أسعار الكهرباء السلبية في ألمانيا إيجابية للمستهلكين

بسبب التوسع في الاستثمار بالطاقة النظيفة

أسعار الكهرباء السلبية في ألمانيا إيجابية للمستهلكين
أسعار الكهرباء السلبية في ألمانيا إيجابية للمستهلكين
TT

أسعار الكهرباء السلبية في ألمانيا إيجابية للمستهلكين

أسعار الكهرباء السلبية في ألمانيا إيجابية للمستهلكين
أسعار الكهرباء السلبية في ألمانيا إيجابية للمستهلكين

بلغ إجمالي ما أنفقته ألمانيا لتطوير مصادر الطاقة النظيفة خلال العقدين الأخيرين نحو 200 مليار دولار. وكان لتلك الاستثمارات الضخمة تأثيرها غير المتوقع، حيث بات المستهلكون يتقاضون المال مقابل استهلاك الكهرباء في أوقات محددة كما كان الحال في عطلات نهاية الأسبوع.
فقد انخفضت الأسعار إلى ما دون الصفر في غالبية أيام الأحد وفي الساعات الأولى من يوم الكريسماس وفق ما يعرف بـ«إيبيكس سبوت»، وهي طريقة للتبادل التجاري واسعة الانتشار في أوروبا. ويحدث ذلك نتيجة لضعف الطلب أو لدفء الطقس على غير العادة أو لحركة الهواء القوية التي تساعد على توليد الطاقة الوفيرة لتمثل فائضاً لشبكة الكهرباء.
يعتبر مثل هذا «السعر السلبي» أمراً غير معتاد في ألمانيا، لكن لا يمكن وصفه بالأمر نادر الحدوث، وذلك بفضل جهود الدولة في تشجيع الاستثمار في مجالات توليد الطاقة النظيفة. فقد تراجع سعر الكهرباء في ألمانيا إلى ما دون الصفر، ويعني ذلك أن الناس باتوا يتلقون المال مقابل استخدامهم للطاقة، وهو ما تكرر أكثر من 100 مرة العام الجاري فقط، وفق معيار «إيبيكس سبوت».
وفي أيام الأحد من كل أسبوع، يتسلم أصحاب المصانع وغيرهم من المستهلكين أكثر من 50 يورو (60 دولاراً) لكل ميغاوات-ساعة، وإليكم ملخص لتلك الأسعار السلبية للطاقة ومدى تأثيرها.
- ما أسباب الأسعار السلبية؟
- السبب الأساسي هو أن المعروض من الطاقة يفوق الطلب عليها.
ينخفض الطلب بدرجة كبيرة خلال عطلات نهاية الأسبوع والإجازات عندما تكون المصانع والمكاتب مغلقة. وتعتبر إمدادات الطاقة التي تعتمد عليها ألمانيا أقل قابلية للتنبؤ بها مقارنةً بالحال في السابق.
وتعتمد قوة الرياح بدرجة كبيرة على التغييرات في أنماط الطقس. ففي المتوسط، تنتج توربينات توليد الطاقة الضخمة نحو 12% من كهرباء ألمانيا، لكن في الأيام العاصفة، بإمكان تلك التوربينات توليد ضعف تلك الكمية.
وفي نفس الوقت، فإن مصادر الكهرباء الأساسية الأخرى، تحديداً بعض المحطات التي تعمل بالفحم والطاقة النووية، غير قادرة على اللحاق بما تنتجه المحطات التقليدية، مما يؤدي إلى حدوث ما يعرف بالأسعار السلبية في تجارة الكهرباء.
- لماذا تلك الأسعار السلبية؟
- شهد العديد من دول أوروبا أسعاراً سلبية للكهرباء، ومنها بلجيكا، وبريطانيا وفرنسا وهولندا وسويسرا. لكن غزو ألمانيا لمجال الأسعار السلبية كان الأكثر تكراراً. فقد تمكنت ألمانيا في بعض الأحيان من تصدير الكهرباء الفائضة لجيرانها، مما ساعد على تحقيق التوازن في السوق. ولا تزال خبرتها في الأسعار السلبية هي الأطول غالباً والأقوى مقارنةً بغيرها من دول أوروبا.
ومن ضمن الأمثلة الحديثة، فقد استمرت أسعار الطاقة دون الصفر لمدة 31 ساعة خلال يومي عطلة نهاية الأسبوع الأخير من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وفي بعض الأحيان هبط سعر الكهرباء إلى سالب 83 يورو (93 دولاراً) للميغاوات-ساعة.
وبمعنى آخر، فكل من استفاد من هذه الخدمة قد تحصل على 83 يورو لكل وحدة.
- ما سبب التفاوت في كمية المعروض؟
- العيب الأبرز في الكهرباء المولَّدة عن طريق طاقة الرياح وكذلك الطاقة الشمسية هو أنها تشتد وتضعف طبقاً للرياح وسطوع الشمس وأنك لا تستطيع التحكم بها وفق الحاجة.
كذلك فإن القدرة التخزينية للبطارية لم تتطور بعد بالدرجة الكافية لتستوعب كل كمية الطاقة الفائضة. ولأن محطات الطاقة القديمة التي تعمل بالوقود الأحفوري تستغرق وقتاً طويلاً لتكثيف وتقليل كمية الكهرباء المولدة، فليس بمقدورها الاستجابة بشكل إيجابي للتحول في كميات الكهرباء المعروضة.
وشأن جميع أنظمة الكهرباء التقليدية، فقد جرى تصميم نظام الكهرباء في ألمانيا بحيث تتوافق الكهرباء المنتجة مع الطلب. وحسب توبياس كورثت، المدير التنفيذي لمؤسسة «إنيرجي برينبول» البحثية ومقرها برلين، فإن «التكنولوجيا المستخدمة حالياً لا تُنتج حسب الكمية المطلوبة، بل حسب الطقس»، مضيفاً: «وهو ما يمثل أحد التحديات المهمة التي تواجه عملية التحول في أسواق الطاقة للاعتماد على الطاقة المتجددة».
- ماذا يمكننا فعله؟
- تشير الأسعار السلبية لشبكة الكهرباء في ألمانيا، شأن غالبية الشبكات بمختلف أنحاء العالم، إلى أن الشبكة لم تتكيف بعد مع الكميات المتزايدة من الطاقة المتجددة المنتجة.
وأشار ألريك هورشنز، المتحدث الرسمي باسم «تينيت»، شركة تشغيل كبرى لشبكات الكهرباء في ألمانيا وهولندا، إلى أن «شبكة الكهرباء لدينا تعاني من زيادة الضغط».
في الوقت الحالي، فإن التطور التكنولوجي الذي يساعد في تخزين المزيد من الطاقة الإضافية وفي تحسين توزيعها على الدول بات متأخراً.
لكن ربما تكون للتعديلات النظامية فائدة. فعلى سبيل المثال، لا تبذل ألمانيا ما يكفي من الجهد لتشجيع المستهلكين على زيادة استخدام الكهرباء في الأوقات التي تحقق فيها الكهرباء فائضاً.
وبصفة أساسية، قد يشبه ذلك في سهولته منح حوافز للناس من أجل تشغيل غسالة الملابس عندما يكون هناك فائض في الكهرباء ويكون سعرها زهيداً، وتستطيع الشركات استغلال تلك الميزة بطريقة مشابهة وذلك بأداء المهام الصناعية التي تتطلب كهرباء قوية في أوقات تكون فيها أسعار الطاقة زهيدة.
- هل يستفيد المستهلكون الألمان من «الأسعار السلبية»؟
ليس بصورة مباشرة. فالكلفة الإجمالية للكهرباء لا تتجاوز خُمس معدل كلفة فاتورة الكهرباء المنزلية في ألمانيا. وذلك لأن الباقي ليس سوى ضرائب، وتهدف تلك الضريبة إلى تمويل استثمارات الطاقة المتجددة وكذلك مصروفات استخدام الشبكة. ويعني ذلك أن فواتيرهم أقل مما يجب أن تكون عليه في الواقع، وذلك لأن أسعار الكهرباء لديهم أحياناً تكون سلبية. ويسعى منتجو الطاقة إلى تعلم طريقة التأقلم مع ذلك العالم الجديد.
وتقوم شركة «آر دبليو إي» الألمانية الكبرى المختصة بتصنيع معدات الكهرباء، بتوظيف مختصين بأحوال الطقس للمساعدة في التنبؤ بتقلبات قوة الرياح ومن ثم تعديل معداتهم في الأوقات التي تتوقع فيها الشركة زيادة في الطلب.
ورغم أن الأسعار السلبية تتسبب في مشكلات للشركة، فإنهم كذلك يعملون على تعزيز قيمة معداتهم التي تتميز بمرونة في التشغيل وفي قابليتها للتكييف، ومنها أنظمة التخزين.
ومن ضمن الأمثلة على تلك الحالات، هناك بعض الشركات التي تستفيد من الأسعار السلبية بأن تتقاضى المال مقابل ضخ كميات كبيرة من الماء إلى بحيرةٍ جبلية في النمسا. وعندما ترتفع الأسعار، تقوم الشركة بضخ الماء باستخدام مولدات لتوليد الكهرباء. وصرح مارتن كينر، مدير إدارة التشغيل الأمثل بشركة «آر دبليو إي»، بقوله: «نستطيع إيقاف الوحدات وتشغيل المضخات. تستطيع أن تكسب الكثير لو أنك نجحت في استغلال المرونة».
- خدمة «نيويورك تايمز»



صدمة النفط تشعل «مقياس الخوف» وتدفع صناديق الأسهم لأكبر نزوح أسبوعي

متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
TT

صدمة النفط تشعل «مقياس الخوف» وتدفع صناديق الأسهم لأكبر نزوح أسبوعي

متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

سجلت صناديق الأسهم العالمية أكبر تدفقات خارجة أسبوعية منذ منتصف ديسمبر (كانون الأول) خلال الأيام السبعة المنتهية في 11 مارس (آذار)؛ إذ أدت اضطرابات إمدادات النفط الناجمة عن الصراع الأميركي - الإسرائيلي - الإيراني المستمر إلى تصاعد المخاوف بشأن التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي.

ووفقاً لبيانات «إل إس إي جي»، بلغت قيمة التدفقات الخارجة من صناديق الأسهم العالمية 7.05 مليار دولار خلال الأسبوع، وهو أعلى مستوى منذ الأسبوع المنتهي في 17 ديسمبر 2025، الذي شهد تدفقات خارجة بلغت 46.68 مليار دولار، وفق «رويترز».

وتجاوز سعر خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل يوم الجمعة، في وقت تعاني فيه أسواق النفط العالمية ما وصفه المتداولون بأنه أكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ، بعد أن توقفت حركة الشحن في الخليج العربي ومضيق هرمز بشكل شبه كلي.

في الوقت نفسه، ارتفع مؤشر تقلبات بورصة شيكاغو للخيارات، المعروف في وول ستريت باسم «مقياس الخوف»، إلى 28.15 نقطة في وقت سابق من هذا الشهر، وهو أعلى مستوى له منذ نوفمبر (تشرين الثاني)، ما يعكس ارتفاع حالة عدم اليقين في الأسواق.

وعلى صعيد التدفقات الإقليمية، سجلت صناديق الأسهم الأميركية تدفقات خارجة بنحو 7.77 مليار دولار، بعد صافي مبيعات أسبوعية بلغ 21.91 مليار دولار في الأسبوع السابق. كما سحب المستثمرون نحو 7.71 مليار دولار من الصناديق الأوروبية، في حين استقطبت الصناديق الآسيوية تدفقات داخلة بقيمة 6.15 مليار دولار.

أما صناديق الأسهم القطاعية فسجلت صافي مبيعات بلغ 2.71 مليار دولار، مع تخارج المستثمرين من صناديق القطاع المالي والرعاية الصحية بقيمة 2.31 مليار دولار و1.31 مليار دولار على التوالي، في حين اجتذبت صناديق القطاع الصناعي تدفقات داخلة بلغت 1.31 مليار دولار.

وقال راي شارما-أونغ، نائب الرئيس العالمي لحلول الأصول المتعددة في شركة «أبردين» للاستثمارات، إن التراجع الأخير في أسواق الأسهم في شمال آسيا يبدو غير متناسب مع الأساسيات الاقتصادية. وأضاف أن استقرار المخاطر الجيوسياسية قد يؤدي إلى انعكاس سريع في مراكز الاستثمار ومعنويات المستثمرين، ما قد يفتح المجال أمام انتعاش قوي في المنطقة.

في المقابل، تراجعت التدفقات الأسبوعية إلى صناديق السندات العالمية إلى أدنى مستوى لها في عشرة أسابيع عند 5.72 مليار دولار. وسجلت صناديق السندات عالية العائد صافي مبيعات بقيمة 3.17 مليار دولار، وهو أكبر تدفق خارجي أسبوعي منذ منتصف أبريل (نيسان) 2025.

وعلى النقيض، ارتفعت التدفقات الداخلة إلى صناديق السندات قصيرة الأجل إلى أعلى مستوى لها في أربعة أسابيع، مسجلة 5.75 مليار دولار، في حين جذبت صناديق أسواق المال 6.93 مليار دولار، محققة تدفقات إيجابية للأسبوع السابع على التوالي مع توجه المستثمرين نحو الأصول الأكثر أماناً.

ومع ذلك، شهدت صناديق السلع المرتبطة بالذهب والمعادن الثمينة صافي تدفقات خارجة قدرها 2.84 مليار دولار، بعدما سجلت صافي مبيعات خلال ثلاثة أسابيع من الأسابيع الأربعة الماضية.

كما تعرضت الأسواق الناشئة لضغوط بيعية، حيث سحب المستثمرون نحو 2.69 مليار دولار من صناديق الأسهم بعد موجة شراء صافية استمرت 11 أسبوعاً. وأظهرت بيانات شملت 28,809 صندوقاً أن صناديق السندات في الأسواق الناشئة سجلت أيضاً تدفقات خارجة أسبوعية صافية بلغت 656 مليون دولار.

وفي التفاصيل، تعرضت صناديق الأسهم الأميركية لضغوط بيعية للأسبوع الثاني على التوالي، وباع المستثمرون ما قيمته 7.77 مليار دولار من صناديق الأسهم الأميركية خلال الأسبوع، بعد صافي مبيعات بلغ نحو 21.91 مليار دولار في الأسبوع السابق. وجاء ذلك بالتزامن مع قفزة حادة في أسعار النفط؛ إذ ارتفع الخام الأميركي بنسبة 9.7 في المائة يوم الخميس، لتصل مكاسبه منذ بداية الشهر إلى نحو 42.88 في المائة، وسط ما وصفه المتداولون بأكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ، بعدما كادت حركة الشحن في الخليج العربي ومضيق هرمز أن تتوقف بالكامل.

وعلى مستوى القطاعات، سجلت صناديق الأسهم ذات رؤوس الأموال الكبيرة والمتوسطة والصغيرة صافي تدفقات خارجة بلغت 20.98 مليار دولار و405 ملايين دولار و8 ملايين دولار على التوالي، في حين استقطبت صناديق الأسهم متعددة رؤوس الأموال تدفقات داخلة أسبوعية صافية قدرها 9.32 مليار دولار.

كما تخلى المستثمرون عن صناديق أسهم النمو بقيمة 4.48 مليار دولار، بينما واصلوا التوجه نحو صناديق القيمة للأسبوع الخامس على التوالي، بضخ استثمارات بلغت 2.91 مليار دولار.

في المقابل، حافظت صناديق السندات على جاذبيتها للأسبوع العاشر على التوالي، مسجلة صافي تدفقات داخلة بنحو 8.21 مليار دولار. واستقطبت صناديق السندات الحكومية وصناديق الخزانة قصيرة إلى متوسطة الأجل نحو 4.05 مليار دولار، وهو أكبر تدفق أسبوعي منذ 24 ديسمبر.

كما جذبت صناديق السندات ذات التصنيف الاستثماري قصيرة إلى متوسطة الأجل وصناديق ديون البلديات صافي مشتريات بقيمة 2.77 مليار دولار و614 مليون دولار على التوالي.

وفي الوقت نفسه، سجلت صناديق أسواق المال الأميركية تدفقات داخلة صافية تقارب 1.5 مليار دولار، ليواصل المستثمرون ضخ السيولة فيها للأسبوع الرابع على التوالي، في ظل سعيهم إلى الملاذات الأكثر أماناً.


تباطؤ الائتمان يدفع الصين لضبط الدعم المحلي

بائعة تتصفح هاتفها بينما تنتظر الزبائن في أحد شوارع العاصمة الصينية بكين (أ.ف.ب)
بائعة تتصفح هاتفها بينما تنتظر الزبائن في أحد شوارع العاصمة الصينية بكين (أ.ف.ب)
TT

تباطؤ الائتمان يدفع الصين لضبط الدعم المحلي

بائعة تتصفح هاتفها بينما تنتظر الزبائن في أحد شوارع العاصمة الصينية بكين (أ.ف.ب)
بائعة تتصفح هاتفها بينما تنتظر الزبائن في أحد شوارع العاصمة الصينية بكين (أ.ف.ب)

تواجه الصين تحديات اقتصادية متزايدة مع استمرار ضعف الطلب على الائتمان وتباطؤ النشاط الاقتصادي، ما دفع الحكومة إلى التحرك على مسارين متوازيين، هما تشديد الرقابة على الإعانات المالية التي تقدمها الحكومات المحلية، وفي الوقت نفسه البحث عن أدوات جديدة لدعم النمو وتحفيز الطلب الداخلي.

وتأتي هذه الخطوات في وقت أظهرت فيه بيانات رسمية تراجع القروض المصرفية الجديدة بأكثر من المتوقع خلال شهر فبراير (شباط) الماضي، ما يعكس استمرار الحذر لدى الشركات والأسر في ثاني أكبر اقتصاد في العالم. وأعلن مجلس الدولة الصيني خلال اجتماع برئاسة رئيس الوزراء لي تشيانغ عن توجه جديد لتنظيم سياسات الدعم المالي التي تقدمها الحكومات المحلية.

وحسب وسائل الإعلام الرسمية، تعتزم بكين إنشاء آلية قائمة سلبية تحدد الحالات التي يُمنع فيها على السلطات المحلية تقديم إعانات مالية، في خطوة تهدف إلى الحد من التشوهات في المنافسة وتعزيز بناء سوق وطنية موحدة. ويرى صناع القرار في بكين أن الدعم المالي المحلي غير المنظم قد يؤدي إلى منافسة غير متكافئة بين المناطق الصينية؛ إذ تسعى بعض الحكومات المحلية إلى جذب الاستثمارات عبر حوافز مالية كبيرة قد تُضعف كفاءة السوق وتخلق اختلالات في توزيع الموارد. ولذلك شدد مجلس الدولة على ضرورة تحسين «دقة السياسات وفاعليتها» واعتماد إجراءات عملية أكثر انضباطاً في تقديم الدعم الحكومي.

• تباطؤ الائتمان

ويأتي هذا التحرك التنظيمي في وقت تواجه فيه الصين تباطؤاً ملحوظاً في الطلب على الائتمان. فقد أظهرت بيانات بنك الشعب الصيني أن القروض الجديدة المقومة باليوان بلغت نحو 900 مليار يوان (130 مليار دولار) في فبراير، منخفضة بشكل حاد مقارنة بـ4.71 تريليون يوان في يناير (كانون الثاني)، وأقل من توقعات المحللين التي كانت تشير إلى 979 مليار يوان.

ورغم أن تراجع الإقراض في فبراير يُعد ظاهرة موسمية إلى حد ما بسبب زيادة القروض في بداية العام وعطلة رأس السنة القمرية التي تقلل النشاط الاقتصادي، فإن البيانات تشير أيضاً إلى ضعف هيكلي في الطلب، خصوصاً من جانب الأسر. فقد سجلت قروض الأسر، بما في ذلك قروض الرهن العقاري، انخفاضاً بنحو 650.7 مليار يوان خلال الشهر، بعدما كانت قد ارتفعت في يناير بنحو 456.5 مليار يوان.

ويعكس هذا التراجع استمرار تأثير أزمة سوق العقارات الممتدة منذ سنوات، والتي أضعفت ثقة المستهلكين وأثرت على الإنفاق والاقتراض. كما يشير محللون إلى أن برامج دعم فوائد القروض الاستهلاكية التي أطلقتها الحكومة لم تحقق حتى الآن تأثيراً كبيراً في تحفيز الطلب، حيث لم ترتفع قروض الأسر إلا بنسبة طفيفة للغاية على أساس سنوي. وفي المقابل، أظهرت البيانات أن قروض الشركات سجلت انتعاشاً محدوداً، وهو ما قد يعكس تأثير إجراءات التيسير النقدي الأخيرة التي اتخذها البنك المركزي الصيني. فقد أكد محافظ بنك الشعب الصيني، بان غونغشنغ، أن بلاده ستواصل اتباع سياسة نقدية توسعية معتدلة خلال العام الحالي، مع استخدام أدوات مثل خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي وأسعار الفائدة بشكل مرن لدعم الاقتصاد.

• مخاوف التضخم

بعض الاقتصاديين يرون أن المجال المتاح لمزيد من التيسير النقدي قد يكون محدوداً في الأجل القريب. فحسب تشو هاو، كبير الاقتصاديين في شركة غوتاي جونان الدولية، فإن المخاوف المتعلقة بالتضخم قد تقلل من احتمالات خفض أسعار الفائدة أو نسبة الاحتياطي قريباً، ما يعني أن الجزء الأكبر من الدعم الاقتصادي قد يأتي عبر السياسة المالية وليس النقدية.

وفي هذا السياق، أعلنت بكين بالفعل مجموعة من الإجراءات لتعزيز الطلب المحلي ودعم القطاعات الاستراتيجية. فقد حددت الحكومة هدف نمو اقتصادي يتراوح بين 4.5 و5 في المائة لعام 2026، وهو أقل قليلاً من هدف العام الماضي، في إشارة إلى توقعات أكثر حذراً لمسار الاقتصاد. كما كشفت السلطات عن خطط لضخ 300 مليار يوان في البنوك الحكومية الكبرى لتعزيز قدرتها على الإقراض ودعم الاستقرار المالي. إضافة إلى ذلك، ستخصص الحكومة 250 مليار يوان من سندات الخزانة الخاصة طويلة الأجل لتمويل برامج استبدال السلع الاستهلاكية، في محاولة لتحفيز الاستهلاك المحلي وتعزيز الطلب الداخلي.

وأظهرت بيانات السيولة أن المعروض النقدي الواسع (M2) ارتفع بنسبة 9 في المائة في فبراير مقارنة بالعام السابق، متجاوزاً توقعات السوق، في حين ارتفع المعروض النقدي الأضيق (M1) إلى 5.9 في المائة. كما استقر نمو إجمالي التمويل الاجتماعي – وهو مؤشر واسع للائتمان والسيولة في الاقتصاد – عند 8.2 في المائة.

وتشير هذه المؤشرات إلى أن السلطات الصينية تحاول تحقيق توازن دقيق بين دعم النمو الاقتصادي ومنع تراكم المخاطر المالية، خصوصاً في ظل مستويات الدين المرتفعة لدى الحكومات المحلية والشركات.

• خاتمة

تعكس الإجراءات الأخيرة لبكين توجهاً مزدوجاً يجمع بين تشديد الرقابة على الدعم الحكومي المحلي وتعزيز أدوات التحفيز الاقتصادي على المستوى الوطني. وبينما تسعى الصين إلى الحفاظ على استقرار سوقها الداخلية وتحفيز الطلب، يبقى نجاح هذه السياسات مرهوناً بقدرتها على إعادة الثقة إلى المستهلكين والشركات في مرحلة حساسة من مسار الاقتصاد الصيني.


تراجع غير متوقع للإنتاج الصناعي خلال يناير قبل صدمة أسعار الطاقة

مشهد عام لخطوط الإنتاج في مصنع شركة السيارات الألمانية «مرسيدس بنز» في رستات (رويترز)
مشهد عام لخطوط الإنتاج في مصنع شركة السيارات الألمانية «مرسيدس بنز» في رستات (رويترز)
TT

تراجع غير متوقع للإنتاج الصناعي خلال يناير قبل صدمة أسعار الطاقة

مشهد عام لخطوط الإنتاج في مصنع شركة السيارات الألمانية «مرسيدس بنز» في رستات (رويترز)
مشهد عام لخطوط الإنتاج في مصنع شركة السيارات الألمانية «مرسيدس بنز» في رستات (رويترز)

أظهرت بيانات صادرة عن «يوروستات» انخفاضاً غير متوقع في الإنتاج الصناعي بمنطقة اليورو خلال يناير (كانون الثاني)، حيث سجَّلت غالبية الدول الكبرى في المنطقة تراجعاً، ما يثير المخاوف حول تعافي القطاع الذي طال انتظاره، في ظلِّ استمرار زيادة تكاليف الطاقة التي تضيف أعباء جديدة على قطاع يعاني منذ سنوات.

وأفادت البيانات بأنَّ الإنتاج في الدول الـ21 التي تشترك في عملة اليورو انخفض بنسبة 1.5 في المائة خلال الشهر، متجاوزاً التوقعات التي كانت تشير إلى نمو بنسبة 0.6 في المائة، مع تسجيل ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا انخفاضات كبيرة.

وعلى أساس سنوي، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة مقارنة بالعام السابق، مقابل توقعات بنمو 1.4 في المائة وفق استطلاع أجرته «رويترز» لآراء الاقتصاديين، وهو تراجع تفاقم بعد قيام «يوروستات» بمراجعة أرقام ديسمبر (كانون الأول). ويشهد قطاع الصناعة في منطقة اليورو ركوداً ممتداً، حيث يقل الإنتاج حالياً بنسبة 3 في المائة عن مستويات عام 2021، متأثراً بعوامل عدة، منها ارتفاع تكاليف الطاقة، والمنافسة الشديدة من الصين، والتعريفات الأميركية، وضعف نمو الإنتاجية، وانخفاض الطلب العالمي على السيارات الأوروبية.

وكان صناع السياسات يأملون أن يشهد عام 2026 بداية انتعاش اقتصادي جزئي، بفضل الجهود المستمرة لدعم الإنتاجية، إلا أنَّ أرقام يناير والارتفاع الحاد في أسعار السلع الأساسية يشيران إلى احتمال استمرار الاضطرابات.

وقال بيرت كولين، الخبير الاقتصادي في بنك «آي إن جي»: «يتلاشى التفاؤل في قطاع التصنيع بمنطقة اليورو مع انخفاض الإنتاج الصناعي إلى أدنى مستوى له منذ عام 2024 في يناير، وقد أدى الصراع في الشرق الأوسط إلى تجدُّد مخاطر الإنتاج، خصوصاً في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة».

ويُلقي الانكماش في آيرلندا بظلاله على المنطقة، حيث سجَّل إنتاج الطاقة ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بالشهر السابق، بينما تراجع إنتاج السلع المعمرة وغير المعمرة والسلع الوسيطة بشكل حاد؛ بسبب وجود عدد كبير من الشركات متعددة الجنسيات التي تؤثر على تقلبات الأرقام بشكل كبير.

وكانت ألمانيا، أكبر دولة في منطقة اليورو وصانعة السيارات المهيمنة، من بين الأكثر تضرراً، حيث انخفض إنتاجها بنسبة 9 في المائة عن مستويات عام 2021، وتشير أرقام الطلبات الضعيفة إلى استمرار الوضع دون تحسن قريب. ويشهد الإنتاج الألماني تراجعاً مستمراً منذ سنوات، ما أسهم في ركود الاقتصاد الألماني خلال السنوات الثلاث الماضية، رغم توقع حدوث انتعاش جزئي هذا العام بفضل الإنفاق الحكومي الكبير على الدفاع والبنية التحتية.

ومع ذلك، يُهدِّد الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة أي انتعاش محتمل، حيث ارتفعت أسعار النفط بنحو الثلثين منذ بداية العام، وارتفعت أسعار الغاز الطبيعي بنسبة 80 في المائة؛ نتيجة الحرب التي تقودها الولايات المتحدة في إيران، ما يُشكِّل ضربةً مزدوجةً للصناعة من خلال رفع التكاليف وتقليل القدرة الشرائية.

وقال دييغو إسكارو من شركة «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»: «يعتمد القطاع الصناعي الأوروبي بشكل كبير على النفط والغاز المستورَدين، وهو معرض أيضاً لاضطرابات سلاسل التوريد الناجمة عن الصراع».

وتُعدُّ أوروبا مستورداً صافياً للطاقة، ما يجعل صناعتها حساسة بشكل خاص لصدمات أسعار السلع الأساسية نظراً لمحدودية مواردها الطبيعية نسبياً.