رحيل آدم داريوس... آخر أساطير الإيماء في العالم

ظهر على مسارح أكثر من 85 دولة ونال 13 ميدالية وتكريماً وله 19 كتاباً

آدم داريوس يتوسط ملصقات بعض مسرحياته
آدم داريوس يتوسط ملصقات بعض مسرحياته
TT

رحيل آدم داريوس... آخر أساطير الإيماء في العالم

آدم داريوس يتوسط ملصقات بعض مسرحياته
آدم داريوس يتوسط ملصقات بعض مسرحياته

تنطوي برحيل فنان الإيماء الأميركي آدم داريوس الصفحة الأخيرة من سجل فن الإيماء في العالم. لن يتوقف هذا الفن عن الاستمرار طبعاً، فهو أقدم الفنون قاطبة منذ أدى الإنسان البدائي في العصر الحجري بالتعبير الجسدي لأفراد أسرته أو لقبيلته ما صادفه خلال يومه من أحداث ومغامرات. لكن رحيل آدم داريوس - الذي قضى الجزء الأكبر من حياته خارج الولايات المتحدة الأميركية يجول في القارات الست - هو آخر أسطورة شهيرة لهذا الفن العريق. لا شك أن للإيماء جذوراً مسرحية قديمة عند الإغريق، وازدهر على الأخص عند الرومان فأطلقوا عليه اسم «بانتومايم» Pantomime. لكن أول من اخترع فن الإيماء الإيهامي الحديث الذي أطلق عليه اسم Mime هو الفرنسي جان - غاسبار ديبورو (1796 - 1845)، واتسم باقتصاد التعبير الجسدي لإيهام باستخدام المؤدي أشياء غير موجودة، لذلك أطلق على فن الإيماء الإيهامي اسم «الإيماء الفرنسي الكلاسيكي». تسلم ريادة فن الإيماء المسرحي الفرنسي جاك كوبو عبر مدرسته «برج الحمام القديم»، ومنها تخرج إيتيان ديكرو (1898 - 1991)، أبو الإيماء الحديث من خلال مدرسته الرائدة عالمياً في مدينة ستراسبورغ، التي تخرج فيها أيقونتا الإيماء مارسيل مارسو وجان - لوي بارو. كان ديكرو فناناً يطمح لخلق مسرح شعائري يتسم التعبير الجسدي فيه بالقداسة. لذلك، لم يكن ديكرو راضياً عن الشهرة المدوية التي سرعان ما حققها تلميذه السابق مارسيل مارسو، واعتبر تحويله الإيماء إلى كوميديا امتهاناً لهذا الفن كسلعة تجارية، بينما ظلت نظرته شبه مقدسة له. جدير بالذكر، أن «استوديو الممثلين» في نيويورك اشتهر بابتداع «المنهج» المستقى من تعاليم الروسي كونستانتين ستانسلافسكي تحت قيادة لي ستراسبورغ قام باستدعاء ديكرو ليعلِّم فيه أسلوبه المختلف، حيث ترجم له وساعده طيلة ذلك العام خريج مدرسته السابق مارك إيبستين. أما مارسو، فمضى قدماً وأسس مدرسته الشهيرة للإيماء، متميزاً بمهارته الإيهامية، ومقدماً مسرحيات كاملة مثل «هاملت» و«المعطف»، فضلاً عن لوحاته ذات الطابع الكوميدي. حظيت عروض مارسو في الولايات المتحدة بإقبال جماهيري كثيف، وقد أتيح لي مشاهدته مرتين يؤدي على مسارح كاليفورنيا. وما زال مارسو يعتبر حتى بعد رحيله عن عالمنا أشهر رموز الإيماء في العالم. ننصح كل من يود التعرف إلى بدايات فن الإيماء بمشاهدة فيلم «أطفال الجنة» (1945) من إخراج مارسيل كارنيه، وفيه نرى بداية ظهور الشخصية الإيمائية الشهيرة «بييرو» بزيها المعروف، وقد مثل في هذا الفيلم الكلاسيكي الفريد كل من جان - لوي بارو وإيتيان ديكرو. بدوره، جاء المسرحي جاك لوكوك ليطور فن الإيماء عبر استخدام القناع المحايد في مدرسته الشهيرة التي أسسها في باريس، وأدارتها زوجته الاسكوتلندية سنين طويلة عقب وفاته. أنجبت هذه المدرسة في كثيرا من الفرق البريطانية التجريبية الرائعة، ومنها «فرانتيك أسمبلي» و«موفينغ بكشتر مايم شو» و«ثياتر دو كومبليسيتي»، كما تخرج فيها الفنان التونسي المعروف محمد إدريس. جدير بالذكر أن الإيماء البريطاني بدأ بإبداع جون ويفر (1673 - 1760)، واستمر مع جوزيف غريمالدي (1778 - 1837). كما ظهر في العصر الحديث فنانون بريطانيون متمكنون من الفن الإيهامي الكلاسيكي الفرنسي، نذكر منهم ديزموند جونز، وديفيد غلاس، ونولا راي وجيف هويل. أما في الولايات المتحدة، فلا تُنسى جهود بول ج. كورتيس الرائدة مع فرقة «الإيماء الأميركي» التي أسسها وبقيت تعمل في نيويورك طويلاً بعد وفاته، وكذلك ريتشموند شيبرد، كلود كيبنز، وكلاهما ألف كتاباً قيماً عن فن الإيماء. لا بد أن نذكر أيضاً «فرقة سان فرانسيسكو الإيمائية» التي التقيت مؤسسها ر. جي ديفيز في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، وحدثني عن بدايات الفرقة ثم تحوله إلى المسرح السياسي المتأثر بنظريات برتولد برشت، وهي فرقة اشتهرت بطراز الكوميديا السياسية اللاذعة، ما زالت مستمرة حتى الآن بإدارة فنانين آخرين. لكن طرزاً مجددة أخرى منافسة من الإيماء انبثقت في بلدان مختلفة من العالم، وبالأخص تجربة توماشيفسكي في بولندا، الذي جمع ما بين فن الباليه وفن الإيماء.
بعد هذه المقدمة عن تاريخ فن الإيماء، من الملاحظ أن الإضافة الكبرى جاءت من خلال الشهرة العالمية التي أحرزها الفنان الأميركي آدم داريوس، متميزاً عن باقي الرواد والأقران في أنه استحدث منهجاً متكاملاً في تدريب الأداء، ولا نقول الأداء الإيمائي فحسب، بل مختلف أنواع الأداء. إنه منهج لا يعني بالإيهام بوجود أشياء غير موجودة بقدر ما يعني بالتعبير الجسدي عن قضايا إنسانية وروحانية متباينة وصلت أحياناً إلى إدانة وشجب النازية والعنصرية. أطلق آدم داريوس على منهجه اسم «الإيماء التعبيري»، وكان سفيراً لهذا الطراز من المسرح في العالم أجمع، إذ ظهر على مسارح أكثر من 85 دولة، ونال 13 ميدالية وتكريماً، نشر 19 كتاباً تراوحت بين مذكرات، كتب عن إعداد الممثل وعن الكوميديا - دي - لارتي وفن الباليه، فضلاً عن عدة روايات وديوان شعر واحد، واثنتين وعشرين مسرحية، ولعل أهم كتاب بين مؤلفاته هو «منهج آدم داريوس»، الذي تضمن كثيراً من تمارينه العملية في إعداد المؤدين، وصدر في عام 1984.
وُلِد آدم داريوس في نيويورك عام 1930، وهو ينحدر من أسرة ذات أصول روسية وتركية مختلطة. في عام 1945، تدرب آدم دايوس وعمره لا يتجاوز آنذاك 14 عاماً على فن الباليه، وظهر راقصاً مع فرقة «متروبوليتان أوبرا»، ثم مع فرق عالمية متعددة خارج الولايات المتحدة. كما تلقى دروساً في التمثيل على يدي جاكوب بن - آمي، أحد المهاجرين الروس من مسرح ستانسلافسكي. بسبب إصابة مبكرة، اضطر آدم للتحول من شغفه الشديد بالباليه إلى تصميم الرقصات، ثم إلى إبداع منهج «الإيماء التعبيري» الذي اشتهر به عالمياً. كان أول ظهور إيمائي قام به آدم داريوس في عام 1967 في مهرجان «سبوليتو» في إيطاليا، حيث مزج لمهارة استثنائية بين الإيماء وفن الباليه. أتبع ذلك بظهوره في لندن، وما لبث أن أسس مع ماريتا كراولي مدرسته «مركز الإيماء» في لندن، التي دأب أن يدرس فيها مع فنان الإيماء كازمير لوليسنيك، الذي آمن بفنه ورافقه طيلة حياته المهنية في «فن الإيماء». لكن آدم كان منفتح الذهن بحيث نظم دورات للإيماء الكلاسيكي الإيهامي الفرنسي، ولفن التهريج النابع من الكوميديا - دي - لارتي أيضاً. كان فناناً شديد الوساوس، بحيث اعتاد أن ينصح طلابه أن يتفقدوا كل تفصيل صغير في العرض ليس مرة أو مرتين، بل أربع مرات على الأقل. ذات يوم في لندن، دعاني آدم بشكل استثنائي لحضور جلسة تدريبه اليومي بعد انتهاء دروسه، وكان يقوم به برفقة زميله الأكثر شباباً كازمير.
كان تدريباً مرهقاً جداً لمدة ساعة كاملة على مزيج من حركات الباليه الصعبة والإيماء، وأخبرني أنه لم ينقطع عن هذا التدريب يوماً واحداً طيلة سنوات كثيرة، حتى ولو أصيب بزكام أو تعرض لوعكة، لأن على الفنان أن يمرِّن جسده ليكون جاهزاً تماماً. كان آدم يعتني عناية فائقة بماكياجه الذي يرسمه بنفسه بأناةٍ ودقة، وهو وجه المهرج الحزين. وكان ينتهج منهجاً غذائياً صارماً، إذ كان نباتياً لا يتناول أي نوعٍ من اللحوم، وشديد العناية بالحمية والامتناع عن كل ما يمكن أن يضر بجسد الإنسان. حتى في مدرسته في لندن، حظر بيع أي منتجات غير عضوية للطلاب في الاستراحة. لقن آدم داريوس فنه في «مركز الإيماء» في لندن إلى عدد ممن نالوا الشهرة الفنية فيما بعد، ومنهم النجمة السينمائية كيت بيكنسيل، ومغنية الروك كيت بوش، والممثل المسرحي البريطاني وارين ميتشل، وذلك قبل أن ينتقل للإقامة في العاصمة الفنلندية هلسنكي، ويجعلها منطلقاً لجولاته التي لم تنقطع حتى أواخر حياته الحافلة في دول العالم أجمع.
أخرج آدم داريوس وصمم كثيراً من العروض المسرحية، أبرزها «بييرو الجوال» (1955)، «باليه آن فرانك» (1967)، باليه «مارلين» (1975) عن النجمة الراحلة مارلين مونرو، «يوكيو ميشيما» (1991) عن الأديب الياباني الكبير الذي انتحر على طريقة الساموراي، «رامبو وفرلين» (1992) عن الشاعرين المعروفين، «برج بابل» (1993)، وقدم عدة عروض منها بإسهام من زميله كازمير كوليسنيك، إضافة إلى عرضهما المشترك «أفعى في العشب» (2001)، الذي افتتح في عمان، الأردن، بتمويل ورعاية «مؤسسة نور الحسين»، التي منحته جائزتيها للإبداع في عامين متباينين. ظهر آدم داريوس على مسارح دمشق ثلاث مرات في الأعوام 1976، 20014 و2005، وكانت المرة الأولى باستضافة «المركز الثقافي الأميركي»، حيث استضفته في لقاء تلفزيوني، بينما كانت المرتان الباقيتان بدعوة من وزارة الثقافة السورية. كما زار أيضاً لبنان والمغرب كفنان إيمائي مرة واحدة، وزار عدة مرات مصر والأردن والكويت ليمثل إيمائياً ويقوم بورشات عمل تدريبية. أثناء الحرب الباردة، كان آدم داريوس من الفنانين الأميركيين النادرين الذين لم يترددوا عن الظهور على مسارح الاتحاد السوفياتي، وكوبا، وفنزويلا، والبوسنة، وكوسوفو، وأفغانستان، وذلك بين أكثر من 85 دولة زارها وظهر على مسرحها كفنان إيمائي، كما قام بورشات عمل مكثفة لفرقها وفنانيها، ليس لأي سبب سوى اعتقاده الراسخ أن الإيماء رسالة محبة وسلام، وأن لغة الصمت أصدق من لغة الكلام للتواصل بين البشر. يُذكر أنه في مطلع شبابه حين ظهر آدم داريوس في فرنسا، قدمه هناك على المسرح أحد أعظم رواد الإيماء المخرج والممثل الكبير جان - لوي بارو. كان آخر ظهور فني للراحل آدم داريوس ثلاثة عروض في روسيا خلال شهر ديسمبر (كانون الأول) من عام 2015. بعدها، اكتشف إصابته بمرض السرطان، وخضع للعلاج في هلسنكي إلى أن توفي في المستشفى عن عمر يناهز 87 عاماً بتاريخ 3 ديسمبر 2017.
سيبقى تراث آدم داريوس من بعده ملهماً لكثير من الفنانين الذين عرفوه عن كثب، تدربوا معه، أو اطلعوا على مؤلفاته المتعددة كماً وكيفاً. لا شك أن نظريته حول «ضرورة أن يتمتع المؤدي بأقصى سيطرة على الجسد، وأن يطلق العنان واسعاً لخياله»، ستظل نظرة ملهمة لفنان معطاء التزم بفنه وأخلص له طيلة حياته كناسك متصوف، بحيث سيذكره التاريخ طويلاً في المستقبل.



السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
TT

السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)

يطلق «المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية» الذي أقرّ تأسيسه مجلس الوزراء السعودي، يوم الثلاثاء، مرحلة جديدة من النضج للأعمال البحثية والمعرفية المتعلقة بدراسة المجتمع السعودي وفهم تحولاته، عبر أدوات علمية رصينة.

وثمَّن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة، للقيادة السعودية، إطلاقها هذا المسار، مؤكداً أن المعهد سيمثل «راوياً موثوقاً لثقافتنا، ومنارة إلهام في دراسات فهم الإنسان». وأوضح الأمير بدر أن تأسيس المعهد يمثل منصة علمية لتوثيق التراث السعودي وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية، ما يسهم في تقديم رؤى ثقافية فاعلة تشجع التبادل الثقافي العالمي.

وتكتسب السعودية أهمية خاصة في حقل الدراسات الأنثروبولوجية والثقافية؛ نظراً لما تختزنه من عمق تاريخي وحضاري ممتد منذ قرون حتى اليوم، كما تتميز بتنوع ثقافي واجتماعي ومناطقي واسع، يتجلى في أنماط الحياة، والعادات والتقاليد، واللغة والتعبير الشفهي، فضلاً عن تجلياته في الآداب، والفنون الأدائية، والعمارة، والفنون البصرية، وفنون الطهي، والأزياء، وغيرها من الممارسات والتمثلات الثقافية التي تشكل مادة غنية للدراسة والتحليل والتوثيق.

وسيعمل المعهد على تطوير بحوث أكاديمية وتطبيقية متخصصة في الأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، بما يشمل دراسة المجتمعات المحلية، وأنماط العيش، والنظم الرمزية، والتحولات الاجتماعية، وأشكال التعبير الثقافي في المملكة العربية السعودية. كما سيعنى المعهد بتوثيق التراث الثقافي المادي وغير المادي في سياقاته الاجتماعية والتاريخية، ورصد ما يتصل به من معارف وممارسات وتمثلات وقيم، بما يضمن تقديم فهم علمي متكامل للعناصر الثقافية بوصفها جزءاً من الخبرة الإنسانية الحيّة.

كسر «العداء القديم» تجاه علم الأناسة

يرى مراقبون وأكاديميون أن هذا القرار ينهي عقوداً من التوجس تجاه علم الأنثروبولوجيا (علم الأناسة)، واعتبر الدكتور حمزة بن قبلان المزيني أن تأسيس المعهد «برهان على ما بلغناه من وعي بأهمية هذا التخصص الذي كان البعض يعاديه عداءً مفرطاً». واستحضر المزيني في حديث مع «الشرق الأوسط» نضال الأكاديميين السعوديين الأوائل، وفي مقدمتهم الدكتور سعد الصويان، الذي واجه معارضة شديدة لمحاولة تدريس هذا التخصص في الجامعات، مما اضطره للعمل «خارج الأسوار» لتقديم أبحاث أناسية مذهلة حول المجتمع السعودي.

وقال المزيني: «هنا يجب علينا أن نتذكر ما عاناه بعض الأكاديميين السعوديين من معارضة شديدة حين حاولوا إنشاء قسم في الجامعة لهذا التخصص، ويأتي الزميل الأستاذ الدكتور سعد الصويان في مقدمة هؤلاء، واضطرت المعارضة الشديدة لتدريس هذا التخصص في الجامعة الدكتور الصويان إلى أن يقوم بجهد فائق خارج أسوار الجامعة في البحث والتنقيب في جوانب مجتمعنا عن بعض المظاهر الأناسية التي تعمل تحت مستوى وعينا، وأنجز في ذلك أعمالاً رائعة».

وأكد المزيني أن المجتمع السعودي لا يزال بكراً لم يُدرس بما يكفي، وبناء عليه سيكون ميداناً غنياً للدارسين الأناسيين السعوديين. وأضاف: «الهدف من هذا التخصص المعرفة العلمية الموثوقة التي تؤدي إلى اكتشاف سمات مجتمعنا لنزداد معرفة بأنفسنا، ولا بأس باكتشاف مظاهر مجتمعنا ونفسيتنا السلبية؛ فهذا هو الطريق الصحيح لمعالجتها، بدلاً من تجاهلها أو التكتم عليها. يُضاف إلى ذلك أن تأسيس هذا المعهد يأتي برهاناً آخر على التغيرات الإيجابية الكثيرة التي تحققت في بلادنا».


أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الألمانية، أولريكه أوتينغر، إن فكرة فيلم «كونتيسة الدم»، الذي عرض في الدورة الأحدث من مهرجان برلين السينمائي، لم تولد من رغبة مباشرة في تقديم عمل عن مصاصي الدماء، بل جاءت نتيجة رحلة شخصية قامت بها في أواخر التسعينات، حين دُعيت إلى فيينا وقررت أن تسلك طريقاً طويلاً بالسيارة مروراً ببرلين وشرق ألمانيا وعدد من دول أوروبا الشرقية في طريقها إلى النمسا، وهي الرحلة التي جعلتها تشعر بأن تلك المدن القديمة تبدو وكأنها مدن منسية، تقبع خارج الزمن، بما تحمله من عمارة وتاريخ وطبقات من الذاكرة، فكانت الشرارة الأولى التي أوحت لها بفيلم عن مصاصي الدماء.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم لم يكن مشروعاً بسيطاً يمكن إنجازه بشكل اعتيادي كما يحدث مع الأفلام الأخرى نظراً لطبيعته الخاصة وما يحتاجه من تفاصيل وتجهيزات عدة، وهو أمر جعل العمل عليه مستمراً لأكثر من 27 عاماً حتى يرى النور، وهي فترة كانت كفيلة بإعادة كتابة السيناريو عدة مرات وإحداث تغيرات كبيرة، لكن مع ثبات فكرة العمل وطبيعته.

وأوضحت أن تعاونها في كتابة الحوار مع الكاتبة النمساوية الحاصلة على نوبل إلفريدي يلينيك أضاف للنصّ بعداً ثقافياً وساخراً، مشيرة إلى أنها تواصلت معها في أوائل الألفية الجديدة، وكتبت مقاطع تحمل إشارات دقيقة إلى التاريخ النمساوي والبنية الاجتماعية، لكن بعض تلك المقاطع حُذف لاحقاً بسبب ضرورة تقليص زمن الفيلم، وما بقي من مساهمتها يمنح العمل نبرة نقدية خفية، تتسلل عبر الحوار دون مباشرة.

المخرجة الألمانية أولريكه أوتينغر (الشركة المنتجة)

وفي ما يتعلق ببناء السيناريو، قالت إنها تعتمد دائماً على دفتر ضخم من الصور والرسوم والمواد البصرية التي تجمعها على مدار سنوات، وصنعت من هذه المواد لوحات قصصية استعانت بها في مناقشة مدير التصوير، فالصور كانت نقطة البداية، قبل أن تبني حكاية تقوم على تنويعات المطاردة، وفق قولها «فمصاصو الدماء يبحثون عن دم جديد، والكونتيسة تنقب في تاريخ عائلتها، والخيط الرئيسي يتمثل في البحث عن كتاب غامض يهدد وجود مجتمع مصاصي الدماء نفسه».

وأكدت أن شخصية «مصاص الدماء» جذبتها لأنها نموذج حي لكيفية تحديث الأساطير القديمة باستمرار، مع بقاء الصور ذاتها تتكرر عبر العصور، وكانت مهتمة بإعادة قراءة هذا الكائن من زاوية مختلفة، لذلك أدخلت شخصية «مصاص الدماء النباتي»، الشاب المتمرد الذي يذهب إلى العلاج النفسي في محاولة لاستعادة طبيعته، في مفارقة ساخرة مع الصورة النمطية للكائن المتعطش للدماء.

وأشارت إلى أن الكونتيسة وخادمتها تمثلان في المقابل ذروة الإغواء والقوة، بينما تحاول «قوى النظام» من أطباء نفسيين وشرطة وباحثين في مصاصي الدماء القبض عليهم، غير أن خوفهم نفسه هو ما يسمح بوجودهم، مؤكدة أن طبيعة الفيلم الباروكية، واعتماده على مواقع تاريخية وديكورات معقدة وأزياء استثنائية، جعلته عملاً مكلفاً بطبيعته، وهو ما أبطأ خروجه للنور.

وأوضحت أولريكه أوتينغر أنها خلال وجودها في فيينا بدأت تبحث عن مواقع تحمل طابعاً غرائبياً وتاريخياً في آن واحد، مثل برج الحمقى الذي كان من أقدم المصحات النفسية في أوروبا وتحول إلى متحف، إضافة إلى الأنفاق السرية والمناجم والمواقع المرتبطة بتاريخ مضطرب، وهو ما عزّز لديها فكرة العبور بين الماضي والحاضر داخل حكاية واحدة، مؤكدة أن السفر والمكان يشكلان دائماً مصدر إلهامها الأساسي، وأعمالها تتحرك غالباً على خطوط التماس بين التحولات السياسية والاقتصادية الكبرى وما تخلقه من مخاوف وأوهام بالخلاص.

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأكدت أن اللون الأحمر يسيطر على الفيلم بوصفه محوراً بصرياً، مشيرة إلى أنه «يظهر في المخمل والحرير والشموع والسلالم الرخامية حتى تفاصيل الطعام، فالأحمر ظهر ليس رمزاً مباشراً للدم فقط، بل طاقة جمالية تخلق توتراً دائماً بين الغواية والخطر».

وأكدت أوتينغر أنها منذ البداية كانت ترى في النجمة الفرنسية إيزابيل أوبير تجسيداً مثالياً لشخصية «الكونتيسة»، وأنها ناقشت المشروع معها على مدى ما يقرب من 20 عاماً، وأبدت حماسة واضحة، لكن تعثر التمويل كان يؤجل التنفيذ في كل مرة، إلى أن توفرت الميزانية أخيراً فانضمت فوراً إلى فريق العمل، مؤكدة أن الدور مختلف جذرياً عن الأدوار النفسية المعقدة التي اشتهرت بها أوبير، فـ«الكونتيسة» في الأحداث ليست شخصية تحليلية تُشرح دوافعها، بل تمثل حضوراً أيقونياً طاغياً، متسلطاً، يفرض نفسه بالصمت والهيبة.

وأوضحت أن «الفيلم يتنقل لغوياً بين الألمانية والفرنسية، في انعكاس لحياة تعبر الحدود الثقافية»، مؤكدة أن «أوبير عملت على تحسين لغتها الألمانية، فيما تعلمت الممثلة بيرجيت مينيشماير الفرنسية، ليصبح الحوار انتقالاً طبيعياً بين لغتين لا تفصل بينهما حدود صارمة»، معتبرة أن تمسك فريق العمل وحماسهم للتجربة جعلاها تتجاوز صعوبات عدة، أهمها إكمال التصوير في 30 يوماً فقط.


جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
TT

جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

خطف خبر إحالة الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي إلى محكمة الجنايات، الاهتمام في مصر، على خلفية قضية تعود لعام 2025 تضمنت اتهامات بـ«السرقة بالإكراه»، وتصدر اسم الفنانة «الترند» على «غوغل» و«إكس» بمصر، الأربعاء، خصوصاً بعد إصدارها بياناً عبر ممثلها القانوني تطالب فيه بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف».

وأحالت جهات التحقيق القضية رقم 6553 لسنة 2025 جنايات قصر النيل، والمقيدة برقم 1434 لسنة 2025 كلي وسط القاهرة إلى محكمة الجنايات لاتهام الفنانة و4 آخرين بارتكاب سرقة بالإكراه والتسبب في إصابة سيدة بإصابات بالغة، وتحددت أولى جلسات المحاكمة في 26 مارس (آذار) الجاري، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

ونشر العديد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي تعليقاً على الواقعة، وكتب الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن على صفحته بـ«فيسبوك» أن «ما وصلني من معلومات يرجع الواقعة لأكثر من عامين، حيث كانت الفنانة شريكة بالإيجار في استوديو يضم أكثر من فنان في مجالات تصميم الحلي والفنون بشكل عام».

مضيفاً أنه «خلال فض الشراكة وخروج المستأجرين، حدث خلاف بين إحدى المستأجرات وصاحبة المكان تطور إلى مشاجرة أصيبت فيها والدة صاحبة الاستوديو، ما أدى لتحريك بلاغ تطور إلى دعوى قضائية من جانب صاحبة المكان ضد كل المستأجرين الحاضرين للواقعة ومن بينهم جيهان».

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

وقال عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط»: «هذه القضية تعكس عدم تناول بعض المواقع الصحافية لقضايا معينة بما يناسب حجم الموضوع، فقد تم تضخيم الأمر وهذا ثمن الشهرة؛ لأن القضية تعود للفترة التي سبقت شهرة الفنانة، لدرجة أن اسمها في المحاضر غير مطابق لاسمها الفني، والقضية حالياً في يد القضاء ويجب أن تتعامل الصحافة مع هذه القضايا بتوازن وليس على أساس شهرة المتهم».

وأصدرت الفنانة جيهان الشماشرجي بياناً عبر مستشارها القانوني، تطالب فيه وسائل الإعلام بـ«تحري الدقة فيما ينشر عن إحالتها للمحاكمة، مع التأكيد على أن قرار الإحالة الصادر عن النيابة جاء على خلفية نزاع بين أطراف أخرى يتعلق بشركة تجارية وخلافات نشبت بينهم، وأن اسمها جاء في القضية ضمن اتهام شائع مع عدة أطراف أخرى، وأنها ليست طرفاً في النزاع التجاري محل الخلاف».

وأشار البيان إلى أن «نشر قرار الإحالة لا يعني ثبوت الاتهام، والكلمة الأخيرة تبقى للقضاء بعد نظر الدعوى». وطالب بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف، إلى حين صدور حكم القضاء المصري في القضية».

جيهان الشماشرجي في مسلسل «بطل العالم» (صفحتها على فيسبوك)

وقال الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، إن «القضية التي تواجهها جيهان الشماشرجي ترجع إلى نحو 3 سنوات حين كانت تعمل في تصميم الإكسسوارات، وفي النهاية حدث خلاف، والنيابة وجهت اتهاماً لها وأحيلت مع آخرين للجنايات».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «القضية أخذت بعداً إعلامياً آخر يضخمها بسبب نجومية جيهان الشماشرجي، بعد أن أصبحت فنانة معروفة، ولا نستطيع التحدث في قضية ما زال ينظرها القضاء، خصوصاً أن جيهان الشماشرجي امتثلت لهذا الوضع وذهبت لإجراء مناظرة، وما زالت الدعوى منظورة»، لكن وفق سعد الدين «تظل هذه القضية مرتبطة بشهرة الفنانة، ولو كانت وقعت بين شخصين عاديين لم يكن أحد ليسمع بها».

وشاركت جيهان الشماشرجي في العديد من الأعمال الدرامية والسينمائية في الفترة الأخيرة من بينها مسلسلا «إخواتي» و«بطل العالم»، وفيلما «أحمد وأحمد» و«علشان خاطر جليلة» الذي أعلنت عن الانتهاء من تصويره قبل أيام، وفي الموسم الرمضاني الحالي تشارك في المسلسل الإذاعي «المتر براءة». وشاركت من قبل في مسلسلي «جودر: ألف ليلة وليلة» و«الحشاشين».