رحيل آدم داريوس... آخر أساطير الإيماء في العالم

ظهر على مسارح أكثر من 85 دولة ونال 13 ميدالية وتكريماً وله 19 كتاباً

آدم داريوس يتوسط ملصقات بعض مسرحياته
آدم داريوس يتوسط ملصقات بعض مسرحياته
TT

رحيل آدم داريوس... آخر أساطير الإيماء في العالم

آدم داريوس يتوسط ملصقات بعض مسرحياته
آدم داريوس يتوسط ملصقات بعض مسرحياته

تنطوي برحيل فنان الإيماء الأميركي آدم داريوس الصفحة الأخيرة من سجل فن الإيماء في العالم. لن يتوقف هذا الفن عن الاستمرار طبعاً، فهو أقدم الفنون قاطبة منذ أدى الإنسان البدائي في العصر الحجري بالتعبير الجسدي لأفراد أسرته أو لقبيلته ما صادفه خلال يومه من أحداث ومغامرات. لكن رحيل آدم داريوس - الذي قضى الجزء الأكبر من حياته خارج الولايات المتحدة الأميركية يجول في القارات الست - هو آخر أسطورة شهيرة لهذا الفن العريق. لا شك أن للإيماء جذوراً مسرحية قديمة عند الإغريق، وازدهر على الأخص عند الرومان فأطلقوا عليه اسم «بانتومايم» Pantomime. لكن أول من اخترع فن الإيماء الإيهامي الحديث الذي أطلق عليه اسم Mime هو الفرنسي جان - غاسبار ديبورو (1796 - 1845)، واتسم باقتصاد التعبير الجسدي لإيهام باستخدام المؤدي أشياء غير موجودة، لذلك أطلق على فن الإيماء الإيهامي اسم «الإيماء الفرنسي الكلاسيكي». تسلم ريادة فن الإيماء المسرحي الفرنسي جاك كوبو عبر مدرسته «برج الحمام القديم»، ومنها تخرج إيتيان ديكرو (1898 - 1991)، أبو الإيماء الحديث من خلال مدرسته الرائدة عالمياً في مدينة ستراسبورغ، التي تخرج فيها أيقونتا الإيماء مارسيل مارسو وجان - لوي بارو. كان ديكرو فناناً يطمح لخلق مسرح شعائري يتسم التعبير الجسدي فيه بالقداسة. لذلك، لم يكن ديكرو راضياً عن الشهرة المدوية التي سرعان ما حققها تلميذه السابق مارسيل مارسو، واعتبر تحويله الإيماء إلى كوميديا امتهاناً لهذا الفن كسلعة تجارية، بينما ظلت نظرته شبه مقدسة له. جدير بالذكر، أن «استوديو الممثلين» في نيويورك اشتهر بابتداع «المنهج» المستقى من تعاليم الروسي كونستانتين ستانسلافسكي تحت قيادة لي ستراسبورغ قام باستدعاء ديكرو ليعلِّم فيه أسلوبه المختلف، حيث ترجم له وساعده طيلة ذلك العام خريج مدرسته السابق مارك إيبستين. أما مارسو، فمضى قدماً وأسس مدرسته الشهيرة للإيماء، متميزاً بمهارته الإيهامية، ومقدماً مسرحيات كاملة مثل «هاملت» و«المعطف»، فضلاً عن لوحاته ذات الطابع الكوميدي. حظيت عروض مارسو في الولايات المتحدة بإقبال جماهيري كثيف، وقد أتيح لي مشاهدته مرتين يؤدي على مسارح كاليفورنيا. وما زال مارسو يعتبر حتى بعد رحيله عن عالمنا أشهر رموز الإيماء في العالم. ننصح كل من يود التعرف إلى بدايات فن الإيماء بمشاهدة فيلم «أطفال الجنة» (1945) من إخراج مارسيل كارنيه، وفيه نرى بداية ظهور الشخصية الإيمائية الشهيرة «بييرو» بزيها المعروف، وقد مثل في هذا الفيلم الكلاسيكي الفريد كل من جان - لوي بارو وإيتيان ديكرو. بدوره، جاء المسرحي جاك لوكوك ليطور فن الإيماء عبر استخدام القناع المحايد في مدرسته الشهيرة التي أسسها في باريس، وأدارتها زوجته الاسكوتلندية سنين طويلة عقب وفاته. أنجبت هذه المدرسة في كثيرا من الفرق البريطانية التجريبية الرائعة، ومنها «فرانتيك أسمبلي» و«موفينغ بكشتر مايم شو» و«ثياتر دو كومبليسيتي»، كما تخرج فيها الفنان التونسي المعروف محمد إدريس. جدير بالذكر أن الإيماء البريطاني بدأ بإبداع جون ويفر (1673 - 1760)، واستمر مع جوزيف غريمالدي (1778 - 1837). كما ظهر في العصر الحديث فنانون بريطانيون متمكنون من الفن الإيهامي الكلاسيكي الفرنسي، نذكر منهم ديزموند جونز، وديفيد غلاس، ونولا راي وجيف هويل. أما في الولايات المتحدة، فلا تُنسى جهود بول ج. كورتيس الرائدة مع فرقة «الإيماء الأميركي» التي أسسها وبقيت تعمل في نيويورك طويلاً بعد وفاته، وكذلك ريتشموند شيبرد، كلود كيبنز، وكلاهما ألف كتاباً قيماً عن فن الإيماء. لا بد أن نذكر أيضاً «فرقة سان فرانسيسكو الإيمائية» التي التقيت مؤسسها ر. جي ديفيز في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، وحدثني عن بدايات الفرقة ثم تحوله إلى المسرح السياسي المتأثر بنظريات برتولد برشت، وهي فرقة اشتهرت بطراز الكوميديا السياسية اللاذعة، ما زالت مستمرة حتى الآن بإدارة فنانين آخرين. لكن طرزاً مجددة أخرى منافسة من الإيماء انبثقت في بلدان مختلفة من العالم، وبالأخص تجربة توماشيفسكي في بولندا، الذي جمع ما بين فن الباليه وفن الإيماء.
بعد هذه المقدمة عن تاريخ فن الإيماء، من الملاحظ أن الإضافة الكبرى جاءت من خلال الشهرة العالمية التي أحرزها الفنان الأميركي آدم داريوس، متميزاً عن باقي الرواد والأقران في أنه استحدث منهجاً متكاملاً في تدريب الأداء، ولا نقول الأداء الإيمائي فحسب، بل مختلف أنواع الأداء. إنه منهج لا يعني بالإيهام بوجود أشياء غير موجودة بقدر ما يعني بالتعبير الجسدي عن قضايا إنسانية وروحانية متباينة وصلت أحياناً إلى إدانة وشجب النازية والعنصرية. أطلق آدم داريوس على منهجه اسم «الإيماء التعبيري»، وكان سفيراً لهذا الطراز من المسرح في العالم أجمع، إذ ظهر على مسارح أكثر من 85 دولة، ونال 13 ميدالية وتكريماً، نشر 19 كتاباً تراوحت بين مذكرات، كتب عن إعداد الممثل وعن الكوميديا - دي - لارتي وفن الباليه، فضلاً عن عدة روايات وديوان شعر واحد، واثنتين وعشرين مسرحية، ولعل أهم كتاب بين مؤلفاته هو «منهج آدم داريوس»، الذي تضمن كثيراً من تمارينه العملية في إعداد المؤدين، وصدر في عام 1984.
وُلِد آدم داريوس في نيويورك عام 1930، وهو ينحدر من أسرة ذات أصول روسية وتركية مختلطة. في عام 1945، تدرب آدم دايوس وعمره لا يتجاوز آنذاك 14 عاماً على فن الباليه، وظهر راقصاً مع فرقة «متروبوليتان أوبرا»، ثم مع فرق عالمية متعددة خارج الولايات المتحدة. كما تلقى دروساً في التمثيل على يدي جاكوب بن - آمي، أحد المهاجرين الروس من مسرح ستانسلافسكي. بسبب إصابة مبكرة، اضطر آدم للتحول من شغفه الشديد بالباليه إلى تصميم الرقصات، ثم إلى إبداع منهج «الإيماء التعبيري» الذي اشتهر به عالمياً. كان أول ظهور إيمائي قام به آدم داريوس في عام 1967 في مهرجان «سبوليتو» في إيطاليا، حيث مزج لمهارة استثنائية بين الإيماء وفن الباليه. أتبع ذلك بظهوره في لندن، وما لبث أن أسس مع ماريتا كراولي مدرسته «مركز الإيماء» في لندن، التي دأب أن يدرس فيها مع فنان الإيماء كازمير لوليسنيك، الذي آمن بفنه ورافقه طيلة حياته المهنية في «فن الإيماء». لكن آدم كان منفتح الذهن بحيث نظم دورات للإيماء الكلاسيكي الإيهامي الفرنسي، ولفن التهريج النابع من الكوميديا - دي - لارتي أيضاً. كان فناناً شديد الوساوس، بحيث اعتاد أن ينصح طلابه أن يتفقدوا كل تفصيل صغير في العرض ليس مرة أو مرتين، بل أربع مرات على الأقل. ذات يوم في لندن، دعاني آدم بشكل استثنائي لحضور جلسة تدريبه اليومي بعد انتهاء دروسه، وكان يقوم به برفقة زميله الأكثر شباباً كازمير.
كان تدريباً مرهقاً جداً لمدة ساعة كاملة على مزيج من حركات الباليه الصعبة والإيماء، وأخبرني أنه لم ينقطع عن هذا التدريب يوماً واحداً طيلة سنوات كثيرة، حتى ولو أصيب بزكام أو تعرض لوعكة، لأن على الفنان أن يمرِّن جسده ليكون جاهزاً تماماً. كان آدم يعتني عناية فائقة بماكياجه الذي يرسمه بنفسه بأناةٍ ودقة، وهو وجه المهرج الحزين. وكان ينتهج منهجاً غذائياً صارماً، إذ كان نباتياً لا يتناول أي نوعٍ من اللحوم، وشديد العناية بالحمية والامتناع عن كل ما يمكن أن يضر بجسد الإنسان. حتى في مدرسته في لندن، حظر بيع أي منتجات غير عضوية للطلاب في الاستراحة. لقن آدم داريوس فنه في «مركز الإيماء» في لندن إلى عدد ممن نالوا الشهرة الفنية فيما بعد، ومنهم النجمة السينمائية كيت بيكنسيل، ومغنية الروك كيت بوش، والممثل المسرحي البريطاني وارين ميتشل، وذلك قبل أن ينتقل للإقامة في العاصمة الفنلندية هلسنكي، ويجعلها منطلقاً لجولاته التي لم تنقطع حتى أواخر حياته الحافلة في دول العالم أجمع.
أخرج آدم داريوس وصمم كثيراً من العروض المسرحية، أبرزها «بييرو الجوال» (1955)، «باليه آن فرانك» (1967)، باليه «مارلين» (1975) عن النجمة الراحلة مارلين مونرو، «يوكيو ميشيما» (1991) عن الأديب الياباني الكبير الذي انتحر على طريقة الساموراي، «رامبو وفرلين» (1992) عن الشاعرين المعروفين، «برج بابل» (1993)، وقدم عدة عروض منها بإسهام من زميله كازمير كوليسنيك، إضافة إلى عرضهما المشترك «أفعى في العشب» (2001)، الذي افتتح في عمان، الأردن، بتمويل ورعاية «مؤسسة نور الحسين»، التي منحته جائزتيها للإبداع في عامين متباينين. ظهر آدم داريوس على مسارح دمشق ثلاث مرات في الأعوام 1976، 20014 و2005، وكانت المرة الأولى باستضافة «المركز الثقافي الأميركي»، حيث استضفته في لقاء تلفزيوني، بينما كانت المرتان الباقيتان بدعوة من وزارة الثقافة السورية. كما زار أيضاً لبنان والمغرب كفنان إيمائي مرة واحدة، وزار عدة مرات مصر والأردن والكويت ليمثل إيمائياً ويقوم بورشات عمل تدريبية. أثناء الحرب الباردة، كان آدم داريوس من الفنانين الأميركيين النادرين الذين لم يترددوا عن الظهور على مسارح الاتحاد السوفياتي، وكوبا، وفنزويلا، والبوسنة، وكوسوفو، وأفغانستان، وذلك بين أكثر من 85 دولة زارها وظهر على مسرحها كفنان إيمائي، كما قام بورشات عمل مكثفة لفرقها وفنانيها، ليس لأي سبب سوى اعتقاده الراسخ أن الإيماء رسالة محبة وسلام، وأن لغة الصمت أصدق من لغة الكلام للتواصل بين البشر. يُذكر أنه في مطلع شبابه حين ظهر آدم داريوس في فرنسا، قدمه هناك على المسرح أحد أعظم رواد الإيماء المخرج والممثل الكبير جان - لوي بارو. كان آخر ظهور فني للراحل آدم داريوس ثلاثة عروض في روسيا خلال شهر ديسمبر (كانون الأول) من عام 2015. بعدها، اكتشف إصابته بمرض السرطان، وخضع للعلاج في هلسنكي إلى أن توفي في المستشفى عن عمر يناهز 87 عاماً بتاريخ 3 ديسمبر 2017.
سيبقى تراث آدم داريوس من بعده ملهماً لكثير من الفنانين الذين عرفوه عن كثب، تدربوا معه، أو اطلعوا على مؤلفاته المتعددة كماً وكيفاً. لا شك أن نظريته حول «ضرورة أن يتمتع المؤدي بأقصى سيطرة على الجسد، وأن يطلق العنان واسعاً لخياله»، ستظل نظرة ملهمة لفنان معطاء التزم بفنه وأخلص له طيلة حياته كناسك متصوف، بحيث سيذكره التاريخ طويلاً في المستقبل.



الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
TT

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)

حالة من الغموض تحيط بمدفن الأديبة اللبنانية من أصل فلسطيني مي زيادة «1886-1941» بعد إعلان باحث مصري في شؤون المقابر والجبانات عن اختفائه من موقعه في مدافن الطائفة المارونية.

وكان الباحث في شؤون الجبانات والمقابر إبراهيم طايع أعلن عن اختفاء المقبرة، مشيراً على صفحته بـ«فيسبوك» إلى أنه كان في زيارة هناك، ولم يجد لها أثراً، وقال طايع: «المعروف أن مي زيادة توفيت في القاهرة، وخرجت جنازتها من مستشفى المعادي في 17 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1941م ودفنت في مقابر الطائفة المارونية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «زار القبر أكثر من مرة، وقام بتصويره، وهو مدفن بسيط مرتفع عن الأرض، وموضوع عليه رخامة مكتوب عليها: الأديبة مي زيادة... نابغة الشرق، وعليه تاريخ وفاتها».

ويضيف طايع: «في الأيام الماضية حين دخلنا المقابر الخاصة بالطائفة المارونية، لم نجد أثراً لقبر مي ولا توجد رخامة، وكان مكانها رخامة بديلة دون كتابات أدت إلى تغيير شكل القبر تماماً، اختفى القبر كأن المكان لم يكن فيه مدفن من قبل».

وتساءل طايع أين اختفى قبر مي زيادة ومن فعل هذا؟ وما مصير رفاتها؟ وتابع: «حين توجهنا بهذه الأسئلة لبعض المسؤولين عن مقابر الجاليات أخبرونا أن بعض المدافن، عندما تمر عليها سنوات طويلة دون أن يسأل أحد عنها، تتم إزالتها وإعادة استخدام المكان لدفن موتى آخرين، لكن هل ينطبق هذا على مي زيادة، صاحبة الصالون الأدبي الشهير، التي اجتمع حولها كبار أدباء ومثقفي عصرها، وقال عنها أحمد شوقي: (إذا نطقت صبا عقلي إليها، وإن بسمت إليَّ صبا جناني)، ووصفها الشيخ مصطفى عبد الرازق بأنها: رائدة النهضة النسوية في الشرق».

شاهد قبر قديم لمي زيادة (الباحث إبراهيم طايع)

من جهته، قال ميشيل حنا الأديب والباحث في عمارة القاهرة، «إن قبر مي زيادة كان موجودا في خانة في الحائط، وإنه زارها منذ عامين، كان القبر هناك، لكن هذا المدفن لم يكن أول مكان دفنت به، كان هناك مدفن آخر لها، لكن رفاتها نقل إلى مكانها الذي رأيت المقبرة به آخر مرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هي عادة يلجأ لها المسؤول عن المقابر عندما يجد مكاناً ليس له صاحب ولا يسأل عنه أحد فيقوم بنقل الرفات لإعادة وضع متوفى جديد».

كان لمي في الأصل مدفن خاص بها، حسب قول ميشيل حنا، لكنها نقلت بعد ذلك لمربع في الجدار، وتساءل: «لا أعرف كيف يحدث هذا مع شخصية مثل مي؟ فهي أديبة، وكاتبة، ومترجمة، وشاعرة مهمة، وتُعد واحدة من أبرز رائدات النهضة الأدبية والعمل النسوي في العالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين».

مي مع والدتها في الناصرة (من الباحث إبراهيم طايع)

من جانبه، قال الأب نبيل رفُّول مسؤول الطائفة المارونية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط» إنهم لا يعلمون شيئاً عن اختفاء مدفن مي زيادة «فقد كان موجوداً بالفعل»، ويضيف رفُّول أن «هناك قضية مقامة ضد حارس المدافن بعد أن اكتشفنا أنه يتم العبث بها، فهو يدعي أنه ورثها عن جده»، ويضيف رفُّول أن «الطائفة المارونية في انتظار كلمة القضاء في هذا الشأن».

ولدت مي زيادة في مدينة الناصرة بفلسطين لأب لبناني وأم فلسطينية، وانتقلت لاحقاً مع عائلتها إلى مصر واستقرت في القاهرة حيث درست في جامعة القاهرة، واشتهرت بثقافتها الواسعة وإتقانها لعدة لغات أجنبية، وأنشأت صالونها الأدبي الأسبوعي الشهير في القاهرة، الذي كان ملتقى لكبار أدباء ومفكري العصر، مثل أحمد لطفي السيد، وخليل مطران، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، ومصطفى صادق الرافعي.


السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
TT

السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

في كل صيف، تتكرر على شواطئ البحر المتوسط معجزة طبيعية عمرها ملايين السنين، حين تشق صغار السلاحف البحرية طريقها من الأعشاش الرملية إلى البحر. لكن هذا المشهد الآسر بات يحمل مؤشرات مقلقة لعلماء البيئة؛ إذ تكشف السلاحف ضخمة الرأس عن التأثير المتنامي لتغير المناخ على النظم البحرية، مع ارتفاع درجات الحرارة الذي يخلّ بالتوازن الطبيعي بين الذكور والإناث ويهدد مستقبل أحد أبرز الكائنات المهاجرة في المتوسط.

على شاطئ إيزتوزو التركي، أحد أهم مواقع تعشيش السلاحف البحرية في البحر المتوسط، تشق نحو 30 ألف سلحفاة صغيرة طريقها إلى البحر كل موسم بعد خروجها من مئات الأعشاش المنتشرة على امتداد الساحل. ورافقت «رويترز» عالم الأحياء البحرية يعقوب كاسكا وفريقه من المتطوعين خلال جولاتهم الليلية لمراقبة الأعشاش وحماية البيوض المدفونة في الرمال. وتنتشر فوق الأعشاش أقفاص هرمية الشكل تحول دون وصول الثعالب إليها، في حين يتحول الشاطئ، الذي يعج بالسياح نهاراً، إلى ملاذ هادئ لحماية السلاحف ليلاً.

صغار السلاحف البحرية تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو الواقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​في مقاطعة موغلا بتركيا (رويترز)

تميمة «كوب 31»

وأصبحت السلحفاة ضخمة الرأس، التي تحفر أعشاش بيوضها على شواطئ البحر المتوسط، التميمة الرسمية لمؤتمر الأطراف (كوب 31) للمناخ الذي تستضيفه تركيا الشهر المقبل. وستكون حماية البيئة البحرية من المحاور الرئيسية للقمة التي ستنعقد على ساحل أنطاليا.

ويقول باحثون إن تلك السلحفاة توضح كيفية تأثير تغير المناخ على النظم البيئية بمنطقة البحر المتوسط، التي تشهد اتجاهاً طويل الأمد نحو ارتفاع درجات الحرارة منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

درجات حرارة أعلى

أظهر تحليل أجرته «رويترز» أن المياه الأوروبية سجلت أعلى درجات حرارة صيفية على الإطلاق، مع تداعيات خطيرة على بعض المجتمعات الساحلية.

ويقول باحثون إن تغير المناخ يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تدريجي في درجات حرارة الشواطئ في أنحاء البحر المتوسط ‌وهي الشواطئ التي ‌تضع فيها السلاحف بيوضها.

ويتحدد جنس صغار السلاحف وفقاً لدرجة حرارة العش؛ إذ تؤدي الرمال الأكثر ​دفئاً ‌إلى ⁠إنتاج أعداد ​أكبر ⁠من الإناث.

وقالت آيفر شيرين، المحاضرة في علم البيئة بجامعة أسكودار والتي أجرت أبحاثاً موسعة على السلاحف ضخمة الرأس: «تقدم لنا السلاحف البحرية نظام إنذار مبكراً وسريعاً للغاية». وأضافت أن تلك الكائنات تظهر عليها آثار التغيرات البيئية التي تؤثر في النظم الساحلية والبحرية لأنها من الأنواع التي تعتمد على اليابسة والبحر معاً.

وفي دراسة دكتوراه استمرت خمس سنوات في جامعة باموكالي، خلصت شيرين إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بتبكير مواعيد وضع البيوض وتقليص فترات الحضانة لها في الأعشاش وزيادة نسبة الإناث.

يراقب عالم الأحياء البحرية المتخصص في السلاحف البحرية يعقوب كاسكا وأحد المتطوعين سلحفاة صغيرة وهي تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو (رويترز)

وقدرت الدراسة التي أجريت على شاطئ باتارا أن نحو 70 في المائة في المتوسط من صغار السلاحف ضخمة الرأس عند الفقس من الإناث، وخلصت إلى أن تعديل السلوكيات وحده قد لا يكون كافياً للتخفيف ⁠من آثار تغير المناخ.

وقال كاسكا إن درجات حرارة الأعشاش في إيزتوزو ارتفعت بنحو درجة مئوية ‌واحدة خلال العشرين عاماً الماضية، مضيفاً أن تحليلات أوسع أشارت إلى أن الإناث ‌تمثل ما بين 80 و90 في المائة من صغار السلاحف في العديد من التجمعات.

ويقول ​العلماء إن استمرار ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي في نهاية المطاف ‌إلى انخفاض أعداد الذكور إلى حد لا يكفي لضمان نجاح التكاثر.

وأضافت شيرين أن درجات حرارة الأعشاش التي تتجاوز 30 ‌درجة مئوية تزيد أيضاً من خطر نفوق الأجنة. ووفقاً لفريق الخبراء المختص بالسلاحف البحرية، تصنف السلاحف ضخمة الرأس على أنها معرضة لخطر الانقراض على مستوى العالم.

أما في البحر المتوسط فتدرج ضمن فئة يقل القلق عليها، وهو ما يعكس نجاح جهود الحفاظ على الأنواع، لكن العلماء يقولون إن تغير المناخ يفرض ضغوطاً جديدة.

تعاون بين الدول

قال كاسكا إن نمط الهجرة الذي تتبعه السلاحف يبرز الحاجة إلى تعاون عابر للحدود خلال مؤتمر «كوب 31».

وتابع قائلاً: «قد ‌تضع بيوضها في تركيا، لكنها تتغذى في تونس أو في البحر الأدرياتيكي وغيرها من المناطق»، ودعا الدول إلى التعاون لحماية التنوع البيولوجي في البحر المتوسط.

وأشار كاسكا إلى أن إناث السلاحف ضخمة الرأس تعود عادة بعد عقود إلى الشواطئ التي فقست فيها لوضع البيوض، لكن التغيرات في الأنظمة البيئية دفعت بعضها إلى وضع البيوض في مناطق أبعد شمالاً وهو أمر لم يكن شائعاً من قبل.

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

ويراقب المتطوعون على الشاطئ صغار السلاحف مستخدمين أضواء حمراء خافتة لتقليل أي إزعاج للحد الأدنى في أثناء توجهها نحو البحر، لكن الصغار يواجهون في البحر مخاطر أخرى، من بينها شباك الصيد والقوارب والنفايات البلاستيكية.

وقالت شيرين: «السلحفاة البحرية التي تعلق في شبكة صيد لا تستطيع الصعود إلى السطح للتنفس، وللأسف تموت غرقاً».

ويشكل التلوث بالبلاستيك مصدر قلق على وجه الخصوص. وقال كاسكا إن 60 في المائة من السلاحف التي تنقل إلى مركز للتأهيل يوجد في أجهزتها الهضمية ما لا يقل ​عن خمس قطع من البلاستيك.

وتابع قائلاً: «إلقاء كيس بلاستيكي في ​البحر يشبه ضرب السلاحف بالرصاص».


«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
TT

«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)

في معرضه الأحدث، الذي يحمل عنوان «ناس من شارعنا»، يقدم الفنان المصري عبد الرازق عكاشة حكايات وقصصاً من فرنسا، إذ يرصد أحد الشوارع الباريسية التي عاش فيها واختلط بسكانها وروادها من الفنانين والمبدعين، ويقدم رؤيته الجمالية عنهم في نحو 30 لوحة تتداخل فيها الألوان الساخنة والباردة لتنسج حكايات باريسية مشوقة.

ويواصل عكاشة، في المعرض الذي افتُتح الخميس بغاليري «فلك» بوسط القاهرة، الرهان على جرأة استخدام الألوان، مع تكوينات تعبيرية وتجريدية تجعل للحكاية أبعاداً مختلفة في ذهن المتلقي، فتتعدد الرؤى والحكايات المنبثقة من العمل الواحد بقدر تعدد المشاهدين.

من أعمال المعرض (فيسبوك)

ويقول الفنان عبد الرازق عكاشة إن فكرة معرض «ناس من شارعنا» تستند إلى شارع «ريدي ذا بيس» في فرنسا، الذي عاش فيه، ويصفه بأنه شارع مهم جداً في منطقة مونمارتر، التي يعيش فيها الفنانون والأدباء والكتّاب، وتضم أيضاً «مولان روج» أو الطاحونة الحمراء، ويمر بها طريق بيكاسو إلى الهضبة العليا، كما سكنت داليدا بالقرب من هذا الشارع.

ويضيف، في كلمة مصورة تعريفية بالمعرض، أنه لم يختر الرسم عن شارع باريسي تنازلاً عن هويته أو تبادلاً للهويات، وإنما تعبير عن التفاعل الإنساني مع شارع وأشخاص من الفنانين والمبدعين عاش بينهم وقرر أن يرسمهم.

ويوضح: «في هذا المعرض، أعرِّف الجانب العربي أو المصري بكيفية تفكير الآخر ونمط حياته، وأحاول أن أصوِّر له هذا النمط وأنقله إليه كاملاً، فليس هناك تضارب في الهويات، بل محاولة للتقريب بينها».

لوحة تعبر عن حكاية بالمعرض (الفنان)

وتشي اللوحات بالعديد من الحكايات في الشارع الذي اختاره الفنان، من المقاهي وجلسات السمر إلى النزهات بالدراجات والجداريات على المترو، وجميعها تأتي في إطار من الألوان المبهجة والتكوينات الفنية ذات الدلالات المفتوحة على أكثر من حكاية وتفسير.

وأشار الفنان أيضاً إلى أن شغفه برسم الشارع لا يقتصر على الشارع الباريسي، إذ لديه، كما يقول، «مشروع فني منذ 10 سنوات عن العمارة في شوارع مصر»، يحاول من خلاله رصد كيفية عيش الناس في مصر، خصوصاً في الأحياء الإسلامية التراثية وبعض المناطق الشعبية، بما تشهده من زحام، مثل الحسين والعتبة والجمالية وحارة اليهود، وغيرها من الأماكن التي تتجلى فيها هوية الإنسان وخصوصيته.

جانب من المعرض (فيسبوك)

وفيما يلفت عكاشة إلى شروع متحف بيكاسو في باريس في دراسة عرض لوحاته عن غزة، يؤكد أن هذه اللوحات، التي خصص لها معرضاً سابقاً في القاهرة ورسم جدارية كبيرة عنها، تظل من أهم الأعمال التي قدمها، إذ تعبّر عما يشعر به فنان عربي تجاه مأساة غزة.

وسبق أن قدم عكاشة معرضاً بعنوان «جدارية غزة»، ضم أعمالاً ملحمية ومشاهد موجعة من المأساة التي شهدها القطاع جراء الحرب. ورصد في لوحاته مشاهد متعددة من داخل القطاع، استلهمها من نشرات الأخبار والصور والوقائع التي شاهدها العالم.