظار والاقتراب من الموت القادم.
«أرجو ألا يتملك الخوف أحداً»... بهذه العبارة الشعرية، لفظ آخر أنفاسه أمام صديقه الحميم الرسام جوزيف سيفيرين، الذي رسم صورة شخصية زيتية له (بورتريه) تتصدر الصالة الصغيرة التي ازدحمت بالكتب والصور، وبعدد آخر من البورتريهات والتخطيطات التي رسمها الشاعر كيتس نفسه لأخته (فاني) ولصديقه الحميم (توم) وقريبه (جون)، وهناك لوحة رسمها لإحدى الجِرار الإغريقية القديمة بعد إحدى الزيارات التي قام بها لمتحف الفاتيكان التاريخي. لقد كان عالمه يمتزج فيه الفن والشعر وكل ما له صلة بالإحساس العميق والرؤية الطفولية الرائعة التي حصل عليها مباشرة من واقع الحياة والأدب والفنون التي تزدحم بها كل زاوية من زوايا مدينة روما التي أحبها من كل قلبه.
أما رسائله فهي وثائق تاريخية تشهد على إحساس مرهف، يعكسه أسلوب اختياره لكلماته الأنيقة الشاعرية التي يخاطب بها الآخرين، فهو كان على ما يبدو في بحث دائم لإدراك الأحاسيس الداخلية لحياة الكلمة الشعرية، ليتمكن من ترجمة انفعالاته والتوترات النفسية التي كان يعاني منها بسبب مرضه، فهو يذكر في إحدى رسائله المعروضة «كيف يمكنني أن اقتدي بالريح فهي لا تنطلق».
يتساءل في رسالة أخرى عن الشاعر الذي في داخله وهو يرتقب الموت «أين الشاعر؟ هل لكم أن تستعرضوه لي... يا لوحي القصيدة... أنا أعرفه...».
في رسالة له إلى فاني بروان يفصح عن محبته الكبيرة لها، فيقول: «في هذه اللحظات أحاول تذكر أبيات شعر لكن دون جدوى، عليّ أن أكتب لكِ سطراً أو اثنين لأحاول إنْ كان ممكناً إقصاءك من ذهني، لكني في أعماق روحي لا أستطيع أن أفكر بأي شيء آخر. انتهى الوقت الذي كان فيه من القوة الكافية التي تمكنني من نصحك وتحذيرك من الصباح الخالي من الوعود في حياتي، فحبي جعلني ذاتياً، أنا لا أستطيع أن أوجَد من دونك، أنا مهمِل لكل شيء عدا رؤيتك. يبدو أن حياتي تقف عند ذلك، أنا لا أستطيع أن أرى أبعد من ذلك. أنتِ تشربيني، لديَّ أحاسيس كأنني في طور الذوبان، سأكون في غاية البؤس من دون الأمل في رؤيتك قريباً. سأكون شديد الخوف إذا فصلت نفسي بعيداً عنكِ. هل قلبكِ لن يتغير أبداً؟ بالنسبة إليَّ ليس هناك أي حدود لحبي لكِ، وإلى الأبد».
إن سيرة حياته التي تطالعنا فيها بعض رسائله، تُشعر المرء كأنه يلتهم رواية شيّقة، ففي هذه المختارات من الرسائل المعلقة والمحفوظة في صناديق زجاجية أنيقة تصطف جنبا إلى جنب العديد من حاجياته ومقتنياته الرومانية، نلمس بوضوح أنه يعكس اهتماماً وتنوعاً ثقافياً فائقاً، فهو يجيد دوره كصديق للعديد من الشعراء الإنجليز والإيطاليين ببراعة، حتى يبدو الأمر كأنه موقف نادر في الحياة من خلال مداخلاته والحلول التي يطرحها لعدد من المشكلات، مقارنةً بصغر سنه وصغر تجربته. لقد كان وجوده في روما يتمثل في البحث عن الموقف الأمثل والجديد في حياة الإنسان، فهو يحب معرف كل شيء، يقول: «أرغب في تشكيل أشياء تساهم في صناعة شرف الإنسان»، وهذا المقطع من إحدى رسائله يكشف عن التصاق حميمي بالحياة ومحبة كبيرة للإنسان، كما أنه موقف يحمل إشراقات من الإيمان بالغد، ظلت تسطع حتى النهاية في دياجير نفسه الملتاعة بالمرض.
لقد كانت روما بالنسبة إليه نقطة البداية القلقة التي تبحث عن يقين، ورأى في إقامته بروما (حياة ما بعد الموت)، فراح يشارك مع زملاء وأصدقاء شعراء ورسامين مثل الشاعر الكبير شيللي، الذي لازمه لفترة طويلة، وكذلك الشاعر اللورد بايرون، في التمرد على الواقع السائد آنذاك ورفض قيمه، والبحث عن رؤية جديدة للعالم والإنسان، وكانت روما هي المحطة التي كانت مهيأة للانطلاق نحو مثل هذا التمرد العاطفي، بعدما كان يعتقد أن موهبته الشعرية تنطفئ وأن النقاد لم يرحموه لأسباب سياسية، وقد شكا لأحد أصدقائه أنه لن يترك عملاً خالداً يثير فخر أصدقائه عند رحيله «أحببت الجمال في كل شيء ولو أُعطيت الوقت لتركت ذكرى بالتأكيد».
كان طفلاً صغيراً عندما توفي والده ثم والدته بمرض التدرن الرئوي الذي حصد شقيقه أيضاً، وذات مساء عاد إلى منزله في عربة مكشوفة إلا أنه حال وصوله إلى البيت بدأ بالسعال، أحسّ بقطرات من الدم على مخدته، فقال لصديقه: «هذه القطرات إنذار بموتي... سأرحل»، وفي طريقه للاستشفاء في إيطاليا حاول الانتحار، وفكر بحبيبته التي أوجعته رغبته فيها «ليتني امتلكتها عندما كنت معافى، ما كنت سأمرض عندها».
(اتركوا الشبابيك مفتوحة
لشمس روما الجميلة
ها أنتم ترون الموقع
الذي مات فيه أدونيس
لم تتغير أشياء كثيرة)
إنه لا يحسن الصمت حين يشعر برغبة الكلام، ذلك أن معظم رسائله يمكن أن تؤدي غرضها بنصف ما استوعبه الكلام، فهو يطلق شهوته للكتابة، فتشغل العبارات الوصفية حيزاً كبيراً في كل مفردة يختارها.
ومع أنه لم يكتب خلال فترة بقائه في بيته الصغير بروما إلا قصائد قليلة أبرزها «أيها البيت الملّون بلون البرتقال في قلب المدينة»، إلا أنه كتب رسائل كثيرة اعتبرها النقاد من قمم النثر الإنجليزي، وكان العديد من رسائله معنونة إلى صديقه جارلس بروان، وفي مقطع من إحدى تلك الرسائل يقول «أتذكر كل الأصدقاء... أرجوك أن تكتب إلى جورج حال وصول رسالتي هذه إليك لتخبره عن حالتي، ولا تبخل بسطرين آخرين لأختي العزيزة (فانى) فأنا لا أستطيع القول وداعاً حتى على الورقة، لكنك تعلم أن حياتي كانت مليئة بالارتباك والحيرة...».
وإذا كانت التجربة الحياتية تقود أحياناً إلى مغامرة فنية، كذلك يمكن أن تقود التجربة الفنية أحياناً أخرى إلى خلق تجارب فكرية متميزة، وقد انعكس هذا الوضع على الشاعر كيتس الذي كان يشعر باقتراب موته، والذي رأى فيه «اقتراباً من الحقيقة»، حيث دخل حنينه إلى الموت للحد الذي كان ينتظره ويدعوه بشيء من اليأس في المرتفع الشامخ، حيث ترقد مملكة الموت.
(في فناءات الحزن
وسط الدمار الصامت
أستأتي أيها الموت...؟)
إنه يُشعر القارئ كأن الموت يجري في دمه، فالفتوة شاخت، والمحارب الشاب قد استسلم، وبقي في الانتظار، يداعب الموت بالشِّعر ويستثيره بالكلمات، وقد طلب أن يُكتب على قبره «هنا يرقد شخص كتب اسمه بالماء».
الشرفة الصغيرة التي تنفتح على غرفته الصغيرة، ما زالت، وكما أرادها الشاعر، مليئة بالأزهار، إذ تصطف على جوانبها المزهريات التي تحمل أجمل أنواع الزهور، فهي تستعيد الذكرى وتلتقي الحقيقة، لتحقق توازناً عاطفياً وجمالياً لشاعر كان قلبه كالسيل المتدفق الهادر.
إن الجمال الكامن في هذا المكان، يدعو كل شيء فيه إلى التماثل والتوازن، ويعطي الانطباع السريع بالمهابة، فسلالم الساحة التي ترتفع وسط مدرجاتها الرخامية البيضاء التي يفيض بها المكان، وصوت المياه في السفينة الرومانية وسط الساحة من الأسفل، التي نحتت لتكون ذكرى لسفينة رومانية رست في نفس المكان بعد أن فاض نهر التيفر عام 1598، وشبابيك غرفة الشاعر، تبدو كأنها تحكى مأساة رومانسية لجنة الصبا التي ضاعت، فكل شيء هنا يناجي ذكراه، وهو الذي قال مرة وهو يمجد الحضور الإنساني:
(عندما أكون في غرفتي
فهناك يكون الناس معي...)
ما زالت الرغبة كبيرة في الاستشهاد بأي مقطع من رسائل وكتابات وقصائد هذا الشاعر، فهي تثير لدى المرء غريزة البحث من جديد في تفاصيل زاخرة وغنية لشاعر مبدع وإنسان كان يسعى لأن يعيش طويلاً. لكن هل سيثير اسم «جون كيتس» الأثر ذاته الذي كان يثيره عند الأوروبيين آنذاك عندما يتفحصون رسائله وقصائده التي كتبها في روما وعن روما؟ في تقديرنا أن كتابات كيتس كانت تعني طريقة في الحياة والكتابة مميزة ومثيرة ومجددة، إذ لم يشأ كيتس أن يفصل بين الفن والحياة كما كان متبعاً عند الكثير من أقرانه أو ممن سبقوه أو مثلما كانت وما زالت ترغب فيه المؤسسة الثقافية سواء في بلده أو في باقي بلدان أوروبا، فآثاره ما زالت إلى اليوم تثير الكثير من الأسئلة والحيرة. لقد كان شاعراً فذاً.
مَن، مِن الرجال، يستطيع القول
بأن الأزهار سوف تزهر
أو تلك الفاكهة الخضراء
ستمتلئ حتى تتحول
إلى لباب ذائب
وأن تلك السمكة،
ستصير عظاماً بارزة،
وأن للأرض حصتها من النهر،
والغابة والوادي،
ودوائر الموج،
وحصى الغدائر،
وللبذرة حصادها،
وللعود نغماته،
ونشوة النغمات،
أو أن للنغمات حلاوتها
إذا لم يحب الإنسان ولم يرحب.



المتحف المصري بالتحرير يبرز نسيجاً جنائزياً نادراً

من القطع النادرة للنسيج الجنائزي بالمتحف المصري (المتحف المصري)
من القطع النادرة للنسيج الجنائزي بالمتحف المصري (المتحف المصري)
TT

المتحف المصري بالتحرير يبرز نسيجاً جنائزياً نادراً

من القطع النادرة للنسيج الجنائزي بالمتحف المصري (المتحف المصري)
من القطع النادرة للنسيج الجنائزي بالمتحف المصري (المتحف المصري)

من خلال قطعة أثرية استثنائية تجسد تلاقي الفن الجنائزي، والعقيدة المصرية القديمة في العصور المتأخرة، ​يعرض المتحف المصري بالقاهرة نسيجاً جنائزياً نادراً استُخرج من مقبرة «باك إن رنف» بمنطقة سقارة في الجيزة.

​ويضم النسيج الأثري تكويناً فنياً دقيقاً يتوسطه الإله أوزوريس (رمز البعث والخلود)، يحيط به ثعبان على أنه رمز للحماية الكونية. وعلى جانبيه، تظهر الربتان إيزيس ونفتيس في وضعية الحماية المعتادة، مما يعكس استمرارية الطقوس الجنائزية المصرية، وتطورها الفني خلال تلك الحقبة، وفق بيان للمتحف، الاثنين.

وبالكشف عن نسيج جنائزي نادر مستخرج من مقبرة «باك إن رِنِف» بمنطقة سقارة، يضيف المتحف المصري بالتحرير صفحة جديدة إلى سجل عرض التراث المادي الدقيق لمصر القديمة، ويعيد تسليط الضوء على عناصر كثيراً ما ظلت في الهامش لصالح القطع الحجرية، والمعدنية. وفق حديث المتخصّصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «النسيج الجنائزي ليس مجرد بقايا مادية، بل وثيقة ثقافية تحمل دلالات دينية، واجتماعية، وتقنية، تعكس مكانة المتوفى، وطقوس العبور إلى العالم الآخر، إضافة إلى مستوى التطور في صناعة النسيج، وأساليب الصباغة، والحياكة».

وعدّت أهمية هذا العرض أنها تكمن في ربطه بين سياق الاكتشاف الأثري في سقارة، ووظيفة المتحف باعتباره مؤسسة علمية، وتنويرية، تُبرز القطعة داخل إطارها الزمني، والطقسي، لا بوصفها أثراً معزولاً.

وقالت إن «إبراز هذا النسيج الجنائزي النادر يعكس توجهاً متقدماً في الخطاب المتحفي المصري، يقوم على قراءة شمولية للتراث، ويمنح الجمهور -المتخصص وغير المتخصص- فرصة لفهم أعمق للحياة اليومية، والمعتقدات الجنائزية في مصر القديمة، بعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل الحضارة في التماثيل، والعمارة فقط».

يضم المتحف آثاراً من عهد بناة الأهرامات (المتحف المصري)

​وتعكس هذه القطعة مهارة النساج المصري في دمج الرموز الدينية التقليدية مع المؤثرات الفنية للقرن الثاني الميلادي، مما يجعلها مرجعاً مهماً لدراسة تطور النسيج في مصر القديمة، وهي كتان ملون بتقنيات صباغة متقدمة من حفائر بعثة «إددا بريشياني» التابعة لجامعة بيزا الإيطالية في سقارة.

ويوضح المتخصص في المصريات، والفن المصري القديم، الدكتور عمر المعتز بالله، أن «اللغة الطقسية المصرية تعد كلاً من القيام (رس) والتحول إلى (آخ) فعلين ضروريين مرتبطين ببعضهما البعض، أي إن التلفظ بهما يُحدث تغييراً وجودياً معيناً للمتوفى. ومن ثم فإن البعث يفهم باعتباره ارتقاء من حالة الموت الساكن إلى حالة وجود ممكنة قادرة على الاستمرار، والفعل في العالم الآخر».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «يشكل هذا المبدأ النصي الأساس اللاهوتي لتوسط صورة أوزيريس في المنسوجات الجنائزية، مثل القطعة القادمة من سقارة. فـأوزيريس لا يصور هنا باعتباره كياناً مقدساً لدى المصري القديم فحسب، بل بوصفه النموذج الكوني للحياة المستعادة الذي يتماهى معه المتوفى طقسياً».

ويعدّ المتحف المصري بميدان التحرير (وسط القاهرة) أقدم متحف أثري في الشرق الأوسط، وفق وزارة السياحة والآثار المصرية، ويضم مجموعة من التماثيل، والقطع الأثرية لملوك عصر بناة الأهرامات، والمجموعة الجنائزية ليويا وتويا الملك جدي الملك أخناتون، وكنوز تانيس، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من مومياوات الحيوانات، وأيضاً ورق البردي، والتوابيت، والحلي من مختلف العصور.

وقال الخبير الآثاري، والمتخصص في علم المصريات، أحمد عامر، إن «المتحف المصري بالتحرير يسعى في الفترة الحالية لتسليط الضوء على قطع أثرية فريدة، وتوابيت جنائزية يتم عرضها لأول مرة لزائريه لترسيخ مكانته في العرض المتحفي»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه القطعة الأثرية الاستثنائية تحمل العديد من الرموز، والدلالات التي تؤكد عظمة الديانة المصرية القديمة، وتبرز مكانة الفكر الديني في الحضارة المصرية القديمة، والعقيدة التي كانت موجودة في تلك الفترة، ومدى حرص المصري القديم على حياته في العالم الآخر».

وخلال الأسبوع الماضي، قدم المتحف تجربة عرض استثنائية تحت عنوان: «الخبيئة: كنوز خفية»، تسلط الضوء على أسرار الدفن في مصر القديمة، عبر مجموعة مختارة من التوابيت المبهرة، من بينها 15 تابوتاً تعرض لأول مرة أمام الجمهور، من ثلاث خبيئات ملكية وكهنوتية تم اكتشافها في القرن التاسع عشر.


جناي بولس تتألق في «صندانس» بفيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»

انتقلت من مهنة الصحافة إلى عالم السينما (جناي بولس)
انتقلت من مهنة الصحافة إلى عالم السينما (جناي بولس)
TT

جناي بولس تتألق في «صندانس» بفيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»

انتقلت من مهنة الصحافة إلى عالم السينما (جناي بولس)
انتقلت من مهنة الصحافة إلى عالم السينما (جناي بولس)

حققت المخرجة اللبنانية جناي بولس تقديراً في مهرجان «صندانس» السينمائي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، حيث نالت «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي، في إنجاز يعكس قيمة المضمون الأخلاقي والمعنوي لمهنة الصحافة.

تفرّغت جناي للعمل السينمائي بعد مسيرة طويلة في مجال الصحافة، واستندت في فيلمها إلى تجارب شخصية عاشتها مع حبيبها عبد القادر حبق، الذي أصبح لاحقاً زوجها.

وعقب فوزها، قالت جناي بولس في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «بالنسبة لي، تؤكد هذه الجائزة أهمية الصحافة، ليس فقط كمهنة، بل بوصفها عملاً أخلاقياً يقوم على الشهادة، وقول الحقيقة. فالصحافة الأكثر تأثيراً لا تنبع من الحياد البارد، بل من الانخراط، والتعاطف، والصدق».

وكانت بولس قد قدمت فيلمها إلى مهرجان «صندانس» السينمائي في الولايات المتحدة، وتقول عن ترشحه: «قدمت الفيلم في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، وبعد نحو شهرين تلقيت رسالة تفيد بإعجابهم بالعمل. الفيلم يشارك ضمن مسابقة (وورلد سينما) للأفلام الوثائقية، ويتنافس مع أعمال أخرى على جوائز المهرجان».

وشهد المهرجان هذا العام عرض 20 فيلماً وثائقياً طويلاً من إنتاج غير أميركي، تميزت بالابتكار، وارتكزت على مواهب دولية صاعدة. وأقيمت فعالياته بين 22 يناير (كانون الثاني) و1 فبراير (شباط) في مدينة بارك سيتي بولاية يوتا، ويهدف المهرجان إلى تسليط الضوء على سرديات جريئة، ومتنوعة. ويُعد «صندانس» مركزاً رئيساً للأفلام الوثائقية، حيث تُمنح الجوائز من لجان التحكيم، والجمهور في فئات متعددة.

تشير جناي بولس إلى أن فيلمها يتناول قصتها مع زوجها منذ التعارف. ففي تلك المرحلة كانت تعمل في غرفة الأخبار بمحطة «بي بي سي» في لندن، بينما كان عبد القادر حبق ناشطاً إعلامياً في سوريا خلال الحرب، والحصار. وقد نشأ بينهما تعاون إعلامي، إذ كان يزودها بآخر تطورات الحرب في بلده.

وتقول جناي: «تطورت علاقتنا مع الوقت، لا سيما أننا ننتمي إلى خلفيات متشابهة. فكلانا فُرضت عليه الهجرة بسبب الحرب، وتقاسمنا مشاعر الانسلاخ عن الأرض، والحنين إليها».

لاحقاً، انتقل حبق إلى تركيا، ومنها إلى لندن، حيث تعرَّفت إليه عن قرب. ويضيء الفيلم على قضايا الهجرة، والغربة، وعلى علاقة عاطفية تنشأ بين شخصين من دينين مختلفين. وتضيف جناي: «نقلت في الفيلم كل الصراعات الداخلية التي خضناها، كلٌّ من موقعه، وتجربته».

هذا الصراع الشخصي ألهمها لإنتاج أول أفلامها في السينما المستقلة، معتمدة على تقارير، وصور صحافية، إضافة إلى محادثات إلكترونية دارت بينها وبين زوجها، ليظهر العمل بمثابة قصة حب تشكّل خيطه المحوري.

تروي جناي في «عصافير الحرب» قصتها وزوجها (جناي بولس)

وتروي جناي أن إنجاز الفيلم استغرق نحو 3 سنوات، قائلة: «استعنّا بفريق عمل كبير ليقدّم رؤيته من خارج ثنائيتنا. فعندما يروي أحدنا قصة من حياته الواقعية، يحتاج إلى من يساهم في ضبط الوقائع كي لا يطغى عليها التشتت». وتضيف: «رويت في الفيلم ذكريات أحملها معي في غربتي عن بلدي. لبنان حاضر بقوة في العمل، كما ينقل أحداثاً حقيقية وقعت في سوريا».

وتؤكد جناي أن شعوراً بالذنب كان يرافقها بعد مغادرتها لبنان: «كانت المسافة التي تفصلني عن وطني تؤرقني، إذ كنت أتابع الأحداث من مكتب إخباري في لندن، مستندة إلى تقارير تصلني من دون أن أشارك فيها ميدانياً. من هنا وُلدت فكرة الفيلم، لأوثّق كل هذه المشاعر، وأترجمها».

وترى أن عرض الفيلم لأول مرة كان تجربة مؤثرة: «امتلأت الصالة بجمهور عربي، وأميركي، وعندما تفاعل الحضور بالتصفيق الحار في الختام، شعرت بتأثير العمل عليهم».

وترى جناي أن الفيلم يحمل رسالة إنسانية تدعو إلى التعاطف بين الناس: «علينا أن نفهم بعضنا بعضاً. في النهاية نحن جميعاً بشر، والسياسة وحدها قادرة على تفريقنا».

وعقب إعلان فوز الفيلم، نشرت جناي على حسابها في «إنستغرام» كلمات شكرت فيها زوجها على دعمه، قائلة: «قبل 3 سنوات تقريباً، أمسك هذا الرجل الشجاع بيدي وقلبي، بينما كنا نخطو خطوة إيمانية لنتبع ما نؤمن به، وننصت إلى أصواتنا الداخلية».

وتختم حديثها بالقول: «يشرفني أن يُحتفى بهذا العمل للسبب نفسه الذي صُنع من أجله، أي منح صوت للواقع المعيش. كما يذكّر الجمهور بأن خلف كل عنوان إخباري أشخاصاً حقيقيين، لهم آمالهم، ومخاوفهم، وروابطهم الإنسانية».


صراع الصدارة يشتعل بين فنانين مصريين عشية موسم رمضان

صراع الصدارة يشتعل بين فنانين مصريين عشية موسم رمضان
TT

صراع الصدارة يشتعل بين فنانين مصريين عشية موسم رمضان

صراع الصدارة يشتعل بين فنانين مصريين عشية موسم رمضان

انطلق صراع الصدارة حول الأعلى أجراً والأكثر مشاهدةً بين فنانين مصريين عشية موسم دراما رمضان الذي يشهد منافسةً كبيرةً بين أكثر من 30 عملاً درامياً ما بين إنتاجات «الشركة المتحدة» وبعض شركات الإنتاج الخاصة.

وكتب الفنان عمرو سعد الذي يخوض الموسم الرمضاني بمسلسل «إفراج»، على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك»: «الطموح حلو»، وظهر في صورة ممسكاً بلوحة الكلاكيت التي تحمل عنوان مسلسله الجديد.

وانتقد سعد ادعاء زملاء له تربعهم على عرش المشاهدات والنجومية عبر مداخلة تلفزيونية مع الإعلامي عمرو أديب ببرنامجه الحكاية (الأحد) الذي يُعرض عبر قناة «إم بي سي مصر» في معرض سؤال لعمرو أديب عمن يكون الأعلى أجراً حالياً في الدراما، فرد عليه قائلاً إن «هذا سؤال لا يُسأل»، مضيفاً أنه بطبيعته خجول ولا يحب أن يشير لنجاج حققه، ومشدداً على أنه «لا يوجد محطة تلفزيونية ولا منصة ولا مُنتج في مصر إلا ويدرك أن مسلسل عمرو سعد هو الأعلى في القيمة التسويقية، والأغلى في الوطن العربي كله»، معبراً عن فخره كفنان مصري استطاع أن يحقق ذلك خلال 5 سنوات.

وقال خلال حديثه إنه «لا يصح أن نكذب على الجمهور وإلا نكون بذلك نغشهم في البضاعة التي نقدمها لهم»، لافتاً إلى «حدوث متغيرات مذهلة، وأن كثيراً من الناس يتلقون الشائعات على أنها حقائق، وهذه هي المشكلة»، مطالباً الناس بأن تزن بعقلها ما يقال.

أحمد العوضي على ملصق مسلسل «علي كلاي» (حسابه على فيسبوك)

ورأى متابعون عبر مواقع التواصل أن تعليق عمرو سعد جاء رداً على ما أثاره الفنان أحمد العوضي حول أنه الأعلى أجراً والأعلى مشاهدة، وطالب بعضهم، الفنانين، بوقف هذه التصريحات، وأن يتركوا للجمهور الحكم على أعمالهم عند عرضها، وكتب حساب باسم ياسر محمود: «يا خسارة على الفن المصري بعد رحيل نجومه الكبار واعتزال عادل إمام، عمرنا ما سمعنا ولا شفنا مثل هذه المهاترات».

كان أحمد العوضي ظهر مؤخراً في «لايف» عبر حسابه على «فيسبوك»، وقال إنه النجم الأعلى أجراً في مصر والأعلى مشاهدة ومبيعاً في مصر، مؤكداً أنه سيكمل مسيرة النجاح مع مسلسل «علي كلاي» ليكون الأعلى أيضاً في رمضان المقبل بفضل دعم جمهوره، ومشيراً إلى أن الفرق بينه وبين المركز الثاني كبير، ليدخل على الخط وائل شقيق الفنانة ياسمين عبد العزيز وقد نشر صورة تجمع ياسمين ومحمد رمضان قائلاً إن «الاثنين الأعلى أجراً وجماهيرية بالوطن العربي».

مسلسل محمد إمام (حسابه على فيسبوك)

وأثارت تصريحات العوضي جدلاً كبيراً، وعلق الفنان محمد إمام عبر حسابه على «إنستغرام» قائلاً: «(الزعيم) عادل إمام كان وما زال الأعلى أجراً في الوطن العربي ولم يستطع أحد أن يقترب منه».

وكانت قد أثيرت مناوشات بين أحمد العوضي وياسمين عبد العزيز العام الماضي حينما أعلن العوضي عن تصدر مسلسله «فهد البطل» قائمة الأعلى مشاهدة على منصة «وتش إت»، ونشرت ياسمين عن حصولها على جوائز أفضل ممثلة، وكتب المؤلف عمرو محمود ياسين أن مسلسل «وتقابل حبيب» حاز المركز الثالث على المنصة ذاتها لكنه كان يعرض على منصة «شاهد» أيضاً، ما يجعله يوازي المركز الأول في الأكثر مشاهدة.

مصدر الأرقام

وتتساءل الناقدة ماجدة خير الله عن مصدر الفنانين لتلك الأرقام، مؤكدة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أنه لا يوجد مقياس يمكن الوثوق به، وأن ما يقولونه يعكس قلة الثقة بالنفس لأن من لديه ثقة في تكوينه كفنان لا يلجأ لأرقام ولا إعلان، قائلة إن «أحمد العوضي يقدم لوناً واحداً لم يخرج عنه منذ بدايته، كما أن تجربته في السينما لم تكن ناجحةً رغم عمله مع مخرج له اسم مثل خالد يوسف».

ياسمين عبد العزيز تتصدر بطولة «وننسى اللي كان» (حسابها على فيسبوك)

وتلفت خير الله إلى أن «محمد رمضان اعتبر نفسه قبل سنوات (نمبر وان)، فهل يستطيع أن يقول عن نفسه ذلك الآن في وقت لم يعد له وجود بالسينما أو الدراما التلفزيونية، وأصبح هناك من يقدمون نفس لونه». مشددةً على أنه «لا يوجد أحد يكون رقم 1 إلى الأبد، وأن من يعلن تفوقه يجب أن يكون لديه ما يوثق كلامه حتى يتمتع بالمصداقية أمام جمهوره».

ورأى الناقد أحمد سعد الدين أنه لا يوجد بين من يدعون أنهم الأعلى أجراً من يجرؤ على إعلان أجره الحقيقي، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن الأجر الذي يُحاسب عليه الفنان ضريبياً يكون مختلفاً عما يتقاضاه في الواقع، كما أنه لا يوجد ما يُثبت من هو صاحب الأجر الأعلى، عاداً هذا مجرد كلام مرسل وصراع زائف الهدف منه الدعاية لأعمالهم قبل شهر رمضان. وأشار سعد الدين إلى أن «محمد رمضان هو من أشعل هذا الأمر قبل 10 سنوات، وقال أنا الأعلى أجراً وهناك من يسير على نفس خطته في الدعاية لنفسه الآن».

منافسة كبيرة

ويشهد موسم رمضان 2026 منافسة كبيرة بين مسلسلات عدة، من بينها «رأس الأفعى» لأمير كرارة، و«كان يا ما كان» لماجد الكدواني، و«توابع» لريهام حجاج، و«مناعة» لهند صبري، و«حكاية نرجس» لريهام عبد الغفور، و«أولاد الراعي» لأحمد عيد، و«فخر الدلتا» لأحمد رمزي، و«درش» لمصطفى شعبان، و«اتنين غيرنا» لدينا الشربيني، و«النص التاني» لأحمد أمين، و«فرصة أخيرة» لطارق لطفي، و«اللون الأزرق» لجومانا مراد، و«على قد الحب» لنيللي كريم، و«عرض وطلب» لسلمى أبو ضيف، و«فن الحرب» ليوسف الشريف، و«علي كلاي» لأحمد العوضي، و«بيبو» لأحمد بحر (كزبرة)، و«أب ولكن» لمحمد فراج، و«حد أقصى» لروجينا، و«كلهم بيحبوا مودي» لياسر جلال، و«عين سحرية» لعصام عمر، و«صحاب الأرض» لمنة شلبي.