ثلاثة مسارح للخطر الأمني وأسئلة معلقة تطيل المواجهة

آثار الهجوم على مسجد الروضة في العريش الشهر الماضي (أ.ف.ب)
آثار الهجوم على مسجد الروضة في العريش الشهر الماضي (أ.ف.ب)
TT

ثلاثة مسارح للخطر الأمني وأسئلة معلقة تطيل المواجهة

آثار الهجوم على مسجد الروضة في العريش الشهر الماضي (أ.ف.ب)
آثار الهجوم على مسجد الروضة في العريش الشهر الماضي (أ.ف.ب)

ظل عنوان «تهديد الإرهاب» المكون الرئيسي لمعادلة الأمن المصرية في عام 2017، بالنظر إلى انخراط كل من القوات المسلحة ووزارة الداخلية في مجابهته منذ اللحظات الأولى للعام حتى نهايته. كما شهد النشاط الإرهابي المسلح في العام ذاته طوراً تنظيمياً جديداً، أتبعه بتحركات جغرافية مؤثرة ومرنة، مع اقترابه من بعض الأهداف الجديدة.
وفي هذا الإطار علينا عدم إغفال نقطتين مهمتين؛ الأولى أن أخطار هذا العام تُعدّ حلقة موصولة بما سبقها من أعوام، فلم تحدث محطة انقطاع مؤثرة منذ عام 2013. أي أننا بصدد العام الرابع في مسار إنتاج الخطر الإرهابي، ومجابهته العسكرية والأمنية. والثانية أن نشاط الإرهاب في مصر وثيق الصلة بالمعادلة الأشمل للإرهاب في الإقليم. حتى بدا الأمر وكأننا أمام حالة تدافع وتواصل أشبه بـ«الأواني المستطرقة».
وفي تفكيك مشهد «الإرهاب المسلح» في مصر عن عام 2017، نجدنا أمام ثلاثة مسارح لـ«إنتاج الخطر» والتهديد: الأول صاحب الصدارة يقع في منطقة شمال سيناء، حيث يوجد تنظيم «ولاية سيناء» ذو الانتماء «الداعشي»، المسؤول عن أشكال التهديد الإرهابي كافة في الأماكن التي سنستعرضها لاحقاً.
أما المسرح الثاني، فيظهر في التهديد الذي تتعرض له محافظات الدلتا والصعيد، فيما يمكن اعتباره المقطع الطولي الكثيف الذي يقع في الوسط من خريطة مصر. وفي تلك البقعة ينشط نوعان من التنظيمات الإرهابية، أولهما: الذراع الإرهابية المسلحة لجماعة الإخوان متمثلاً في تنظيمي «حركة حسم» و«لواء الثورة». وثانيهما: خلايا «داعشية» محدودة العدد تتوزع ما بين القاهرة الكبرى وبعض محافظات الصعيد، وكلاهما نشأ قبيل عام 2017، وبدأ واستمر في إنتاج التهديد.
ويبقى المسرح الثالث الممتد بعمق الظهير الصحراوي الغربي للبلاد في منطقة الحدود ما بين مصر وليبيا ليشمل بذلك إجمالي الصحراء الغربية. وعلى اتساع هذا النطاق، تعمل مجموعة من «السرايا القاعدية» عن طريق التسلل من الداخل الليبي، حيث المركز الرئيسي وقيادات التنظيم في الشرق والوسط الجنوبي لليبيا.
ووفق نظرة أعمق إلى المسرح الثاني (الدلتا والصعيد)، يتضح أن الأجهزة الأمنية نجحت في تسديد ضربات إجهاض مؤثرة لكلا المكونين الإرهابيين العاملين في هذا النطاق. ورغم الدعم الكبير الذي يتلقاه تنظيما «حسم» و«لواء الثورة» من التنظيم الدولي لـ«الإخوان»، والرغبة المحمومة لتقديمهما كتنظيمات مسلحة محترفة قادرة على صناعة التهديد، فإن عام 2017 شهد انحساراً كبيراً في تلك القدرات، خصوصاً بعد أن تمكنت وزارة الداخلية من الوصول إلى خلايا عدة تابعة لهما، بالصورة التي تفصح عن اختراق معلوماتي ناجح نفذه جهاز الأمن الوطني، وامتد ليشمل أيضاً «الخلايا الداعشية» التي توزَّعَت ما بين الدلتا والقاهرة وثلاث من محافظات الصعيد. لكن المعلومات الدقيقة مكَّنَت قوات مكافحة الإرهاب من الوصول السريع والمتوالي إلى ملاذات ومخابئ الأسلحة وأدوات صناعة المتفجرات.
في المسرح الثالث المرتبط بالداخل الليبي، حيث قيادات وغرف عمليات التنظيمات التي تحاول تنفيذ اختراقات للحدود الغربية المصرية، تظل يد القوات المسلحة هي العليا على هذا الامتداد الواسع، رغم شراسة وزخم العمل على هذه الجبهة. عبر جهد استخباراتي مؤثر وفاعل في الداخل الليبي، وطبيعة مكشوفة على الجانب المصري، تتمكن القوات المسلحة من إدارة عمليات مكافحة ناجحة بمشاركة القوات الجوية وبعض من وحدات «الصاعقة»، للسيطرة على هذا النسق المتوالي من التهديد.
وشهد هذا المسرح في أكتوبر (تشرين الأول) 2017 أكبر عملية اختراق نفذتها إحدى السرايا (القاعدية)، عندما تمكنت من الوصول إلى قرب الواحات البحرية في الجيزة، واستقرت استعداداً لتنفيذ سلسلة عمليات في محافظات الداخل، قبل أن تصل إليها قوات الأمن حيث مكان وجودها. ورغم أن عملية المداهمة الأمنية شهدت تعثراً وخسائر في فصلها الأول، فإن القوات المسلحة والأمن تمكنت لاحقاً من الوصول إلى عناصر تلك الخلية كافة، والقضاء عليها قرب الحدود الليبية أثناء تنفيذ خطتها للانسحاب، التي تم إجهاضها بالكامل، مع النجاح في تدمير قدرات التسليح المتطورة التي كانت تحوزها تلك الخلية الكبيرة.
وتعد تلك العملية الأخيرة النموذج الكامل لنمط التهديد وعمليات المجابهة التي تتم على تلك الساحة، لكن يظل العمل عليها مرشحاً للاستمرار بتلك الصورة، طالما بقيت الأوضاع الأمنية بالقدر الحالي ذاته من السيولة والتعقيد في الداخل الليبي.
وبالعودة إلى المسرح الأول والأخطر في شمال سيناء، تبدو معادلته هي الأعمق بين أماكن إنتاج خطر التهديد المسلح، حيث استقر تنظيم «أنصار بيت المقدس» منذ عام 2013، ليخوض صدارة العمل الإرهابي المسلح بهذا الاسم، وبالانتماء «القاعدي» له ولكل من انضم إليه. لكنه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 استثمر الصعود الصاروخي لتنظيم داعش وأعلن تحوله إلى أحد فروعه وبايع «أبو بكر البغدادي»، وأطلق على نفسه اسم «ولاية سيناء».
وتحت الاسم والانتماء الجديدين، شهدت سيناء جولات من العمل الإرهابي؛ فبداية استهدف التنظيم استنساخ نموذج السيطرة على قطعة من الأرض كي يتمكن من إثبات جدارته باعتباره «ولاية» مستقرة تابعة لعاصمة «داعش» في الرقة، لكن المحاولة تحطمت تحت ضربات مؤثرة من قوات الجيش لمفاصل التنظيم، وانسحقت تماماً في 1 يوليو (تموز) 2015 أثناء هجومه على مدينة الشيخ زويد التي ظلَّت محل استهدافه هي ومحيطها الممتد جنوباً حتى جبل الحلال، وأتبعت قوات الجيش نجاحها في دحر المحاولة بتحركات تمكنت على أثرها من السيطرة وتأمين الشريط الحدودي مع قطاع غزة، فتعمق الخصم من رصيد التنظيم، بحرمانه من «شرايين الأنفاق» في رفح وجنوبها، لتشهد معادلة الأمن في سيناء استقراراً نسبياً طوال 2016، وخفوتاً ملحوظاً وتراجعاً في قدرات التنظيم الإرهابي من الناحية العددية وكفاءة التسليح.
وفي بدايات 2017، أدخل التنظيم تطوراً مرناً انعكس في تكتيكاته، إذ استغنى عن حلم الإمساك بالأرض، واستبدل به خوض حرب استنزافية ضد القوات التي هزمته. وتقدم لنقل تمركزه الرئيسي في منطقة جديدة جنوب العريش، بغرض إدارة عمله المسلح وهدفه الجديد، وتمثلت مرونته في مسارين مهمين، الأول: تمكنه من تعويض خسائره البشرية والتسليحية في زمن قصير، ليستعيد جزءاً كبيراً من عافيته، والثاني: استحداث مجموعة بديلة من الأهداف تحقق له «الاستنزاف» المستهدَف. لتظهر في عمليات مؤثرة ضد المدنيين المسيحيين في العريش، مما دفعهم للخروج كعائلات بصورة جماعية، وأعقبها بهجمات نوعية ضد قوات الجيش في نقاط وجودها الصحراوي، أكبرها كان هجوماً على مقر قيادة «الكتيبة 103» جنوب رفح. بل وامتد البعض منها إلى مناطق جديدة تماماً في غرب العريش، لضمان تحقق المفاجأة وإثبات القدرة على التحرك الخاطف من قبل التنظيم.
ولم يكد العام ينتهي، حتى نفَّذ التنظيم مجموعة أخيرة مؤثرة من العمليات تميزت بقدر من التنوع، إذ نفذ هجوماً مسلحاً داخل وسط العريش على مقر أحد البنوك الرئيسية، وتمكن من السطو على خزينته المالية والخروج من الموقع. وبعدها نصب كميناً لسيارات نقل تسلك في الطريق الأوسط البعيد نسبياً (جنوب الطريق الساحلي)، ليقتل سائقيها ويحرق شاحناتهم، بغرض تهديد العمل في المشروعات التنموية في المنطقة، وأخيراً العملية الأكبر ضد المصلين في مسجد قرية الروضة غرب العريش، ليحصد في نسق مسلح كثيف أرواح 311 من أبناء القرية ويصيب ما يزيد على 120 شخصاً.
وبهذا يبقى المسرح السيناوي مفتوحاً على احتمالات عدة ومشحوناً بالأسئلة؛ فمعادلة الأمن بداية حققت محطات نجاح مؤثرة، لكنها لم تستطع تثبيت أي منها لإمكانية البناء عليها. ومثالاً فما تحقق من سيطرة أمنية وتطهيرٍ لمدينة الشيخ زويد لم يحدث نظيره في العريش العاصمة والمدينة الأهم، التي قد ينزع قدر الخلل فيها رصيد النجاح المتحقق عن شرقها في الشيخ زويد ورفح. وسينقلنا ذلك إلى السؤال عن الخطط الأمنية وجدارتها في قطع الطريق على تمددات العمل المسلح للتنظيم في أماكن أخرى غير متوقعة. وهذا ما حدث أخيراً، وأدى إلى اختراق مؤثر. وقبل هذا وذاك يظل السؤال الأخطر المتعلق بخطوط إمداد التنظيم التي تمكنه من استعادة قوته وتعويض خسائره بسرعة وانتظام، بعد كل جولة من جولات تحطيم قدراته، وفي هذا بدا الأمن حتى الآن غير قادر على تحديد تلك الخطوط أو تقليم أطرافها.
وفي المقابل، يواجه تنظيم «ولاية سيناء» قدراً موازياً من أسئلة الحيرة بعد تنفيذه لعملياته الأخيرة، ويتعلق أهمها بطبيعة تعامله المستقبلي مع المكون القبلي في سيناء، بعد تكبيدهم تلك الخسائر المباشرة وغير المباشرة. فقد بدت مراهنات التنظيم أكثر غموضاً مما يمكن تفسيره، وهذا ينسحب على خطوات مقبلة غير محددة الملامح، فعملية مسجد الروضة لا يمكن العبور عليها أو العودة إلى ما قبلها، فهل استعد التنظيم أو قرر خوض حرب ضد قبائل سيناء وسكانها؟ وتحت أي ذريعة يمكنه تسويق ذلك على الأقل محلياً؟ ربما التقطت أجهزة الاستخبارات لحظة الحيرة تلك، ولا بد من أن رصدها مكونات المشهد كان وراء التكليف الرئاسي باقتلاع التنظيم بخطة جديدة ومكثفة خلال «ثلاثة أشهر».



الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.


حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
TT

حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)

أقدم الحوثيون على تنفيذ حملات تعسف استهدفت بالإغلاق والهدم أسواقاً ومتاجر ومنازل في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، وذلك في سياق عملية مُمنهجة، ظاهرها «إزالة العشوائيات» وباطنها فرض مزيد من الإتاوات غير القانونية.

ووفق ما ذكرته مصادر محلية في إب لـ«الشرق الأوسط»، فإن حملة التعدي التي أطلقتها الجماعة، عبر ما يُسمى «مكتب الأشغال العامة» و«إدارة المرور»، أغلقت سوقين شعبيين وطردت التجار والباعة، كما هدمت منازل عدة بعضها طور الإنشاء في المنطقة الخامسة بمديرية الظهار جنوب مدينة إب (مركز المحافظة).

واشتكى مُلاك منازل ومحلات تجارية طالهم التعسف الحوثي، وأوضحوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة تشنّ حملات تستهدف منازلهم ومصادر عيشهم تحت مبررات غير قانونية.

باعة أرصفة يتعرضون للابتزاز من قبل مسلحين حوثيين (فيسبوك)

وقال مراد، وهو اسم مستعار لمالك بسطة تجارية بمديرية الظهار لـ«الشرق الأوسط»، إن الحملة باغتتهم دون سابق إنذار، موضحاً: «نعتمد على هذه البسطة منذ سنوات لإعالة أسرنا، وفجأة جاءت الجرافات ومعها مسلحون وطلبوا منا إخلاء المكان خلال دقائق قليلة جداً، ثم بدأوا بهدم كل شيء». ولفت إلى أن الإجراءات تمت هذه المرة كسابقاتها بطريقة قاسية، مؤكداً أن كثيراً من المُتضررين لم تُمنح لهم فرصة لنقل ممتلكاتهم أو بضائعهم.

اتساع التعسف

في مديرية العدين (جنوب غرب إب) استخدمت الحملة الحوثية - التي أشرف على تنفيذها قيادات في الجماعة - 4 جرافات لاستهداف مُمتلكات السكان ومصادر عيشهم.

وأوضح سكان لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفين حوثيين برفقة عربات ومسلحين نفذوا حملات دهم استهدفت بالإغلاق «السوق المركزي» الكائن وسط المدينة، إلى جانب تجريف وإزالة لعدد من البسطات والمحلات الصغيرة والأكشاك التي يعتمد عليها مئات المواطنين كمصدر رئيسي للعيش.

تعرض متاجر للهدم الحوثي في مديرية العدين بمحافظة إب (فيسبوك)

وبحسب السكان، فإن هذه الحملات لم تقتصر على إزالة ما تصفه الجماعة بالمخالفات، بل طالت ممتلكات قائمة منذ سنوات، دون تقديم بدائل مناسبة للمتضررين أو مراعاة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

وأوضح عدد من المتضررين أن الحملة نفذت بشكل مفاجئ، ولم تمنح أصحاب البسطات والعربات أي مهلة لإخلاء مواقعهم، قبل أن تباشر الجرافات بعملية الهدم والتجريف، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة، وقطع مصادر دخل أسر كاملة.

ويتحدث بائع خضروات في سوق العدين لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مصدر دخله الوحيد اختفى خلال دقائق جراء حملة التعدي الحوثية، وأضاف: «ليس لدينا عمل آخر. بعد التجريف أصبحنا بلا عمل ولا نعرف كيف سنوفر احتياجات أسرنا».

وبررت الجماعة الحوثية استهدافها أملاك السكان ومصادر رزقهم بأنه ضمن ما تُسميه خُطة لتنظيم المدن وإزالة العشوائيات، إلا أن ناشطين يرون أن الحملة تفتقر إلى أبسط مقومات التخطيط العادل، وتستهدف الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، دون بدائل ومعالجات حقيقية.

خوف متصاعد

يتخوف السكان في المحافظة اليمنية ذات الكثافة السكانية العالية (إب)، من توسع نطاق هذه الحملات لتشمل بمقبل الأيام أسواقاً ومتاجر في مديريات أخرى، الأمر الذي يُهدد بفقدان المزيد من المواطنين مصادر رزقهم في ظل غياب أي برامج دعم أو تعويض.

قيادات حوثية تشرف على حملات الاستهداف في إب (فيسبوك)

ولفت السكان إلى أن المئات من ملاك الأسواق والتجار والباعة باتوا خائفين لكون مصدر رزقهم مُهدداً، في ظل ظروف معيشية صعبة وقاسية، إذ إن أي خسارة تعني أن أسراً كاملة ستفقد قدرتها على العيش.

وطالب السكان والناشطون في المحافظة بوقف هذه الحملات، وإيجاد حلول تنظيمية تراعي أوضاع المواطنين، وتضمن عدم الإضرار بمصادر عيشهم، مؤكدين أن معالجة العشوائيات وتنظيم المدن يجب أن يتمّا عبر خطط حضرية واضحة وتوفير بدائل مناسبة للمتضررين، وليس عبر المصادرة والهدم المفاجئ والتجريف القسري.


الحوثي يصطفّ مع إيران ويتحاشى إعلان الدخول في الحرب

زعيم الحوثيين اكتفى بدعوة أتباعه للتظاهر دعماً لإيران دون الانخراط العسكري معها حتى الآن (رويترز)
زعيم الحوثيين اكتفى بدعوة أتباعه للتظاهر دعماً لإيران دون الانخراط العسكري معها حتى الآن (رويترز)
TT

الحوثي يصطفّ مع إيران ويتحاشى إعلان الدخول في الحرب

زعيم الحوثيين اكتفى بدعوة أتباعه للتظاهر دعماً لإيران دون الانخراط العسكري معها حتى الآن (رويترز)
زعيم الحوثيين اكتفى بدعوة أتباعه للتظاهر دعماً لإيران دون الانخراط العسكري معها حتى الآن (رويترز)

حافظ زعيم الجماعة الحوثية في اليمن، عبد الملك الحوثي، في أحدث ظهور له، على سقف الخطاب السياسي المعتاد تجاه الحرب الدائرة ضد إيران، مؤكداً وقوف جماعته إلى جانب طهران واستعدادها لكل «التطورات»، لكنه تجنب في الوقت ذاته الإعلان عن الانخراط العسكري المباشر في المواجهة.

وجاءت تصريحات الحوثي بمناسبة ما يسمى «يوم القدس العالمي»، وذلك بعد أول خطبة منسوبة إلى المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، الذي تعهد بدوره بمواصلة المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، واستهداف القواعد الأميركية في المنطقة، في مؤشر إلى تصاعد الخطاب الإيراني في ظل الحرب الدائرة.

وفي الخطاب المطول في هذه المناسبة التي ابتدعها المرشد الإيراني الأول، روح الله الخميني، قدم الحوثي رواية آيديولوجية للصراع، معتبراً أن الحرب على إيران ليست مجرد مواجهة مع دولة بعينها، بل «حرب على الإسلام والمسلمين».

وشدد على أن الجماعة في اليمن ترى نفسها «معنية بالموقف إلى جانب إيران ضد أعداء الأمة»، مكتفياً بالتأكيد على «الجهوزية لكل التطورات» دون إعلان خطوات عسكرية مباشرة.

عناصر حوثيون في صنعاء يرفعون صور خامنئي (أ.ف.ب)

وأكد الحوثي في خطابه الانتماء إلى ما تسميه طهران «محور المقاومة»، مشيداً بالرد العسكري الإيراني على الولايات المتحدة وإسرائيل، وزاعماً أنه يمثل «نموذجاً للمنطقة».

كما حرص على توجيه رسائل تعبئة إلى أتباع الجماعة، مركزاً على البعد الديني للصراع وربطه بالقضية الفلسطينية و«يوم القدس»، في محاولة للحفاظ على حالة التعبئة الشعبية وتبرير أي تصعيد محتمل في المستقبل.

وفي موقف يعكس التماهي السياسي مع طهران، أشاد الحوثي أيضاً باستهداف إيران دول المنطقة، زاعماً أن لها الحق في ذلك بسبب وجود قواعد أميركية تُنفذ منها الهجمات على إيران، وهي الرواية التي تكررها طهران رغم عدم صحة هذه السردية المزعومة.

حسابات معقدة

على الرغم من اللهجة التصعيدية في الخطاب الحوثي، لم تعلن الجماعة حتى الآن أي تدخل عسكري مباشر إلى جانب إيران، وهو ما يعكس، بحسب محللين يمنيين، جملة من الحسابات السياسية والعسكرية المعقدة.

فمن جهة، يدرك الحوثيون أن فتح جبهة جديدة في اليمن قد يعرضهم لضربات أميركية أو إسرائيلية مباشرة، خصوصاً في ظل حساسية الممرات البحرية في البحر الأحمر وباب المندب، التي تعد أحد أهم طرق التجارة العالمية.

مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الحوثيين للتضامن مع إيران (أ.ف ب.)

ومن جهة أخرى، قد تفضل الجماعة الاحتفاظ بورقة التصعيد كخيار لاحق في حال توسعت الحرب إقليمياً، وهو ما يمنحها هامشاً أوسع للمناورة السياسية والعسكرية ويعزز موقعها داخل المحور الذي تقوده إيران في المنطقة.

كما يرى مراقبون أن الخطاب الحوثي يعكس رغبة في إظهار الالتزام الآيديولوجي مع طهران دون التورط فوراً في تكلفة عسكرية قد تكون مرتفعة، إذ رفعت الجماعة مستوى الدعم الخطابي لإيران لكنها أبقت الباب مفتوحاً أمام جميع الخيارات، في انتظار ما ستؤول إليه تطورات المواجهة.

عامان من التصعيد

منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 دخل البحر الأحمر وباب المندب مرحلة غير مسبوقة من التصعيد، بعد رفع الحوثيين لافتة مساندة الفلسطينيين في غزة عبر استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل، قبل أن تتوسع الهجمات لاحقاً لتشمل سفناً دولية أخرى، ومهاجمة إسرائيل نفسها.

وخلال نحو عامين تبنت الجماعة تنفيذ 228 هجوماً على سفن تجارية وعسكرية باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة، مع إعلانها إطلاق مئات الصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.

حوثيون في صنعاء يرفعون العلم الإيراني وصور خامنئي (رويترز)

وأدت الهجمات الحوثية إلى إغراق أربع سفن تجارية (روبيمار، توتور، ماجيك سيز، إتيرنيتي سي)، وقرصنة سفينة «غالاكسي ليدر»، فضلاً عن إصابة أكثر من 30 سفينة بأضرار متفاوتة أثناء عبورها البحر الأحمر وخليج عدن. كما أسفرت الهجمات عن مقتل نحو 11 بحاراً وإصابة واعتقال آخرين.

في المقابل، شنت الولايات المتحدة وبريطانيا حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، تضمنت نحو 2000 ضربة جوية وبحرية خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، استهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

كما نفذت إسرائيل 19 موجة من الضربات طالت بنى تحتية في مناطق سيطرة الحوثيين، شملت مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصنعي أسمنت ومحطات كهرباء، رداً على إطلاق صواريخ ومسيّرات باتجاه أراضيها.

وبعد نحو ثمانية أسابيع، توقفت الحملة العسكرية الأميركية التي كان أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025 عقب وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.