رحيل آدم داريوس... آخر أساطير الإيماء في العالم

ظهر على مسارح أكثر من 85 دولة ونال 13 ميدالية وتكريماً وله 19 كتاباً

آدم داريوس يتوسط ملصقات بعض مسرحياته
آدم داريوس يتوسط ملصقات بعض مسرحياته
TT

رحيل آدم داريوس... آخر أساطير الإيماء في العالم

آدم داريوس يتوسط ملصقات بعض مسرحياته
آدم داريوس يتوسط ملصقات بعض مسرحياته

تنطوي برحيل فنان الإيماء الأميركي آدم داريوس الصفحة الأخيرة من سجل فن الإيماء في العالم. لن يتوقف هذا الفن عن الاستمرار طبعاً، فهو أقدم الفنون قاطبة منذ أدى الإنسان البدائي في العصر الحجري بالتعبير الجسدي لأفراد أسرته أو لقبيلته ما صادفه خلال يومه من أحداث ومغامرات. لكن رحيل آدم داريوس - الذي قضى الجزء الأكبر من حياته خارج الولايات المتحدة الأميركية يجول في القارات الست - هو آخر أسطورة شهيرة لهذا الفن العريق. لا شك أن للإيماء جذوراً مسرحية قديمة عند الإغريق، وازدهر على الأخص عند الرومان فأطلقوا عليه اسم «بانتومايم» Pantomime. لكن أول من اخترع فن الإيماء الإيهامي الحديث الذي أطلق عليه اسم Mime هو الفرنسي جان - غاسبار ديبورو (1796 - 1845)، واتسم باقتصاد التعبير الجسدي لإيهام باستخدام المؤدي أشياء غير موجودة، لذلك أطلق على فن الإيماء الإيهامي اسم «الإيماء الفرنسي الكلاسيكي». تسلم ريادة فن الإيماء المسرحي الفرنسي جاك كوبو عبر مدرسته «برج الحمام القديم»، ومنها تخرج إيتيان ديكرو (1898 - 1991)، أبو الإيماء الحديث من خلال مدرسته الرائدة عالمياً في مدينة ستراسبورغ، التي تخرج فيها أيقونتا الإيماء مارسيل مارسو وجان - لوي بارو. كان ديكرو فناناً يطمح لخلق مسرح شعائري يتسم التعبير الجسدي فيه بالقداسة. لذلك، لم يكن ديكرو راضياً عن الشهرة المدوية التي سرعان ما حققها تلميذه السابق مارسيل مارسو، واعتبر تحويله الإيماء إلى كوميديا امتهاناً لهذا الفن كسلعة تجارية، بينما ظلت نظرته شبه مقدسة له. جدير بالذكر، أن «استوديو الممثلين» في نيويورك اشتهر بابتداع «المنهج» المستقى من تعاليم الروسي كونستانتين ستانسلافسكي تحت قيادة لي ستراسبورغ قام باستدعاء ديكرو ليعلِّم فيه أسلوبه المختلف، حيث ترجم له وساعده طيلة ذلك العام خريج مدرسته السابق مارك إيبستين. أما مارسو، فمضى قدماً وأسس مدرسته الشهيرة للإيماء، متميزاً بمهارته الإيهامية، ومقدماً مسرحيات كاملة مثل «هاملت» و«المعطف»، فضلاً عن لوحاته ذات الطابع الكوميدي. حظيت عروض مارسو في الولايات المتحدة بإقبال جماهيري كثيف، وقد أتيح لي مشاهدته مرتين يؤدي على مسارح كاليفورنيا. وما زال مارسو يعتبر حتى بعد رحيله عن عالمنا أشهر رموز الإيماء في العالم. ننصح كل من يود التعرف إلى بدايات فن الإيماء بمشاهدة فيلم «أطفال الجنة» (1945) من إخراج مارسيل كارنيه، وفيه نرى بداية ظهور الشخصية الإيمائية الشهيرة «بييرو» بزيها المعروف، وقد مثل في هذا الفيلم الكلاسيكي الفريد كل من جان - لوي بارو وإيتيان ديكرو. بدوره، جاء المسرحي جاك لوكوك ليطور فن الإيماء عبر استخدام القناع المحايد في مدرسته الشهيرة التي أسسها في باريس، وأدارتها زوجته الاسكوتلندية سنين طويلة عقب وفاته. أنجبت هذه المدرسة في كثيرا من الفرق البريطانية التجريبية الرائعة، ومنها «فرانتيك أسمبلي» و«موفينغ بكشتر مايم شو» و«ثياتر دو كومبليسيتي»، كما تخرج فيها الفنان التونسي المعروف محمد إدريس. جدير بالذكر أن الإيماء البريطاني بدأ بإبداع جون ويفر (1673 - 1760)، واستمر مع جوزيف غريمالدي (1778 - 1837). كما ظهر في العصر الحديث فنانون بريطانيون متمكنون من الفن الإيهامي الكلاسيكي الفرنسي، نذكر منهم ديزموند جونز، وديفيد غلاس، ونولا راي وجيف هويل. أما في الولايات المتحدة، فلا تُنسى جهود بول ج. كورتيس الرائدة مع فرقة «الإيماء الأميركي» التي أسسها وبقيت تعمل في نيويورك طويلاً بعد وفاته، وكذلك ريتشموند شيبرد، كلود كيبنز، وكلاهما ألف كتاباً قيماً عن فن الإيماء. لا بد أن نذكر أيضاً «فرقة سان فرانسيسكو الإيمائية» التي التقيت مؤسسها ر. جي ديفيز في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، وحدثني عن بدايات الفرقة ثم تحوله إلى المسرح السياسي المتأثر بنظريات برتولد برشت، وهي فرقة اشتهرت بطراز الكوميديا السياسية اللاذعة، ما زالت مستمرة حتى الآن بإدارة فنانين آخرين. لكن طرزاً مجددة أخرى منافسة من الإيماء انبثقت في بلدان مختلفة من العالم، وبالأخص تجربة توماشيفسكي في بولندا، الذي جمع ما بين فن الباليه وفن الإيماء.
بعد هذه المقدمة عن تاريخ فن الإيماء، من الملاحظ أن الإضافة الكبرى جاءت من خلال الشهرة العالمية التي أحرزها الفنان الأميركي آدم داريوس، متميزاً عن باقي الرواد والأقران في أنه استحدث منهجاً متكاملاً في تدريب الأداء، ولا نقول الأداء الإيمائي فحسب، بل مختلف أنواع الأداء. إنه منهج لا يعني بالإيهام بوجود أشياء غير موجودة بقدر ما يعني بالتعبير الجسدي عن قضايا إنسانية وروحانية متباينة وصلت أحياناً إلى إدانة وشجب النازية والعنصرية. أطلق آدم داريوس على منهجه اسم «الإيماء التعبيري»، وكان سفيراً لهذا الطراز من المسرح في العالم أجمع، إذ ظهر على مسارح أكثر من 85 دولة، ونال 13 ميدالية وتكريماً، نشر 19 كتاباً تراوحت بين مذكرات، كتب عن إعداد الممثل وعن الكوميديا - دي - لارتي وفن الباليه، فضلاً عن عدة روايات وديوان شعر واحد، واثنتين وعشرين مسرحية، ولعل أهم كتاب بين مؤلفاته هو «منهج آدم داريوس»، الذي تضمن كثيراً من تمارينه العملية في إعداد المؤدين، وصدر في عام 1984.
وُلِد آدم داريوس في نيويورك عام 1930، وهو ينحدر من أسرة ذات أصول روسية وتركية مختلطة. في عام 1945، تدرب آدم دايوس وعمره لا يتجاوز آنذاك 14 عاماً على فن الباليه، وظهر راقصاً مع فرقة «متروبوليتان أوبرا»، ثم مع فرق عالمية متعددة خارج الولايات المتحدة. كما تلقى دروساً في التمثيل على يدي جاكوب بن - آمي، أحد المهاجرين الروس من مسرح ستانسلافسكي. بسبب إصابة مبكرة، اضطر آدم للتحول من شغفه الشديد بالباليه إلى تصميم الرقصات، ثم إلى إبداع منهج «الإيماء التعبيري» الذي اشتهر به عالمياً. كان أول ظهور إيمائي قام به آدم داريوس في عام 1967 في مهرجان «سبوليتو» في إيطاليا، حيث مزج لمهارة استثنائية بين الإيماء وفن الباليه. أتبع ذلك بظهوره في لندن، وما لبث أن أسس مع ماريتا كراولي مدرسته «مركز الإيماء» في لندن، التي دأب أن يدرس فيها مع فنان الإيماء كازمير لوليسنيك، الذي آمن بفنه ورافقه طيلة حياته المهنية في «فن الإيماء». لكن آدم كان منفتح الذهن بحيث نظم دورات للإيماء الكلاسيكي الإيهامي الفرنسي، ولفن التهريج النابع من الكوميديا - دي - لارتي أيضاً. كان فناناً شديد الوساوس، بحيث اعتاد أن ينصح طلابه أن يتفقدوا كل تفصيل صغير في العرض ليس مرة أو مرتين، بل أربع مرات على الأقل. ذات يوم في لندن، دعاني آدم بشكل استثنائي لحضور جلسة تدريبه اليومي بعد انتهاء دروسه، وكان يقوم به برفقة زميله الأكثر شباباً كازمير.
كان تدريباً مرهقاً جداً لمدة ساعة كاملة على مزيج من حركات الباليه الصعبة والإيماء، وأخبرني أنه لم ينقطع عن هذا التدريب يوماً واحداً طيلة سنوات كثيرة، حتى ولو أصيب بزكام أو تعرض لوعكة، لأن على الفنان أن يمرِّن جسده ليكون جاهزاً تماماً. كان آدم يعتني عناية فائقة بماكياجه الذي يرسمه بنفسه بأناةٍ ودقة، وهو وجه المهرج الحزين. وكان ينتهج منهجاً غذائياً صارماً، إذ كان نباتياً لا يتناول أي نوعٍ من اللحوم، وشديد العناية بالحمية والامتناع عن كل ما يمكن أن يضر بجسد الإنسان. حتى في مدرسته في لندن، حظر بيع أي منتجات غير عضوية للطلاب في الاستراحة. لقن آدم داريوس فنه في «مركز الإيماء» في لندن إلى عدد ممن نالوا الشهرة الفنية فيما بعد، ومنهم النجمة السينمائية كيت بيكنسيل، ومغنية الروك كيت بوش، والممثل المسرحي البريطاني وارين ميتشل، وذلك قبل أن ينتقل للإقامة في العاصمة الفنلندية هلسنكي، ويجعلها منطلقاً لجولاته التي لم تنقطع حتى أواخر حياته الحافلة في دول العالم أجمع.
أخرج آدم داريوس وصمم كثيراً من العروض المسرحية، أبرزها «بييرو الجوال» (1955)، «باليه آن فرانك» (1967)، باليه «مارلين» (1975) عن النجمة الراحلة مارلين مونرو، «يوكيو ميشيما» (1991) عن الأديب الياباني الكبير الذي انتحر على طريقة الساموراي، «رامبو وفرلين» (1992) عن الشاعرين المعروفين، «برج بابل» (1993)، وقدم عدة عروض منها بإسهام من زميله كازمير كوليسنيك، إضافة إلى عرضهما المشترك «أفعى في العشب» (2001)، الذي افتتح في عمان، الأردن، بتمويل ورعاية «مؤسسة نور الحسين»، التي منحته جائزتيها للإبداع في عامين متباينين. ظهر آدم داريوس على مسارح دمشق ثلاث مرات في الأعوام 1976، 20014 و2005، وكانت المرة الأولى باستضافة «المركز الثقافي الأميركي»، حيث استضفته في لقاء تلفزيوني، بينما كانت المرتان الباقيتان بدعوة من وزارة الثقافة السورية. كما زار أيضاً لبنان والمغرب كفنان إيمائي مرة واحدة، وزار عدة مرات مصر والأردن والكويت ليمثل إيمائياً ويقوم بورشات عمل تدريبية. أثناء الحرب الباردة، كان آدم داريوس من الفنانين الأميركيين النادرين الذين لم يترددوا عن الظهور على مسارح الاتحاد السوفياتي، وكوبا، وفنزويلا، والبوسنة، وكوسوفو، وأفغانستان، وذلك بين أكثر من 85 دولة زارها وظهر على مسرحها كفنان إيمائي، كما قام بورشات عمل مكثفة لفرقها وفنانيها، ليس لأي سبب سوى اعتقاده الراسخ أن الإيماء رسالة محبة وسلام، وأن لغة الصمت أصدق من لغة الكلام للتواصل بين البشر. يُذكر أنه في مطلع شبابه حين ظهر آدم داريوس في فرنسا، قدمه هناك على المسرح أحد أعظم رواد الإيماء المخرج والممثل الكبير جان - لوي بارو. كان آخر ظهور فني للراحل آدم داريوس ثلاثة عروض في روسيا خلال شهر ديسمبر (كانون الأول) من عام 2015. بعدها، اكتشف إصابته بمرض السرطان، وخضع للعلاج في هلسنكي إلى أن توفي في المستشفى عن عمر يناهز 87 عاماً بتاريخ 3 ديسمبر 2017.
سيبقى تراث آدم داريوس من بعده ملهماً لكثير من الفنانين الذين عرفوه عن كثب، تدربوا معه، أو اطلعوا على مؤلفاته المتعددة كماً وكيفاً. لا شك أن نظريته حول «ضرورة أن يتمتع المؤدي بأقصى سيطرة على الجسد، وأن يطلق العنان واسعاً لخياله»، ستظل نظرة ملهمة لفنان معطاء التزم بفنه وأخلص له طيلة حياته كناسك متصوف، بحيث سيذكره التاريخ طويلاً في المستقبل.



مروحة صغيرة حول رقبتك قد تُخفّف الحاجة إلى التكييف

قليل من الهواء في المكان المناسب... والفارق يعمّ الجسد (جامعة كونكورديا)
قليل من الهواء في المكان المناسب... والفارق يعمّ الجسد (جامعة كونكورديا)
TT

مروحة صغيرة حول رقبتك قد تُخفّف الحاجة إلى التكييف

قليل من الهواء في المكان المناسب... والفارق يعمّ الجسد (جامعة كونكورديا)
قليل من الهواء في المكان المناسب... والفارق يعمّ الجسد (جامعة كونكورديا)

كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون من جامعة كونكورديا الكندية عن أنّ المراوح الصغيرة القابلة للارتداء، التي تُبرّد الوجه والرقبة، توفر راحة تضاهي تقريباً مراوح المكاتب التقليدية. وإلى جانب صغر حجمها، تستهلك هذه البدائل خفيفة الوزن طاقة أقل، وتتجنّب تيارات الهواء غير المرغوب فيها التي قد تزعج زملاء العمل القريبين.

وتشير نتائج الدراسة، المنشورة في دورية «ساينس إنجين»، إلى أنّ التبريد الموجّه لمنطقة التنفُّس يمكن أن يوفر راحة لكامل الجسم تضاهي التبريد الناتج عن المراوح التقليدية، ما يقدّم حلاً عملياً وموفراً للطاقة في المكاتب ذات المساحات المفتوحة من دون التأثير على شاغليها.

وقال الأستاذ المشارك في قسم هندسة المباني والهندسة المدنية والبيئية بجامعة كونكورديا، والمشارك في إعداد الدراسة، محمد عوف، في بيان، الأربعاء: «تتيح هذه المراوح تشغيل نظام التكييف المركزي مع استهلاك طاقة أقل. ويُعدّ التبريد الموجَّه مفيداً بشكل خاص في الأماكن التي يشغل فيها عدد قليل من الأشخاص مساحة واسعة، كما هي الحال في الأماكن التي تعتمد أنظمة العمل الهجينة».

تبريد الوجه والرقبة

رغم أنّ الوجه والرقبة لا يمثلان سوى نحو 5.5 في المائة من سطح الجسم، فإنهما شديدا الحساسية لدرجة الحرارة.

وقارن الباحثون نوعين من أجهزة التبريد الشخصية القابلة للارتداء، هما مروحة للوجه وأخرى للرقبة، بمراوح مكتبية ذات شفرات وأخرى من دون شفرات. ووجد الفريق أنّ توجيه تدفق الهواء إلى منطقتَي الوجه والرقبة يحقّق تحسّناً في الراحة الحرارية العامة يضاهي تقريباً ما توفّره مراوح المكتب.

واختبر الباحثون الأجهزة الأربعة في بيئة مكتبية مضبوطة على درجة حرارة 25 درجة مئوية، باستخدام نموذج تشريحي متطور يحاكي كيفية تنظيم الجسم البشري للحرارة.

وقاس النموذج، المكوَّن من 23 جزءاً، التغيرات في درجة حرارة الجلد وفقدان الحرارة والراحة الحرارية العامة، في أثناء تشغيل كلّ مروحة بسرعات مختلفة.

وكما كان متوقَّعاً، وفّرت مروحة المكتب ذات الشفرات أقوى تبريد. لكن مروحتَي الوجه والرقبة القابلتين للارتداء اقتربتا كثيراً من أداء مروحة المكتب من دون شفرات، ووفّرتا راحة مماثلة لما توفره مروحة ذات شفرات تعمل بسرعة منخفضة.

وأنتجت مروحة الوجه أكبر قدر من التبريد الموضعي، إذ زادت فقدان الحرارة من الوجه بما يصل إلى 7 واط، بينما برَّد كلا الجهازين القابلين للارتداء المستخدمين بما يكفي لإعادة الراحة الحرارية إلى النطاق الطبيعي.

ووفق الباحثين، حقَّق جهاز التبريد الأمامي ذو الشفرات غير القابل للارتداء أكبر تحسُّن في الراحة الحرارية، نظراً إلى أنّ تدفق الهواء القوي الناتج عنه يزيد فقدان الحرارة بالحمل الحراري حول منطقة التنفُّس والجذع. ورغم فاعليته عند السرعات المنخفضة، فإنّ مساحة التبريد الواسعة تزيد خطر التبريد الزائد عند السرعات العالية، ما قد يؤدّي إلى انتقال تأثير التبريد إلى محطات العمل المجاورة.

وأضاف الباحثون أنه، في المقابل، يبرّد جهازا التبريد الأمامي والخلفي القابلان للارتداء مساحة أصغر، ومع ذلك كان التحسُّن في الراحة الحرارية مماثلاً لما حققه جهاز التبريد الأمامي غير القابل للارتداء من دون شفرات.

ويتوافق ذلك مع نتائج سابقة تشير إلى أنّ الوجه والرقبة منطقتان شديدتا الحساسية للحرارة، إذ يؤدّي التبريد الموضعي البسيط إلى تحسينات كبيرة في الراحة الحرارية للجسم بأكمله.

وتشير نتائج الدراسة إلى أنّ المراوح القابلة للارتداء قد تصبح أداة عملية لتقليل استهلاك الطاقة المرتبط بتكييف الهواء في مكاتب العمل، خصوصاً عندما يشغل عدد قليل من الأشخاص مساحة كبيرة.


«كليم فُوّه»... إنقاذ حرفة من ذاكرة تتناقص أيدي المشتغلين بها

جانب من العمل الميداني الذي يجمع بين توثيق الحرفة ورصد واقع ممارسيها (الشرق الأوسط)
جانب من العمل الميداني الذي يجمع بين توثيق الحرفة ورصد واقع ممارسيها (الشرق الأوسط)
TT

«كليم فُوّه»... إنقاذ حرفة من ذاكرة تتناقص أيدي المشتغلين بها

جانب من العمل الميداني الذي يجمع بين توثيق الحرفة ورصد واقع ممارسيها (الشرق الأوسط)
جانب من العمل الميداني الذي يجمع بين توثيق الحرفة ورصد واقع ممارسيها (الشرق الأوسط)

على ضفاف فرع رشيد بدلتا مصر، تقف مدينة فُوّه شاهدةً على تاريخ طويل من الحِرَف والصناعات التي صنعت شخصيتها، ومن بينها حرفة الكِليم التي ارتبطت بعائلات المدينة، وتناقلت الأجيال مهاراتها مئات السنوات.

ومع القرن الـ19، تجاوزت سمعة منتجات هذه الحرفة حدود مصر؛ إذ أقبل أوروبيون على شراء السجاد والكليم اليدوي من المدينة.

ولم يكن سجاد فُوّه بعيداً عن المشهد المصري؛ إذ حرصت الأسر العريقة على وجوده في بيوتها، كما استُخدم في فرش المساجد خلال مراحل تاريخية مختلفة.

ويتميّز الكليم الفُوهي بتصميمات تستلهم صورها ورموزها من البيئة المحيطة، من الطيور والعصافير والأراضي الزراعية والخيول، إلى جانب الأهرامات وأبو الهول، ومفردات من التراث الإسلامي، بينها المساجد والآيات القرآنية.

وتظهر كذلك مَشاهد من حياة العرب في الصحراء والحياة اليومية للفلاح المصري، لتصبح القطعة المنسوجة أكثر من مجرّد منتج للاستخدام أو لديكور المنزل؛ فهي مساحة بصرية تختزن هوية المكان وملامحه وذاكرته.

أدوات قديمة وبسيطة تصنع أروع المنسوجات (إدارة صندوق التنمية الثقافية)

وفي محاولة لحماية هذه الذاكرة من التراجع، بدأت مصر توثيق الكليم الفُوهي من خلال خطوات عملية وعلمية اتخذها «بيت التراث المصري»، التابع لقطاع صندوق التنمية الثقافية بوزارة الثقافة، في أول مهمّة ميدانية للبيت خارج القاهرة منذ تأسيسه عام 2022.

ولا يقتصر هدف هذا التوثيق على تسجيل عناصر حرفة الكليم، وإنما يمتد إلى وضع التدابير اللازمة لصونها وضمان استمرارها، وفق مديرة «بيت التراث المصري» الدكتورة فاطمة مصطفى.

وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «يرتبط ذلك بأن البيت تأسس ليكون أحد المراكز الأساسية المعنية بجمع عناصر التراث الثقافي غير المادي وتوثيقها، وإنشاء قواعد بيانات يمكن الرجوع إليها في دراسة هذا التراث ووضع خطط للحفاظ عليه».

وتلفت فاطمة مصطفى إلى أنّ «اختيار فُوّه لتكون المحطة الأولى لعمل (بيت التراث) خارج القاهرة لم يكن مصادفة»، مفسِّرةً ذلك بـ«تنوّع الحرف التقليدية في المدينة، إلى جانب ما أظهرته البيانات التي قدَّمها عضو مجلس النواب النائب محمد عبد العليم داود، وما طرحته مؤسّسات المجتمع المدني والحرفيون والمهتمون بالتراث، من تراجع أعداد العاملين بالكليم عاماً بعد عام، وهو ما عزَّز الحاجة إلى الإسراع في توثيق الحرفة وصونها».

أحد الحرفيين خلال ممارسة مهارات صناعة الكليم بفُوّه (الشرق الأوسط)

ووفق مديرة «بيت التراث المصري»، فإنّ أبناء المدينة أكدوا تناقص أعداد الحرفيين، وطالبوا بتوثيق الكليم ووضع الأساس العلمي لصونه. ومن هنا جاءت المهمّة الميدانية التي جمعت بين الاستماع إلى أصحاب الحرفة، ورصد واقعها، وتسجيل تفاصيلها داخل بيئتها الأصلية.

وعن تفاصيل العمل، أوضحت: «لم تتعامل بعثة (بيت التراث) مع الكليم بوصفه قطعة نسيج منفصلة عن سياقها، وإنما عملت على توثيق المنظومة المرتبطة بالحرفة».

وفي هذا السياق، شملت المهمّة 3 عناصر مترابطة، هي الكليم اليدوي والحرام والنول؛ تمهيداً لإعداد ملف علمي لكلّ منها، وإدراج المعلومات ضمن قاعدة البيانات الوطنية التي يعمل البيت على إنشائها.

وشارك الفريق البحثي كاملاً في المهمّة، بما يوفّر للباحثين خبرة ميدانية في تطبيق منهجية الحصر القائمة على المجتمع المحلّي، ويتيح الوصول إلى المعرفة التي لا تزال محفوظة لدى أصحاب الحرفة، وفق مديرة البيت.

باحثو «بيت التراث» خلال لقاءاتهم مع ممارسي حرفة الكليم والاستماع إلى خبراتهم (الشرق الأوسط)

ولا يتوقّف العمل عند جمع المعلومات؛ إذ يجري راهناً إعداد فيلم وثائقي عن الكليم الفُوهي، على أن تكون هذه المرحلة مدخلاً لإعداد خطط لصون الحرفة ودراسة حاجات العاملين بها، من منافذ البيع والتسويق إلى فرص التدريب.

وتتطلَّع المرحلة المقبلة، وفق مصطفى، إلى الاستفادة من خبرات الحرفيين المخضرمين في تدريب جيل جديد، فتنتقل المهارة من «المعلم» أو «الأسطى المخضرم» إلى الشباب، ولا تنقطع السلسلة التي حفظت الكليم الفُوهي طوال عقود.

وترى مديرة «بيت التراث المصري» أنّ «إدراج عناصر التراث على القوائم الدولية يكتسب أهمية، لكنه ليس الغاية الوحيدة؛ فالهدف الأساسي أن يظلَّ التراث حياً وممارساً وحافظاً للهوية، واستمرار الحرفة هو في ذاته أحد أقوى أسباب قدرتها على الحضور في تلك القوائم».

مديرة «بيت التراث المصري» الدكتورة فاطمة مصطفى (الشرق الأوسط)

وتضيف أنّ الصون ينبغي «أن تكون له جدوى اجتماعية واقتصادية تعود على أصحاب الحرفة، وهو جانب يحظى بأولوية في عمل البيت؛ انطلاقاً من أنّ الحفاظ على الكليم لا ينفصل عن تحسين ظروف ممارسيه، وإيجاد أسواق لمنتجاتهم، وتعزيز قدرتهم على البقاء».

بدوره، يرى ابن مدينة فُوّه، أحمد الديب، رائد الأعمال ومؤسِّس علامة «Kilimesta» والمهتم بصون الكليم اليدوي وتطويره، أنّ «قيمة الخطوة تتجاوز مجرّد تسجيل طريقة الصناعة».

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الكليم الفُوهي يتمتّع بخصوصية واضحة، سواء لجهة كثافة الرموز والعناصر التراثية التي تظهر في تصميماته، أو جودة التصنيع، أو المهارة المتراكمة لدى الحرفيين، فضلاً عن ثراء مصادر الإلهام المستمدة من البيئة المحلّية، وفي مقدّمتها العمارة التي تتميّز بها فُوّه».

ويرى الديب أنّ توثيق الحرفة يخلق مرجعاً يحفظ تاريخها وتقنياتها وخاماتها وأدواتها وخبرات ممارسيها، فضلاً عن الروايات الشفوية المتّصلة بها. وهذه المعرفة، في رأيه، لا ينبغي أن تبقى حبيسة الذاكرة الفردية، وإنما أن تصبح أساساً يمكن أن يستفيد منه الباحثون والمؤسّسات الثقافية والأجيال الجديدة.

ولا ينظر الديب إلى مهمّة توثيق كليم فُوّه على أنها نهاية المطاف، بل بداية لمسار أطول، تنتقل فيه الحرفة من ذاكرة الحرفيين إلى ذاكرة موثّقة، ومن ورشات محلّية إلى حضور ثقافي واقتصادي أوسع.

ويبقى التحدّي الحقيقي، وفق قوله، في «ألا يتحوّل الكليم الفُوهي إلى صورة محفوظة في أرشيف، بل أن تظلّ الأيدي قادرة على نسجه».


وزارة الثقافة السعودية تنتقل لمقرها الجديد في الدرعية

يُجسّد المقر الترابط القوي بين الثقافة السعودية وتاريخها العريق (واس)
يُجسّد المقر الترابط القوي بين الثقافة السعودية وتاريخها العريق (واس)
TT

وزارة الثقافة السعودية تنتقل لمقرها الجديد في الدرعية

يُجسّد المقر الترابط القوي بين الثقافة السعودية وتاريخها العريق (واس)
يُجسّد المقر الترابط القوي بين الثقافة السعودية وتاريخها العريق (واس)

أكملت وزارة الثقافة السعودية رسمياً انتقالها إلى مقرها الجديد الذي طوّرته شركة «الدرعية» بالحي الشمالي في المشروع الحضري المتكامل، ما يعكس تنامي الحضور المؤسسي للجهات الثقافية الوطنية ضمنه.

ويأتي هذا الانتقال امتداداً لمذكرة التفاهم الموقعة بين الوزارة وهيئة تطوير بوابة الدرعية منتصف عام 2022، التي أرست منذ ذلك الحين أسس التعاون في مجالات التنسيق والتطوير وتنفيذ المشاريع والمبادرات والفعاليات الثقافية ضمن المخطط العام لـ«مشروع الدرعية».

من جانبه، أوضح الرئيس التنفيذي لمجموعة شركة الدرعية، جيري إنزيريلو، أن تطوير مقر الوزارة الرئيس ضمن المخطط العام للمشروع، يعكس العمل المتسارع في تطوير الدرعية لتكون مدينةً حضريةً متكاملةً للعيش والعمل والزيارة، عادّاً انتقالها محطة مهمة في تطوير بيئات العمل والمساحات المكتبية بمعايير عالمية.

يقع مبنى وزارة الثقافة على مساحة تبلغ 33 ألفاً و168 متراً مربعاً (واس)

بدوره، أكّد المتحدث الرسمي للوزارة، عبد الرحمن المطوع، أن هذه الخطوة تُجسّد الترابط القوي بين الثقافة السعودية وتاريخها العريق، وتُمثّل امتداداً لجهود الوزارة الرامية إلى تحقيق التكامل مع المواقع التاريخية ذات القيمة الحضارية، بما يُسهم في إبراز العمق الثقافي للمملكة، وترسيخ مكانة الدرعية مركزاً ثقافياً وتاريخياً عالمياً، وتعزيز دورها مركزاً وطنياً للثقافة والفنون.

ويُعد المقر، الذي يقع على مساحة تبلغ 33 ألفاً و168 متراً مربعاً، أكبر مبنى مكتبي مستقل في الدرعية، حيث صُمّم لاستيعاب فرق عمل الوزارة ومتطلباتها التشغيلية، مع توفير بيئة عمل متكاملة مدعومة ببنية تحتية رقمية متقدمة، وتصاميم مكتبية مخصصة، ومرافق عالية الجودة.

ويعكس المبنى التراث والإبداع السعودي، إذ استُلهم تصميمه من العمارة النجدية التقليدية، وحصل على اعتماد نظام «LEED» العالمي لتصنيف المباني الخضراء، إذ نال الشهادة الذهبية وفق الإصدار الرابع (LEED v4) في «تصميم وتشييد المباني: تطوير الهيكل والواجهات».

يُعد مقر وزارة الثقافة أكبر مبنى مكتبي مستقل في الدرعية (واس)

كما حصد شهادة «مستدام» التجارية الذهبية ضمن نظام التقييم الوطني للمباني الخضراء، وهو ما يؤكد النهج المستدام في اعتماد كفاءة الطاقة، وترشيد استهلاك المياه، وإدارة النفايات، والصحة والرفاه، بما يتماشى مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030».

ويندرج تطوير المقر ضمن توجه الشركة الذي يعتمد التخطيط الحضري المدروس في مشاريعها، ورؤيتها طويلة المدى لترسيخ مكانة الدرعية مركزاً رائداً للثقافة والتعليم والفنون والترفيه، مستندةً إلى موقعها الفريد الذي يضم حي الطريف التاريخي المُدرج على قائمة اليونيسكو للتراث العالمي، فضلاً عن مجموعةٍ متنوعةٍ من الوجهات الثقافية والتاريخية.

وتعمل الشركة على تنفيذ مشروع حضري متكامل بقيمة تبلغ 236 مليار ريال سعودي (63 مليار دولار أميركي)، استقطب ما يزيد على 5 ملايين زيارة، وشهد عام 2024 افتتاح عدة وجهات رئيسية، من بينها فندق «باب سمحان»، و«الزلال»، وهي وجهة متعددة الاستخدامات نابضة بالحياة تجمع المطاعم والتجزئة والمساحات المكتبية ضمن بيئةٍ أصيلة.

وتتواصل أعمال التطوير حيث يستهدف مشروع الدرعية استقبال أكثر من 50 مليون زائرٍ سنوياً بحلول عام 2030، وتوفير 180 ألف وظيفة، واستيعاب نحو 100 ألف نسمة.