الانتخابات السورية «صورية» لكنها تكشف عن حجم الاستقطاب الصارخ في البلاد

الانتخابات السورية «صورية» لكنها تكشف عن حجم الاستقطاب الصارخ في البلاد
TT

الانتخابات السورية «صورية» لكنها تكشف عن حجم الاستقطاب الصارخ في البلاد

الانتخابات السورية «صورية» لكنها تكشف عن حجم الاستقطاب الصارخ في البلاد

لم يتوقع كثير من الناس، سواء داخل سوريا أو خارجها، أن تسفر الانتخابات الرئاسية السورية عن مفاجآت. «إنها انتخابات صورية»، هكذا قال لي أحد الخبراء البريطانيين المعنيين بشؤون الشرق الأوسط قبل بضعة أسابيع عندما كنا نتناقش حول التصويت المقبل في البلاد. ولكنه استطرد قائلا: «لكنها انتخابات صورية مهمة».
لا شيء يمكن أن يكون أكثر صدقا مما قاله هذا الخبير. فمع بدء التصويت يوم الأربعاء الماضي للسوريين المقيمين في الخارج، وإدلاء أولئك الذين يعيشون في المناطق التي تقع تحت سيطرة النظام داخل البلاد بأصواتهم أمس، تكشفت الأحداث الحالية خلال أسبوع الانتخابات السورية بشكل واضح عن الدمار الذي أصاب البلاد وألقى بظلاله على شعبها المحاصر جراء الاستقطاب الصارخ، الذي أسفرت عنه ثلاث سنوات من الصراع الحاد. ومما يدل على ذلك استخدام رجل من بين المصوتين، في مركز الاقتراع ببيروت، دمه من أجل التصويت لبشار الأسد، وذلك طبقا لما أفادت به بعض التقارير. وفي الوقت نفسه، نظم نشطاء المعارضة، في القرى والبلدات والمدن التي تقع في مناطق يسيطر عليها الثوار، سلسلة من الاحتجاجات الصاخبة ضد ما وصفوه «بانتخابات الدم» بقيادة الأسد. وفي بلد غارق في الدماء على مدى السنوات الثلاث الماضية، بدت رمزية الانتخابات مناسبة في كلتا الحالتين.
وحينما نمعن النظر في هذه الانتخابات نجد أن كل تفاصيلها صممت للتأكيد على أن أولئك الذين يؤيدون النظام هم من يحابيهم النظام، وأولئك الذين يكرهونه سيجري إقصاؤهم. وكمثال آخر على الاستقطاب خارج سوريا ما حدث في العاصمة الأرمينية يريفان، التي لجأ إليها ما بين عشرة آلاف و15 ألف سوري - أرميني كلهم من المسيحيين، وعدد كبير منهم من الطبقة الوسطى ويمثلون أغلبية ساحقة مؤيدة للنظام، إذ فتحت السفارة السورية أبوابها للتصويت. بينما في تركيا، وهي بلد مجاور تأوي أكثر من مليون لاجئ سوري، لم يتوفر صندوق اقتراع واحد بها. ولكن لم يكن ذلك مستغربا، بالنظر إلى أن معظم السوريين هناك من السنة الذين هربوا من المدن والبلدات الشمالية التي سحقها الأسد. هذا ولم يسمح لأي من السوريين الذين غادروا البلاد دون جوازات سفرهم أو عبر الحدود التي تسيطر عليها المعارضة - والفقراء المعدمين، والمنشقين من الجيش، والمدرجين في القوائم السوداء - بتسجيل أسمائهم من أجل التصويت.
«لم نكن نعتقد أن الأسد سيجري الانتخابات إلا عندما أعلن عنها»، هذا ما قاله يحيى العلاوي، الذي كان يمتلك مطعما في إدلب قبل أن يغادر خالي الوفاض بعد أن دُمِر بيته ومحل عمله. كما أضاف قائلا: «لا أستطيع أن أصف الشعور الذي انتابني عندما سمعت أنه من المقرر أن تكون هناك انتخابات. إن الأمر سخيف ومحزن للغاية، في ضوء ما حدث في سوريا خلال السنوات الثلاث الماضية».
ومثل مئات الآلاف من السوريين الآخرين الذين فقدوا كل شيء، انتقل يحيى بعائلته إلى محافظة هاتاي التركية، المجاورة لسوريا على الطرف الغربي من المنطقة الحدودية. يجني يحيى من عمله الجديد، في مطعم بمدينة الريحانية، 750 ليرة تركية شهريا، ينفق منها 400 ليرة على الإيجار. وعند سؤاله عن الانتخابات، قال يحيى إنه لم يكن ليشارك بإدلاء صوته حتى لو كانت الحكومة السورية نظمت التصويت في تركيا. وبالنسبة للسوريين أمثال يحيى، كان مجرد طلب مشاركتهم في الانتخابات من شأنه أن يزيد من حجم الضرر الواقع عليهم بالفعل. وأردف قائلا: «إنه من الجيد أن الانتخابات لم تجر في تركيا. وكان ينبغي على جميع الدول أن تفعل الشيء نفسه. لا يجب أن يساعد أي شخص النظام على إقامة هذه الانتخابات».
وفي حصر الانتخابات في الأماكن التي لا تزال تحت سيطرته ويحظى فيها باحترام، فرض الأسد سيطرته على هذا العمل السياسي المسرحي تماما، وبنفس القدر من البراعة التي تمثلت في استعادته بعض الأراضي في الأسابيع الأخيرة. وسواء بمحض الصدفة أو بتضافر الجهود العسكرية، عقدت الانتخابات في الوقت الذي كان يبدو فيه أن الأسد له اليد العليا الحاسمة في ميدان المعركة. خلال الشهر الماضي استعادت قواته معقلا للثوار في حمص ويبدو أن قواته طوقت المنطقة التي تسيطر عليها المعارضة في مدينة حلب. وفي المناطق الشمالية الشرقية الغنية بالنفط، يخوض الثوار غمار معركة أخرى في جبهة ثانية ضد الجماعات الإسلامية الانتهازية التي تستغل الفوضى للاستيلاء على موارد البلاد.
واستكمالا لهذا المشهد يروي أبو فهد، وهو أب لأربعة أبناء، ويدير محل بقالة صغير في الريحانية، ببالغ الأسى والغضب كيف استعاد النظام المدينة القديمة في حمص من المعارضة الشهر الماضي، معقبا بأن منزله وعمله كانا دائما هناك، ولكن الآن لم يبق أي شيء جراء القصف العنيف الذي شنته قوات النظام على مدار عامين.
وفي تعقيبه على إجراء الانتخابات قال أبو فهد: «لو تبقى لبشار أي ذرة من الإنسانية، لم يكن ليقيم هذه الانتخابات بعد تلك الأحداث»، مضيفا: «إنه دمّر كل شيء. دمّر عائلاتنا. نحن هنا لاجئون فكيف ينبغي لنا أن نقبل هذا؟».
من الجانب العملي، تعد نتائج الانتخابات بالكاد ذات أهمية في هذا السياق. ولكن على الجانب النفسي، فهي تعني كل شيء.
ويقول تشارلز ليست، الخبير في الشؤون السورية بمعهد بروكينغز، لـ«الشرق الأوسط»، إن «مضمون الانتخابات أقل أهمية، بيد أن رمزيتها بالنسبة لجانبي الصراع هي المهمة، فهي تمثل بالنسبة لمؤيدي الأسد، تأكيدا على استمرار شرعيته».
وقال يحيى إنه كان يعتقد أن الآثار التي قد تنجم عن فوز الأسد، ستكون أبعد بكثير من كونها آثارا ملموسة». وأضاف: «بطبيعة الحال إذا فاز الأسد، سيحاول استعادة كل المناطق المحررة»، موضحا أنه «سوف يقتل المزيد من الناس».
وقد ادعى أنصار الأسد أن هذه المنافسة كانت خطوة حقيقية نحو الديمقراطية، في إشارة إلى أن هذه هي أول انتخابات رئاسية منذ تولي والد بشار، حافظ الأسد، السلطة في عام 1970، والتي أتيح فيها للسوريين البسطاء الاختيار من بين المرشحين. وفي انتخابات سابقة، كان يمكن للناخبين التصويت إما بـ«نعم» أو «لا» في استفتاء على الرئيس الموجود؛ كما حدث في الانتخابات الأخيرة التي أجريت في عام 2007، وفاز فيها الأسد بتأييد بلغت نسبته 98 في المائة.
وقد بدا جليا من خلال مشاهد الفوضى التي رصدت يوم الاقتراع في السفارة السورية ببيروت، أن جزءا كبيرا من السوريين يعتقدون أن الأسد هو الخيار الأفضل إلى الأبد، وليس في الوقت الراهن، بل ويرون أنه الخيار الوحيد.
وفي هذا السياق يقول جوشوا لانديس، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط، بأن تلك الحشود كانت أكثر رمزية وأهمية من نتيجة الانتخابات ذاتها. وأضاف في تصريحه لصحيفة «الشرق الأوسط»: «هذه الانتخابات ليس لها علاقة بالديمقراطية، وإنما هي سعيا للزعامة. لا يهم حقا إذا كان المادحون صادقين في محبتهم، فيكفي إثبات أن الرجل العظيم يستطيع أن يجعلهم ينتفضون بأعداد كبيرة لإظهار مدى تفانيهم».
وإذا كانت هذا السعي من جانب الأسد لإظهار روح الديمقراطية، فهي محاولة ضعيفة. وكان المرشحان المعارضان له، واللذان تم اختيارهما من بين 24 مرشحا ممن سجلوا في البداية، غير معروفين في الواقع.
وتعقيبا على ذلك، قال الدكتور أبو علي، الذي يعمل طبيبا جراحا بالمستشفى الميداني في إدلب منذ بدء النزاع المسلح، إن «المرشحين الآخرين كانا من أنصار بشار»، حسب تعبيره بأن «الأمر يبدو كخدعة. وإذا ذهبت إلى المناطق الخاضعة لنفوذ النظام، فلن ترى أي ملصقات للحملتين الانتخابيتين لهذين المرشحين، ستجد فقط صور بشار».
ليست هذه هي الديمقراطية التي كان المتظاهرون يأملون في تحقيقها عندما خرجوا إلى الشوارع قبل ثلاث سنوات طويلة. ومنذ ذلك الحين، وبطبيعة الحال، غمر تلك الاحتجاجات التمرد المسلح، الذي تحول بعد ذلك إلى حرب أهلية بشعة والتي تبدو مستعصية على الحل. ولكن خلال الأسابيع القليلة الماضية، أخذ الناشطون المدنيون مرة أخرى زمام المبادرة باعتبارهم صوت المعارضة.
قال سامي، أحد مؤسسي حملة «لا تصوت، ارفع صوتك» التي أقيمت عبر شبكات التواصل الاجتماعي خلال الأسابيع التي سبقت الانتخابات، في حديثه عبر «سكايب» قبل يومين من بدء الاقتراع: «إن تحويل الأمر إلى نزاع مسلح كان واحدا من أكثر الأخطاء القاتلة للثورة». وحث أعضاء الحملة، التي يديرها ناشطون مدنيون من داخل دمشق في سرية تامة، السوريين الذين يعيشون في المناطق التي يسيطر عليها النظام على الامتناع عن التصويت كشكل من أشكال الاحتجاج على الانتخابات الرئاسية التي يشوبها عيوب كثيرة. ومن خلال الأسلوب والرسالة التي تؤديها الحملة، فإنها أعادت للأذهان الأيام الأولى للانتفاضة.
وأكد سامي قائلا: «إن بديل الأسد هو المعارضة معتدلة، وليس المعارضة المسلحة المعتدلة، ولكنها المعارضة المعتدلة التي حافظت على برنامجها ومسارها السياسيين، ودعت دائما إلى إيجاد حل سلمي». وأضاف: «هذا هو الطريق الذي لا بد من السير فيه، لأننا نعرف أن الصراع المسلح لن يؤدي إلى أي شيء إيجابي. فلن تستطيع الحكومة ولا المعارضة النجاح عسكريا».
فضلا عن ذلك، أجريت هذه الانتخابات في ظل أغرب وأبشع ظروف. ففي الوقت الذي أسقطت فيه أول بطاقة تصويت في صناديق الاقتراع، واصلت قوات النظام إلقاء البراميل المتفجرة على حلب، واستمر اللاجئون في التدفق عبر الحدود. إن المحرومين من التصويت هم أيضا النازحون، والمحبطون، الذين تدمرت حياتهم، هم أنفسهم الذين فقدوا الكثير على يد الأسد خلال السنوات الثلاث الماضية.
ويُنهي أبو علي حديثه متسائلا: «إذا كان لديك رئيس مثل بشار، هل ستنتخبه مرة أخرى؟». ويرد متسائلا: «كيف يمكن أن أصوت لقاتلي؟».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.