الجنوب الليبي... تهميش... مخدرات... وحرب ضد التهريب

برلماني لـ «الشرق الأوسط»: المنطقة ضحية صراع نفوذ بين «الرئاسي» والجيش

شارع من مدينة سبها في الجنوب الليبي  («الشرق الأوسط»)
شارع من مدينة سبها في الجنوب الليبي («الشرق الأوسط»)
TT

الجنوب الليبي... تهميش... مخدرات... وحرب ضد التهريب

شارع من مدينة سبها في الجنوب الليبي  («الشرق الأوسط»)
شارع من مدينة سبها في الجنوب الليبي («الشرق الأوسط»)

لم ينس المواطن الليبي سليمان البرشي لحظة سقوط صديقه أسامة الوافي، عندما خر صريعاً أمام المصرف التجاري في سبها منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي من شدة التزاحم للحصول على حصة من السيولة، وقال بنبرة حزينة: «لقد مات الوافي ونحن لا نزال نقف في طوابير طويلة للحصول على السيولة، بل حتى غاز الطهي أصبحنا نحصل عليه بصعوبة، والحكومة تركتنا فريسة للسوق السوداء، وقد بدأنا نسمع عن إقامة قاعدة عسكرية أميركية على أراضينا».
وتترجم حالة الغضب التي تحدث بها البرشي مع «الشرق الأوسط» انعكاساً لما يجري على الأرض في الجنوب، وقد تجسد ذلك في ظهور أكثر من «حراك شبابي» خلال الشهور الماضية للتنديد بما وصفه بـ«بالظلم والفساد والتجاهل»، الذي تتعرض له مدن الجنوب، وزاد مستغرباً: «أصبحنا في الجنوب نشتري لتر البنزين المدعوم من الدولة بدينار ونصف إلى ثلاثة دينارات، رغم أن ثمنه في غرب وشرق ليبيا لا يتجاوز 15 قرشاً، نحن ندفع ثمن ممارسات عصابات الجريمة المنظمة التي تهربه إلى خارج البلاد، ليباع في الأسواق الأوروبية».
وكغيره من الليبيين، يرى البرشي أن غياب الدولة وتراجع مستوى الخدمات أضرّ بالجنوب مثل باقي المدن، وجعله معبراً ومنصة للهجرة غير الشرعية منذ سقوط النظام السابق في عام 2011، الأمر الذي دفع عددا كبيرا من الشبان «للعمل في الهجرة غير الشرعية، والالتحاق بالمجموعات المسلحة لتوفير سبل العيش»، بحسب مصباح أوحيدة، عضو مجلس النواب الليبي عن مدينة سبها (جنوب ليبيا).
وقال أوحيدة لـ«الشرق الأوسط» إن الجنوب «ظل يعاني التهميش من الحكومات المتعاقبة، والغياب التام للدولة، والخلافات القبلية الاجتماعية أو السياسية، وعدم وجود سيطرة تامة من قوة واحدة على الجنوب»، ولفت إلى أنه يحاذي أربع دول كمنافذ حدودية، ما يعتبر مصدرا رئيسيا لتوافد الجماعات الإرهابية والهجرة غير القانونية.
وأول من أمس، توعدت إيطاليا بضبط حدود ليبيا الجنوبية، إذ قال وزير الداخلية الإيطالي ماركو مينيتي، إن «السيطرة على الحدود الجنوبية لليبيا، وعلى طرق عبور المهاجرين وسط البحر المتوسط، أمر حاسم، ليس لمواجهة الهجرة غير النظامية فحسب، بل لمكافحة الإرهاب».
ونقلت «أكي» الإيطالية عن مينيتي أنه لا يمكن «استبعاد فرضية أن يحاول المقاتلون الأجانب، الذين تدفقوا من نحو مائة دولة للقتال مع تنظيم (داعش) في سوريا والعراق بعد هزيمتهم هناك، العودة إلى دولهم حتى في أوروبا، والعبور مع تدفقات الهجرة».
وتسعى إيطاليا من خلال قبائل جنوب ليبيا إلى «وضع حد لأزمة الهجرة غير الشرعية بعد أن فشل المجلس الرئاسي في بسط سيطرته على البلاد».
وسبق لوزارة الداخلية الإيطالية إبرام اتفاق بين قبيلتي أولاد سليمان، والتبو في روما، في الثالث من أبريل (نيسان) الماضي، ينص على ضبط الحدود الجنوبية الليبية، التي تشهد نشاطاً واسعاً لمهربي المهاجرين غير الشرعيين. وقد جمع اللقاء في روما 60 من شيوخ القبائل، بحضور ممثلين عن قبيلة الطوارق وحكومة الوفاق الوطني، التي تتخذ من طرابلس مقراً.
وتهدف مبادرة الوساطة الإيطالية إلى مكافحة الاقتصاد المبني على التهريب، بحسب الوثيقة الختامية للاجتماع، التي نشرتها صحيفة «كورييري ديلا سيرا» الإيطالية.
وتحدثت دراسة أعدها معهد الدراسات الأمنية في أفريقيا عن «ثلاثة مسارات» للهجرة غير الشرعية، يستخدمها المهاجرون الأفارقة للوصول إلى ليبيا ومنها إلى أوروبا، تمثل ثلاثتها البوابات الرئيسية للوصول إلى الجنوب. وأفادت الدراسة، التي نُشرت مطلع يوليو (أيار) الماضي، بأن المهاجرين يستخدمون المسار الغربي للدخول إلى جنوب البلاد من الجزائر، حيث تعد مدينة غات، التي تسيطر عليها قبائل عربية وشبكات تهريب من الطوارق، النقطة الرئيسية للتهريب. أما المسار الشرقي فيبدأ حسب الدراسة، من السودان إلى مدينة الكفرة جنوب شرقي ليبيا، وهو مسلك يفضله مواطنو دول إريتريا والصومال وإثيوبيا، ولا يمكن عادة للباحثين الوصول إلى هذا الطريق لاعتبارات أمنية كثيرة.
وانتهت الدراسة إلى أن «المسار الأوسط»، الذي وصفته بأنه الأكثر شعبية، ويصل مباشرة بين النيجر وجنوب ليبيا، أصبح المسار المفضل من قبل مواطني دول نيجريا وغامبيا والكاميرون، «لأنه بعيد عن شمال مالي والاضطرابات الأمنية بها، كما أنه لا يتطلب الأوراق الرسمية والتعقيدات في الجزائر».
وأرجع أوحيدة في حديثه مع «الشرق الأوسط» زيادة الهجرة غير الشرعية في الجنوب إلى تعطل المصالحة من جانب المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، نظراً لأنه لم يقدم بديلاً عنها كما تحدث رئيسه فائز السراج خلال الاجتماعات السابقة للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وقال في هذا السياق إنه «يتم إعاقة مشروعات التنمية في ظل عدم وجود أمن، وكأن الجنوب خارج الدولة الليبية».
كما تحدث أوحيدة عن «وجود صراع نفوذ بين المجلس الرئاسي والقيادة العامة للقوات المسلحة، بهدف الحصول على مكاسب سياسية، بادعاء أن الجنوب تحت سيطرتهم، وهذا ما يزيد في إطالة أمد المشكلة هناك»، كاشفا عن «مهاجمة مجموعة من الشبان التابعين للقيادة العامة، لبعض المقار في سبها الأسبوع الماضي بسبب عدم سداد مرتباتهم»، بالإضافة إلى «حالات خطف مواطنين من الجنوب على أيدي الأجهزة الأمنية في طرابلس، التابعة للمجلس الرئاسي، دون وجه حق، ما تسبب في حدوث احتقان كبير لدى هؤلاء الشباب»، وزاد أوحيدة موضحا: «بعض حكماء المنطقة تدخلوا لفض اعتصام الشباب المسلح في محاولة لتهدئة الوضع، وعدم نشوب حرب في المنطقة، التي عانت طوال السنوات الماضية، وليس كما رددت وسائل إعلام».
وكانت وسائل إعلام ليبية قد نقلت عمن سمتهم شهود عيان في سبها أن «قوات تابعة لحكومة الوفاق سيطرت على مراكز حيوية بالمدينة، كانت خاضعة للجيش الوطني، ومنها مطار سبها المدني الواقع بضواحي المدينة».
وذهب أوحيدة إلى أن «القيادات العسكرية في الجنوب ضعيفة، ومن خارج النسيج الاجتماعي للمناطق، ولا تملك دراية كافية بالبيئة الداخلية والمحيطة»، مستدركاً بالقول إنه «تم تأييد هذه القيادات شعبياً، غير أنها لم تكن في المستوى المطلوب، ولم تف بوعودها... ولذلك يجب تغييرها وتنصيب قيادات قادرة على ضبط الأمن، وتقديم الدعم للمواطنين». وانتهى أوحيدة إلى أن «خطر الإرهاب والتغير الديموغرافي يداهم الجنوب، ونحن نراه يتآكل أمام أنظار الليبيين... إلى جانب الغذاء، والماء، والنفط، الذي يعتبر المصدر الرئيسي للدخل في بلادنا».
بدوره، رأى إبراهيم وردكو يصكو، رئيس مجلس شيوخ وأعيان قبيلة التبو (جنوب ليبيا) أن مشكلات الجنوب المتعددة ناتجة عن الفراغ السياسي والأمن والحروب القبلية، ما تسبب في انهيار روابط ثقة، وإحداث شرخ في النسيج الاجتماعي، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الجنوب، الذي يمتد إلى 300 كيلومتر، يعاني من التهريب بكل أنواعه، خاصة المخدرات»، مبرزا أن «جميع القبائل التي تقع على خط سير عمليات تهريب المهاجرين تعمل في الهجرة... وهؤلاء يمتلكون أذرعا مسلحة».
واستدرك الشيخ إبراهيم موضحا أن «المشكلة ليست في المهاجرين الذين يقدمون أموالهم وأرواحهم من أجل البحث عن الحياة الكريمة، لكنها في المنظمات الدولية التي تبدأ عملها من النيجر إلى الداخل الليبي مرورا بالجنوب، وهذا يتطلب دولة قوية».
ورد الشيخ إبراهيم على اتهام مندوب ليبيا السابق في الأمم المتحدة إبراهيم الدباشي بأن «رئيس المجلس الرئاسي وافق خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة على إقامة قاعدة عسكرية أميركية في الجنوب الليبي»، قائلا: «شخصياً لا أستبعد ذلك، لكن دخول أميركا في المشهد الليبي مفيد... فرنسا موجودة على الأرض، ودورها إلى جانب الدور الإيطالي محدود جداً بالنسبة لتحديات الوضع الليبي».
وعبر فضائية ليبية، قال الدباشي الأحد الماضي، إن زيارة رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج لواشنطن كانت مفاجأة، وأتت برغبة أميركية فقط لاستغلال قرب حلول موعد 17 من ديسمبر (كانون الأول) الحالي بهدف ابتزاز السراج، والحصول على تعهدات منه بإنشاء قاعدة أميركية في الجنوب الليبي، وهو الأمر الذي لم تحصل عليه واشنطن إبان عهد النظام السابق، على الرغم من مساعيها الكثيرة في هذا الإطار.
وأمام الأزمات التي تضرب الجنوب الليبي، قال مبعوث الأمم المتحدة لدى ليبيا غسان سلامة، خلال لقاء سابق بممثلين عن المنطقة الجنوبية، ضمن لقاءاته مع مختلف الأطراف الليبية لاستعراض ما وصلت إليه مفاوضات تعديل الاتفاق السياسي وعملية الحوار الليبي: «أنا معكم وفي خدمتكم، لكني لست بديلاً عنكم، وأنا بحاجة إلى دعمكم للوصول بهذه البلاد إلى دولة المؤسسات العادلة والفاعلة».
وتعهد سلامة في حينها بـ«تجييش كل القدرات المتاحة داخل البعثة لخدمة أهالي الجنوب، لا أعدكم بما لا أقدر على تنفيذه، لكن أعدكم بأن أنفذ كل ما أنا قادر على تنفيذه».
من جهته، وصف إبراهيم كرنفودة عضو مجلس النواب عن مدينة أوباري، (جنوب البلاد) الوضع الأمني في الجنوب بـ«الكارثي»، وقال إنه فضلاً عن النقص الحاد في الوقود وغاز الطهي وانعدام السيولة النقدية في المصارف، بلغت جرائم الحرابة والقتل في مدينة سبها عاصمة الجنوب أرقاماً قياسية، وبشكل عام أصبح الوضع المعيشي والأمني مترديا.
ودافع كرنفودة عن بلاده في مواجهة الهجرة غير الشرعية، بقوله: «هذا موضوع كبير ومتشابك... العالم الآخر ينظر إلى ليبيا على أنها سبب أفواج المهاجرين الذين يعبرون البحر إلى أوروبا، ونسي أن بلادي دولة عبور فقط وليست مصدرا لذلك».
واختتم كرنفودة حديثه مع «الشرق الأوسط» قائلا: «هناك عصابات دولية تمتهن نقل المهاجرين غير الشرعيين عبر ليبيا، وتستغل فقر وحاجة شبابنا لنقلهم من الجنوب الليبي إلى البحر... الحل في دول المصدر، وليس لدينا».



الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)

اتخذت الرئاسة الصومالية خطوةً جديدةً تجاه «حركة الشباب» المتشددة، بإعلانها العفو عن «الشباب المضلَّل» الذي انخرط في صفوف الحركة، وذلك حال تخليهم عن الفكر المتطرف.

تلك الخطوة يراها خبير صومالي متخصص في الشؤون الأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعزز فرص تضييق الخناق على «حركة الشباب» شريطة أن تتوفر شروط عدة منها الدمج وإعادة التأهيل.

وأفادت وكالة الأنباء الصومالية، الاثنين، بأن رئيس البلاد حسن شيخ محمود «قرر إصدار عفو عن الشبان الذين تم تضليلهم بالفكر المتطرف في صفوف ميليشيات الخوارج (مصطلح يطلق محلياً على حركة الشباب) في حال تخليهم عن الفكر المتطرف»، مضيفاً أن الدولة ستوفر لهم حياة جديدة وفرصاً لبناء مستقبلهم، ليصبحوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع.

يأتي ذلك بينما يشن الجيش الوطني عملية عسكرية مخططة تستهدف «فلول ميليشيات الخوارج التي تتحصن في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى، في إطار الجهود المتواصلة الهادفة إلى القضاء على الإرهاب»، حسب ما نقلته الوكالة الأحد.

استهداف مسلحين تابعين لـ«حركة الشباب» في إقليم هيران (وكالة الأنباء الصومالية)

ويستضيف الصومال بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار، المعروفة باسم «أوصوم»، التي بدأت عملياتها رسمياً بداية من يناير (كانون الثاني) 2025، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» التي تتصاعد «عملياتها الإرهابية» في الصومال منذ 15 عاماً.

ويرى الباحث في الشأن الصومالي عبد الولي جامع بري أن العفو الذي أعلنه شيخ محمود «يمكن قراءته من ثلاث زوايا: أمنية، واجتماعية، واستراتيجية. وهو أداة مهمة، لكن نجاحه ليس مضموناً ما لم يُدعم بسياسات مكملة».

وأضاف أن العفو في حد ذاته خطوة إيجابية «لفتح باب العودة، خاصة وأن كثيراً من الشباب انضموا تحت التضليل أو الإكراه، وأن إيجاد مخرج آمن يشجع المنشقين على ترك التنظيم، فضلاً عن كونها رسالة إنسانية وسياسية تُظهر أن الدولة تفرّق بين القيادات المتشددة والشباب المغرر بهم، وتعزز صورة الحكومة كجهة حاضنة لا انتقامية».

يأتي ذلك وسط تصاعد عمليات «حركة الشباب»، حيث قال «مرصد الأزهر لمكافحة التطرف» إن «نذير الخطر الإرهابي يتصاعد على امتداد الحدود الصومالية - الكينية خلال شهر رمضان، في ظل استراتيجية دموية تنتهجها (حركة الشباب) لترهيب المدنيين وتنفيذ ضربات عابرة للحدود».

وأوضح المرصد في بيان، الاثنين، أن «هذا التصعيد الميداني بدأ ليلة السبت الماضي، حين نفذت عناصر الحركة الإرهابية إعدامات رمياً بالرصاص بحق 10 مدنيين في منطقتي بوالي بجوبا الوسطى وكونيا بارو بشبيلي السفلى جنوب الصومال»، لافتاً إلى أن الحركة تضاعف نشاطها في هذا التوقيت لاستغلال الشعور الديني العام في رمضان.

ويرى بري أن الحركة تستغل الأجواء الدينية، «لذا فإن قرار العفو وحده لا يكفي إذا لم يُربط ببرامج إعادة تأهيل حقيقية، لكي ينجح في محاصرة (حركة الشباب) عبر استمرار النصيحة الدينية والفكرية والدمج الاقتصادي ومتابعة أمنية ذكية».

Your Premium trial has ended


الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)

في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل أوساط الجماعة الحوثية من احتمال هجوم أميركي على إيران قد يتسع ليشمل أذرع طهران في المنطقة، أعلنت السلطات التابعة للجماعة في صنعاء رفع مستوى الطوارئ والاستعداد لمواجهة أي تطورات عسكرية محتملة، بالتزامن مع تصعيد خطاب التعبئة الدينية والدعوة إلى «الجهاد»، حيث لا يستبعد مراقبون أن تنخرط الجماعة في الصراع إلى جانب إيران.

وجاء الإعلان الحوثي عقب اجتماع نادر للجنة الطوارئ التابعة للحكومة غير المعترف بها دولياً، برئاسة القائم بأعمال رئيسها محمد مفتاح، حيث ناقش المجتمعون - وفق وسائل إعلام الجماعة - إجراءات رفع الجاهزية على المستويين المركزي والمحلي، وتعزيز قدرات المؤسسات المعنية بالتعامل مع الحالات الطارئة، خصوصاً الدفاع المدني والقطاعات الخدمية.

ويرى محللون يمنيون أن توقيت الاجتماع يعكس مخاوف الحوثيين من احتمال تعرضهم لتداعيات أي ضربات عسكرية قد تستهدف إيران، في ظل ارتباط الجماعة السياسي والعسكري بما يُعرف بمحور «الممانعة»، وهو ما قد يجعل مناطق سيطرتهم جزءاً من مسرح ردود الفعل الإقليمية.

وحسب المصادر الحوثية، ناقشت لجنة الطوارئ آليات تعزيز الاستجابة السريعة للأزمات، بما يشمل رفع جاهزية فرق الإنقاذ والإغاثة وتقوية البنية التشغيلية لقطاع الطوارئ، الذي يضم عدداً من الوزارات والمؤسسات المرتبطة بالأمن والخدمات.

اجتماع نادر للجنة الطوارئ في حكومة الحوثيين الانقلابية (إعلام محلي)

وأكد محمد مفتاح خلال الاجتماع أن «الوضع الاستثنائي» يتطلب استمرار الاستعداد الكامل، داعياً إلى دعم مصلحة الدفاع المدني بالكوادر والمعدات اللازمة، بما يمكّنها من الحد من الخسائر البشرية والمادية في حال وقوع هجمات أو تطورات عسكرية مفاجئة.

ويشير مراقبون إلى أن الإعلان عن اجتماعات لجنة الطوارئ يُعد أمراً غير معتاد، إذ غالباً ما تبقى تحركاتها بعيدة عن الإعلام، ما يعزز فرضية أن الجماعة تتوقع سيناريوهات تصعيد تتجاوز الإطار المحلي اليمني.

كما انتقد المسؤول الحوثي الحشود العسكرية الأميركية في المنطقة، ورأى أنها تمثل تهديداً لاستقرار دول الشرق الأوسط، ومتهماً واشنطن بالسعي إلى فرض الهيمنة على مقدرات المنطقة، وهو خطاب يتكرر في بيانات الجماعة بالتوازي مع كل توتر إقليمي.

احتواء الضغوط

وتزامنت إجراءات الطوارئ الحوثية مع تصعيد ملحوظ في الخطاب التعبوي، حيث كثّفت الجماعة الفعاليات الجماهيرية والمسيرات المناهضة للسياسات الأميركية والإسرائيلية، إضافة إلى توسيع حملات التجنيد، خصوصاً في أوساط الطلاب والشباب.

ويرى سياسيون يمنيون أن هذا التصعيد يأتي أيضاً في سياق محاولة احتواء حالة الاحتقان الشعبي الكبيرة نتيجة الأزمة الاقتصادية الحادة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات، واتساع رقعة الفقر، فضلاً عن مواجهات قبلية متفرقة في عدد من المحافظات.

تعسف الحوثيين ضد الوكالات الإغاثية حرم ملايين اليمنيين من الحصول على المساعدات (أ.ف.ب)

وحسب هؤلاء، فإن ربط الوضع المحلي بالصراع الإقليمي يمنح الجماعة فرصة لإعادة توجيه الرأي العام نحو «الخطر الخارجي»، بما يسهم في تخفيف الضغط الداخلي المتصاعد.

وفي السياق ذاته، نظمت الجماعة عروضاً عسكرية في عدد من المدن الخاضعة لسيطرتها، في استعراض للقوة العسكرية ورسائل ردع داخلية وخارجية، بينما عدّ مراقبون أن هذه التحركات تهدف أيضاً إلى ترسيخ حالة التعبئة النفسية لدى السكان.

وفي موقف أكثر وضوحاً، أصدرت رابطة رجال الدين التابعة للحوثيين بياناً دعت فيه إلى رفع مستوى التعبئة والاستعداد القتالي، مطالبة السكان بالالتزام بتوجيهات زعيم الجماعة، ومؤكدة ضرورة «النفير الواسع» لمواجهة ما وصفته بالتهديدات الأميركية والإسرائيلية.

كما أدانت الرابطة الضربات الإسرائيلية ضد مواقع مرتبطة بــ«حزب الله» في لبنان، وعدّت التهديدات الموجهة لإيران دليلاً على اتساع المواجهة، داعية إلى ما سمته «وحدة الساحات»، وهو مفهوم سياسي تتبناه القوى المتحالفة مع طهران في المنطقة.

وشدد البيان على أن «الجهاد ووحدة الصف» يمثلان السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الراهنة، داعياً إلى مقاطعة المنتجات الأميركية والإسرائيلية وتحريض السكان على التعبئة العامة.

تصعيد ميداني

وبالتوازي مع هذه التحركات السياسية والتعبوية الحوثية، شهدت جبهات الساحل الغربي اليمني تصعيداً عسكرياً لافتاً، إذ أفادت مصادر عسكرية بسقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات المشتركة (الحكومية) إثر هجوم حوثي واسع استهدف مواقع في مديرية حيس جنوب محافظة الحديدة.

تجنيد مستمر ضمن حملات التعبئة الحوثية (إعلام محلي)

ووفق المصادر، أسفر الهجوم عن مقتل ستة عسكريين وإصابة نحو ثلاثة عشر آخرين، بعد معارك دارت في مناطق خط حيس - الجراحي وجبال ذو بأس شمال المدينة، في محاولة للسيطرة على مواقع استراتيجية.

ويشير مراقبون إلى أن مدينة حيس تمثل موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، كونها تربط بين الساحل والمرتفعات الداخلية المؤدية إلى محافظتي تعز وإب، إضافة إلى كونها بوابة جنوبية رئيسية لمحافظة الحديدة المطلة على البحر الأحمر.

ويرى محللون أن التصعيد الحوثي الميداني بالتزامن مع إعلان الطوارئ يعكس استراتيجية مزدوجة للجماعة، تجمع بين الاستعداد لأي تصعيد خارجي وتعزيز مواقعها الميدانية داخلياً.


حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
TT

حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)

مع عودة الحكومة اليمنية إلى العاصمة المؤقتة عدن وعقد أول اجتماعاتها من الداخل، بدأت مؤسسات الدولة مرحلة من الحراك التنفيذي المكثف، عكستها اجتماعات موسعة وتحركات متزامنة لعدد من الوزارات، في مؤشر على توجه حكومي لإعادة تنشيط العمل المؤسسي وتعزيز حضور الدولة في مختلف القطاعات الخدمية والتنموية.

وفي حين يشدد رئيس الوزراء شائع الزنداني على العمل من الداخل وتقليص مهام سفر الوزراء إلى الخارج، تسعى الحكومة، وفق مسؤولين، إلى تحويل عودتها الميدانية إلى نقطة انطلاق لمرحلة إصلاح إداري واقتصادي تستند إلى رفع كفاءة الأداء، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وتفعيل الحوكمة والرقابة، بما يسهم في تحسين الخدمات العامة وتثبيت الاستقرار في المناطق المحررة.

في هذا السياق، عقد وزير الدفاع، الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً موسعاً في عدن ضم مساعدي الوزير ورؤساء الهيئات العسكرية، بحضور نائب رئيس هيئة الأركان، اللواء الركن أحمد البصر؛ لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة داخل المؤسسة العسكرية.

وأكد العقيلي أهمية تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الهيئات العسكرية بما يحقق الانسجام في تنفيذ المهام الوطنية، مشدداً على ضرورة إجراء تقييم شامل لأداء المرحلة الماضية، ومراجعة الإنجازات والتحديات؛ بهدف تصحيح الاختلالات وتعزيز كفاءة العمل المؤسسي.

وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي يترأس اجتماعاً للقادة في عدن (سبأ)

وأشار إلى «أهمية تفعيل آليات الرقابة وترسيخ قيم الشفافية والنزاهة والانضباط، بوصفها ركائز أساسية لإعادة بناء مؤسسة عسكرية حديثة قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة الراهنة».

كما شدد وزير الدفاع اليمني على المضي في تطبيق الحوكمة الإلكترونية وتطوير الأنظمة الإدارية، في خطوة تهدف إلى «تحديث بنية العمل المؤسسي وتقليل البيروقراطية»، مثمناً في الوقت ذاته دعم «تحالف دعم الشرعية» بقيادة المملكة العربية السعودية، وما يقدمه من إسناد مستمر للمؤسسة العسكرية اليمنية.

واستمع الوزير خلال الاجتماع، وفق الإعلام الرسمي، إلى تقارير تفصيلية من رؤساء الهيئات بشأن سير تنفيذ الخطط العسكرية والصعوبات التي تواجه الأداء، في إطار توجه حكومي لإرساء ثقافة التقييم الدوري والمساءلة المؤسسية.

صدارة الأولويات

بالتوازي مع التحركات العسكرية، ركزت وزارة الإدارة المحلية على إعادة تفعيل دور السلطات المحلية بوصفها محركاً أساسياً للتنمية الاقتصادية والخدمية.

وأكد وزير الإدارة المحلية، المهندس بدر باسلمة، خلال اجتماع ضم قيادات الوزارة، أهمية إجراء تقييم شامل لأداء السلطات المحلية في المحافظات؛ «بهدف تحديد مكامن الضعف وتعزيز نقاط القوة، بما يضمن تنفيذ برامج تنموية واستثمارية أعلى فاعلية».

وأوضح باسلمة أن المرحلة الحالية تتطلب تمكين السلطات المحلية اقتصادياً وتنموياً، وتعزيز التنسيق مع المنظمات الدولية والقطاع الخاص لدعم المشروعات الخدمية والتنموية، مشيراً إلى أن «منح صلاحيات أوسع للوحدات الإدارية الكفؤ يمثل خطوة أساسية نحو ترسيخ الحكم الرشيد».

وزير الإدارة المحلية اليمنية بدر باسلمة خلال اجتماع في عدن (سبأ)

وشدد الوزير على أن تعزيز اللامركزية المالية والإدارية «سيمكن السلطات المحلية من قيادة التنمية المستدامة بكفاءة أكبر، بما يسهم في تحسين مستوى الخدمات وتخفيف الأعباء عن الحكومة المركزية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس تحولاً تدريجياً نحو نموذج إداري أعلى مرونة، يمنح المحافظات دوراً أوسع في إدارة مواردها وتحقيق التنمية المحلية.

وفي قطاع التعليم، عقد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور أمين القدسي، سلسلة لقاءات منفصلة مع قيادات الجامعات الحكومية والأهلية، بينها جامعة عدن، والجامعة الألمانية الدولية، وجامعة العلوم والتكنولوجيا، إضافة إلى مجلس الاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم العالي.

ونوقشت في اللقاءات آلياتُ «تطوير الأداء المؤسسي للجامعات وتعزيز جودة العملية التعليمية، مع التركيز على تطبيق معايير أكاديمية حديثة تسهم في تحسين مخرجات التعليم ومواءمتها مع احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية».

رهان على تنشيط قطاعات الثقافة والسياحة في اليمن بقيادة الوزير مطيع دماج (سبأ)

وأكد القدسي أن الوزارة تتحمل مسؤولية وطنية في رسم السياسات المنظمة لقطاع التعليم العالي، مشدداً على ضرورة تعزيز العمل التكاملي بين الجامعات والجهات الرقابية لمعالجة أوجه القصور وتجاوز التحديات التي فرضتها سنوات الحرب.

كما استعرضت الاجتماعات مستوى تنفيذ البرامج الأكاديمية والتحديات التي واجهت المؤسسات التعليمية، والجهود المبذولة للحفاظ على استقرار العملية التعليمية رغم الظروف الاقتصادية والأمنية المعقدة.

تحريك القطاعات الخدمية

وفي إطار الحراك الحكومي الأوسع، ترأس وزير الثقافة والسياحة، مطيع دماج، اجتماعاً لقيادات الوزارة لمناقشة إعداد استراتيجية ثقافية وسياحية جديدة، مع التركيز على إعادة تنظيم صناديق التنمية الثقافية والترويج السياحي، وتوجيه مواردها نحو تنشيط الفعاليات الثقافية وجذب الاستثمار السياحي.

ووجّه الوزير بإعداد دليل للفرص السياحية في اليمن بهدف استقطاب المستثمرين، إلى جانب وضع تصور متكامل لإدارة المواقع السياحية في سقطرى وعدن وحضرموت، وحصر المنشآت السياحية المملوكة للدولة تمهيداً لإعادة تأهيلها.

جانب من اجتماع ترأسه وزير النقل في الحكومة اليمنية محسن حيدرة (سبأ)

وفي قطاع النقل، عقد الوزير محسن حيدرة اجتماعاً موسعاً ناقش تطوير أداء الهيئات والمؤسسات التابعة للوزارة، مؤكداً أن خدمات النقل تمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد الوطني وحياة المواطنين اليومية.

وشدد حيدرة على «ضرورة استكمال خطط تطوير القطاع وفق مصفوفة إجراءات واضحة، مع التزام تطبيق القوانين وبسط سيادة الدولة في المنافذ والموانئ، ومعالجة الاختلالات القائمة، بما يعزز التعافي الاقتصادي واستدامة الخدمات».

أما على صعيد الشباب والرياضة، فقد ناقش الوزير نايف البكري، مع مدير مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن ألبرت سكوت، جهود الحكومة لتعزيز الاستقرار في عدن والمحافظات المحررة، مؤكداً التزام الحكومة مواصلة الإصلاحات وتقريب مؤسسات الدولة من المواطنين.

ودعا البكري المجتمع الدولي إلى تقديم دعم أكبر لجهود الإصلاح والاستقرار، مشيداً بدعم «تحالف دعم الشرعية» وجهود الأمم المتحدة في الدفع نحو عملية السلام، فيما أكد المسؤول الأممي وجود مؤشرات إيجابية في أداء الحكومة خلال المدة الأخيرة.