ماكرون يدعو لـ«نزع تدريجي» لسلاح «الحشد» وحل الميليشيات في العراق

باريس تريد أن تلعب دور الوسيط وتضغط للدفع باتجاه الحوار بين بغداد وأربيل

الرئيس الفرنسي في مؤتمر صحافي مع رئيس حكومة إقليم كردستان في باريس أمس (أ.ب)
الرئيس الفرنسي في مؤتمر صحافي مع رئيس حكومة إقليم كردستان في باريس أمس (أ.ب)
TT

ماكرون يدعو لـ«نزع تدريجي» لسلاح «الحشد» وحل الميليشيات في العراق

الرئيس الفرنسي في مؤتمر صحافي مع رئيس حكومة إقليم كردستان في باريس أمس (أ.ب)
الرئيس الفرنسي في مؤتمر صحافي مع رئيس حكومة إقليم كردستان في باريس أمس (أ.ب)

قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعد لقاء ضمه في قصر الإليزيه ورئيس حكومة إقليم كردستان نيجرفان بارزاني ونائبه قوباد طالباني، إنه سيطلع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، في اتصال هاتفي بعد الاجتماع، على «التنازلات» التي يقبل المسؤولان الكرديان تقديمها من أجل إطلاق حوار مع الحكومة المركزية. وأضاف ماكرون، رداً على سؤال لـ«الشرق الأوسط»، أنه سيدعو العبادي إلى «إطلاق الحوار فوراً ومن غير تأخير وفق ما التزم به»، عندما جاء إلى باريس في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بناء على دعوة من الرئيس الفرنسي.
وبحسب الرئيس الفرنسي، فإن اعتراف حكومة كردستان بقرار المحكمة الفيدرالية بشأن وحدة العراق «يستجيب لما ينتظره» العبادي وللشروط التي وضعها. وفي هذا السياق، قالت مصادر قصر الإليزيه، إن باريس تعتبر أن «تنازلات» الجانب الكردي من أجل البدء ببحث جدي عن الحلول التي تعيد ترميم العلاقات بين بغداد وأربيل، وبالتالي رفع القيود التي فرضت على الإقليم بعد الاستفتاء، «كافية»، خصوصاً أنها تشمل قبول الأكراد بإشراف الحكومة المركزية على المنافذ والحدود الخارجية لكردستان العراق. وأكد ماكرون «قناعته» بأن هذه العناصر ستكون «كافية» من أجل حلحلة الوضع. ولهذا الغرض، فقد كرر الرئيس الفرنسي أن باريس «مستعدة لتضع نفسها في تصرف الطرفين» من أجل حل المسائل المستعصية والدفع نحو حلول سياسية التي هي «من مسؤولية الحكومة العراقية والإقليم». وبأي حال، فإن فرنسا تعتبر وفق رئيسها أن «قيام عراق قوي، متصالح، متعدد ويعترف ويحترم كل مكوناته شرط من شروط الاستقرار في المنطقة».
وجاءت زيارة الوفد الكردي إلى باريس تلبية لدعوة ماكرون لتبرز أن «الوساطة» الفرنسية ما زالت قائمة. وقالت مصادر الإليزيه لـ«الشرق الأوسط»، إنه تم التداول منذ 10 أيام بشأن الزيارة مع الحكومة العراقية التي لم تمانع في تحقيقها، شرط أن يتم التأكيد على عنصرين؛ الأول: التشديد على وحدة العراق وسيادته وسلامة أراضيه. والثاني: أن يعرب بارزاني عن «رغبته» في حصول تقدم في العلاقة مع بغداد. وتضيف المصادر الفرنسية أن ماكرون يؤمن بأن «الجيل الجديد» الممثل من جهة بنيجرفان بارزاني، ابن شقيق القائد التاريخي مسعود بارزاني، وبقوباد طالباني، نجل الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني، قادر على الوصول إلى حلول حول المشكلات التي تسمم العلاقات بين أربيل وبغداد. وأفادت أيضاً بأنها «تنتظر» أن يطلق الحوار الذي تدفع فرنسا باتجاهه «في المستقبل القريب إن في بغداد أو غير بغداد»، ولم يعرف ما إذا كانت هذه المصادر تلمح إلى باريس لتستضيف الحوار الموعود كما فعل عندما جمع ماكرون رئيس حكومة الوفاق الليبية فائز السراج وقائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر في ضاحية سيل سان كلو الواقعة غرب العاصمة الفرنسية، أم لا.
حقيقة الأمر اليوم أن باريس تعتبر أن لها ورقة يمكن لها أن تلعب بها في الملف العراقي بالاستناد إلى علاقتها الجيدة مع الطرفين المتنازعين. وفي هذا السياق، أكد بارزاني أن حكومة الإقليم تنظر بإيجابية إلى الدور الذي يمكن أن تقوم به فرنسا من أجل «إيجاد مخارج» للمشكلات الموجودة مع بغداد. ولخصت مصادر الإليزيه دور باريس المقبل بأن الدبلوماسية الفرنسية تريد أن تلعب دور «المسهل» بين الطرفين، وأنها، بهذا الخصوص، تتواصل مع تركيا حول المسألة الكردية، كما أن الموضوع مطروح في اتصالاتها مع إيران.
والظاهر اليوم أن لباريس تصوراً واضحاً لكيفية إحداث تقدم في الملف الكردي العراقي. ويقوم الموقف الفرنسي كما شرحه ماكرون على دعامتين؛ الأولى: العراق القوي الموحد المتمتع بسلامة أراضيه، والثانية: الاحترام الكامل لنصوص دستور عام 2005 ولتمتع كل مكونات الشعب العراقي ومن ضمنها الأكراد بكل الحقوق. وبحسب الرئيس الفرنسي، فإن الحوار يجب أن يقوم على 4 عناصر؛ أولها الاعتراف بشرعية رقابة الحكومة المركزية على الحدود الخارجية، وثانيها ما التزم به العبادي عندما جاء إلى باريس، وهو «ضرورة نزع السلاح التدريجي خصوصاً من قوات الحشد الشعبي التي رسخت وضعها في السنوات الأخيرة في العراق وأن يتم حل كل الميليشيات». ويقوم العنصر الثالث على الحاجة لأن يفضي الحوار إلى توزيع عادل لمخصصات الميزانية (الفيدرالية) بما يمكن كل المناطق من أن تلبي احتياجاتها، وأخيراً احترام منطوق المادة 140 من الدستور العراقي الخاصة بتحديد الأراضي «أي الخاصة بكردستان». وانطلاقاً من هذه العناصر، فإن باريس تدعو لحوار «في أسرع وقت»، وأنها مستعدة «للقيام بكل ما تستطيعه من أجل المحافظة على وحدة العراق وسلامته والاحترام الكامل للأكراد ولحقوقهم».
وليس من المستبعد أن تثير تصريحات ماكرون بشأن نزع سلاح الحشد الشعبي كثيراً من اللغط خصوصاً بالنسبة للعبادي وللالتزامات التي قد يكون قدمها للرئيس الفرنسي. لكن مقابل ذلك، فإن ماكرون يسير خطوات كثيرة باتجاه مواقف الحكومة العراقية لجهة تبني مطالبها بشأن المنافذ والحدود الخارجية والتأكيد على تخلي الأكراد عن الاستفتاء ونتائجه، ولكن من غير أن يقولوا ذلك بشكل مباشر. وبخصوص هذه النقطة بالذات، فقد قال بارزاني لـ«الشرق الأوسط»، إن الإقليم «دخل مرحلة جديدة والاستفتاء انتهى وأصبح وراء ظهرنا ونحن أبلغنا موقفنا بهذا الموضوع وأعربنا عن التزامنا بقرارات المحكمة الفيدرالية الخاصة بوحدة العراق». أما لماذا لا تذهب سلطات الإقليم إلى حد القول إن الاستفتاء انتهى كأنه لم يكن، فقد جاء الجواب من المصادر الرئاسية التي قالت لـ«الشرق الأوسط» إنه «من الصعب» على الأكراد إنكار وجود استفتاء حاز على نسبة كاسحة من الأصوات.
وما يتعين التأكيد عليه من زيارة بارزاني وطالباني معاً إلى باريس، أن باريس وأربيل تعتبران أن الأسس التي يمكن أن تطلق الحوار الوطني أصبحت معروفة للجميع. ولقد كرر ماكرون وبارزاني التأكيد مراراً على وحدة العراق وسلامة أراضيه وسيادته والتمسك بالدستور وكل بنوده.
يبقى السؤال المطروح يتناول قدرة باريس على دفع العبادي إلى القبول بـ«التنازلات» التي قدمها المسؤولان الكرديان، علماً أن رئيس الحكومة المركزية يتعرض لضغوط قوية داخلية وخارجية، ولا يبدو اليوم أن الظروف أصبحت مهيأة لأن يسير بحل قوات الحشد الشعبي، أو أن يعتبر ما قدمه الأكراد كافياً لقلب صفحة الاستفتاء وما تبعته من تطورات.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.