صالح «الراقص على رؤوس الثعابين» يترجّل

مسيرة حافلة للرئيس اليمني السابق تميزت بالدهاء واللعب على التناقضات

صالح والرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن بالبيت الأبيض في 2007 (أ.ب)
صالح والرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن بالبيت الأبيض في 2007 (أ.ب)
TT

صالح «الراقص على رؤوس الثعابين» يترجّل

صالح والرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن بالبيت الأبيض في 2007 (أ.ب)
صالح والرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن بالبيت الأبيض في 2007 (أ.ب)

أخيراً، ترجل الراقص لعقود على «رؤوس الثعابين» بلدغة ثعبان من المؤكد أنه أخطأ في طريقة ترويضه. فقد قتل الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح أمس، وهو يؤدي الرقصة الأخيرة للفكاك من الثعبان الحوثي، الذي يكاد اليوم أن يبتلع اليمن برمته ليرميها في أحضان المشروع الإيراني الطائفي السلالي.
ولد صالح لأسرة فقيرة في مسقط رأسه في قرية سنحان في الضواحي الجنوبية للعاصمة صنعاء في 21 مارس (آذار) 1942، إبان حكم الإمامة لشمال اليمن.
فقد والده في وقت مبكر، ونشأ في كنف زوج أمه. حصل على قليل من التعليم الأولي قبل أن ينخرط في العمل العسكري منذ سن الـ12 من عمره، حيث غادر إلى منطقة قعطبة جنوباً آنذاك ضمن الجيش الإمامي. لم يكن أحد يتوقع، لهذا الشخص الذي جاء من عائلة تعتمد على الفلاحة ورعي الأغنام، أن يصبح يوماً رئيساً لليمن بشماله وجنوبه وشرقه وغربه، مروضاً للقوى المجتمعية القبلية والمناطق اليمنية على اختلاف تناقضاتها وتبايناتها الجغرافية والثقافية طيلة سني حكمه التي امتدت فوق 3 عقود من الزمن.
التحق صالح في الـ18 من عمره، عام 1960، بمدرسة الضباط بناء على وساطة قبلية، قبل أن تجعله الأقدار مشاركاً في دور محدود على متن مدرعة عسكرية في أحداث ثورة الـ26 من سبتمبر (أيلول) 1962 ضد حكم الإمامة الملكية لعائلة حميد الدين التي كانت تلقفت حكم شمال اليمن بعد انتهاء الحكم التركي لصنعاء عقب الحرب العالمية الأولى.
لم يكن صالح هو الوجه الأبرز بين الضباط اليمنيين، لكنه بدأ يبرز إلى الواجهة بعد أن أصبح قائداً للواء المجد في محافظة تعز إثر انقلاب المقدم إبراهيم الحمدي على حكومة القاضي عبد الرحمن الإرياني في 13 يونيو (حزيران) 1974، وما تلا ذلك من أحداث قادت إلى اغتيال الحمدي وشقيقه في حكاية يقول خصوم صالح إنه كان طرفاً فيها مع المقدم الغشمي الذي خلف الحمدي لفترة وجيزة قبل أن يلقى هو الآخر حتفه في انفجار بقنبلة في مكتبه سنة 1978.

مسيرته على رأس السلطة
في17 يوليو (تموز) 1978، انتخب ما كان يعرف بمجلس الشعب التأسيسي، علي عبد الله صالح رئيساً لشمال اليمن، ومن ذلك الوقت بدأ صالح يراقص الثعابين رويداً رويداً ليصنع مجده السلطوي بالحزم حيناً، وبالمداهنة وكسب الولاءات أحياناً، وبضرب الخصوم بعضهم ببعض أحايين أخرى.
وعزز صالح قبضته على الجيش وقمع أكثر من محاولة للانقلاب عليه كما فعل بالعسكريين الناصريين بعد أشهر من حكمه. تحالف مع «الإخوان المسلمين» للقضاء على المد اليساري الاشتراكي، فيما يعرف بالمناطق الوسطى المتاخمة لجنوب اليمن قبل إعادة تحقيق الوحدة الاندماجية بين شطري البلاد في سنة 1990.
نجح صالح بامتياز في ترويض مراكز القوى القبلية عبر إشراكها في السلطة والثروة، كما فعل مع زعماء قبيلتي حاشد وبكيل، وفي الوقت نفسه مكن لأقاربه وأفراد قبيلته سنحان من كل مفاصل الجيش.
وبينما كان حلم الوحدة بين شطري اليمن يراود كل القوى الوطنية منذ عقود، انتهز صالح هذه الرغبة مع الرئيس الجنوبي علي سالم البيض لإعلان وحدة اندماجية بين الشمال والجنوب، سرعان ما بدأت تتآكل بسبب صراع شريكي الوحدة، وهو ما جعل صالح يتحالف مع مختلف القوى في الشمال والجنوب لقمع محاولة الانفصال التي قادها شريكه البيض لتنتهي الحرب في صيف 1994 بانتصار صالح والقوى الحليفة معه.
في السياسة الخارجية، كان صالح براغماتياً من الدرجة الأولى. يحاول اللعب على كل الحبال، مستثمراً أوراق «القاعدة» والإرهاب، وجماعة الحوثيين، والقضايا العربية الكبرى. وقف مع صدام أثناء اجتياح الكويت، وعاد وتصالح مع دول الخليج، وكان من أبرز إنجازاته ترسيم الحدود مع السعودية وعمان وطي الخلاف في هذا الملف.
يصفه أنصاره بأنه باني اليمن الموحد، ويرى فيه الخصوم مجرد ديكتاتور صغير استغل جهل شعبه وفقره لتوطيد حكمه والتمكين لمراكز القوى لأكل الأخضر واليابس دون إحداث تنمية حقيقية.
وعلى الرغم من التعددية السياسية والحزبية المعلنة في البلاد، فإن صالح برع في احتفاظه بالسلطة ومراوغة خصومه من الأحزاب والتيارات الأخرى وتفريخ الأحزاب المعارضة وإضعافها، ما جعله يصبح الحاكم المطلق للبلاد في ثوب جمهوري، كما وصفه خصومه.
قاد صالح 6 حروب ضد جماعة الحوثيين المدعومة من إيران، التي نشأت في محافظة صعدة شمال اليمن على يد مؤسسها حسين بدر الدين الحوثي، الذي قتل في نهاية الحرب الأولى سنة 2004.
اتهم صالح بأنه كان غير جاد في القضاء على الحركة الحوثية التي حافظت على وجودها بقيادة زعيمها الحالي عبد الملك الحوثي، لجهة أنه كان يريد للحركة أن تكون عامل ابتزاز لدول الجوار، ومحطات لإنهاك حليفه العسكري وغريمه في الوقت ذاته الجنرال علي محسن الأحمر، قائد ما كان يعرف بالفرقة الأولى - مدرع، الذي أصبح نائب رئيس الجمهورية الحالي عبد ربه منصور هادي.
في الـ10 سنوات الأخيرة من حكمه، بدأ صالح يمكن عائلته من الاستحواذ على كل السلطة والثروة، فأنشأ الحرس الجمهوري بقيادة نجله الأكبر أحمد وبدأ في تلميعه لخلافته، كما عين أبناء أخيه الأكبر على رأس الأجهزة الأمنية، وبقي أخوه غير الشقيق محمد صالح الأحمر قائداً للقوات الجوية.
ومع اندلاع موجة ما عرف بثورات «الربيع العربي» كانت رياح التغيير تهب صوب اليمن، إذ اندلعت الاحتجاجات ضد حكم صالح مطلع عام 2011 وفشل في احتوائها قبل أن يتعرض في العام نفسه لحادثة تفجير المسجد مع رجال حكومته داخل القصر الرئاسي في محاولة من خصومه لاغتياله، لكنه نجا منها بأعجوبة، وقامت السلطات السعودية حينها بنقله مع أركان حكمه إلى المملكة لتلقي العلاج. نجح بعدها الاتفاق الذي عرف بـ«المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية» في وضع طريق آمنة لصالح وحزبه مقابل ترك السلطة لنائبه عبد ربه منصور هادي الذي انتخب رئيساً انتقالياً بالإجماع مطلع عام 2012، ومنحته المبادرة حصانة من الملاحقة القضائية وأعطت حزبه نصف مقاعد الحكومة.

الرغبة في الانتقام
لم يطب لصالح تركه السلطة وتجريد أقاربه من مناصبهم العسكرية، ويبدو أن روح الانتقام تلبسته تماماً للثأر من القوى التي انتفضت على حكمه، فكانت جماعة الحوثيين التي شرعنت لها انتفاضة 2011 باعتبارها مكوناً وطنياً هي «حصان طروادة» الذي رأى صالح أنه سيمكنه من الانتقام من خصومه.
ومع زحف الجماعة من معقلها في صعدة باتجاه صنعاء للانقلاب على حكومة هادي التوافقية، كان صالح يعقد الاجتماعات في منزله بشيوخ القبائل وأنصاره والعسكر الموالين له، ليحضهم على غض الطرف وتسهيل دخول الحوثي إلى صنعاء، وهو ما حدث بالفعل في 21 سبتمبر 2014، وما تلاه من أحداث قادت إلى تحالف صالح مع الجماعة في سلطة انقلابية على شرعية هادي الذي هب تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية لنجدته، في محاولة لا تزال مستمرة لإنقاذ اليمن ومحاولة إعادته إلى المسار الانتقالي.
لم يحسب صالح المعروف بدهائه ورغماتيته مخاطر ما أقدم عليه. فقد كان «الثعبان» الحوثي هذه المرة فوق احتمال الترويض، ولم يستطع صالح السيطرة على شريكه المحتفي بالقوة والبطش. فقد تمكن الحوثي من مخازن السلاح والذخيرة وقام بنهبها وسيطر على مقرات الدولة ومؤسساتها ومواردها المالية وأعاد برمجة عقائد أبناء القبائل لتوافق عقيدته المذهبية مستأثراً بكل شيء أمام أنظار صالح الذي لم تعد سلطته العسكرية أخيراً تتعدى حجم مربع أمني في جنوب العاصمة ومسجد وقناة تلفزيونية وحزب كبير من الأنصار المدنيين الذين لا حول لهم ولا قوة.

النهاية
بات صالح في الأشهر الأخيرة مصدر إزعاج للحوثيين وبات يشكل لهم قلقاً إذا ما استطاع لملمة قوته من جديد، كما أنهم يرغبون في إذلاله والانتقام لمقتل مؤسس الجماعة وللحروب التي خاضتها سلطات صالح ضدهم من 2004 إلى 2014، فكانت خطة الجماعة أن تتخلص منه نهائياً، خصوصاً بعدما شاهدت الحشود المدنية الكبيرة التي استعرضها صالح في ذكرى تأسيس الحزب في ميدان السبعين.
يقول اليمنيون في مثل شعبي «نهاية المحنش للحنش»، أي أن مروض الثعابين السامة مهما برع في ترويضها ستأتي نهايته بلدغة من أحدها، وهو ما حدث لصالح الذي طالما تفاخر بأنه «الراقص على رؤوس الثعابين» خلال سنين حكمه.
استغل الحوثيون مناسبة «المولد النبوي الشريف» الخميس الماضي لحشد أنصارهم ومسلحيهم إلى ميدان السبعين في صنعاء للاحتفال. كان بإمكانهم اختيار مكان آخر بعيد عن مربع صالح الأمني، لكنها كانت الذريعة للسيطرة على المربع والجامع والميدان والقضاء على نجل شقيق صالح، الذي بات يمثل الذراع الأخيرة لعمه.
يبدو أن صالح أدرك أنه في مأزق حقيقي، فهو سيذل أو سيقتل في كل حال، فكانت دعوته في خطابه الأخير للمواجهة العسكرية مع الجماعة وفض الشراكة معها. نجح ليوم واحد في إرباك الجماعة، فقاتلت حراسته بشراسة أمام دبابات الحوثيين، وحاول أنصاره في المحافظات أن يفعلوا شيئاً. كان الوقت ضيقاً، والجماعة المسلحة لا ترحم ولا يهمها كم يسقط من أنصارها.
يوم أمس، الرابع من ديسمبر (كانون الأول)، خرج صالح من مربعه الأمني في الحي السياسي بمنطقة حدة في موكب صغير بعد انهيار حراساته رفقة عدد من قيادات حزبه، وتعددت الروايات حول كيفية مقتله لكنها تقود لنتيجة واحدة. تقول إحداها إنه تعرض لكمين على طريق خولان أثناء توجهه إلى مسقط رأسه في سنحان أو إلى محافظة البيضاء في محاولة للنجاة أو إيجاد مقر جديد لقيادة المواجهة، لكن الحوثيين فطنوا له وأنزلوه من السيارة وأعدموه ثأراً لمؤسس جماعتهم. ويتردد أن اثنين من أولاده باتا أسيرين لدى الحوثيين، وسط مصير مجهول ينتظر بقية أقاربه والمقربين منه من كبار الحزب ممن ما زالوا على قيد الحياة.
أنصار صالح يرونه الآن بطلاً شهيداً ويقولون: «رغم تحالفه مع الحوثيين، فإنه أخيراً استفاق وقتل وهو يواجههم لاستعادة الجمهورية السليبة». وفيما يرى بعض خصومه أنه استحق جزاءه، يؤمن اليمنيون بقضهم وقضيضهم أن المعضلة ما زالت قائمة، وهي في بقاء الحوثي على صدر صنعاء يعبث وينكل مؤسساً لدولته العنصرية السلالية.



منصات ملاحة: حركة الشحن البحري في مضيق هرمز لا تزال شبه متوقفة

سفن في مضيق هرمز قبالة سواحل عمان 15 يونيو 2026 (رويترز)
سفن في مضيق هرمز قبالة سواحل عمان 15 يونيو 2026 (رويترز)
TT

منصات ملاحة: حركة الشحن البحري في مضيق هرمز لا تزال شبه متوقفة

سفن في مضيق هرمز قبالة سواحل عمان 15 يونيو 2026 (رويترز)
سفن في مضيق هرمز قبالة سواحل عمان 15 يونيو 2026 (رويترز)

لا تزال حركة عبور مضيق هرمز، الاثنين، شبه متوقفة، حسب منصات لتتبع حركة الملاحة البحرية، رغم إشارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى بدء خروج ناقلات نفط من الممر الذي قال إنه سيكون مفتوحاً بشكل كامل الجمعة.

لكن بحلول الساعة 14.00، الاثنين، رصدت منصة «كبلر» عبور سفينة واحدة لنقل المواد الأولية للمضيق مع تشغيلها جهاز الإرسال والاستقبال، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

والسفينة التي عبرت هي السفينة «ديشا» التي ترفع علم مالطا، وغادرت الخليج محمّلة بـ60 ألف طن من الغاز الطبيعي المسال تم تحميلها في قطر، وتتّجه نحو الهند.

وبدا أن سفينة الشحن «كايزر» عبرت هي أيضاً المضيق خروجاً نحو الظهر، وفق إشارة نظام التعريف الآلي الخاص بها والمتاح على منصة «مارين ترافيك».

وقال نيكوس بوثيتاكيس، مسؤول العلاقات الإعلامية في «كبلر» في منشور على منصة «إكس»: «ما زالت عمليات العبور محدودة، في حين بثت أكثر من 500 سفينة تجارية إشارة نظام التعريف الآلي في الخليج الفارسي خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية».

وكان الرئيس الأميركي قال الاثنين على منصته «تروث سوشيال»، إن سفناً «بدأت تخرج» من المضيق، وأعلن في وقت لاحق أن المضيق سيُكون «مفتوحاً بشكل كامل» الجمعة.

في الأسبوع الماضي، بلغ متوسّط عدد السفن المحمّلة مواد أولية التي عبرت مضيق هرمز 6.4 سفن يومياً.

وقبل اندلاع الحرب، كان المضيق يشهد يومياً نحو 120 عملية عبور، وفق شركة البيانات البحرية «لويدز ليست إنتليجنس».

وكان نحو 20 مليون برميل يومياً، أي نحو خُمس الصادرات النفطية العالمية، يمر يومياً عبر المضيق في الظروف الطبيعية، متجهاً في شكل رئيسي إلى الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان.


هيئة بحرية بريطانية: بلاغ عن هجوم على ناقلة جنوب شرقي عدن اليمنية

أرشيفية لسفينة شحن بريطانية تعرضت لهجوم صاروخي حوثي بخليج عدن (د.ب.أ)
أرشيفية لسفينة شحن بريطانية تعرضت لهجوم صاروخي حوثي بخليج عدن (د.ب.أ)
TT

هيئة بحرية بريطانية: بلاغ عن هجوم على ناقلة جنوب شرقي عدن اليمنية

أرشيفية لسفينة شحن بريطانية تعرضت لهجوم صاروخي حوثي بخليج عدن (د.ب.أ)
أرشيفية لسفينة شحن بريطانية تعرضت لهجوم صاروخي حوثي بخليج عدن (د.ب.أ)

قالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية اليوم الاثنين إن زورقا صغيرا اقترب من ناقلة نفط وأطلق النار عليها على بعد 111 ميلا بحريا جنوب شرقي عدن في اليمن.

وأضافت أن السلطات تجري تحقيقا في هذه الواقعة، دون توضيح مزيد من التفاصيل.


«استخبارات الشرطة»... الذراع الأمنية الأشد بطشاً للحوثيين

جهاز استخبارات الشرطة أصبح اليد الطولى للقمع الحوثي (إعلام محلي)
جهاز استخبارات الشرطة أصبح اليد الطولى للقمع الحوثي (إعلام محلي)
TT

«استخبارات الشرطة»... الذراع الأمنية الأشد بطشاً للحوثيين

جهاز استخبارات الشرطة أصبح اليد الطولى للقمع الحوثي (إعلام محلي)
جهاز استخبارات الشرطة أصبح اليد الطولى للقمع الحوثي (إعلام محلي)

خلال ثلاث سنوات فقط، تحول جهاز «استخبارات الشرطة» الذي استحدثته الجماعة الحوثية إلى أحد أكثر الأجهزة الأمنية نفوذاً وهيمنة في مناطق سيطرتها، وسط اتهامات حقوقية متصاعدة بارتكاب انتهاكات واسعة تشمل الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب، فضلاً عن إدارة شبكة من السجون السرية التي يقبع فيها مئات المحتجزين.

ويدير الجهاز علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي، الذي جرى تعيينه في منصب وكيل وزارة الداخلية لقطاع الأمن والاستخبارات، في خطوة ربطها مراقبون بالصراع المتنامي بين أجنحة الجماعة ومراكز النفوذ الأمنية المتنافسة داخلها.

ووفق روايات حقوقيين وناشطين، فقد أُنشئ الجهاز في إطار إعادة توزيع النفوذ داخل المنظومة الأمنية الحوثية، وتقليص هيمنة جهاز الأمن والمخابرات الذي يقوده عبد الحكيم الخيواني، في ظل تنافس بين قيادات نافذة داخل الجماعة على إدارة الملفات الأمنية والاستخباراتية.

ومنذ تأسيسه، برز الجهاز لاعباً رئيساً في المشهد الأمني عبر حملات اعتقال طالت مئات المدنيين والناشطين والموظفين، تحت طيف واسع من التهم، بينها الاحتفال بذكرى ثورة السادس والعشرين من سبتمبر (أيلول)، والتخابر والتجسس لصالح جهات خارجية.

الحوثيون أنشأوا أجهزة أمنية موازية لتعزيز قبضتهم (إعلام محلي)

وطالت هذه الحملات أيضاً عشرات الموظفين العاملين في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمحلية، حيث أُحيل عديد منهم إلى القضاء الخاضع لسيطرة الجماعة بعد فترات طويلة من الاحتجاز والاستجواب.

ويؤكد ناشطون أن الجهاز بات يمتلك صلاحيات واسعة تتجاوز أحياناً صلاحيات الأجهزة الأمنية الأخرى، الأمر الذي جعله الذراع الأكثر حضوراً في تنفيذ الاعتقالات والتحقيقات الحساسة.

سجون تحت الأرض وانتهاكات

وحسب إفادات متطابقة حصلت عليها «الشرق الأوسط»، هناك معتقلان رئيسيان يتبعان هذا الجهاز الحوثي القمعي في العاصمة المختطفة صنعاءح، أحدهما في منطقة حدة بالقرب من السفارة الهندية، والآخر داخل السجن الاحتياطي التابع لإدارة شرطة هبرة شرقي المدينة.

ويُعد معتقل حدة الأكثر شهرة، إذ يتكون من مبنيين متجاورين؛ أبرزهما مبنى يعرف باسم «إصلاحية حدة»، ويضم قبواً واسعاً يحتوي على عشرات الزنازين الانفرادية المعروفة بين السجناء باسم «الضغاطات».

وتشير الشهادات إلى أن هذه الزنازين ضيقة ومظلمة ومجهزة بكاميرات مراقبة تعمل بصورة دائمة، فيما يُحتجز فيها المعتقلون لأشهر طويلة في عزلة شبه كاملة عن العالم الخارجي، دون معرفة الوقت أو التاريخ أو التواصل مع أسرهم.

مئات المحتجزين يقبعون في سجون الحوثيين منذ سنوات دون محاكمات عادلة (إعلام محلي)

ويؤكد محتجزون سابقون أن بعض المعتقلين لا يُسمح لهم برؤية ضوء الشمس إلا مرة واحدة أسبوعياً، وبعد انتهاء مراحل التحقيق الأولية فقط، قبل نقلهم إلى العنابر الجماعية تمهيداً لإحالتهم إلى المحاكم.

وتوضح المصادر أن الجهاز يديره هيكل أمني واسع يضم قيادات ومحققين ومشرفين على السجون وفرقاً متخصصة في المداهمات والاعتقالات.

ويبرز ضمن هذا الهيكل عدد من الأسماء النافذة، بينهم مفضل المؤيد مدير مكتب المشرف العام للجهاز، وعبد الله العياني، المعروف باسم «أبو زين»، إلى جانب أحمد عبد الله المكنى «أبو فاطمة» الذي يتولى إدارة قسم التحريات، ويُنظر إليه على أنه من أبرز الشخصيات المؤثرة في قرارات الجهاز وتحركاته الميدانية.

وتقول المصادر إن فرق التحريات التابعة للجهاز تشرف على مداهمة المنازل وتعقب المطلوبين وتنفيذ أوامر الاعتقال، فضلاً عن جمع المعلومات ومتابعة الأنشطة التي ترى الجماعة أنها تشكل تهديداً لها.

إنهاك نفسي ومصدر للتربح

ووفق شهادات حقوقية، لا تبدأ التحقيقات مع المعتقلين فور احتجازهم، بل يُتركون لفترات طويلة داخل الزنازين الانفرادية في ظروف قاسية تهدف إلى إنهاكهم نفسياً وجسدياً قبل بدء الاستجواب.

وعندما تبدأ جلسات التحقيق، لا تقتصر الأسئلة على التهمة الأساسية المنسوبة إلى المعتقل، وإنما تمتد إلى شبكة علاقاته الشخصية والاجتماعية وأقاربه وأصدقائه ومصادر دخله وتحويلاته المالية وسجلات اتصالاته.

ويرى حقوقيون أن هذا الأسلوب يهدف إلى توسيع دائرة الاشتباه والبحث عن معلومات يمكن استخدامها في ملاحقة آخرين أو ممارسة ضغوط إضافية على المحتجزين وأسرهم.

القضاء الخاضع للحوثيين متَّهم بتصديق مزاعم الجماعة حول المعتقلين (إعلام محلي)

ويقول ناشطون إن المحكمة الجزائية المتخصصة الخاضعة لسيطرة الجماعة، تتولى تثبيت معظم القضايا التي يحيلها الجهاز، مع ندرة الأحكام التي تتعارض مع روايته أو تشكك في إجراءات الاعتقال والتحقيق.

ويستشهد هؤلاء بقضية المواطن مجدي العابد الذي أُحيل إلى المحاكمة بتهمة التخابر والتسبب في قصف دائرة التوجيه المعنوي، رغم تأكيد هيئة الدفاع أنه كان معتقلاً لدى الجهاز قبل وقوع الحادثة بأكثر من شهر، وهو ما أثار تساؤلات حول طبيعة الأدلة والاتهامات المقدمة ضده.

ولا تقتصر الاتهامات الموجهة إلى الجهاز على الانتهاكات الأمنية، إذ يتحدث ناشطون عن ممارسات مالية داخل بعض المعتقلات، خصوصاً سجن حدة، حيث تُفرض قيود على إدخال الأطعمة والاحتياجات الأساسية التي ترسلها أسر المعتقلين.

ويقول هؤلاء إن تلك القيود تتيح للبقالات والمتاجر المرتبطة بإدارة السجن احتكار بيع المواد الغذائية والسلع الأساسية للمحتجزين بأسعار مرتفعة، بينما تُصادر بعض المواد التي تجلبها الأسر بحجج أمنية مختلفة.