عام دوران عجلة «بريكست» يولّد فرصاً من رحم الزلزال

ماي وحيدة في بروكسل (أ.ف.ب)
ماي وحيدة في بروكسل (أ.ف.ب)
TT

عام دوران عجلة «بريكست» يولّد فرصاً من رحم الزلزال

ماي وحيدة في بروكسل (أ.ف.ب)
ماي وحيدة في بروكسل (أ.ف.ب)

في 23 يونيو (حزيران) 2016، اتّخذت المملكة المتحدة قراراً ربما يكون الأهم على مستوى جيل بأكمله، وذلك عندما قرر 17.4 مليون ناخب في اقتراع تاريخي الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، في أوسع ممارسة ديمقراطية بتاريخ البلاد. وجاء القرار على درجة بالغة من الأهمية، وخلّف تداعيات واسعة النطاق على الصعيد السياسي داخل المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي. ومن المتوقع أن تستمر آثاره مهيمنة على الأجندة السياسية لسنوات كثيرة قادمة.
مع أن اتخاذ قرار بالتصويت بنعم على الانفصال قد يبدو توجيهاً سهلاً من الشعب البريطاني لممثليهم، إلا أن خسارة الحكومة في الفترة الأخيرة للأغلبية التي كانت تحظى بها داخل مجلس العموم زادت الأمور تعقيداً. المؤكد أن قاطرة «بريكست» ستمضي قدماً، بغض النظر عن المسار الذي ستسلكه، لكن الواضح أن رئيسة الوزراء أصبحت تحظى بقدر أقل من السيطرة على هذا الأمر. وقد تجلى ذلك للعيان عندما خسرت الحكومة التصويت حول التعديل السابع الذي طرحه البرلماني دومينيك غريف، والذي من شأنه منح البرلمان حق التصويت على أي اتفاق نهائي يبرم بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي.
الحقيقة أن زلزال الانفصال عن الاتحاد الأوروبي بدت مؤشراته منذ وقت طويل مضى، فعلى امتداد عقود تعهدت حكومات حزبي العمال والمحافظين، على حد سواء، بالتزام نهج صارم إزاء أوروبا، واستعادة على الأقل بعض السيطرة. ومع هذا، تعرض البريطانيون مرة بعد أخرى للخذلان، ووجدت المزيد من السلطة والنفوذ طريقها إلى المؤسسات الأوروبية في بروكسل بعيداً عن المركز المفترض للسلطة والديمقراطية داخل مقر «ويستمينستر». واستمر هذا الوضع قائماً حتى تمكن ديفيد كاميرون بشجاعة وبحق من تنفيذ وعده بإجراء تصويت حول الاتحاد الأوروبي. وفي تلك اللحظة نال الناخبون البريطانيون أخيراً حق القرار الحاسم والأخير بخصوص هذه المسألة، وصوّت أعضاء البرلمان بأغلبية ساحقة لصالح منح المواطنين هذا الخيار.
أما النتيجة الفورية لهذا الاستفتاء الذي جرى في يونيو 2016، فتمثلت في كشفه النقاب عن التفاوت الهائل بين آراء العامة وممثليهم المنتخبين فيما يخص الاتحاد الأوروبي. وقت عقد الاستفتاء، كان ما يزيد قليلاً على واحد من بين كل أربعة أعضاء بالبرلمان مؤيدين للخروج عن الاتحاد الأوروبي مقارنة بـ52 في المائة من الجمهور العام. واتخذ معظم أعضاء البرلمان مواقف متعارضة مع مواقف ناخبيهم حيال هذه القضية.
وانطبق هذا الأمر على نحو خاص على أعضاء البرلمان عن حزب العمال الذين ناضلوا باستمرار للترويج لفكرة البقاء داخل الاتحاد الأوروبي بين قواعد ناخبيهم الذين مالوا نحو الاتجاه المعاكس. ويعتبر هذا تحديداً السبب وراء إخفاق حزب العمال في صياغة استراتيجية واضحة ومتناغمة إزاء الـ«بريكست». من قبل، قال جيرمي كوربن إنه «إذا غادرت الاتحاد الأوروبي، فأنت بذلك ترحل أيضاً عن السوق المشتركة». أما اليوم، فيسمع المرء رسائل متضاربة في خضم مساعي أعضاء الحزب إرضاء جميع الأطراف، الأمر الذي نعرف أنه لا يستمر في السياسة لفترة طويلة.
من ناحية أخرى، نجد حزب الديمقراطيين الليبراليين الذين يدّعون أنهم حزب يؤمن بالديمقراطية، لكن عندما يحصلون على نتيجة لا تروق لهم، يرغبون في إعادة الكرّة من جديد. ومع هذا، فإنه بالنظر إلى أن لديهم 12 عضواً فقط بالبرلمان من إجمالي 650، يظل نفوذهم محدوداً. وقد أخفق موقفهم إزاء الاتحاد الأوروبي خلال انتخابات يونيو 2017 في كسب تأييد واسع بين الناخبين.
على الجانب الآخر، فإنه مع اختيار المملكة المتحدة منذ الوهلة الأولى عدم المشاركة في دعائم محورية للاتحاد الأوروبي، مثل اليورو واتفاقية شينغين وميثاق الحقوق الأساسية، لا يملك للمرء سوى التساؤل حول مدى التزام المملكة المتحدة بمشروع الاتحاد الأوروبي منذ البداية.
بانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، فقدت المملكة المتحدة حتماً جزءاً من «نفوذها» العالمي، واستمر شعور بعدم الارتياح أو ما يصفه البعض بالندم، طيلة 43 عاماً هي عمر عضوية المملكة المتحدة في الاتحاد. وفي يونيو 2016، حانت أخيراً الفرصة لاستعادة هذا «النفوذ»، وسارع الناخبون البريطانيون لاستغلالها.
من جانبي، أشعر بالتفاؤل حيال الإمكانات المستقبلية للمملكة المتحدة، وبخاصة فيما يتعلق بالتجارة وبناء تحالفات جديدة وتعزيز الروابط القائمة مع حلفائنا. وينطبق هذا الأمر من وجهة نظري بصورة خاصة على علاقاتنا بأصدقائنا القدامى والموثوقين في مجلس التعاون الخليجي، التي يتم التعامل معها بأكبر قدر من الجدية في ظل عالم من التطرف المتنامي الذي لا يعرف حدوداً، وكذلك تزايد نزعات القومية الاقتصادية والحمائية. وفقط، من خلال التعاون مع دول مجلس التعاون الخليجي سيمكننا تناول القضايا العالمية الملحة بصورة مباشرة وشجاعة. اللافت أنه في غضون شهور من توليها منصبها، حرصت رئيسة الوزراء تيريزا ماي على توجيه خطاب مباشر إلى دول المجلس من المنامة، إلى جانب حرصها على تنظيم جولة عبر دول المنطقة.
لقد كانت المملكة المتحدة على امتداد عقود في صدارة التجارة العالمي،ة ومن أبرز الأصوات الداعمة لها، وأعتقد أن خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي يخلق فرصة ذهبية لتعزيز أواصر التجارة الثنائية من جديد مع دول بمختلف أرجاء العالم تبعاً للشروط التي تروق لنا وتناسبنا، وكذلك العمل على استعادة مقعدنا بمنظمة التجارة العالمية.
تجدر الإشارة إلى أنه في أعقاب الاستفتاء حول الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، استحدثت حكومة المملكة المتحدة وزارة التجارة الدولية التي عينت ما يزيد على 3.200 موظف و200 مفاوض تجاري، وأنشئت قواعد لها داخل ما يزيد على 100 دولة. كما جرى توسيع نطاق برنامج «المبعوث التجاري» التابع للحكومة.
في وقت سابق من العام، شرفت بتعييني من جانب رئيسة الوزراء مبعوثاً تجارياً لدى باكستان. وبالفعل، بدأت الجهود الحكومية تؤتي ثمارها، وأبدت عشرات الدول رغبتها في إبرام اتفاقات تجارية مع المملكة المتحدة في أعقاب إنجاز الـ«بريكست». وهذا الحديث ليس أماني أو أوهاماً، وإنما واقع قائم.
ولا يخفى على أحد أن منطقة الخليج كانت في صدارة اهتمام المملكة المتحدة، ورغبتها في التواصل مع باقي دول العالم. وفي أبريل (نيسان)، استضافت لندن مؤتمر الشراكة العامة - الخاصة بين المملكة المتحدة ومجلس التعاون الخليجي.
في الوقت الحاضر، تصدر شركات من المملكة المتحدة سلعاً وخدمات إلى دول مجلس التعاون الخليجي سنوياً بقيمة تتجاوز 30 مليار دولار؛ ما يبلغ ضعف قيمة صادراتنا إلى الهند. ومع ذلك، تبدو هذه المنطقة بمثابة محيط ضخم من الإمكانات غير المستغلة بعد؛ ما يستلزم مزيداً من تعزيز الروابط التجارية معها.
ومن المقرر أن يشكل ذلك محور التركيز الأساسي لمجموعة العمل التجارية التي تأسست في الفترة الأخيرة مع مجلس التعاون الخليجي. ومن المقرر أن تعمل هذه المجموعة على صياغة شكل العلاقات التجارية بين الجانبين في المستقبل، والتخلص من العوائق التجارية وإقامة علاقات تجارية أوثق.
من جهة أخرى، فإن التجارة ليست المجال الوحيد الذي لا تزال العلاقات بين المملكة المتحدة ومجلس التعاون الخليجي تشهد تقارباً في إطاره، وإنما كذلك الدفاع والأمن. ومثلما صرحت رئيسة الوزراء خلال زيارتها إلى دول مجلس التعاون الخليجي، فإن: «أمن الخليج هو أمن المملكة المتحدة». المؤكد أنه ليس بمقدور دولة واحدة الوقوف في وجه التحديات الدولية، وقد كان التعاون بين المملكة المتحدة والدول الخليجية واحدا من العوامل الأساسية وراء اندحار «داعش»، على سبيل المثال.
من جانبها، تبدي المملكة المتحدة التزاماً كاملاً بالتصدي للتهديدات الإيرانية لاستقرار المنطقة، وسنوجه استثمارات تزيد على 3 مليارات جنيه إسترليني في الدفاع داخل مجلس التعاون الخليجي على امتداد السنوات العشر المقبلة. وفي الواقع، فإن التزام المملكة المتحدة بأمن الخليج ليس مجرد خطابات، وإنما عاينت بنفسي الوجود الدائم للمملكة داخل المنطقة في صورة قاعدة «إتش إم إس الجفير» للأسطول الملكي البريطاني في البحرين.
موجز القول، إنه في الوقت الذي تتحرك بعض الدول، وبينها حلفاء قدامى، نحو مزيد من الحمائية الاقتصادية، فإنني على يقين من أن المملكة المتحدة، وبخاصة في ظل الفرص الجديدة التي تولدت من رحم الـ«بريكست»، والدول الخليجية سيقفان جنباً إلى جنب أصواتاً قوية مناصرة للتجارة الدولية وسيزداد التعاون بينهما على صعيد القضايا العالمية.
والمؤكد أننا نعايش حالياً لحظة حاسمة في تاريخ المملكة المتحدة ويجب أن نُقبل على هذا العالم الجديد بذراعين مفتوحتين. كما ينبغي التأكيد على أن المملكة المتحدة ترحل عن الاتحاد الأوروبي، لا عن أوروبا، بمعنى أننا سنمضي في أدوارنا داخل المنظمات الدولية، مثل «الناتو» ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والكومنولث، وسنمضي في الاضطلاع بدور محوري في المجتمع الدولي عبر العمل مع شركاء من مختلف أرجاء العالم لجعل العالم مكاناً رائعاً وسلمياً ومزدهراً لنا جميعاً.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».