ليبيون نازحون قسراً يطالبون بـ«حق العودة»

بعض النازحين في مخيم تاورغاء في طرابلس ({الشرق الأوسط})
بعض النازحين في مخيم تاورغاء في طرابلس ({الشرق الأوسط})
TT

ليبيون نازحون قسراً يطالبون بـ«حق العودة»

بعض النازحين في مخيم تاورغاء في طرابلس ({الشرق الأوسط})
بعض النازحين في مخيم تاورغاء في طرابلس ({الشرق الأوسط})

هرب ناصر أبديوي وأسرته، مع الآلاف من سكان تاورغاء، (شمال غربي ليبيا) قبل أكثر من ستة أعوام، إلى مدينتي طرابلس، وسبها (غرب وجنوب البلاد) في واحدة من أكبر عمليات النزوح القسري التي شهدتها البلاد، بعد إحراق منازلهم، في مواجهات مع مدينة مصراتة المجاورة، وتفرقوا بين المخيمات، أو الإقامة في مساكن مُستأجرة.
روى أبديوي، ذو البشرة السمراء لـ«الشرق الأوسط» جانباً من «قسوة الحياة المعيشية في المخيمات المنتشرة على طريق مطار طرابلس الدولي، في ظل برودة الطقس، ونقص الخدمات الضرورية»، وهو لا يزال يتذكّر تفاصيل تتعلق بكيفية إخراج 42 ألف مواطن من ديارهم، عقب إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011، بعضهم اتجه إلى بنغازي (شرق البلاد) يقول: «أغلب المنازل سُرقت قبل أن يتم إحراقها، بجانب من فقدوا حياتهم».
وأرجع متابعون ليبيون سبب تفريغ مدينة تاورغاء من أهلها، إلى خلافات مع مصراتة، (200 كيلومتر شرق العاصمة) تعود إلى عصر النظام السابق، مشيرين إلى أن تاورغاء كانت تدعم القذافي، وفور إسقاطه، هاجمت كتائب مصراتة، المدينة عقاباً لها على اتهامات سابقة بـ«الاعتداء على مدينتهم واغتصاب نسائها»، لكن أبديوي رد قائلاً: «اتهامات مصراتة باطلة، وليس لديهم الحجة والدليل»، متابعاً «شباب تاورغاء كانوا يعملون في (الشعب المسلح)، وليس مع قوات القذافي... كنا مع الوطن وما زلنا».
وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «النظام السابق كان يمثل الدولة والقانون، وهذه التهمة التي توجّه إلينا، ليست السبب؛ فليبيا كلها كانت مع هذا النظام»، ودافع أبديوي عن تهمة «الاعتداء على نساء مصراتة» إبان حكم القذافي، ومضى يقول: «يختلقون قصص الاغتصاب، من خيالهم، للاستحواذ على أراضينا... نحن أهل بادية ونعرف الأصول وحرمة الجار، ولا نعتدي على شرف غيرنا».
و«الشعب المسلح» يعد أحد المبادئ الرئيسية في السلطة الشعبية التي تبناها القذافي بداية السبعينات، وفقاً لـ«الكتاب الأخضر».
ورسم أبديوي صورة لمدينتهم الآن، وقال: إنها «خاوية على عروشها ما بين منازل أُحرقت، أو هُدمت، بعد الاستيلاء على محتوياتها»... وبعد فترة صمت، استكمل: «كان لي منزل وسيارة أضرموا فيهما النار، كما ردموا بئر مياه كنت أمتلكها»، ومع هذا، فإنه ينتظر اليوم الذي يعود فيه إلى تاورغاء برفقة جميع سكانها.
يدفع أبديوي 500 دينار ليبي شهرياً ثمناً لإقامته في شقة صغيرة يقطنها هو وأسرته في مدينة سبها، (جنوب البلاد)، بعد توزيع عدد من النازحين بين بلداتها، إضافة إلى النازحين في ستة مخيمات في طرابلس، يقع أحدها على طريق المطار، كما يوجد مخيم السراج والصياد والفلاح (1) و(2).
وعدد أبديوي من خلال مشاهداته، الصعوبات التي يواجهها الأهالي في المخيمات، قائلاً: «السكن تحت الصفيح أمر قاسٍ، كذلك هناك حجرات مسقوفة بالخشب، ينهمر منها المطر على المواطنين، والمياه لا تكفي، ودورات المياه مقززة».
وفي العاشر من ديسمبر (كانون الأول) الحالي، التهمت النيران جانباً من وحدات المخيم الواقعة في منطقة السراج (جنوب غربي طرابلس)؛ ما دفع المئات من نازحي تاورغاء إلى الخروج في مسيرة للتنديد بـ«تردي أوضاعهم»، وتطالب الجهات المسؤولة بالعمل على إعادتهم إلى مدينتهم، مرددين هتافات: «ارفع صوت فوق... تاورغي يا مقهور».
وأمام معاناة بعض النازحين مع المرض، بخاصة الأطفال وكبار السن، بسبب رداءة الطقس، يقول أبديوي: «إذا كان المرض بسيطاً، يتجه المواطن إلى عيادة المخيم، وإذا استدعى الأمر فيذهب إلى المستشفيات الخاصة»، لافتاً إلى دور بعض الجمعيات الخيرية والهلال الأحمر الليبي والمنظمات وشؤون الاجتماعية في تقديم بعض المساعدات إلى النازحين.
ولمح أبديوي إلى أن «المسؤولين يتحدثون الآن عن الانتخابات، وهي لا تعني لهم شيئاً»، لكنه طالبهم باستعادة 240 مواطناً قال: إنهم «يقبعون في سجون مصراتة».
وفي مواجهة الاتهامات التي توجه إلى مصراتة، رد نائب مجلس النواب المقاطع فتحي باشاغا، نافياً أن «يكون شباب مصراتة، ارتكبوا أي أعمال مخالفة ضد سكان تاورغاء».
وأضاف النائب الذي ينتمي إلى مصراتة، في مداخلة تلفزيونية سابقة: «كنت شاهداً على خروج سكان تاورغاء من مدينتهم، وشبابنا تعامل معهم بالحسنى، وكان يعد لهم المركبات لنقلهم إلى حيث يريدون».
استكمالاً لشهادة أبديوي، تحكي «أم سليمان» ذات البشرة السمراء، عن جانب من الحياة في مخيم السراج، وتقول: «نمضي الليل أنا وأبنائي الثلاثة تحت مياه الأمطار، دون غطاء كاف، أو دفايات، وفي الصباح ننتقل بين طوابير طويلة للحصول على قدر من المياه، ثم طوابير أطول انتظاراً لدورنا في دخول الحمّام».
تسكن، السيدة الخمسينية، في بناية إسمنتية مسقوفة بألواح من الصاج الخفيف، وتزيد من شكايتها لفضائية «سكاي نيوز» العربية، وهي تقف على باب المخيم: «أبنائي يمرضون كثيراً بسبب الصقيع، وهذا هو الشتاء السابع لنا ونحن في المخيم، والحكومات لا تفعل لنا شيئاً... أبحث الآن عن عمل لشراء مستلزمات المعيشة لأنفق على أولادي بعد موت زوجي الذي ظل مريضاً ثلاث سنوات».
شكاية «أم سليمان»، التي تبثها، إلى الأطقم الإعلامية، ولجان الإغاثة التي تذهب إليهم في المخيم، لم تختلف عن باقي شكاوى سكان المخيم، وسط مطالبات للمسؤولين بإعادتهم ثانية إلى تاورغاء.
غير أن الشيخ منصور أبسيس المنفي، أحد أعيان برقة، يرى أن «الشائعات لعبت دوراً كبيراً في إشعال الفتن بين مصراتة وتاورغاء، في ذاك الوقت؛ ما تسبب في وقوع مزيد من القتلى».
وأضاف لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «أهالي تاورغاء أبرياء، وأوفياء لوطنهم ليبيا، ولا يجب أن نحاكمهم بفعل العشرات منهم أو حتى المئات»، مستدركاً: «المذنبون منهم يجب تقديمهم إلى المحاكمة العادلة... فكل المدن الليبية بها مخالفون».
وتابع المنفي: «توجد لجان من شيوخ القبائل تتولى حل الأزمة بين البلدين؛ لأن من حق مواطني تاورغاء العودة إلى مساكنهم، ومزارعهم، فبينهم شيوخ وأطفال وعجائز».
ويشمل النزوح القسري داخل ليبيا، بجانب سكان تاورغاء، مدناً أخرى، نزح سكانها إلى الغرب الليبي أيضاً، وتركوا منازلهم في أعقاب الاقتتال بين الكتائب المسلحة، والحرب التي شنّها الجيش على الإرهابيين في بنغازي.
وقال على كشير، عضو مجلس النواب، لـ«الشرق الأوسط»: إن مجلس النواب سبق وأصدر بيانات عدة طالب فيها الحكومة بحل أزمة جميع النازحين، مشيراً إلى أن «الخلاف في التوجهات السياسية بين المدينتين تسبب في إبقاء الوضع على ما هو عليه».
وكان مخيم المطار معسكراً لعمال إحدى شركات النفط، ولكن إبّان «ثورة 17 فبراير» خرج العمال، وظلت المساكن وراءهم إلى أن جاء أهالي تاورغاء وسكنوها.
وتأسست لجنة مشتركة لحل أزمة مصراتة وتاورغاء في أغسطس (آب) عام 2015 بناءً على اتفاق بين المجلس البلدي في مصراتة والمجلس المحلي في تاورغاء، واجتمعت مرات عدة في طرابلس وتونس وجنيف، بدعم من حكومتي ألمانيا وسويسرا، وتوصلت إلى ما يعرف بوثيقة «خريطة الطريق»، واتفقت على المعايير اللازمة لتصنيف المتضررين وتحديد القيم المالية اللازمة لجبر الضرر.
ووضعت اللجنة برنامجاً واضحاً قابلاً للتنفيذ شمل إعادة التأهيل لتاورغاء من مرافق أساسية، وفتح الطرق، وتحديد المناطق الملوثة بالألغام وصيانة وتهيئة المستشفيات، لكن إلى الآن لا تزال الأزمة تراوح مكانها.
ورغم ما يبديه المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني من سبل للحل، قال رئيس لجنة المصالحة عن مدينة مصراتة، يوسف الزرزاح: إن «الرئاسي» يتحمل مسؤولية تأخير تنفيذ اتفاق المصالحة، مطالباً المجلس الرئاسي بتقديم المساعدة لتفعيل الاتفاق، وقيام وزارتي الداخلية والدفاع بحكومة الوفاق بدعم الغرفة الأمنية المشتركة من أجل تأمين عودة الأهالي إلى ديارهم.
وفي الحادي عشر من ديسمبر الحالي، تجاوب المبعوث الأممي لدي ليبيا غسان سلامة، مع طلب تقدم به عضو المجلس الرئاسي محمد عماري زايد، لفتح حوار مع نازحي بنغازي، وتأمين عودتهم إلى ديارهم.
وأبدى سلامة موافقته على فتح حوار مع مهجري المدينة، والاستماع إلى آرائهم، وضمان مشاركتهم في النقاش حول الأزمة الليبية، موضحاً أنه سيكون على تواصل مع زايد لتنسيق لقاء مع المجلس البلدي المنتخب.
وكان عماري قال في رسالته: إن نازحي مدينة بنغازي تعد شريحة كبيرة من الليبيين الذين طردوا من بيوتهم ومدينتهم ونهبت أموالهم وقتل وشرد أهلهم، ويتجاوز عددهم المائة ألف مواطن، معرباً عن أمله في ألا يكون «هذا التجاوز لأزمة ومعاناة نازحي بنغازي سوى خطأ غير مقصود؛ لأنهم جزء من حل الأزمة الليبية».
ودعا عماري المنظمات الدولية للعمل من أجل «حفظ حقوق المهجرين، وتأمين العودة الآمنة والكريمة لهم، وضمان عدم تعرضهم لأعمال انتقامية، والحد من خطاب العنف والتحريض الذي يتبناه الطرف الآخر في المدينة».
وقدرت وكالة الأمم المتحدة للهجرة، النازحين الليبيين داخل المدن في أحدث تقرير لها بـ256.615 مواطناً و227.866 عائداً، مشيرة إلى أن «هذه النتائج الجديدة حصيلة أحدث جولة لمصفوفة تتبع النزوح بليبيا».
ويبين التقرير أن غالبية النازحين قدِموا من بنغازي وسرت ومصراتة وأوباري والكفرة؛ إذ نزحت نسبة 24 في المائة عام 2016، و45 في المائة عام 2015، أما عن نسبة الـ31 في المائة المتبقية فقد نزحت بين عامي 2011 و2014. ولفت التقرير إلى أن نسبة 87 في المائة من النازحين يقطنون في مساكن خاصة، في حين أقامت نسبة الـ13 المتبقية في مساكن غير نظامية ومبانٍ عامة وبالمدارس والمباني غير المكتملة.
في السياق نفسه، قال الدكتور خيري الراندي، عضو مجلس بلدي جنزور والأكاديمي بجامعة الجفارة: إن قضية النازحين في ليبيا للأسف معقدة وشائكة، وهذا يرجع إلى أن «أغلب النازحين كان لأسباب سياسية»، مضيفاً أنها بدأت في عام 2011 بإجبار مدينة تاورغاء على النزوح القسري، بحجة موالاتها لنظام القذافي ودفاع بعض أبنائها عنه».
وتحدث الراندي عن الحلول التي تبذل لإعادة تاورغاء إلى مدينتهم، وبخاصة من مشايخ وأعيان ليبيا، بجانب تدخل بعض الأطراف الدولية، وقال: «ولا نغفل مساعي بعض الأطراف الشجاعة في مدينة مصراتة التي سعت لوضع حلول لهذه القضية... مواقف هذه الفئة جاءت رداً على الجانب المتطرف في بعض سكان المدينة الذين منعوا حتى النقاش في الأزمة».
وانتهي الراندي إلى أن حل هذه القضية «مرهون بتسوية واستقرار سياسي يؤمن من خلاله الأطراف الليبية بقضية التعايش السلمي، وطي صفحة الماضي والاتجاه نحو مستقبل للجميع دون إقصاء».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.