صالح «الراقص على رؤوس الثعابين» يترجّل

مسيرة حافلة للرئيس اليمني السابق تميزت بالدهاء واللعب على التناقضات

صالح والرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن بالبيت الأبيض في 2007 (أ.ب)
صالح والرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن بالبيت الأبيض في 2007 (أ.ب)
TT

صالح «الراقص على رؤوس الثعابين» يترجّل

صالح والرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن بالبيت الأبيض في 2007 (أ.ب)
صالح والرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن بالبيت الأبيض في 2007 (أ.ب)

أخيراً، ترجل الراقص لعقود على «رؤوس الثعابين» بلدغة ثعبان من المؤكد أنه أخطأ في طريقة ترويضه. فقد قتل الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح أمس، وهو يؤدي الرقصة الأخيرة للفكاك من الثعبان الحوثي، الذي يكاد اليوم أن يبتلع اليمن برمته ليرميها في أحضان المشروع الإيراني الطائفي السلالي.
ولد صالح لأسرة فقيرة في مسقط رأسه في قرية سنحان في الضواحي الجنوبية للعاصمة صنعاء في 21 مارس (آذار) 1942، إبان حكم الإمامة لشمال اليمن.
فقد والده في وقت مبكر، ونشأ في كنف زوج أمه. حصل على قليل من التعليم الأولي قبل أن ينخرط في العمل العسكري منذ سن الـ12 من عمره، حيث غادر إلى منطقة قعطبة جنوباً آنذاك ضمن الجيش الإمامي. لم يكن أحد يتوقع، لهذا الشخص الذي جاء من عائلة تعتمد على الفلاحة ورعي الأغنام، أن يصبح يوماً رئيساً لليمن بشماله وجنوبه وشرقه وغربه، مروضاً للقوى المجتمعية القبلية والمناطق اليمنية على اختلاف تناقضاتها وتبايناتها الجغرافية والثقافية طيلة سني حكمه التي امتدت فوق 3 عقود من الزمن.
التحق صالح في الـ18 من عمره، عام 1960، بمدرسة الضباط بناء على وساطة قبلية، قبل أن تجعله الأقدار مشاركاً في دور محدود على متن مدرعة عسكرية في أحداث ثورة الـ26 من سبتمبر (أيلول) 1962 ضد حكم الإمامة الملكية لعائلة حميد الدين التي كانت تلقفت حكم شمال اليمن بعد انتهاء الحكم التركي لصنعاء عقب الحرب العالمية الأولى.
لم يكن صالح هو الوجه الأبرز بين الضباط اليمنيين، لكنه بدأ يبرز إلى الواجهة بعد أن أصبح قائداً للواء المجد في محافظة تعز إثر انقلاب المقدم إبراهيم الحمدي على حكومة القاضي عبد الرحمن الإرياني في 13 يونيو (حزيران) 1974، وما تلا ذلك من أحداث قادت إلى اغتيال الحمدي وشقيقه في حكاية يقول خصوم صالح إنه كان طرفاً فيها مع المقدم الغشمي الذي خلف الحمدي لفترة وجيزة قبل أن يلقى هو الآخر حتفه في انفجار بقنبلة في مكتبه سنة 1978.

مسيرته على رأس السلطة
في17 يوليو (تموز) 1978، انتخب ما كان يعرف بمجلس الشعب التأسيسي، علي عبد الله صالح رئيساً لشمال اليمن، ومن ذلك الوقت بدأ صالح يراقص الثعابين رويداً رويداً ليصنع مجده السلطوي بالحزم حيناً، وبالمداهنة وكسب الولاءات أحياناً، وبضرب الخصوم بعضهم ببعض أحايين أخرى.
وعزز صالح قبضته على الجيش وقمع أكثر من محاولة للانقلاب عليه كما فعل بالعسكريين الناصريين بعد أشهر من حكمه. تحالف مع «الإخوان المسلمين» للقضاء على المد اليساري الاشتراكي، فيما يعرف بالمناطق الوسطى المتاخمة لجنوب اليمن قبل إعادة تحقيق الوحدة الاندماجية بين شطري البلاد في سنة 1990.
نجح صالح بامتياز في ترويض مراكز القوى القبلية عبر إشراكها في السلطة والثروة، كما فعل مع زعماء قبيلتي حاشد وبكيل، وفي الوقت نفسه مكن لأقاربه وأفراد قبيلته سنحان من كل مفاصل الجيش.
وبينما كان حلم الوحدة بين شطري اليمن يراود كل القوى الوطنية منذ عقود، انتهز صالح هذه الرغبة مع الرئيس الجنوبي علي سالم البيض لإعلان وحدة اندماجية بين الشمال والجنوب، سرعان ما بدأت تتآكل بسبب صراع شريكي الوحدة، وهو ما جعل صالح يتحالف مع مختلف القوى في الشمال والجنوب لقمع محاولة الانفصال التي قادها شريكه البيض لتنتهي الحرب في صيف 1994 بانتصار صالح والقوى الحليفة معه.
في السياسة الخارجية، كان صالح براغماتياً من الدرجة الأولى. يحاول اللعب على كل الحبال، مستثمراً أوراق «القاعدة» والإرهاب، وجماعة الحوثيين، والقضايا العربية الكبرى. وقف مع صدام أثناء اجتياح الكويت، وعاد وتصالح مع دول الخليج، وكان من أبرز إنجازاته ترسيم الحدود مع السعودية وعمان وطي الخلاف في هذا الملف.
يصفه أنصاره بأنه باني اليمن الموحد، ويرى فيه الخصوم مجرد ديكتاتور صغير استغل جهل شعبه وفقره لتوطيد حكمه والتمكين لمراكز القوى لأكل الأخضر واليابس دون إحداث تنمية حقيقية.
وعلى الرغم من التعددية السياسية والحزبية المعلنة في البلاد، فإن صالح برع في احتفاظه بالسلطة ومراوغة خصومه من الأحزاب والتيارات الأخرى وتفريخ الأحزاب المعارضة وإضعافها، ما جعله يصبح الحاكم المطلق للبلاد في ثوب جمهوري، كما وصفه خصومه.
قاد صالح 6 حروب ضد جماعة الحوثيين المدعومة من إيران، التي نشأت في محافظة صعدة شمال اليمن على يد مؤسسها حسين بدر الدين الحوثي، الذي قتل في نهاية الحرب الأولى سنة 2004.
اتهم صالح بأنه كان غير جاد في القضاء على الحركة الحوثية التي حافظت على وجودها بقيادة زعيمها الحالي عبد الملك الحوثي، لجهة أنه كان يريد للحركة أن تكون عامل ابتزاز لدول الجوار، ومحطات لإنهاك حليفه العسكري وغريمه في الوقت ذاته الجنرال علي محسن الأحمر، قائد ما كان يعرف بالفرقة الأولى - مدرع، الذي أصبح نائب رئيس الجمهورية الحالي عبد ربه منصور هادي.
في الـ10 سنوات الأخيرة من حكمه، بدأ صالح يمكن عائلته من الاستحواذ على كل السلطة والثروة، فأنشأ الحرس الجمهوري بقيادة نجله الأكبر أحمد وبدأ في تلميعه لخلافته، كما عين أبناء أخيه الأكبر على رأس الأجهزة الأمنية، وبقي أخوه غير الشقيق محمد صالح الأحمر قائداً للقوات الجوية.
ومع اندلاع موجة ما عرف بثورات «الربيع العربي» كانت رياح التغيير تهب صوب اليمن، إذ اندلعت الاحتجاجات ضد حكم صالح مطلع عام 2011 وفشل في احتوائها قبل أن يتعرض في العام نفسه لحادثة تفجير المسجد مع رجال حكومته داخل القصر الرئاسي في محاولة من خصومه لاغتياله، لكنه نجا منها بأعجوبة، وقامت السلطات السعودية حينها بنقله مع أركان حكمه إلى المملكة لتلقي العلاج. نجح بعدها الاتفاق الذي عرف بـ«المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية» في وضع طريق آمنة لصالح وحزبه مقابل ترك السلطة لنائبه عبد ربه منصور هادي الذي انتخب رئيساً انتقالياً بالإجماع مطلع عام 2012، ومنحته المبادرة حصانة من الملاحقة القضائية وأعطت حزبه نصف مقاعد الحكومة.

الرغبة في الانتقام
لم يطب لصالح تركه السلطة وتجريد أقاربه من مناصبهم العسكرية، ويبدو أن روح الانتقام تلبسته تماماً للثأر من القوى التي انتفضت على حكمه، فكانت جماعة الحوثيين التي شرعنت لها انتفاضة 2011 باعتبارها مكوناً وطنياً هي «حصان طروادة» الذي رأى صالح أنه سيمكنه من الانتقام من خصومه.
ومع زحف الجماعة من معقلها في صعدة باتجاه صنعاء للانقلاب على حكومة هادي التوافقية، كان صالح يعقد الاجتماعات في منزله بشيوخ القبائل وأنصاره والعسكر الموالين له، ليحضهم على غض الطرف وتسهيل دخول الحوثي إلى صنعاء، وهو ما حدث بالفعل في 21 سبتمبر 2014، وما تلاه من أحداث قادت إلى تحالف صالح مع الجماعة في سلطة انقلابية على شرعية هادي الذي هب تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية لنجدته، في محاولة لا تزال مستمرة لإنقاذ اليمن ومحاولة إعادته إلى المسار الانتقالي.
لم يحسب صالح المعروف بدهائه ورغماتيته مخاطر ما أقدم عليه. فقد كان «الثعبان» الحوثي هذه المرة فوق احتمال الترويض، ولم يستطع صالح السيطرة على شريكه المحتفي بالقوة والبطش. فقد تمكن الحوثي من مخازن السلاح والذخيرة وقام بنهبها وسيطر على مقرات الدولة ومؤسساتها ومواردها المالية وأعاد برمجة عقائد أبناء القبائل لتوافق عقيدته المذهبية مستأثراً بكل شيء أمام أنظار صالح الذي لم تعد سلطته العسكرية أخيراً تتعدى حجم مربع أمني في جنوب العاصمة ومسجد وقناة تلفزيونية وحزب كبير من الأنصار المدنيين الذين لا حول لهم ولا قوة.

النهاية
بات صالح في الأشهر الأخيرة مصدر إزعاج للحوثيين وبات يشكل لهم قلقاً إذا ما استطاع لملمة قوته من جديد، كما أنهم يرغبون في إذلاله والانتقام لمقتل مؤسس الجماعة وللحروب التي خاضتها سلطات صالح ضدهم من 2004 إلى 2014، فكانت خطة الجماعة أن تتخلص منه نهائياً، خصوصاً بعدما شاهدت الحشود المدنية الكبيرة التي استعرضها صالح في ذكرى تأسيس الحزب في ميدان السبعين.
يقول اليمنيون في مثل شعبي «نهاية المحنش للحنش»، أي أن مروض الثعابين السامة مهما برع في ترويضها ستأتي نهايته بلدغة من أحدها، وهو ما حدث لصالح الذي طالما تفاخر بأنه «الراقص على رؤوس الثعابين» خلال سنين حكمه.
استغل الحوثيون مناسبة «المولد النبوي الشريف» الخميس الماضي لحشد أنصارهم ومسلحيهم إلى ميدان السبعين في صنعاء للاحتفال. كان بإمكانهم اختيار مكان آخر بعيد عن مربع صالح الأمني، لكنها كانت الذريعة للسيطرة على المربع والجامع والميدان والقضاء على نجل شقيق صالح، الذي بات يمثل الذراع الأخيرة لعمه.
يبدو أن صالح أدرك أنه في مأزق حقيقي، فهو سيذل أو سيقتل في كل حال، فكانت دعوته في خطابه الأخير للمواجهة العسكرية مع الجماعة وفض الشراكة معها. نجح ليوم واحد في إرباك الجماعة، فقاتلت حراسته بشراسة أمام دبابات الحوثيين، وحاول أنصاره في المحافظات أن يفعلوا شيئاً. كان الوقت ضيقاً، والجماعة المسلحة لا ترحم ولا يهمها كم يسقط من أنصارها.
يوم أمس، الرابع من ديسمبر (كانون الأول)، خرج صالح من مربعه الأمني في الحي السياسي بمنطقة حدة في موكب صغير بعد انهيار حراساته رفقة عدد من قيادات حزبه، وتعددت الروايات حول كيفية مقتله لكنها تقود لنتيجة واحدة. تقول إحداها إنه تعرض لكمين على طريق خولان أثناء توجهه إلى مسقط رأسه في سنحان أو إلى محافظة البيضاء في محاولة للنجاة أو إيجاد مقر جديد لقيادة المواجهة، لكن الحوثيين فطنوا له وأنزلوه من السيارة وأعدموه ثأراً لمؤسس جماعتهم. ويتردد أن اثنين من أولاده باتا أسيرين لدى الحوثيين، وسط مصير مجهول ينتظر بقية أقاربه والمقربين منه من كبار الحزب ممن ما زالوا على قيد الحياة.
أنصار صالح يرونه الآن بطلاً شهيداً ويقولون: «رغم تحالفه مع الحوثيين، فإنه أخيراً استفاق وقتل وهو يواجههم لاستعادة الجمهورية السليبة». وفيما يرى بعض خصومه أنه استحق جزاءه، يؤمن اليمنيون بقضهم وقضيضهم أن المعضلة ما زالت قائمة، وهي في بقاء الحوثي على صدر صنعاء يعبث وينكل مؤسساً لدولته العنصرية السلالية.



«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.