نجاحات لترمب وسط استقطاب حاد

نجاحات لترمب وسط استقطاب حاد
TT

نجاحات لترمب وسط استقطاب حاد

نجاحات لترمب وسط استقطاب حاد

منذ اللحظة التي فاز فيها دونالد ترمب بالرئاسة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، بدا واضحاً أن حالة الاستقطاب على الصعيد السياسي
الأميركي الداخلي سوف تستمر، بل تتفاقم. وهو ما حدث بالفعل خلال العام الأول من رئاسة ترمب.
شعر الديمقراطيون بصدمة بالغة إزاء الهزيمة غير المتوقعة التي منيت بها هيلاري كلينتون. ومثلما كشف كتاب «المحطّمة»، اعتمدت حملة كلينتون الانتخابية على محاولة إظهار أن ترمب غير ملائم للرئاسة. وبالفعل، بدت كلينتون على درجة عالية من الإقناع لدى أنصارها. أما على مستوى البلاد بوجه عام، فقد افتقرت إلى هذه القدرة على الإقناع. ومع أن ترمب لم يكن الخيار الأول أمام الكثير من الجمهوريين، إلا أن صفوف الحزب توحّدت خلفه بحلول يوم الانتخابات بشكل شبه طبيعي.
من جهته، قاد ترمب حملة انتخابية جرى تصميمها بحرص كي تجتذب الناخبين الذين كان في حاجة إليهم داخل ولايات أميركية محورية من أجل الحصول على غالبية الأصوات داخل المجمع الانتخابي. ورغم فوز كلينتون بالأصوات الشعبية، فإن الولايات المتحدة لم ولن تعقد أبداً انتخابات وطنية تعتمد على التصويت الشعبي. وعليه، كان هامش الأصوات الشعبية الذي تفوقت به دون معنى حقيقي على أرض الواقع.
ومع ذلك، شكّك الكثير من أنصارها البارزين، بما في ذلك بعض من يتولون إدارة دفة الحسابات الداخلية في الحزب الديمقراطي، الذي أصبح اليوم بعيداً عن السلطة داخل كل من البيت الأبيض ومجلسي النواب والشيوخ، في شرعية فوز ترمب وتعهدوا بالعمل كحركة «مقاومة». وأكدوا أنهم سيقفون متحدين في وجه ترمب بكل صورة ممكنة. وبالنسبة للديمقراطيين الذين يتقلدون مناصب بالانتخاب في واشنطن، عني ذلك إبداء معارضة قوية لترمب والأغلبية الجمهورية داخل الكونغرس على صعيد جميع المقترحات التشريعية الكبرى (ومعظم الصغرى). أما بالنسبة للديمقراطيين خارج الحكومة، فتعني هذه المقاومة الامتناع تماماً عن التعبير عن الموافقة تجاه ترمب أو أي من الإجراءات التي يتخذها. وبالنسبة لبعض النشطاء الديمقراطيين، عنيت هذه المقاومة الخروج إلى الشوارع لتنظيم مظاهرات. أما بالنسبة لمن يستسيغون العنف، فإن هذه المقاومة تعني التورط في أعمال عنف «أنتيفا»، وهي شبكة غير رسمية تستوحي اسمها من مناهضة الفاشية.
في هذه الأثناء، يرتاب الجمهوريون منذ أمد بعيد في أن وسائل الإعلام في مجملها تمارس تحيزاً ضد حزبهم. إلا أنه مع انتخاب ترمب، تحرّك الجزء الأكبر من وسائل الإعلام التقليدية، على رأسها «سي إن إن»، نحو المعارضة الواضحة لترمب. أما «ذي واشنطن بوست»، فقد اعتمدت شعاراً جديداً غريباً في صدر صفحتها الأولى يقول: «الديمقراطية تموت في الظلام». والمؤكد أن هذا لم يكن ليصبح شعار الصحيفة لو كانت كلينتون هي من فاز في الانتخابات.
مع ذلك، لا يزال ترمب يحظى في المقابل بدعم قوي من جانب «فوكس نيوز» والكثير من المواقع الإلكترونية الأخرى. كما أن وسائل الإعلام جلّها لم تتخل عن التزامها السابق بالتغطية الحيادية. ومع هذا، فإنه بوجه عام يبدو ترمب مصيباً في قوله إن وسائل الإعلام في معظمها معادية له.
في الحقيقة، أشعر بالأسف تجاه اضطراري إلى طرح هذه المراجعة الطويلة للوضع الحالي لمشاعر العداء تجاه ترمب داخل الولايات المتحدة. بيد أنه يبقى من الضروري على مستهلكي الأخبار المتعلقة بالولايات المتحدة، داخل البلاد وخارجها: «نظام التصفية» الذي تمر من خلاله المعلومات التي تُنشر في النهاية. إنها سلسلة من عمليات التصفية والتنقيح المناهضة لترمب، تحمل كل منها اختلافات دقيقة عن الأخرى. عبر إحدى مراحل التصفية، يظهر ترمب شخصاً يفتقر إلى الكفاءة، بينما يظهر عبر أخرى شخصاً لا يأبه سوى لإثراء نفسه. وعبر مصفاة ثالثة، يبدو رجلاً شريراً، بينما يظهر من خلال أخرى رابعة مجرد أداة في يد الكونغرس الذي تسيطر عليه أغلبية جمهورية محافظة. وتأتي صورته عبر مصفاة خامسة رئيساً غير شرعي فاز بالانتخابات عبر سبل غير مشروعة (مثل التدخل الروسي في العملية السياسية).
وعبر أنظمة التصفية تلك، يبدو من الصعب تجنب نتيجة مفادها أن ترمب أبلى بلاءً سيئاً للغاية خلال عامه الأول في الرئاسة.
هذه النتيجة خاطئة. الحقيقة أن ترمب أحرز نجاحاً كبيراً خلال عامه الرئاسي الأول. ومع أن مستويات شعبيته في إطار استطلاعات الرأي منخفضة على نحو قياسي، فإن ثمة نقطتين ينبغي الالتفات إليهما. أولاً: لا يزال الناخبون الجمهوريون مؤيدين له، ولا يزال يحظى بشعبية كبيرة في بعض أجزاء البلاد. ثانياً: تعتبر المشاعر السلبية إزاء ترمب في الجزء الأكبر منها نتاج حركة «المقاومة» سالفة الذكر ونظام التصفية الإعلامي، وكلاهما عنصران غير مسبوقين على الصعيد السياسي الأميركي.
وفيما يلي سأحاول استعراض سجله على الصعيد الداخلي، ودعونا نبدأ بظاهرة أثارت دهشة الكثيرين: ذلك أنه فور انتخاب ترمب بدأت سوق الأسهم الأميركية في الارتفاع، واستمرت على هذا النحو على مدار الشهور الـ15 الأخيرة لتصل إلى مستويات قياسية. وبالنظر إلى التوقعات السائدة بأن تفوز كلينتون في الانتخابات، لا يملك المرء سوى أن يخلص إلى أن السوق عكست تقييمها لفوز كلينتون على قيم الأسهم بحلول مطلع نوفمبر 2016، وأن الارتفاع الذي حققته سوق الأسهم منذ ذلك الحين يعود إلى ترمب والتوقعات بحدوث تغيير في سياسات واشنطن.
إلا أن التغيير الأكبر لم يأتِ سوى نهاية عام 2017، وتمثل الإنجاز التشريعي الوحيد لترمب في إقرار إصلاحات ضريبية كاسحة أُقرت في ديسمبر (كانون الأول). ومع أن هذه الإصلاحات تناولت ضرائب الدخل الشخصي، فإن العنصر الأهم فيها كان إقرار خفض كبير في معدل الضرائب على الشركات، من 35 في المائة إلى 21 في المائة، وكذلك بنود أخرى تشجع الاستثمار في معدات وتكنولوجيات جديدة.
وقد تراجع بذلك معدل الضرائب الأميركية على الشركات من كونه الأعلى على مستوى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى الثّلث الأدنى. ومثلما لاحظت بالفعل حكومات الكثير من الاقتصادات المتقدمة، فإن ثمة تحسناً ملحوظاً قد طرأ على الموقف التنافسي الأميركي. علاوة على ذلك، فقد تسبب القانون الضريبي الأميركي (قبل التعديل التشريعي الأخير) فعلياً في إبقاء التريليونات من أرباح الشركات خارج الولايات المتحدة. ومع استعادة هذه الأموال، من المتوقع حدوث طفرة كبيرة في الاستثمارات؛ الأمر الذي يشكل أولوية كبرى لدى ترمب.
ولم يكن الإصلاح الضريبي للشركات الأمر الوحيد الذي استجاب له الاقتصاد الأميركي على نحو إيجابي، وإنما يبدي ترمب كذلك التزامه ببيئة تنظيمية أميركية أكثر إيجابية تجاه المصالح التجارية. ويطرح ترمب هنا أيضاً مبادرة إصلاحية واسعة النطاق ترمي إلى تقييد الأذرع البيروقراطية الضخمة للدولة التي تطرح تنظيمات على نحو يكاد يكون مستقلاً عن إرادة الكونغرس أو البيت الأبيض. وقد أثمر تصمم ترمب على استعادة السيطرة على هذه الأذرع بالفعل فوائد كبرى حتى الآن بالنسبة للشركات، تمثلت معظمها في إعاقة إقرار تنظيمات جديدة.
وأخيراً، لا يمكن طرح تقييم للعام الأول لترمب من دون الإشارة إلى المحاكم التي نجح ترمب في إطارها في أن يحل قاضٍ أصغر سناً محل قاضٍ آخر محافظ بالمحكمة العليا. كما أنه في طريقه لإجراء سلسلة من التعيينات بالسلك القضائي ستعيد صياغة شكل المحاكم لجيل قادم.
موجز القول، إن ترمب خرج فائزاً من عامه الأول بالرئاسة، رغم أن الكثير من خصومه لا يروق لهم الإقرار بذلك. من ناحية أخرى، من المتوقع أن يبلي الديمقراطيون بلاءً حسناً في انتخابات الكونغرس عام 2018، وربما ينجحون في اقتناص السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب من أيدي الجمهوريين.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».