مكاوي سعيد... ابن «وسط البلد» يرحل طاوياً صفحته في «الرواية الواقعية»

أعماله حظيت باهتمام نقدي في مصر والعالم العربي

الراحل مكاوي سعيد
الراحل مكاوي سعيد
TT

مكاوي سعيد... ابن «وسط البلد» يرحل طاوياً صفحته في «الرواية الواقعية»

الراحل مكاوي سعيد
الراحل مكاوي سعيد

وجهٌ قمحيٌّ يميل إلى السُّمرة مثل طمي النيل، تتوسطه عينان ضيقتان تتواريان خلف نظارة طبية بيضاء، جسد صاحبها يبدو نحيلاً وطويلاً، هو روائي وشاعر قديم، واسع المعرفة والاطلاع والثقافة، إنه الكاتب المصري الكبير مكاوي سعيد، الذي غيّبه الموت صباح أمس (السبت) عن عمر يناهز 61 عاماً.
أصاب رحيل الأديب والكاتب المصري مكاوي سعيد المفاجئ، الوسط الثقافي المصري، وعشاق الأدب في مصر بصدمة جديدة، ونعت جهات الدولة الثقافية الأديب الراحل، الذي أثرى الحياة الثقافية والفكرية في مصر والعالم العربي، بالكثير من الروايات والكتابات المؤثرة. وكان مكاوي سعيد صاحب أسلوب خاص في فن الحكي، وله سردية مختلفة عن أبناء جيله في الرواية الواقعية المصرية المعاصرة. وقدم أعمالاً متميزة كان من بينها رواية «تغريدة البجعة»، التي رُشحت لجائزة البوكر للرواية العربية.
وقالت الروائية سلوى بكر، عضو مجلس نقابة اتحاد كتاب مصر، إن رحيل مكاوي سعيد سبب صدمة كبيرة في الوسط الأدبي. وأضافت قائلة: «نعزّي أنفسنا وكل المثقفين المصريين، لقد كان صاحب (تغريدة البجعة) روائياً متميزاً، وله حضور مؤثر في الحياة الثقافية المصرية». كما نعاه الدكتور علاء عبد الهادي، رئيس نقابة اتحاد كتاب مصر، قائلاً: «لقد خسرت الرواية المصرية في موجتها الجديدة، اسماً لامعاً وصاحب رؤية بصرية متميزة، في أعمال سعيد الروائية، فقد كان يحظى بحب الجميع من أبناء الأجيال السابقة، وأبناء جيله والأجيال اللاحقة عليه». وأوضح عبد الهادي: «سعيد كان مهموماً بالرواية، لأنه كان يعيش كل يوم رواية؛ فقد عاش ثورتي 25 يناير (كانون الثاني) 2011، و30 يونيو (حزيران) 2013، بكل أحداثهما اليومية بين ثوراهما، ورغم أن النص الروائي المتميز (تغريدة البجعة) لفت الأنظار إلية بقوة، إلا أنه لم يحظَ بتكريم يليق بموهبته من الدولة، ولكننا في اتحاد الكتاب سنقدم له تأبيناً يليق به».
من جانبه قال الناقد الأدبي، إيهاب الملاح لـ«الشرق الأوسط»: «رحيل مكاوي سعيد مَثّل صدمة كبيرة للوسط الثقافي في مصر، لأنه كان يتمتع بعلاقات إنسانية متميزة مع الكتاب الكبار والشبان، من خلال وجوده الدائم في مملكته الخاصة وهي منطقة وسط البلد، التي جسدها جيداً في أعماله الرائعة مثل (كراسة التحرير) و(مقتنيات وسط البلد). ونجحت تلك الأعمال نجاحاً كبيراً في تجسيد الروح الخاصة لمنطقة وسط القاهرة الصاخبة والمليئة بالحياة».
وأضاف الملاح قائلاً: «على مدار الـ15 عاماً الماضية تمتع مكاوي بشهرة، ومكانة جيدة وسط الروائيين المصريين، بدءاً من رواية (فئران السفينة)، وحتى روايته الأخيرة (أن تحبك جيهان)، حيث أعاد الأديب الراحل الاعتبار للرواية الواقعية، بعدما شهدت حالة من الخفوت، فقد كان يُنظر إليها بعين الريبة والتوجس، حتى ظن البعض أن الرواية الواقعية لن تقوم لها قائمة مرة أخرى، لكن روايته الشهيرة (تغريدة البجعة) أعادت الروح مرة أخرى إلى ذلك النوع المهم من الروايات التي تجسد الواقع، من خلال الأمكنة والأزمنة، حيث تكون دائماً مرجعية للكاتب، وأساس روايته الواقعية».
ولفت الملاح إلى أن «تجربة الأديب الراحل كانت مختلفة، بعدما احتلت مكانة مميزة في عالم السرد القصصي والروائي المعاصر». موضحاً: «إن مكاوي سعيد، حصل على تكريم هائل من القراء، وهو أهم من تكريم مؤسسات الدولة من وجهة نظري، لأن التكريم الحقيقي لأي كاتب هو أن تُقرأ أعماله وتلقى قبولاً لدى الأوساط الثقافية وعشاق الرواية».
وعن تأخر شهرة الروائي الراحل بين الكتاب والأدباء، قال الملاح: «سعيد ظل يكتب سنوات طويلة تحت الظل، ولم يذع صيته في الوسط الثقافي حتى رُشحت إحدى رواياته لجائزة البوكر العربية، ومنذ ذلك الحين، والأديب الراحل يحظى بشهرة، ورواج أدبي، واهتمام نقدي جيد جداً في مصر، وفي رأيي أن أكبر جائزة يطمح الكاتب إلى الحصول عليها هي قراءة أعماله وليست تكريم الدولة الذي قد يدخل فيه بعض الحسابات السياسية، وهو ما تحقق لسعيد».
إلى ذلك نعى المجلس الأعلى للثقافة المصري، وأمينه العام الدكتور حاتم ربيع، الروائي الكبير مكاوي سعيد. وقال: ربيع: «إن رحيل مكاوي سعيد يعد خسارة كبيرة للساحة الثقافية والمشهد الروائي في مصر والوطن العربي. سوف نفتقد كاتباً من طراز فريد، لطالما التصق بالناس، وراهن عليهم وسرد عنهم وعن أحلامهم البسيطة».
أما وزير الثقافة حلمي النمنم، فقال في نعي له، أمس، إن «مكاوي سعيد من المبدعين البارزين، الذين شاركوا في الحياة العامة، ولم يكن بعيداً عن الأحداث الوطنية، حتى إنه لُقب بـ(شاعر الجامعة)، فقد كان شاهداً على الأحداث التي عاشتها مصر، فكتب عنها ونقلها في أعماله». وأكد النمنم أن «مكاوي لم يكن مجرد كاتب متابع للأحداث، أو شاعر فقط، بل كان روائياً ناجحاً».
وُلد مكاوي سعيد في القاهرة 6 يوليو (تموز) 1956، وتخرج في كلية التجارة، لكنه ترك مهنة المحاسبة وتفرغ للكتابة، مع أوائل ثمانينيات القرن الماضي، حين كان طالباً بكلية التجارة جامعة القاهرة، وكان حينذاك مهتماً بكتابة الشعر العامي ثم الفصيح، عقب تأثره بصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي. ونُشرت عدة قصائد له في مجلة «صوت الجامعة» وغيرها. كما كانت له نشاطات دائمة في الندوات الثقافية بالجامعة حتى حصل على لقب شاعر الجامعة عام 1979.
عقب تخرجه في الجامعة، بدأ مكاوي في كتابة القصة القصيرة متأثراً بيوسف إدريس، وقصص مكسيم جوركي، وتشيكوف بالإضافة إلى روايات ديستويفسكي وهيمنغواي، وفي بداية الثمانينات شارك في ندوات دائمة بمقاهٍ شهيرة بوسط البلد. حيث كان يلتقي الأدباء الكبار والقصاصين الجدد، الذين كانوا يتلمسون الطريق. وعرض قصصه الأولى في هذه الندوات، وأثنى عليها الكثيرون، كما فاز بعضها بجوائز في مسابقات نادي القصة بالقاهرة، وتعرّف في مقهى «علي بابا» على القاص يحيى الطاهر عبد الله، وقرأ عليه قصصه فأعجبته واختار بعضها لإرسالها إلى مجلات عربية بتزكية منه، وفي تلك الفترة نُشرت له قصص في مجلات وصحف مصرية.
ولمكاوي أعمال مهمة كثيرة أثْرت الساحة الأدبية والثقافية العربية منها «الركض وراء الضوء»، و«ابن وسط البلد»، و«فئران السفينة»، و«مقتنيات وسط البلد»، و«عن الميدان وتجلياته»، و«تغريدة البجعة»، و«أن تحبك جيهان»، وقد وصلت روايته «تغريدة البجعة» للقائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية عام 2008، كما أن روايته «أن تحبك جيهان» نافست في القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد، وحصلت روايته «فئران المدينة» على جائزة سعاد الصباح الكويتية.
وكان الراحل قد عبّر عن رغبته في أحد حواراته التلفزيونية أن يتم تحويل رواية «أن تحبك جيهان» إلى فيلم سينمائي، لأن هناك قطاعات كثيرة من الناس لم تقرأ هذه الرواية التي تدور أحداثها في العام السابق لانتفاضة 25 يناير 2011، وأوضح أنها استغرقت 3 سنوات ونصف السنة في الكتابة، وأن بطل الرواية يقطن في منطقة وسط البلد.
وعن كتاب «كراسة التحرير»، كتب مكاوي سعيد على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» في 2013 أنه واجه صعوبات من أجل نشره، لخوف بعض الناشرين الكبار، وتحمّست الدار المصرية اللبنانية لنشره.
وكان مكاوي يعيب دائماً على بعض الروائيين المشاهير في مصر انزواءهم عن الناس والابتعاد عنهم، فهو كان يرى أن الروائي الواقعي يجب أن يذوب بين الناس ويستمع إلى همومهم وحكاياتهم، لأن بعض هذه الحكايات تصلح لأن تكون أعمالاً روائية مهمة. وأوضح في حوار تلفزيوني سابق، أنه كان يدوّن المعلومات المهمة التي كانت تُلقى على مسامعه يومياً من الناس، في مقاهي منطقة وسط البلد التي تربَّى فيها وعاش فيها معظم فترات حياته، ونقل معالمها بوضوح في كتبه الشهيرة.
في السياق ذاته كان آخر مقال تم نشره في الصحف المصرية للكاتب الراحل يوم 29 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وكان المقال عن الكتاب الأميركي «تكيّف الكفيف» من تأليف هكتور تشيفنى وسيدل بريفرمان، وترجمة د. محمد عبد المنعم نور، وقد نُشر في نيويورك عام 1950. وقال عنه سعيد: «هذا كتاب مهم عن حياة المكفوفين، ويفنّد مجموعة الخرافات والمغالطات التي ارتبطت بهم، مثل: إن الحواس الباقية لدى المكفوف تعمل معاً لتعويضه عن الحاسة المفقودة، أو الزعم بأن جلد الوجه وعضلاته عند المكفوف تنمو فيها حساسية شديدة للأجسام الغريبة، أو أن المكفوف يُمنح حاسة سادسة وسابعة لا يتمتع بها المبصر».



أرشيف تلفزيون لبنان إلى «سِجل ذاكرة العالم» لمنظمة اليونيسكو

أبو ملحم أحد أقدم البرامج الدرامية على تلفزيون لبنان (فيسبوك)
أبو ملحم أحد أقدم البرامج الدرامية على تلفزيون لبنان (فيسبوك)
TT

أرشيف تلفزيون لبنان إلى «سِجل ذاكرة العالم» لمنظمة اليونيسكو

أبو ملحم أحد أقدم البرامج الدرامية على تلفزيون لبنان (فيسبوك)
أبو ملحم أحد أقدم البرامج الدرامية على تلفزيون لبنان (فيسبوك)

في 28 أبريل (نيسان) 1959، انطلق البث الرسمي لتلفزيون لبنان، ليكون أول محطة تلفزيونية في الشرق الأوسط والعالم العربي. ومنذ ذلك التاريخ، شكّل هذا الصرح الإعلامي مرجعية أساسية ارتكزت عليها مؤسسات إعلامية مرئية ومسموعة ومكتوبة، وحمل إرثاً عريقاً لا يزال حاضراً في الذاكرة الجماعية للبنانيين.

يملك تلفزيون لبنان أرشيفاً غنياً يعكس تنوّع المجتمع اللبناني بكل أطيافه، فكان الشاشة الأقرب إلى قلوبهم، ومرآة لتقاليدهم ويومياتهم وتحولاتهم. كما شكّلت إنتاجاته الدرامية والثقافية والفنية محطات فارقة في تاريخ الإعلام العربي، متقدّماً برؤيته المستقبلية ومحتواه الريادي على كثير من الشاشات العربية.

مؤخراً، جرى ترشيح أرشيف تلفزيون لبنان، لإدراجه على «سِجل ذاكرة العالم»، التابع لمنظمة اليونيسكو. ويُعد هذا السجل برنامجاً دولياً يهدف إلى حماية التراث الوثائقي الإنساني ذي القيمة الاستثنائية، وضمان حفظه وإتاحته بوصفه جزءاً من الذاكرة البشرية المشتركة.

ويُتاح الترشح لهذا السجل من قِبل حكومات الدول الأعضاء في اليونيسكو، ولجانها الوطنية، والمنظمات غير الحكومية الشريكة للمنظمة، إضافة إلى الهيئات والاتحادات العلمية والجامعات الناشطة في المجالات ذات الصلة. وقد أرسل لبنان مؤخراً ملف ترشيح أرشيفه إلى مقر اليونيسكو في باريس، تزامناً مع فتح باب دورة 2026 - 2027.

وزير الإعلام بول مرقص خلال إلقائه كلمته في حفل الترشيح (موقع رئاسة الجمهورية)

ويعلّق وزير الإعلام بول مرقص، لـ«الشرق الأوسط»، على هذا الترشيح، مشيراً إلى أن المبادرة انطلقت من استوديوهات تلفزيون لبنان في الحازمية، «في تأكيد واضح للأهمية التي تُوليها الدولة لحفظ الذاكرة الوطنية وصَون الإرث الثقافي والإعلامي». ولفت إلى أن حضور رئيس الجمهورية جوزيف عون الحفل الذي أُقيم لإطلاق المبادرة، يشكّل رسالة دعم مباشرة لهذا المسار، كما يرسّخ البعد الوطني لها.

ووفق مرقص، فإن الأرشيف يضم أشرطة وصوراً وبرامج تمتد على عقود طويلة، تُوثّق محطات مفصلية سياسية وثقافية واجتماعية. وتُشكل ذاكرة سمعية وبصرية نادرة تختزن صورة لبنان في مختلف مراحله. ويتابع، في سياق حديثه: «إن ترشيح هذا الأرشيف إلى (سِجل ذاكرة العالم) هو تتويج لجهود متكاملة هدفت إلى الحفاظ عليه مادياً، وترتيبه وحمايته، إلى جانب أرشفته رقمياً بما يضمن استمراريته ووصوله إلى الأجيال المقبلة».

كان الرئيس عون قد أكّد، خلال مشاركته في حفل إطلاق الترشيح، أن أرشيف تلفزيون لبنان هو الكنز الحقيقي الذي يوثّق تاريخ لبنان الثقافي والإعلامي والسياسي على مدى عقود متتالية.

من جهتها، عَدّت المديرة العامة لتلفزيون لبنان أليسار نداف، في كلمةٍ ألقتها، أن مبنى الحازمية يختزن إرثاً وطنياً وفنياً ثميناً يشبه «متحفاً حيّاً» لذاكرة لبنان. وأعلنت أن أرشيف تلفزيون لبنان، الذي يُوثّق الحياة السياسية والثقافية منذ عام 1959، جرى رقمنته بدعم من مكتب اليونيسكو في بيروت ومؤسسة «أليف»، ليصبح متاحاً للجمهور وفق المعايير الدولية المعتمَدة.

نهى الخطيب سعادة من أقدم مذيعات تلفزيون لبنان (فيسبوك)

ويعود العمل على مشروع إنقاذ هذا الأرشيف إلى نحو خمسة عشرة عاماً خَلَت، حيث جرى تحويل الأشرطة القديمة من صيغتيْ «بيتاكام» و«2 إنش» إلى النظام الرقمي. وكانت العملية مكلِّفة وتطلبت تجهيزات خاصة وقِطع غيار نادرة، إضافة إلى عمليات تنظيف يدوية دقيقة. وأسهم هذا المشروع في إنقاذ آلاف الساعات من المواد الأرشيفية.

ويتضمن الأرشيف مراحل بث وعروضاً طويلة تعود إلى أوائل الستينات وحتى اليوم. غير أنّه يفتقد عدداً كبيراً من البرامج التي كانت تُقدَّم مباشرة على الهواء ولم تُسجَّل، ولا سيما نشرات الأخبار وما تخلّلها من لحظات مفصلية. لذا فإن مَشاهد وإذاعات تاريخية، كإعلان اغتيال الرئيس الأميركي جون كينيدي، أو وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، أو صعود الإنسان إلى القمر، وغيرها من الأحداث الحلوة والمرّة، لم تُحفظ في الأرشيف وبقيت عالقة في ذاكرةِ مَن عايشوها.

في سياق متصل، كان وزير الإعلام السابق زياد مكاري قد وضع، خلال تولّيه مهامه، آلية واضحة لاستعارة أو شراء دقائق من أرشيف تلفزيون لبنان مقابل مبالغ مالية، تُحدَّد قيمتها وفق مدة المقتطف والفترة الزمنية التي ينتمي إليها. فثمن دقيقة من برنامج يعود إلى الستينات، على سبيل المثال، لا يوازي كلفة دقيقة من عمل أُنتج في السنوات الأخيرة. وقد أعلن مكاري، حينها، أن سعر الدقيقة الواحدة من بعض البرامج قد يصل إلى ثلاثة آلاف دولار، مشدداً على أن الاستعمال المجاني لمقتطفات الأرشيف بات ممنوعاً، وأنه لا يجوز أن تتجاوز مدته 15 ثانية.

وعن نسبة الحظوظ التي قد تُخوّل تلفزيون لبنان دخول هذا السجل، يقول وزير الإعلام بول مرقص، لـ«الشرق الأوسط»: «تبدو حظوظه واعدة؛ نظراً للقيمة التاريخية الفريدة لأرشيفه الرسمي وغير المكرر»، مضيفاً: «كما أنه يحظى بالدعم المؤسسي، على أن يبقى القرار النهائي مرتبطاً باستكمال المعايير التقنية والعلمية التي تعتمدها منظمة اليونيسكو».


مصر لاستثمار زيارات المشاهير في الترويج لمعالمها الأثرية

ويل سميث خلال زيارته الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)
ويل سميث خلال زيارته الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر لاستثمار زيارات المشاهير في الترويج لمعالمها الأثرية

ويل سميث خلال زيارته الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)
ويل سميث خلال زيارته الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)

جدّدت زيارة اثنين من المشاهير للمناطق الأثرية في مصر، هما: النجم العالمي ويل سميث، وصانع المحتوى سبيد، وجولتيهما في منطقة الأهرامات والمتحف المصري الكبير؛ الحديث عن استثمار مثل هذه الزيارات في الترويج السياحي، وإبراز المعالم الأثرية عبر منصات دولية.

واستقبلت منطقة الأهرامات، الخميس، الممثل العالمي ويل سميث، وكان في استقباله الدكتور محمد إسماعيل خالد، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الذي رحّب به وأطلعَه على أهم ما تحتويه هذه البقعة التاريخية من أسرار وآثار تعكس عراقة الحضارة المصرية القديمة، بالإضافة إلى أهم الاكتشافات الأثرية على مستوى الجمهورية، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار.

وأبدى سميث، اهتماماً بالغاً بالتفاصيل التاريخية والأثرية، كما وعد بالعودة إلى مصر مرة أخرى في فصل الربيع مع أسرته لزيارة مصر.

وكان الممثل العالمي قد زار مصر في عام 2017 مع عائلته، حيث التقطوا صوراً أمام أهرامات الجيزة، كما أعربوا عن إعجابهم الشديد بجمالها وروعتها.

ويرى مدير مؤسسة زاهي حواس للآثار والتراث، الدكتور علي أبو دشيش، أن «الدولة المصرية تتبع حالياً استراتيجية ذكية في استثمار القوة الناعمة للمشاهير لتعزيز مكانة مصر السياحية».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «وجود مشاهير بحجم ويل سميث أو صُنّاع المحتوى العالميين مثل سبيد في المناطق الأثرية، يحول المعلم التاريخي من مجرد موقع أثري صامت إلى (ترند) عالمي يتصدّر منصات التواصل الاجتماعي».

ولفت إلى أن زيارات المشاهير للأهرامات أو الأقصر هي بمثابة رسالة طمأنة ودعوة مجانية لملايين المتابعين من مختلف الفئات العمرية إلى زيارة مصر. وأوضح أن «النجم العالمي ويل سميث يضفي هيبة وكلاسيكية على المشهد السياحي، ويجذب فئة السياحة الفاخرة والمهتمين بالثقافة. أما سبيد وأمثاله، فهم يخاطبون جيل الشباب الذي يبحث عن المغامرة والعفوية، مما يضع الآثار المصرية ضمن قائمة (الأماكن التي تجب زيارتها) لدى الأجيال الجديدة».

صانع المحتوى سبيد في منطقة الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)

واستقبلت منطقة أهرامات الجيزة والمتحف المصري الكبير «اليوتيوبر» وصانع المحتوى العالمي «IShow Speed» في زيارة تهدف إلى اكتشاف سحر مصر والتعرّف عن قرب إلى حضارتها العريقة وأبرز معالمها السياحية، وفق بيان وزارة السياحة.

ونظّمت هذه الزيارة «لجنة مصر للأفلام» التابعة لمدينة الإنتاج الإعلامي، في إطار الترويج للمقصد السياحي المصري وإبراز ما تزخر به مصر من كنوز حضارية وثقافية فريدة.

وأشار الخبير السياحي، أيمن الطرانيسي، إلى أن «زيارة المشاهير لمصر فرصة ذهبية يجب أن نُحسن استخدامها، فهذا يُعدّ إعلاناً سياحياً مباشراً لمصر دون تكلفة تُذكر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «المهم أن تكون هذه الزيارات منظمة، وتوضح أماكننا السياحية وحضارتنا وسماتها المميزة، والتنوع الشديد في المكونات الحضارية المصرية». وتابع: «لو نجحنا في توظيف هذه الزيارات بشكل جيد فسنجد إقبالاً كبيراً على زيارة مصر خصوصاً من الفئات التي تتابع المحتوى الرقمي».

وخلال زيارته للأهرامات قام اليوتيوبر «Speed» ببث مباشر من داخل الهرم الأكبر، نقل خلاله إلى الملايين من متابعيه حول العالم (وصلوا إلى 48 مليون وفق المسجل في الصورة الرقمية للبث المباشر) تجربة استثنائية من قلب أحد أعظم إنجازات الحضارة الإنسانية والعجيبة الوحيدة الباقية من عجائب الدنيا السبع للعالم القديم، بالإضافة إلى زيارته منطقة تمثال أبو الهول.

وعدّ الخبير السياحي المصري، محمد كارم، «زيارة النجوم العالميين، مثل ويل سميث أو صناع المحتوى مثل سبيد، ليست مجرد لقطات على (السوشيال ميديا)، لكنها تمثّل قوة ناعمة حقيقية خصوصاً أن الممثلين وصناع المحتوى يتابعهم عشرات الملايين حول العالم، وتأثيرهم يفوق الحملات الإعلانية المكلفة، ويكون لهم مردود كبير لو قاموا بالتصوير أو بث فيديو من المناطق الأثرية والسياحية في مصر».

ولفت إلى أن «أهمية ما يفعلونه هو أن المحتوى الذي يقدمونه يتسم بالعفوية، مثلما فعل (اليوتيوبر) سبيد حين قرر تصوير نفسه وهو يتناول الطعام في محل كشري بوسط البلد، ورأينا جميعاً كيف التفّ حوله الناس، وهذه العفوية تعطي الفيديوهات التي يقدمها من الأماكن الأثرية أو السياحية مصداقية، وتضع متابعيه داخل المكان السياحي أو الأثري وتشوّقهم إليه».

سبيد خلال زيارته للمتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

وزار صانع المحتوى سبيد، المتحف المصري الكبير، وقام بجولة داخل عدد من قاعات المتحف، وعلى رأسها قاعات الملك توت عنخ آمون ومتحف مراكب خوفو، حيث أبدى إعجابه الشديد بالكنوز الأثرية الفريدة وسيناريو العرض المتحفي الذي يبرز عظمة الحضارة المصرية بأسلوب حديث ومبهر. وأعلنت وزارة السياحة أن «اليوتيوبر» العالمي خلال زيارته الحالية لمصر سيقوم بزيارة العديد من الأماكن الأثرية والسياحية، من بينها منطقة خان الخليلي.

ويرى الخبير السياحي المصري، بسام الشماع، أن «زيارة مشاهير العالم للمعالم الأثرية المصرية، ربما تمثّل فائدة مشتركة للمناطق السياحية المصرية والشخصيات التي زارتها».

وأشار، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «زيارة ويل سميث حين دخل الهرم، أو سبيد، ومن قبلهم مستر بيست أو الموسيقار العالمي ينّي حين جاء وعزف بجوار الهرم أو عندما جاء خوليو إيغليسياس وغنى أمام الأهرامات، أو حتى صور الأميرة ديانا أمام الأهرامات؛ تحظى باهتمام ويُعاد نشرها كل فترة، فهذه الزيارات تمنحهم ذكرى حضارية مهمة».

وتعتمد مصر على قطاع السياحة بوصفه إحدى ركائز الدخل القومي، وحققت خلال العام الماضي أكثر من 19 مليون سائح، وهو رقم قياسي جديد، وتسعى مصر لاجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.


«مرسل إلى»... مسرحية مصرية تقاوم الإفرازات النفسية للحروب

العرض المسرحي «مرسل إلى» تناول الحربين العالميتين (مهرجان المسرح العربي)
العرض المسرحي «مرسل إلى» تناول الحربين العالميتين (مهرجان المسرح العربي)
TT

«مرسل إلى»... مسرحية مصرية تقاوم الإفرازات النفسية للحروب

العرض المسرحي «مرسل إلى» تناول الحربين العالميتين (مهرجان المسرح العربي)
العرض المسرحي «مرسل إلى» تناول الحربين العالميتين (مهرجان المسرح العربي)

ضمن الدورة الـ16 من مهرجان «المسرح العربي»، التي تقام حالياً في مصر للمرة الثالثة، بتنظيم من «الهيئة العربية للمسرح»، ورعاية وزارة الثقافة المصرية، تنافس مسرحية «مرسل إلى»، التي نالت جائزة «المركز الأول» في المهرجان الختامي لفرق الأقاليم المسرحية، وجائزة «أفضل تصميم ديكور» في المهرجان القومي للمسرح في دورته الـ18، على جائزة الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض مسرحي.

عرض «مرسل إلى» يطرح مفهوم «الحرب والسلام»، ويسلط الضوء على الصراع بين دولتي فرنسا وألمانيا، من خلال أحداث ذات أبعاد فلسفية، ومشاعر إنسانية دارت خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، من منظور جندي فرنسي، يسترجع معاناته وأزماته وأسباب اندلاع الحرب.

وعن كواليس كتابة «مرسل إلى» واختياره ثيمة الطرح الإنساني، قال المؤلف طه زغلول إن أفكار النصوص بالنسبة له في البداية تكون عبارة عن أسئلة، يحتاج إلى مشاركتها مع غيره كي يجد لها إجابة، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «السؤال في نص (مرسل إلى) انشغل به الناس خلال الفترة الماضية، وهو (هل سيتعرض العالم لحرب عالمية ثالثة؟)، ومن هنا كانت بداية كتابة نص (مرسل إلى)، الذي تحول بعد ذلك لمسرحية تتناول (الأزمات الإنسانية) التي تفرزها الحروب».

لقطة من العرض المسرحي «مرسل إلى» (مهرجان المسرح العربي)

وكشف زغلول، الذي كتب النص قبل 4 سنوات، أنه كان محظوظاً كون مخرج العرض هو محمد فرج، لافتاً إلى أن المشكلة التي تواجه جيله من المؤلفين، تتمثل في أن «أغلب المخرجين يهتمون بتقديم صورة معينة بغض النظر عن الأفكار المكتوبة، وأن المميز والمختلف في محمد فرج أنه قدم صورة مسرحية مذهلة بناءً على النص المسرحي المكتوب»، على حد تعبيره.

وأوضح زغلول أن «مرسل إلى» هو المشروع الثاني الذي جمعه بالمخرج محمد فرج بعد مسرحية «مائة وثلاثون قطعة»، التي عرضت العام الماضي، وحصلت على جوائز عدة، منوهاً بأن فريق العمل أقرب إلى فرقة مسرحية لأن غالبية العناصر مشتركة في العرضين، وفي مقدمتها مصمم الديكور محمد طلعت الذي كانت له بصمة واضحة شكلت إضافة للتجربة.

وعن أهم المراجع التي استعان بها في كتابة النص، قال زغلول: «استعنت ببعض مراجع عن الحربين العالميتين الأولى والثانية»، لافتاً إلى أن النص ليس تأريخاً لفترة زمنية أو لحدث معين، بل يناقش فكرة تأثير الحروب على الأفراد والناس العادية، وأن أغلب نصوصه تستند إلى وقائع تاريخية حقيقية.

ويؤكد زغلول أن الميزانية المحدودة، خصوصاً للعروض الخاصة، وعروض الجامعة، والثقافة الجماهيرية، تؤثر على مستوى العروض، موضحاً أنه كلما كانت الميزانية أكبر كانت مساحة الإبداع أكبر، لكن صناع مسرحية «مرسل إلى»، خصوصاً المخرج محمد فرج ومصمم الديكور محمد طلعت، استطاعوا استغلال الميزانية المحدودة بأفضل طريقة ممكنة.

تناول العرض المسرحي الحرب من منظور فلسفي (مهرجان المسرح العربي)

وعن اختياره «القضايا الإنسانية» لتسليط الضوء عليها في كتاباته، أكد زغلول أن الإنسان هو الإنسان في كل وقت وأرض، مخاوفه واحدة واحتياجاته واحدة، لذلك عندما اختار واقعة تاريخية حصلت قبل عشرات السنين «فإنني أرى أنها تلمس الواقع الذي نعيشه، كما أنني أتعمق في سرد الأفكار كي تصل للناس دون قيود»، حسب قوله.

وعن توقعه نيل جائزة من مهرجان «المسرح العربي» في دورته الـ16 التي تختتم فعالياتها الجمعة، أكد زغلول الذي حصد «المركز الأول» في مسابقة التأليف في الدورة الـ10 من المهرجان نفسه، أن الجوائز بشكل عام تعبّر عن وجهة نظر وذائقة لجنة التحكيم، لكن ما يشغله دائماً هو تقديم الكثير من الأعمال المميزة التي تدعو الناس للتفكير، وتشعرهم بالمتعة الفنية.

مسرحية «مرسل إلى»، لفرقة «بيت ثقافة السنبلاوين»، وإنتاج الإدارة العامة للمسرح، من تأليف طه زغلول، وإخراج محمد فرج، وشارك بها مجموعة كبيرة من الممثلين، من بينهم محمود الحسيني، وشموع وائل، وطلعت حسين، ومحمد صبح، وعاصم الجوهري، وأحمد علاء، وطارق المصري، ومحمد سليمان، ومحمد هاشم، وآية أشرف.