ربع سوريا تحت سيطرة الأكراد... و5 قواعد أميركية لتحقيق «الانتقال السياسي»

قائد «وحدات حماية الشعب» لـ «الشرق الأوسط»: حررنا كامل شرق الفرات من «داعش»

عربة أميركية تعبر نهر الفرات شمال سوريا (عملية غضب الفرات)
عربة أميركية تعبر نهر الفرات شمال سوريا (عملية غضب الفرات)
TT

ربع سوريا تحت سيطرة الأكراد... و5 قواعد أميركية لتحقيق «الانتقال السياسي»

عربة أميركية تعبر نهر الفرات شمال سوريا (عملية غضب الفرات)
عربة أميركية تعبر نهر الفرات شمال سوريا (عملية غضب الفرات)

قال قائد «وحدات حماية الشعب» الكردية سبان حمو في حديث لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية - العربية حررت كامل الضفة الشرقية لنهر الفرات من «داعش» بفضل دعم التحالف الدولي بقيادة أميركا، ودعم جوي ولوغيستي روسي بفضل غرفة مشتركة بين الجيش الروسي و«الوحدات» في دير الزور، ما رفع مساحة مناطق قواته إلى نحو ربع الأراضي السورية.
وتبلغت قيادة «قوات سوريا الديمقراطية» رسمياً من واشنطن، أن القوات الأميركية باقية في سوريا إلى «حين إنجاز الانتقال السياسي في دمشق والوصول إلى نظام سياسي جديد» في البلاد، بحسب حمو الذي أكد أنه لم يلحظ أي تراجع أو تغيير في تسليح أميركا لـ«سوريا الديمقراطية» شمال شرقي سوريا، حيث أقام الجيش الأميركي 5 قواعد عسكرية ثابتة ومراكز أخرى متحركة.
ومن المقرر أن يعلن التحالف الدولي بقيادة أميركا اليوم تحقيق عملية «غاضبة الفرات» أهدافها بطرد «قوات سوريا الديمقراطية» لتنظيم داعش من جميع مناطق شرق الفرات شمال شرقي سوريا. وبدا أن هناك تفاهماً أميركياً - روسياً في منتصف العام الحالي قضى بأن يسيطر حلفاء أميركا على شرق نهر الفرات، عدا استثناء لدى عبور «قوات سوريا الديمقراطية» إلى الضفة الغربية في منطقة الطبقة للسيطرة على السد والمطار العسكري من جهة، وأن يسيطر حلفاء روسيا على الضفة الغربية عدا استثناء لدى عبور قوات النظام السوري وحلفائها إلى الضفة الشرقية للسيطرة على الميادين والبوكمال على حدود العراق من جهة ثانية. وقال حمو في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» أمس: «حررنا شرق نهر الفرات بفضل دعم التحالف الدولي وروسيا. ونشكر جميع حلفائنا على دعمهم لنا في تطهير المناطق من (داعش)».
وتمثل دعم التحالف بغارات وغرف مشتركة ووحدات خاصة عملت مع «قوات سوريا الديمقراطية» التي تضم «وحدات حماية الشعب» الكردية وفصائل عربية، ما أسفر عن طرد «داعش» من معقله في الرقة، في حين تشكلت غرفة عسكرية بين الجيش الروسي و«وحدات حماية الشعب» في دير الزور للتقدم شرق المدينة، ذلك بعد زيارة سرية قام بها حمو إلى موسكو للقاء وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو. وأوضح حمو: «الروس شاركوا معنا وقدموا دعماً جوياً ومدفعياً ولوغيستياً وساهمت وحدات خاصة معنا جنباً إلى جنب، وكان هناك تنسيق مباشر وكامل»، خصوصاً لدى تحرير مناطق شرق دير الزور مثل العقيدات وجنوب مصنع كونوكو للنفط الذي سيطرت عليها «سوريا الديمقراطية» بدعم التحالف.
ولدى الإعلان الرسمي اليوم عن السيطرة على الضفة الشرقية للفرات وصولاً إلى حدود العراق وتركيا، تكون «قوات سوريا الديمقراطية» التي تشكل «الوحدات» عمادها الرئيسي سيطرت على معظم «سوريا المفيدة» التي تضم آبار ومصانع النفط والغاز ومصادر المياه وثلاثة سدود، هي «الثورة» و«تشرين» و«البعث»، ومساحات واسعة من الأراضي الزراعية الخصبة التي تزرع القطن والحبوب.
وإذا أضيفت مناطق شرق نهر الفرات إلى عفرين شمال غربي حلب الخاضعة لسيطرة «الوحدات»، تكون «قوات سوريا الديمقراطية» تسيطر على مناطق بين 22 و23 في المائة من مساحة سوريا البالغة مساحتها 185 ألف كيلو متر مربع.
وتعتقد واشنطن أن هذا يشكل ورقة أساسية لدى التفاوض بحثاً عن حل سياسي سوري. وقال حمو إن قادة «سوريا الديمقراطية» تبلغوا من مسؤولين أميركيين، بينهم المبعوث الرئاسي بريت ماغورك، إن الأميركيين «باقون في سوريا إلى حين تحقيق الانتقال السياسي في سوريا والوصول إلى نظام سياسي جديد ودستور جديد في دمشق».
وأبلغ دبلوماسيون غربيون أن مساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد ساترفيلد سأل وفد «الهيئة التفاوضية العليا» المعارضة برئاسة نصر الحريري خلال لقاء في جنيف قبل أيام عن كيفية ضم «سوريا الديمقراطية» إلى العملية السياسية في جنيف.
ورد الحريري بأنه «لا بد لـ(قوات سوريا الديمقراطية) من الإجابة عن ثلاثة أسئلة: هل هم مع الثورة؟ هل هم مع النظام؟ هل لديهم مشروعهم الخاص؟». وأضاف: «يجب ألا يستخدموا السلاح الذي طردوا به (داعش) لتحقيق مكاسب سياسية». وأضاف الدبلوماسيون أن واشنطن «متمسكة بضمهم إلى العملية السياسية، الأمر الذي سيغضب أنقرة».
إردوغان غاضب
وسعى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى وفاء الرئيس دونالد ترمب بالتزامات وقف تسليح «الوحدات». وتردد أن الدعم العسكري الأميركي تراجع في الفترة الأخيرة. لكن حمو قال أمس: «لم ألحظ أي تغيير أو تراجع في الدعم الأميركي»، لافتاً إلى وجود 5 قواعد عسكرية أميركية رئيسية شمال سوريا، هي: اثنتان في كوباني (عين العرب)، والشدادي، والحسكة، والمالكية.
وإذ أعلنت مصادر مطلعة سحب واشنطن 400 جندي بعد تحرير الرقة، قال دبلوماسيون إن في سوريا نحو ألفي جندي أميركي يجري تبديل بعضهم بحسب المهمات العسكرية. ويعتقد أن المهمة المقبلة بعد طرد «داعش» عسكرياً، ستكون على الجانب الأمني لمحاربة «الخلايا النائمة».
وقال وزير الدفاع الأميركي جيم ماتيس أول من أمس إنه يتوقع أن يتحول التركيز إلى الاحتفاظ بالأراضي بدلاً من تسليح الأكراد بعد هزيمة «داعش». وقال: «(وحدات حماية الشعب الكردية) مسلحة ومع وقف التحالف (للعمليات) الهجومية، من الواضح أنهم ليسوا بحاجة لذلك فهم بحاجة إلى الأمن وقوات الشرطة وقوات محلية ليتأكد الناس من أن (داعش) لن تعود». وبدا أن التركيز حالياً على إعادة الإعمار وبناء الشرطة والمجالس المحلية.
وأدى عدم تفاهم واشنطن وأنقرة إزاء الدعم الأميركي لـ«الوحدات» إلى سعي الجانب التركي لتعزيز علاقته مع روسيا، خصوصاً لدى شكوك الجيش التركي بوفاء نظيره الأميركي بوعود ترمب، إذ أفادت مصادر تركية أمس بوجود 13 مخرناً للسلاح الأميركي الثقيل في مناطق الأكراد السوريين. وحصلت أنقرة نهاية العام الماضي على ضوء أخضر لدعم عملية «درع الفرات» لطرد «داعش» من شمال حلب، ومنع ربط إقليمي الأكراد شرق نهر الفرات بإقليم عفرين غرب النهر. وتسعى أنقرة حالياً بعد اتفاق تركي - روسي - إيراني على خفض التصعيد في إدلب للحصول على غطاء روسي آخر لشن عملية عسكرية في ريف عفرين التي يقيم الجيش الروسي أحد مراكزه فيها. وقال حمو أمس: «لا نشكل أي تهديد لتركيا، لكننا سندافع عن أراضينا ضد أي هجوم من أي طرف كان. في حال الاعتداء علينا، سيكون ردنا عنيفاً وقاسياً».
وتنتشر «قوات سوريا الديمقراطية» التي تضم عشرات آلاف المقاتلين في مناطق احتكاك مع «درع الفرات» شمال حلب، وتسيطر على مناطق واسعة على حدود تركيا، ضمن مناطق «فيدرالية الشمال السوري» التي تضم ثلاثة أقاليم، هي إقليم الجزيرة وإقليم الفرات وإقليم عفرين، تضم ست مقاطعات. وشهدت أول من أمس انتخابات برقابة من التحالف والروس ضمن مشروع لتحقيق النظام الفيدرالي السوري. وقال حمو: «إن مستقبل (وحدات حماية الشعب) مرتبط بمستقبل سوريا. إذا تحققت الفيدرالية أو إدارات ذاتية لن يكون هناك أكثر من جيش. لكن قواتنا ستدافع عن مكتسبات الشعب الكردي السياسية والعسكرية إلى حين تحقيق حل بالتراضي».
وظهر في دمشق أكثر من موقف في إزاء التعامل مع «قوات سوريا الديمقراطية» بين تهديد مسؤولين بـ«القضاء» على هذه «القوات» أو الاستعداد لـ«التفاوض على إدارة ذاتية». وقال رئيس الوفد الحكومي بشار الجعفري في جنيف أول من أمس: «ليس هناك شيء اسمه مناطق كردية شمال سوريا، بل هناك مناطق سورية، وهناك شيء آخر هو المكون الكردي السوري». وأضاف: «أي عمل أحادي الجانب مرفوض من قبل الحكومة السورية. هناك أسس للعمل، حيث توجد عاصمة وحكومة، ومن لديه أفكار يجب أن يطرحها على الحكومة السورية التي بدورها تقرر الشكل الملائم».
وتوافق دمشق والمعارضة على مبدأ اللامركزية أو الإدارة المحلية التي لا تصل إلى حد قبول الفيدرالية. وهناك قلق من أن تؤدي مناطق «خفض التصعيد» الأربع (درعا، وإدلب، وريف حمص، وغوطة دمشق) ومناطق «قوات سوريا الديمقراطية» إلى تقسيم أمر واقع لسوريا. وأكد المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا وفريقه على ضرورة استعجال الحل السياسي على المستوى الوطني للحيلولة دون استقرار مناطق خفض التصعيد إلى تقسيم أمر واقع.



بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.


«محادثات القاهرة»... «حماس» تبحث عن «ضمانات» لسد فجوات «أزمة السلاح»

فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«محادثات القاهرة»... «حماس» تبحث عن «ضمانات» لسد فجوات «أزمة السلاح»

فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تشهد مصر جولة محادثات جديدة بين وفد «حماس» الذي وصل إلى القاهرة، السبت، والممثل الأعلى لقطاع غزة في «مجلس السلام» والوسطاء، من أجل بحث المضي قدماً في تنفيذ وقف إطلاق النار المتعثر من قبل حرب إيران، وفق مصدر فلسطيني مطلع تحدث لـ«الشرق الأوسط».

وبينما تطالب «حماس» بإنهاء المرحلة الأولى قبل البدء في نظيرتها الثانية، وضمانات لتنفيذ الاتفاق كاملاً، تتمسك إسرائيل بـ«نزع السلاح»، فليس أمام الوسطاء سوى التحرك نحو سد الفجوات، وفق المصدر ذاته.

ويعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن الجولة الحالية من المحادثات تأتي بعد تباينات عديدة بشأن إطار ميلادينوف، وتعول فيها «حماس» على ضمانات واضحة، «وإلا فسنكون أمام مرحلة خطيرة تسعى لها إسرائيل لشن هجمات جديدة على القطاع تحت ذريعة نزع السلاح، وهو ما يتطلب تدخل الوسطاء بمقاربة وحلول وسط سريعاً».

ويُعدُّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ميلادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمَّن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام أميركية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقُّق النهائي من خلو غزة من السلاح». وتقول إسرائيل إنَّها لن توافق على الانسحاب من غزة ما لم يُنزَع سلاح «حماس» أولاً.

وقبيل انطلاق المحادثات أثيرت روايات بشأن محددات ومخرجات محتملة للمحادثات، لا سيما من إسرائيل الغائبة عن الاجتماع والمحادثات التي تتكرر للمرة الثانية خلال أسبوع بالقاهرة.

وأفادت قناة «كان» الإسرائيلية، الجمعة، بأن «حماس» تشترط لأي حديث عن السلاح إنهاء الاحتلال بشكل كامل، وانسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة ورفع الحصار، رافضة الربط بين الملفات الإنسانية وإعادة الإعمار وبين المطالب الأمنية الإسرائيلية والدولية.

وبالتزامن، نقلت وكالات عن مصدر قيادي في «حماس» قوله إن «الحركة ستعرض على الوسطاء قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة، والتي تريد فيها إسرائيل و(مجلس السلام) نزع سلاح المقاومة في غزة، تنفيذ كامل البنود التي وردت في اتفاق المرحلة الأولى، وفي مقدمتها وقف الهجمات والخروقات ودخول المساعدات».

امرأة تجلس مع طفلين في حين يزحف رضيع بالقرب من خيمتهم بمخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في منطقة نهر البارد بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور حسام الدجني، قال إن الفترة الماضية شهدت فجوة لا تزال كبيرة بين الرؤى الدولية ومطالب الفصائل الفلسطينية، والزيارة الحالية تأتي لردم الفجوة الكبيرة التي نتجت منذ تسليم ميلادينوف ورقته التي سُربت لوسائل الإعلام، مؤكداً أن «رؤيته تحقق رغبات تل أبيب بشكل كامل عبر ربط كافة الملفات بنزع السلاح، دون التطرق لأي مقاربة سياسية أو أفق للانسحاب الإسرائيلي».

وأشار إلى أن «التحركات الفلسطينية الحالية تسعى لإيجاد حالة منطقية ومقبولة ضمن رؤية متكاملة تنسجم مع تطلعات السلام، دون جعل سلاح المقاومة شماعة لإفشال المبادرات، خاصة مع إصرار الجانب الإسرائيلي على اقتران تسليم السلاح بإنهاء الصراع دون مقابل سياسي حقيقي».

وشدد الدجني على ضرورة وضع رؤية متكاملة تربط حل معضلة السلاح بحل القضية الفلسطينية ككل، مع توفير ضمانات دولية لحماية الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة في ظل الانتهاكات الإسرائيلية اليومية، مؤكداً أنه «لا يمكن القبول ببدء المرحلة الثانية دون تطبيق المرحلة الأولى، كما لا يمكن قبول صورة الانتصار التي ينشدها نتنياهو والمتمثلة في تسليم المقاومة سلاحها مقابل إعادة الإعمار فقط، فهذا طرح لا يمكن قبوله فلسطينياً».

وحول غياب إسرائيل عن هذه الاجتماعات، أكد الدجني أن إسرائيل «تغيب عن الصورة، لكنها موجودة في جوهر الأحداث، وواضح تأثيرها على إطار ميلادينوف الذي لا يحمل أي التزام جاد للانسحاب».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، المختص بشؤون «حماس»، إبراهيم المدهون، أن ما يُثار في الإعلام الإسرائيلي حول اجتماع ميلادينوف مع الفصائل الفلسطينية، وحركة «حماس» تحديداً، والحديث عن رفض الحركة لما طُرح، هو طرح غير صحيح، وهو جزء من إعلام إسرائيلي يجب الانتباه له وعدم الانسياق معه.

ويرى أن حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية قدّمت رؤية واضحة لتنفيذ خطة السلام بشكل سليم، وأبدت استعداداً للالتزام بما تم الاتفاق عليه، لكن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم بالمرحلة الأولى، وهو ما يعرقل الانتقال إلى المراحل التالية، لافتاً إلى أن ميلادينوف لم يُقدّم أي خطة جديدة، بل طرح محاولات للالتفاف على جوهر «خطة السلام»، في إطار حالة من التهييج والتضليل الإعلامي.

فلسطينيون بجوار جثث ذويهم الذين قُتلوا خلال غارة جوية إسرائيلية شرق مخيم المغازي للاجئين (أ.ف.ب)

ويأتي هذا الاجتماع دون موقف معلن من «حماس» سوى حديث الناطق باسم «القسام»، أبو عبيدة، الذي أكد قبل أيام أن «طرح ملف السلاح بهذه الطريقة الفجة ما هو إلا سعي مفضوح من قبل الاحتلال لمواصلة القتل والإبادة بحق شعبنا، وهو ما لن نقبله بأي حال من الأحوال. وما لم يستطع العدو انتزاعه منا بالدبابات والإبادة، لن ينتزعه منا بالسياسة وعلى طاولة المفاوضات».

وحسب صحيفتَي «يديعوت أحرونوت»، و«إسرائيل هيوم»، فإنه حال كان رد «حماس» سلبياً فسيكون القرار بيد إسرائيل، وسيتعيَّن عليها نزع سلاح «حماس» بالقوة.

وفيما يخص إمكانية موافقة «حماس» على إطار نزع السلاح، أوضح الدجني أن الحركة قد توافق فقط في حال وجود رؤية سياسية واضحة، أما تسليم السلاح كمدخل للاستسلام فهو أمر مستبعد. وأضاف أنه «في قضية السلاح، لا قرار لـ(حماس) ولا لـ(فتح) ولا لأي فصيل بعينه، هذا قرار وطني يتحمل مسؤوليته الجميع؛ لأنه يخص أجيالاً قادمة وليس مرحلة تاريخية، والمقاومة المسلحة مشروعة بالقانون الدولي»، داعياً إلى «معالجة جذر المشكل المتمثل في الاحتلال هي السبيل الوحيدة للوصول إلى سلام عادل وشامل».

ويعتقد المدهون أن «حماس» ما زالت معنية بالحفاظ على وقف إطلاق النار، وهو ما يتطلب تدخلاً جاداً من الوسطاء، ودوراً عربياً أكثر لمنع أي تصعيد بهذه المرحلة الخطيرة، محذراً من أن أي عدوان على غزة في هذه المرحلة يُعد جريمة وتصعيداً خطيراً بحق شعب أعزل التزم بالتهدئة، وخاصة أن «حماس» فعلت ما عليها لتجنب استئناف الحرب.


حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي مستدام

أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
TT

حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي مستدام

أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)

شهد اليمن خلال الربع الأول من عام 2026 حراكاً تنموياً لافتاً يعكس تحوّلاً تدريجياً نحو مقاربة أكثر شمولية في إدارة ملف التعافي وإعادة البناء، مدعوماً بجهود السعودية، حيث لم يقتصر على تنفيذ مشروعات خدمية آنية، بل اتخذ طابعاً استراتيجياً يوازن بين تلبية الاحتياجات العاجلة وبناء أسس تنمية مستدامة، من خلال التركيز على البنية التحتية، ودعم المؤسسات، وتمكين الإنسان، وتعزيز الشراكات الدولية.

وقد جاءت الحزمة التنموية التي أُعلنت في يناير (كانون الثاني) 2026 بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي (أكثر من 500 مليون دولار) لتؤكد هذا التوجه، حيث شملت 28 مشروعاً ومبادرة نوعية موزعة على قطاعات حيوية تمسّ الحياة اليومية للمواطنين، من الكهرباء والنقل إلى الصحة والتعليم والمياه، في امتداد لجهود أوسع نفّذ من خلالها البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن 268 مشروعاً منذ عام 2018. ووفق ما أوردته تقارير الإنجاز الخاصة بالبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، كان قطاع الطاقة إحدى أبرز ركائز هذا الحراك التنموي، حيث أسهمت منحة المشتقات النفطية في تشغيل أكثر من 70 محطة توليد كهرباء في مختلف المحافظات. ولم يقتصر أثر هذه المنحة على تحسين توفر الكهرباء فحسب، بل امتد ليشمل تعزيز استقرار منظومة الخدمات العامة بوجه عام.

الدعم السعودي لليمن شمل المجالات كافّة (إكس)

فاستقرار التيار الكهربائي أسهم في تحسين أداء القطاعات الحيوية مثل الصحة والمياه والتعليم. كما ساعد في تقليل فترات الانقطاع، ورفع كفاءة المحطات التوليدية، وتحسين موثوقية الشبكة. هذا التحسن انعكس بشكل مباشر على جودة الحياة اليومية، خصوصاً في ظل الطلب المتزايد على الطاقة. كما أن انتظام إمدادات الوقود لمحطات التوليد مكّن المؤسسات الخدمية من العمل بوتيرة أكثر استقراراً، وهو ما يُعدّ عاملاً أساسياً في دعم صمود المجتمعات المحلية وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية والمعيشية.

تعزيز الاستقرار المالي

على الصعيد الاقتصادي، شكّل دعم الموازنة اليمنية بقيمة 1.3 مليار ريال سعودي (أكثر من 345 مليون دولار) خطوة محورية في تعزيز الاستقرار المالي، حيث أسهم في تغطية النفقات التشغيلية ورواتب الموظفين، وهو ما ساعد في تخفيف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. ويأتي هذا الدعم ضمن منظومة أوسع من المساعدات الاقتصادية التي تجاوزت قيمتها 12.6 مليار دولار منذ عام 2012 وحتى 2026، شملت ودائع ومنحاً لصالح البنك المركزي اليمني، بهدف تحقيق التوازن المالي ودعم استقرار الاقتصاد الكلي. هذا النوع من التدخلات يعزّز ثقة المؤسسات المحلية، ويدعم قدرتها على الاستمرار في تقديم الخدمات، كما يُسهم في خلق بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار والنمو الاقتصادي. وفي ظل التحديات التي يواجهها الاقتصاد اليمني، يمثّل هذا الدعم ركيزة أساسية في مسار التعافي التدريجي.

عشرات المشروعات في اليمن أُنشئت بتمويل سعودي (إكس)

كما شهد قطاع البنية التحتية تطورات مهمة من خلال مشروعات استراتيجية مثل استكمال مراحل جديدة من طريق العبر، ورفع كفاءة مطار عدن الدولي. وتبرز أهمية هذه المشروعات في تعزيز الربط الجغرافي لليمن مع محيطَيه الإقليمي والدولي، وهو ما يُسهم في تنشيط الحركة التجارية وتسهيل التنقل. فالطرق والمطارات لا تُعدّ مجرد مشروعات خدمية، بل تمثّل شرايين اقتصادية تُسهم في تحريك عجلة التجارة، وتدعم التكامل مع الأسواق الإقليمية والدولية. كما أن تحسين البنية التحتية يُسهم في جذب الاستثمارات، وخلق فرص عمل، وتعزيز النمو الاقتصادي على المدى الطويل.

الاستثمار في الإنسان

إلى جانب البنية التحتية، يحظى الاستثمار في الإنسان بأولوية واضحة، حيث شهد قطاع الصحة دعماً نوعياً شمل بناء المستشفيات وتشغيلها، وتوفير الأجهزة الحديثة، وتأهيل الكوادر الطبية. ومن أبرز هذه التدخلات التشغيل الكامل لمستشفيات سقطرى وشبوة والمخا، ما أسهم في تحسين جودة الخدمات الطبية وتوسيع نطاق الوصول إليها. كما عزّزت هذه الجهود جاهزية المؤسسات الصحية للتعامل مع الحالات الطارئة والحرجة، وهو ما يُعد عنصراً حيوياً في ظل الظروف الإنسانية المعقدة التي تشهدها البلاد.

وفي قطاع التعليم، برزت مبادرات تهدف إلى دعم استقرار العملية التعليمية والتوسع في التعليم الفني والتدريب المهني، بما يتماشى مع احتياجات سوق العمل. وشملت هذه الجهود توقيع اتفاقيات لبناء مدارس نموذجية في عدد من المحافظات، بالإضافة إلى مشروعات تستهدف تعزيز تعليم الفتيات في المناطق الريفية. وقد أسهمت هذه المبادرات في تقليص فجوة المهارات، وتمكين الشباب، ورفع معدلات الالتحاق بالتعليم، خصوصاً بين الفتيات، مما يعزّز من فرص التنمية البشرية على المدى الطويل. إلى ذلك، لم تغفل الجهود التنموية الجانب المجتمعي، حيث شملت دعم قطاع الرياضة والشباب من خلال تنظيم بطولات رياضية في عدد من المحافظات، ما أسهم في تنشيط الحركة الرياضية واكتشاف المواهب.

كما تضمّنت المبادرات حملات لتحسين المشهد الحضري، ودعم الأنشطة الثقافية، مثل الاحتفاء بيوم اللغة السقطرية، وهو ما يعزّز الهوية الثقافية ويقوي الروابط الاجتماعية.

ويُظهر هذا البعد اهتماماً ببناء مجتمع متماسك وقادر على المشاركة في عملية التنمية، حيث يُعدّ الشباب محوراً أساسياً في أي مشروع تنموي مستدام.

الشراكات الدولية

يُلاحظ بوضوح تصاعد دور الشراكات الدولية في دعم الجهود التنموية، من خلال التعاون مع منظمات دولية، مثل «اليونيسكو» والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي. وتعكس هذه الشراكات تكاملاً في الأدوار، حيث تُسهم في تعزيز قدرات المؤسسات اليمنية وتوسيع نطاق التدخلات التنموية.

ومن أبرز هذه الشراكات مشروع تعزيز الأمن المائي في محافظة مأرب، الذي يأتي بوصفه أول ثمرة للتعاون بين البرنامج السعودي والاتحاد الأوروبي، ويستهدف تحسين الوصول إلى المياه في عدد من المناطق، بما يُسهم في تعزيز الأمن المائي وتحسين سبل العيش. كما امتدت التدخلات لتشمل القطاع الزراعي، من خلال مشروعات تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي وتحسين دخل الأسر، إلى جانب دعم مشروعات المياه والإصحاح البيئي، وهو ما يعكس نهجاً متكاملاً في معالجة التحديات التنموية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended