روسيا في الشرق الأوسط: اختراقات استراتيجية وآفاق واسعة

روسيا في الشرق الأوسط: اختراقات استراتيجية وآفاق واسعة
TT

روسيا في الشرق الأوسط: اختراقات استراتيجية وآفاق واسعة

روسيا في الشرق الأوسط: اختراقات استراتيجية وآفاق واسعة

يمكن وبثقة القول إن 2017 كانت بالنسبة إلى روسيا سنةً شرق أوسطية بامتياز: نشاط موسكو في سياستها الخارجية تجاه الشرق الأوسط كان عالياً للغاية وغير مسبوق. القول إن الجزء الأكبر من جهودها في هذا الاتجاه كان بشكل أو بآخر مرتبطاً بسوريا، ليس فيه أي مبالغة. لقد امتص العمل على المسار السوري جزءاً كبيراً من قدراتها الدبلوماسية والمادية. لكن دورها الرئيسي في الأحداث في سوريا وحولها بات مفتاحاً لها في كشف إمكانيات جديدة وتعزيز موقعها في المنطقة.
فيما يتعلق بالمسار السوري، هنا تجدر الإشارة إلى الآتي: أولاً، ينظر في موسكو إلى أن أهم وأكبر نجاح لروسيا في عام 2017 هو القضاء على «داعش» في سوريا وبالدرجة الأولى القضاء على القاعدة المادية والجغرافية للإرهابيين. وهذا بدوره كان قد سمح للرئيس فلاديمير بوتين باتخاذ قرار مهم للغاية حول اقتراب انتهاء العملية الروسية لمكافحة الإرهاب في سوريا والانتقال إلى مرحلة التسوية السياسية. في المستقبل القريب سيجري تقليص الوجود العسكري الروسي في سوريا بشكل كبير. أما الجزء الباقي من القوات فسوف يتمركز في قاعدتين: في حميميم وفي طرطوس اللتين ستبقيان على الأراضي السورية على أسس قانونية.
ثانياً، أصبحت سنة 2017 بفضل جهود روسيا وحلفائها وشركائها إن لم تكن سنة الوقف التام للعمليات العسكرية بين الحكومة والمعارضة المسلحة في سوريا (عدا استمرار عملية مكافحة المجموعات الإرهابية المعترف بها رسمياً من قبل الأمم المتحدة) فلقد كانت سنة الانخفاض الكبير لكثافتها. نعم هناك خروقات لوقف إطلاق النار والمؤسف أنها ستتكرر.
ثالثاً، نجاح تنفيذ مشروع إنشاء مناطق خفض التصعيد كإجراء مؤقت والذي من خلاله تم تطبيق نظام وقف العمليات القتالية.
رابعاً، تطور التعاون بين الدول الثلاث الضامنة لهذا المشروع، روسيا وإيران وتركيا. بدا هذا جلياً في ظهور الإطار الجديد وهو القمة الثلاثية والتي لديها أفق أن تصبح دورية في المستقبل.
خامساً، استمرار الحوار الروسي - الأميركي في شأن سوريا أكان على مستوى الخبراء العسكريين أو على مستوى القيادة السياسية في الدولتين. الحديث هنا يدور حول المثلث الثاني أي - روسيا الولايات المتحدة الأميركية والأردن (مع مشاركة غير مباشرة لإسرائيل). الاختراق الهام في هذا المسار كانت قد شكلته المحادثات حول إنشاء منطقة خفض التصعيد الجنوبية الغربية. في الوقت نفسه فكما كان معلناً في الوثيقة المشتركة لرئيسي روسيا والولايات المتحدة الأميركية في دانانغ (في فيتنام) خلال منتدى «أبيك» بأن الطرفين مرتاحان لنجاح جهود الدولتين المبذولة في فعالية منع وقوع حوادث خطيرة بين العسكريين الروس والأميركيين مما ساعد في مكافحة «داعش». أما سادساً وأخيراً - إقدام روسيا على مبادرة خارقة وغير متوقعة في دعوتها إلى عقد مؤتمر حوار وطني سوري والذي بادرت بالتحضير له. المهم أن الإطار الجديد، وكما تشير القيادة الروسية، لن يؤدي إلى تقليص دور الأمم المتحدة في التسوية السورية، وإنما على العكس، فإن عقد هذا المؤتمر مدعو لمساندة دور الأمم المتحدة ومحادثات جينيف وهو يعتبر فقط مكملاً للجهود التي يبذلها جهاز المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا والمشاركون في عملية آستانة لتسوية الأزمة السورية.
الرئيس فلاديمير بوتين مرة أخرى أكد خلال لقائه الأخير مع الرئيس بشار الأسد في سوتشي أن المرحلة العسكرية للأزمة أوشكت على النهاية وحان وقت التسوية السياسية وأعلن أيضاً مع الرئيس دونالد ترمب في دانانغ أنه لا حل عسكرياً للأزمة في سوريا. لم يكن هذا تصريح علني فحسب، بل وإشارة قوية إلى الرئيس السوري وخصومه. لقد بدأت موسكو تناقش مع شركائها مشكلات مستقبل إعادة بناء سوريا. يمكن فقط الافتراض بأن التقليص الجدي للوجود العسكري مع الحفاظ على القواعد العسكرية سيوفر الجاهزية إلى تقديم المساعدة للقوات المسلحة السورية في مكافحة المجموعات الإرهابية إذا تطلب الوضع ذلك.
أما فيما يخص لقاء المعارضة السورية في الرياض، لقد تم التوصل إلى تشكيل وفد موحد للمشاركة في الجولة الثامنة للمحادثات في جنيف بما في ذلك مساعدة الممثل الروسي الخاص، مع أن ممثلي ما يسمى منصة موسكو كانوا قد عبروا عن عدم موافقتهم على بعض نقاط البيان الختامي التي تتناقض مع المبدأ المتفق عليه والذي تضمنه البيان وهو رفض أي شروط مسبقة مهما كانت هذه الشروط. بإمكان المؤتمر بحسب المبادرين أن يلعب دوراً هاماً في بناء العلمية السلمية وأن يقدم مساهمة خاصة في حل مسائل مختلفة مثل صياغة دستور سوري جديد أو التحضير لإجراء انتخابات عامة. في موسكو، هناك إدراك للصعوبات التي تواجهها والتي ستواجهها عملية إنجاز مشروع المؤتمر، لكن ننطلق من أن أولئك الذين سيقررون عدم المشاركة فيه سيعزلون أنفسهم بهذه الطريقة. مع ذلك لا يزال هناك الكثير مما يجب القيام به لضمان شمولية التمثيل في هذه الفعالية التي ستعقد في سوتشي - العاصمة الجنوبية لروسيا. بين تلك المسائل التي لم تلقَ حلاً إلى الآن على ما يبدو هي مسألة تمثيل الأكراد. حسب تصريح ديمتري بسكوف الناطق الصحافي باسم الرئيس الروسي فإن أصعب ما يواجه عملية التحضير لمؤتمر الحوار الوطني هو التوافق على قوائم المشاركين. بشكل أو بآخر فلقد تم تأجيل انعقاد المؤتمر أكثر من مرة وذلك بسبب العقبات التنظيمية.

علاقة نوعية مع السعودية
أما فيما يتعلق بتعاظم الموقع الروسي في المنطقة فهو بشكل خاص ناتج عن التغيرات النوعية لعلاقاتها مع عدد من اللاعبين الكبار في المنطقة. هذا بدا واضحاً على سبيل المثال في علاقاتها مع المملكة العربية السعودية. إن الزيارة الرسمية التاريخية الأولى للملك سلمان بن عبد العزيز نفسه إلى روسيا وزيارات ولي العهد الأمير محمد بن سلمان تدل على منعطف في العلاقات الروسية السعودية باتجاه الشراكة البناءة. يكفي في هذا السياق ذكر خطط المملكة العربية السعودية بالاشتراك مع صندوق الاستثمارات المباشرة الروسي تأسيس صندوقين استثماريين - صندوق استثماري تقني وصندوق استثماري للطاقة برأسمال قدره مليار دولار لكل منهما، وكذلك مشاركة الشركة الروسية Eurasia Drilling في حفر الآبار مع شركة Saudi Aramco. وكذلك سيتم في المملكة تصنيع البندقية الكلاشنيكوف الآلية بترخيص من روسيا. لكن يبقى من غير الواضح هل ستذهب المملكة العربية السعودية إلى تطوير أوسع في التعاون العسكري التقني مع موسكو التي تحدث متفائلاً عن إمكانياتها في يوليو (تموز) من هذا العام رئيس شركة «روس تيخ» سيرغي تشميزوف.
وكذلك التحول الكبير الذي لا يقل أهمية عنها في العلاقات بين روسيا والإمارات العربية المتحدة. حيث تنمو السياحة الروسية إلى الإمارات بسرعة وكان قد ساعد في ذلك نظام إلغاء التأشيرات من قبل هذه الدولة. وأيضاً هناك آمال تعقد على نمو سياحة المواطنين الإماراتيين إلى روسيا. اقتراح موسكو لمشروع مشترك في تصميم طائرة مدنية مع الإمارات على قاعدة MC- 21 تتسع لـ250 راكباً مخصصة للسوق العربية كان جذاباً للغاية وطموحاً بالنسبة للشركاء الإماراتيين. تعلق روسيا آمالاً كبيرة على تطوير تعاون متعدد الجوانب مع هذه الدولة، بوجه الخصوص فإن شركتي «غازبروم نفط» و«موبادلة» بدأتا بدراسة إمكانية التنقيب والإنتاج المشترك في روسيا ودول ثالثة. تتسم روسيا كدولة عظمى بعلاقات متوازنة مع مختلف اللاعبين بمن فيهم من هم على خلاف بين بعضهم بعضا. في واحدة من مقالاتي السابقة كنت قد كتبت عن هذه الخصوصية التي تتمتع بها الدبلوماسية الروسية وقدرتها على عدم حرق الجسور والابتعاد عن التعامل أحادي الجانب وعن قدرتها في حال الضرورة وبموافقة الأطراف المتنازعة أن تلعب دور الوسيط المصالح وبما فيه عن طريق التحالف مع شركائها ممن لهم مصلحة في خفض التوتر بين الجيران. في سنة 2017 على وجه الخصوص، استمر تعاون موسكو مع دول مجلس التعاون ولم تتدخل في الوقت نفسه ولا بشكل من الأشكال في الأزمة التي ظهرت بين هذه الدولة وعدد من الدول الصديقة والمؤثرة في المنطقة، داعية الأطراف جميعاً إلى الحوار البناء. لقد استمرت روسيا بتعاونها الوثيق مع إيران وتركيا. يرون في موسكو أنه بمساعدة مثل هذه السياسة فإن روسيا تساهم في استقرار الوضع وليس فحسب، بل وفي تقريب مواقف الأطراف المتنازعة في بعض الأحيان.
لقد لعبت الاتصالات الدورية التي يقوم بها الرئيس بوتين مع قادة دول الشرق الأوسط دوراً كبيراً في إقامة سياسة خارجية متزنة ومتكافئة في هذه المنطقة والتي من نتائجها عدم وجود أعداء لروسيا في الشرق الأوسط بل لديها عدد كبير من الأصدقاء. هذه الاتصالات تكمل العدد الكبير من الزيارات واللقاءات على المستوى الرفيع التي جرت في سنة 2017.

عنصر جديد ـ قديم
تميزت سنة 2017 بتثبيت عنصر جديد في استراتيجية روسيا تجاه منطقة الشرق الأوسط وهو إنشاء قواعد عسكرية – وهي ظاهرة غير معتادة في السياسة الخارجية الروسية. لم يكن لدى موسكو قواعد عسكرية نهائياً في الخارج عدا منطقة رابطة الدول المستقلة (قواعد الاتحاد السوفياتي في فيتنام وكوبا كانت قد أغلقت). أما الآن، فإن موسكو لم تقم فقط ببناء قاعدتين في سوريا ومستمرة في تطويرهما، بل وبدأت في نوفمبر (تشرين الثاني) من هذا العام تحضر لاتفاق مع السودان بشأن إنشاء قاعدة عسكرية روسية في هذا البلد. جرى ذلك خلال لقاء الرئيس عمر البشير مع الرئيس فلاديمير بوتين ووزير الدفاع سيرغي شويغو في 25 نوفمبر من هذه السنة في سوتشي. نائب رئيس لجنة الدفاع والأمن في مجلس الاتحاد (مجلس الشيوخ) السناتور فرانتس كلينتسيفيتش كان قد صرح أنه في حال إنشاء قاعدة روسية في السودان، بإمكان هذه الدولة أن تصبح الوسيط الرئيسي في التواصل بين روسيا والعالم الإسلامي. لكن السناتور لم يوضح ما الذي يقصده في قوله هذا.
روسيا بتعزيز وجودها في المنطقة، لا تنوي الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها ولا تحاول إزاحة الولايات المتحدة أو استبدالها في المنطقة، فليس لديها ما يكفي من الموارد للقيام بذلك ولا حتى هناك ضرورة أو رغبة في صرفها على مثل هذه الأهداف.
واحدة من مكتسبات سنة 2017 هي – التقدم في التعاون العسكري والتقني مع دول هذه المنطقة. بحسب ما يبدو، فإن حجم مبيعات الأسلحة والتقنيات العسكرية الروسية إلى الخارج في هذه السنة سيتخطى ما تم بيعه في سنة 2016 حيث وصل حينها حجم مبيعات الأسلحة إلى 14 مليار دولار أميركي بينما يخطط لرفعه ليصل إلى 20 ملياراً والاحتفاظ بالمركز الثاني بين الدول المصدرة للأسلحة في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية. تنمو شريحة الشرق الأوسط في هذا المجال من التعاون. لا داعي للاعتقاد بأن مبيعات الأسلحة والتقنيات العسكرية هي فقرة شبه رئيسية في دخل الميزانية بعد مبيعات المواد الخام المختلفة وبالدرجة الأولى الهيدروكربونات كما كان سائداً. تحولت روسيا إلى مصدر لأنواع أخرى من المنتجات أيضاً. يكفي ذكر نمو صادرات الحبوب الروسية إلى الشرق الأوسط وهذا لا يثير الدهشة، ذلك أن موسكو تشغل المركز الأول في العالم بين المصدرين للحبوب. لقد تم في هذه السنة جني نحو 130 مليون طن من القمح.
تشغل المنظومات الصاروخية مكاناً خاصاً من بين المنتجات العسكرية التي يتم تصديرها إلى الشرق الأوسط. تم تنفيذ عقد بتوريد خمس مجموعات لواحدة من أنواع منظومات «إس - 300 - ب أم أو – 1» إلى إيران في أكتوبر (تشرين الأول) من هذا العام. الاختراق الحقيقي جرى حين تم توقيع عقد لتوريد نظام إس - 400 إلى تركيا، الدولة العضو في حلف شمال أطلسي (ناتو). موسكو تنطلق من أن هذه المنظومات تعتبر نظام أسلحة دفاعية حصراً، مع أن مسافة دائرة فعاليتها كبير إلى حد ما. ما بدا واضحاً هو أن تلك الدول التي كانت في الماضي القريب قد حاولت منع توريد أنظمة «إس - 300» و«إس - 400» إلى دول هي على خلاف معها، حتى أن وصل فيهم الأمر إلى توجيه إنذارات مهددين بالقيام بضربات وقائية، فهي الآن لا تحاول إعاقة روسيا. الحديث يدور هنا بالدرجة الأولى عن توريد هذه المنظومات إلى إيران وردة فعل إسرائيل على ذلك. أي دولة أخرى بما فيها الولايات المتحدة حريصة تجاه صادراتها على نفس الخط، معولة في ذلك على أن أنظمة الدفاع الجوي تساعد في الحفاظ على الاستقرار وتقي المنطقة من الانزلاق إلى المواجهات العسكرية. الرئيس السوداني وعدد من قادة دول المنطقة عبروا عن رغبتهم في الحصول على منظومة «إس - 300». فما هي الصفقات المنتظرة في المستقبل؟

إنجازات روسية وعراقيل أميركية
العقوبات التي فرضتها إدارة الولايات المتحدة الأميركية في أكتوبر تحت ضغط الكونغرس على عدد من شركات الدفاع الروسية والهيئات الاستخباراتية هدفها هو إعاقة روسيا في تطوير تعاونها مع الدول الأخرى في هذا المجال الاستراتيجي الهام. في موسكو، يقيمون هذا القرار بأنه منافسة غير نزيهة سببها أن عدداً كبيراً من أنواع المنتجات العسكرية الروسية تتفوق بجودتها على مثيلاتها الغربية. واحدة أخرى من منجزات هذه السنة - هي تقدم التعاون الاستراتيجي مع دول المنطقة في مجال الطاقة. الاتفاقات مع الدول الأعضاء في منظمة «أوبك» على تقليص الإنتاج بهدف الحفاظ على المستوى المطلوب لأسعار النفط في السوق العالمية لها أهمية خاصة وبالدرجة الأولى مع المملكة العربية السعودية حيث تتقاسم معها روسيا المركزين الأولين لإنتاج النفط في العالم. تبرز في هذا الإطار أيضاً الاتفاقات بين الشركة الروسية - «روس آتوم» وعدد من دول الشرق الأوسط على بناء محطات كهرذرية لتوليد الطاقة الكهربائية. يجري التقدم في إنجاز مشروع بناء محطة «أكويو» الكهرذرية في تركيا، حيث يخطط لتسليم هذه المنشأة في عام 2023. وهناك مشروع آخر بين تركيا وروسيا يحمل صفة استراتيجية للتعاون في مجال الطاقة - وهو بناء أنبوب نقل الغاز «السيل التركي». كل ما تم ذكره أعلاه كاف لوصف المستوى الذي وصل إليه التعاون الاقتصادي بين هاتين الدولتين والذي سيؤثر لفترة طويلة على نظام العلاقات بينهما بشكل عام.
وتكمل اللوحة خطط بناء محطتين كهرذريتين في إيران لتوليد الطاقة. يزداد عدد دول المنطقة التي إما أنها قد وقعت على عقود أو أنها تبدي اهتماماً بالتقنيات الروسية في مجال الطاقة النووية. في 22 نوفمبر من هذا العام دخلت حيز التنفيذ اتفاقية لبناء «روس آتوم» محطة كهرذرية مؤلفة من أربع مفاعلات لتوليد الطاقة في مصر مع الأخذ بعين الاعتبار أن القاهرة حصلت على قرض جزئي من روسيا لبنائها. وهناك محادثات تجري في هذا المجال مع الجزائر.
في عام 2013 فازت روسيا بمناقصة بقيمة 10 مليارات لبناء مفاعلين نوويين لإنتاج الطاقة في الأردن. إلا أنه إذا كان حتى هذه اللحظة يتم بناء المحطات الكهرذرية في كل مكان من قبل الشركة الروسية بالاعتماد على تمويل من قبل الدولة فإن «روس آتوم» الآن قررت الانتقال إلى نظام المصارف والقروض التجارية مما سيصعب عملية المحادثات وتنفيذ بعض الاتفاقات التي كان قد تم التوصل إليها في السابق، وخصوصا في ظروف العقوبات المفروضة. في الوقت نفسه، لا يمكن أن يكون لشركة «روس آتوم» مصلحة في تقديم تنازلات، حيث يوجد في جعبتها حجوزات لبناء 34 مفاعلا نوويا لإنتاج الطاقة في كل أنحاء العالم - أي أكثر من أي شركة أخرى، وإنجاز هذه المشاريع يحتاج إلى حشد موارد هائلة.في تلخيص نتائج هذه السنة الصعبة والمثمرة في الوقت نفسه بالنسبة إلى روسيا في منطقة الشرق الأوسط دائمة التبدل والمليئة بالتناقضات والتي تنمو بديناميكية، يجدر القول إنها فتحت أمام موسكو وشركائها آفاقاً جديدة للتعاون تأمل روسيا الاستفادة منها. مع الأسف، هناك عدد ليس بالقليل من الأزمات المحلية المسلحة وبؤر توتر لا تزال موجودة في هذه المنطقة تعيق النمو المستقر. قبل أسابيع كان وزير الخارجية سيرغي لافروف قال إن الصفقة النووية مع إيران مهددة بالانهيار بحسب رأي موسكو. فما الذي سيؤدي إليه هذا الحدث في حال وقوعه؟
أما ما مدى فاعلية قدرة روسيا على تذليل كل الصعوبات الموجودة وتبديد التهديدات التي تعيق تقدم نمو تعاونها مع دول الشرق الأوسط - فهذا ما سيكشفه المستقبل.



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.