مكاوي سعيد... ابن «وسط البلد» يرحل طاوياً صفحته في «الرواية الواقعية»

أعماله حظيت باهتمام نقدي في مصر والعالم العربي

الراحل مكاوي سعيد
الراحل مكاوي سعيد
TT

مكاوي سعيد... ابن «وسط البلد» يرحل طاوياً صفحته في «الرواية الواقعية»

الراحل مكاوي سعيد
الراحل مكاوي سعيد

وجهٌ قمحيٌّ يميل إلى السُّمرة مثل طمي النيل، تتوسطه عينان ضيقتان تتواريان خلف نظارة طبية بيضاء، جسد صاحبها يبدو نحيلاً وطويلاً، هو روائي وشاعر قديم، واسع المعرفة والاطلاع والثقافة، إنه الكاتب المصري الكبير مكاوي سعيد، الذي غيّبه الموت صباح أمس (السبت) عن عمر يناهز 61 عاماً.
أصاب رحيل الأديب والكاتب المصري مكاوي سعيد المفاجئ، الوسط الثقافي المصري، وعشاق الأدب في مصر بصدمة جديدة، ونعت جهات الدولة الثقافية الأديب الراحل، الذي أثرى الحياة الثقافية والفكرية في مصر والعالم العربي، بالكثير من الروايات والكتابات المؤثرة. وكان مكاوي سعيد صاحب أسلوب خاص في فن الحكي، وله سردية مختلفة عن أبناء جيله في الرواية الواقعية المصرية المعاصرة. وقدم أعمالاً متميزة كان من بينها رواية «تغريدة البجعة»، التي رُشحت لجائزة البوكر للرواية العربية.
وقالت الروائية سلوى بكر، عضو مجلس نقابة اتحاد كتاب مصر، إن رحيل مكاوي سعيد سبب صدمة كبيرة في الوسط الأدبي. وأضافت قائلة: «نعزّي أنفسنا وكل المثقفين المصريين، لقد كان صاحب (تغريدة البجعة) روائياً متميزاً، وله حضور مؤثر في الحياة الثقافية المصرية». كما نعاه الدكتور علاء عبد الهادي، رئيس نقابة اتحاد كتاب مصر، قائلاً: «لقد خسرت الرواية المصرية في موجتها الجديدة، اسماً لامعاً وصاحب رؤية بصرية متميزة، في أعمال سعيد الروائية، فقد كان يحظى بحب الجميع من أبناء الأجيال السابقة، وأبناء جيله والأجيال اللاحقة عليه». وأوضح عبد الهادي: «سعيد كان مهموماً بالرواية، لأنه كان يعيش كل يوم رواية؛ فقد عاش ثورتي 25 يناير (كانون الثاني) 2011، و30 يونيو (حزيران) 2013، بكل أحداثهما اليومية بين ثوراهما، ورغم أن النص الروائي المتميز (تغريدة البجعة) لفت الأنظار إلية بقوة، إلا أنه لم يحظَ بتكريم يليق بموهبته من الدولة، ولكننا في اتحاد الكتاب سنقدم له تأبيناً يليق به».
من جانبه قال الناقد الأدبي، إيهاب الملاح لـ«الشرق الأوسط»: «رحيل مكاوي سعيد مَثّل صدمة كبيرة للوسط الثقافي في مصر، لأنه كان يتمتع بعلاقات إنسانية متميزة مع الكتاب الكبار والشبان، من خلال وجوده الدائم في مملكته الخاصة وهي منطقة وسط البلد، التي جسدها جيداً في أعماله الرائعة مثل (كراسة التحرير) و(مقتنيات وسط البلد). ونجحت تلك الأعمال نجاحاً كبيراً في تجسيد الروح الخاصة لمنطقة وسط القاهرة الصاخبة والمليئة بالحياة».
وأضاف الملاح قائلاً: «على مدار الـ15 عاماً الماضية تمتع مكاوي بشهرة، ومكانة جيدة وسط الروائيين المصريين، بدءاً من رواية (فئران السفينة)، وحتى روايته الأخيرة (أن تحبك جيهان)، حيث أعاد الأديب الراحل الاعتبار للرواية الواقعية، بعدما شهدت حالة من الخفوت، فقد كان يُنظر إليها بعين الريبة والتوجس، حتى ظن البعض أن الرواية الواقعية لن تقوم لها قائمة مرة أخرى، لكن روايته الشهيرة (تغريدة البجعة) أعادت الروح مرة أخرى إلى ذلك النوع المهم من الروايات التي تجسد الواقع، من خلال الأمكنة والأزمنة، حيث تكون دائماً مرجعية للكاتب، وأساس روايته الواقعية».
ولفت الملاح إلى أن «تجربة الأديب الراحل كانت مختلفة، بعدما احتلت مكانة مميزة في عالم السرد القصصي والروائي المعاصر». موضحاً: «إن مكاوي سعيد، حصل على تكريم هائل من القراء، وهو أهم من تكريم مؤسسات الدولة من وجهة نظري، لأن التكريم الحقيقي لأي كاتب هو أن تُقرأ أعماله وتلقى قبولاً لدى الأوساط الثقافية وعشاق الرواية».
وعن تأخر شهرة الروائي الراحل بين الكتاب والأدباء، قال الملاح: «سعيد ظل يكتب سنوات طويلة تحت الظل، ولم يذع صيته في الوسط الثقافي حتى رُشحت إحدى رواياته لجائزة البوكر العربية، ومنذ ذلك الحين، والأديب الراحل يحظى بشهرة، ورواج أدبي، واهتمام نقدي جيد جداً في مصر، وفي رأيي أن أكبر جائزة يطمح الكاتب إلى الحصول عليها هي قراءة أعماله وليست تكريم الدولة الذي قد يدخل فيه بعض الحسابات السياسية، وهو ما تحقق لسعيد».
إلى ذلك نعى المجلس الأعلى للثقافة المصري، وأمينه العام الدكتور حاتم ربيع، الروائي الكبير مكاوي سعيد. وقال: ربيع: «إن رحيل مكاوي سعيد يعد خسارة كبيرة للساحة الثقافية والمشهد الروائي في مصر والوطن العربي. سوف نفتقد كاتباً من طراز فريد، لطالما التصق بالناس، وراهن عليهم وسرد عنهم وعن أحلامهم البسيطة».
أما وزير الثقافة حلمي النمنم، فقال في نعي له، أمس، إن «مكاوي سعيد من المبدعين البارزين، الذين شاركوا في الحياة العامة، ولم يكن بعيداً عن الأحداث الوطنية، حتى إنه لُقب بـ(شاعر الجامعة)، فقد كان شاهداً على الأحداث التي عاشتها مصر، فكتب عنها ونقلها في أعماله». وأكد النمنم أن «مكاوي لم يكن مجرد كاتب متابع للأحداث، أو شاعر فقط، بل كان روائياً ناجحاً».
وُلد مكاوي سعيد في القاهرة 6 يوليو (تموز) 1956، وتخرج في كلية التجارة، لكنه ترك مهنة المحاسبة وتفرغ للكتابة، مع أوائل ثمانينيات القرن الماضي، حين كان طالباً بكلية التجارة جامعة القاهرة، وكان حينذاك مهتماً بكتابة الشعر العامي ثم الفصيح، عقب تأثره بصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي. ونُشرت عدة قصائد له في مجلة «صوت الجامعة» وغيرها. كما كانت له نشاطات دائمة في الندوات الثقافية بالجامعة حتى حصل على لقب شاعر الجامعة عام 1979.
عقب تخرجه في الجامعة، بدأ مكاوي في كتابة القصة القصيرة متأثراً بيوسف إدريس، وقصص مكسيم جوركي، وتشيكوف بالإضافة إلى روايات ديستويفسكي وهيمنغواي، وفي بداية الثمانينات شارك في ندوات دائمة بمقاهٍ شهيرة بوسط البلد. حيث كان يلتقي الأدباء الكبار والقصاصين الجدد، الذين كانوا يتلمسون الطريق. وعرض قصصه الأولى في هذه الندوات، وأثنى عليها الكثيرون، كما فاز بعضها بجوائز في مسابقات نادي القصة بالقاهرة، وتعرّف في مقهى «علي بابا» على القاص يحيى الطاهر عبد الله، وقرأ عليه قصصه فأعجبته واختار بعضها لإرسالها إلى مجلات عربية بتزكية منه، وفي تلك الفترة نُشرت له قصص في مجلات وصحف مصرية.
ولمكاوي أعمال مهمة كثيرة أثْرت الساحة الأدبية والثقافية العربية منها «الركض وراء الضوء»، و«ابن وسط البلد»، و«فئران السفينة»، و«مقتنيات وسط البلد»، و«عن الميدان وتجلياته»، و«تغريدة البجعة»، و«أن تحبك جيهان»، وقد وصلت روايته «تغريدة البجعة» للقائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية عام 2008، كما أن روايته «أن تحبك جيهان» نافست في القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد، وحصلت روايته «فئران المدينة» على جائزة سعاد الصباح الكويتية.
وكان الراحل قد عبّر عن رغبته في أحد حواراته التلفزيونية أن يتم تحويل رواية «أن تحبك جيهان» إلى فيلم سينمائي، لأن هناك قطاعات كثيرة من الناس لم تقرأ هذه الرواية التي تدور أحداثها في العام السابق لانتفاضة 25 يناير 2011، وأوضح أنها استغرقت 3 سنوات ونصف السنة في الكتابة، وأن بطل الرواية يقطن في منطقة وسط البلد.
وعن كتاب «كراسة التحرير»، كتب مكاوي سعيد على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» في 2013 أنه واجه صعوبات من أجل نشره، لخوف بعض الناشرين الكبار، وتحمّست الدار المصرية اللبنانية لنشره.
وكان مكاوي يعيب دائماً على بعض الروائيين المشاهير في مصر انزواءهم عن الناس والابتعاد عنهم، فهو كان يرى أن الروائي الواقعي يجب أن يذوب بين الناس ويستمع إلى همومهم وحكاياتهم، لأن بعض هذه الحكايات تصلح لأن تكون أعمالاً روائية مهمة. وأوضح في حوار تلفزيوني سابق، أنه كان يدوّن المعلومات المهمة التي كانت تُلقى على مسامعه يومياً من الناس، في مقاهي منطقة وسط البلد التي تربَّى فيها وعاش فيها معظم فترات حياته، ونقل معالمها بوضوح في كتبه الشهيرة.
في السياق ذاته كان آخر مقال تم نشره في الصحف المصرية للكاتب الراحل يوم 29 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وكان المقال عن الكتاب الأميركي «تكيّف الكفيف» من تأليف هكتور تشيفنى وسيدل بريفرمان، وترجمة د. محمد عبد المنعم نور، وقد نُشر في نيويورك عام 1950. وقال عنه سعيد: «هذا كتاب مهم عن حياة المكفوفين، ويفنّد مجموعة الخرافات والمغالطات التي ارتبطت بهم، مثل: إن الحواس الباقية لدى المكفوف تعمل معاً لتعويضه عن الحاسة المفقودة، أو الزعم بأن جلد الوجه وعضلاته عند المكفوف تنمو فيها حساسية شديدة للأجسام الغريبة، أو أن المكفوف يُمنح حاسة سادسة وسابعة لا يتمتع بها المبصر».



دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
TT

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)

أثار دواءٌ يُساعد الأطفال المصابين بالنوع الأكثر شيوعاً من التقزم على زيادة طولهم جدلاً أخلاقياً واسعاً. ففي حين يأمل الآباء أن يُسهم هذا الدواء، إلى جانب زيادة الطول، في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة، يخشى المنتقدون أن يُوحي علاجٌ يركز على زيادة الطول بأنَّ التقزم حالةٌ تستدعي العلاج.

ويُستخدم دواء «فوسوريتيد»، الذي يُباع تحت اسم «فوكسزوغو»، لعلاج الأطفال المصابين بالودانة، وهي حالة وراثية تُعيق نمو العظام. وقد تمت الموافقة عليه في أوروبا عام 2021، وهو مُصرّحٌ به الآن للأطفال من عمر أربعة أشهر، في وقت لا تزال عظامهم في طور النمو.

وتُشير التجارب السريرية إلى أن «فوسوريتيد» يُسرِّع النمو. لكن يبقى من غير المؤكد ما إذا كان بإمكانه الوقاية من مضاعفات طبية خطيرة أو تحسين جودة الحياة على المدى الطويل.

ويثير هذا الأمر تساؤلات صعبة حول معايير العلاج الناجح، ومدى حقّ الأشخاص المصابين بالتقزم الغضروفي في تحديد نتائجه.

وأصبحت الأدلة على أن دواء «فوسوريتيد» يزيد النمو راسخة. ويأمل الآباء أن يُسهم العلاج أيضاً في الحدّ من بعض المضاعفات الطبية المرتبطة بالتقزم الغضروفي. وتُظهر نتائج تجربة أُجريت في عام 2026 مؤشرات أولية على أن العلاج المبكر بـ«فوسوريتيد» قد يُحسِّن نمو العمود الفقري. كما وجدت دراسة أخرى انخفاضاً في معدلات بعض المضاعفات بين الأطفال في تجارب «فوسوريتيد» مقارنة بالبيانات المنشورة عن الأشخاص الذين لم يتلقوا الدواء. هذه النتائج واعدة، لكنها لا تُثبت بعد ما إذا كان العلاج سيمنع المضاعفات الخطيرة طوال الحياة. تابعت دراسة العمود الفقري الأطفال لمدة عام واحد فقط، وشملت أعداداً قليلة نسبياً.

ووفق مقال مشترك لكل من إيرين بريتشارد، المحاضرة الأولى في دراسات الإعاقة بجامعة ليفربول هوب الإنجليزية، وسامانثا ليلي، مدرّسة الصحة والتنمية الاجتماعية بجامعة ديكين الأسترالية، نُشر، الأربعاء، على موقع «كونفيرزيشين»، تُصعّب الدراسات الصغيرة تحديد ما إذا كانت الاختلافات تعكس تأثيرات علاجية حقيقية، خصوصاً فيما يتعلق بالمضاعفات النادرة.

ووفق المقال، توجد أيضاً أسباب تدعو إلى الحذر عند افتراض أن بدء العلاج مبكراً جداً سيمنع حدوث مضاعفات خطيرة.

أظهرت الأبحاث التي أُجريت على أشخاص مصابين بالتقزم الغضروفي أنهم قد يواجهون صعوبات تتعلق بالصحة والوظائف البدنية، إلى جانب الحواجز الاجتماعية المرتبطة بالعيش في عالم مصمم وفقاً لأجسام متوسطة الطول.

وكما أوضحت الباحثتان، فإن تجربة تلقي العلاج تستحق اهتماماً خاصاً أيضاً. يتطلب دواء «فوسوريتيد» حقناً يومية طوال سنوات النمو. ووجدت دراسة أُجريت على سبع عائلات لأطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين وأربع سنوات أن الحقن قد تُسبب الخوف والألم والضيق لدى الأطفال.

ووفق المقال، تكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة بالنظر إلى تاريخ العلاجات التي تهدف إلى زيادة الطول. على سبيل المثال، لا تزال جراحة إطالة الأطراف مثيرة للجدل. فقد وجدت مراجعة منهجية أُجريت عام 2026 أنها قد تُحقق زيادات كبيرة في طول الأطراف، ولكنها تتطلب علاجاً طويل الأمد وتنطوي على مخاطر عالية لحدوث مضاعفات.

ويُولد نحو 80 في المائة من المصابين بالتقزم الغضروفي لآباء ذوي طول متوسط. وهذا ما يجعل تجارب البالغين المصابين بهذه الحالة ذات قيمة، خاصة عند تفكير العائلات في العلاج. ويتخذ الآباء عادةً قرارات بالموافقة على الرعاية الصحية لأطفالهم الصغار جداً. وهم في حاجة إلى معلومات واضحة تُفرِّق بين الفوائد المؤكدة والنتائج المرجوة أو غير المؤكدة.

لذا؛ يتجاوز النقاش الأخلاقي حول «فوسوريتيد» مجرد مسألة ما إذا كان الدواء يزيد من طول الأطفال، ليشمل أيضاً الفوائد الصحية التي تم إثباتها، وكيف يؤثر العلاج على الأطفال يومياً، ومن له الحق في تحديد مدى نجاحه.


«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
TT

«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

يستقر «الزار» في المرويات الشعبية كأحد الطقوس العلاجية المرتبطة بالغناء والموسيقى وربما التعاويذ القديمة، لكن تظل سمات «الزار» متفردة بأدواتها من الدفوف والبخور وحلقات الرقص المتصاعدة لتشكل طابعاً خاصاً في بيئات معينة. ومع تقلص حضور هذه الظاهرة، تسعى أبحاث علمية مصرية لتوثيقها ضمن قوائم التراث الثقافي العالمي غير المادي بمنظمة «اليونيسكو».

في هذا الإطار، عرضت الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» بحثاً بعنوان «الأصول الأثرية لطقوس الأداء الموسيقي الاستشفائي واستمراريتها الثقافية» ضمن مؤتمر عقده المجلس الأعلى للثقافة في مصر تحت عنوان «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» بمناسبة اليوم العالمي للتراث.

وربط البحث بين طقوس «الزار» في الثقافة الشعبية الحديثة وامتداد ممارساته أو الأشكال الشبيهة به في الطقوس الاستشفائية والعلاجية بمصر القديمة، داعية في نهاية بحثها إلى توثيق النظم الإيقاعية والشفهية لفرائق «الزار» بمصر، وتسجيلها ضمن قاعدة بيانات التراث غير المادي. وضم هذا العنصر «الزار» الذي يمثل جزءاً من الممارسات والطقوس الشعبية لقائمة الصون العاجل للتراث غير المادي بـ«اليونيسكو».

جانب من الطقوس المصرية القديمة (البحث المقدم بمؤتمر التراث اللامادي)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «دراسة (الزار) المعاصر في ضوء الممارسات الطقسية في مصر القديمة تفتح مجالاً مهماً لفهم جذور بعض المعتقدات الشعبية وتحولاتها عبر الزمن. فالمجتمع المصري القديم عرف طقوساً ارتبطت بالموسيقى والإيقاع والرقص والإنشاد، ولم تكن هذه العناصر مجرد وسائل للتعبير الفني، بل شاركت في سياقات دينية واحتفالية متعددة، ارتبط بعضها بعبادة الآلهة وبالتصورات المتعلقة بالحماية والتطهير والتعامل مع القوى غير المرئية».

وتتابع: «تأتي الإلهة حتحور في مقدمة الشخصيات الدينية التي تستحق التوقف عندها في هذا السياق؛ فقد ارتبطت بالموسيقى والرقص والدفوف والاحتفالات، وظهرت في مناظر ونصوص تعكس حضور هذه العناصر في الممارسات الدينية المصرية القديمة. ومن هنا يمكن طرح تساؤلات حول أوجه التشابه بين بعض هذه الممارسات وبين (الزار)، الذي تتداخل فيه الإيقاعات المتكررة والرقص الجماعي والغناء وأداء طقوس ذات دلالات اعتقادية، في إطار التعامل مع ما يُعتقد أنه تأثير للأرواح أو القوى غير المرئية».

ورصدت الباحثة أوجه التشابه بين الطقوس المصرية القديمة والمظاهر الطقسية لـ«الزار» الحديث دون أن تقطع بالتطابق بينهما ولكن لفتح الباب لمعرفة الامتدادات التاريخية لهذه الفكرة وتأثيراتها وتمثلاتها المعاصرة.

د. دينا سليمان صاحبة البحث عن «الزار» وأصوله المصرية القديمة (الشرق الأوسط)

وقالت إن «مفهوم التطهير والحماية من القوى المؤذية أو استرضائها يمثل جانباً مهماً في دراسة المعتقدات القديمة والطقوس الشعبية، فقد عرفت مصر القديمة منظومة متنوعة من الممارسات الوقائية، شملت التعاويذ والتمائم والطقوس المرتبطة بالحماية من الأخطار، وهو ما يعكس أهمية التعامل مع العالم غير المرئي في التصورات الدينية آنذاك. أما (الزار)، فتتباين تفسيراته وممارساته بحسب البيئات والتقاليد المحلية، ولذلك ينبغي دراسة عناصره في سياقها الخاص، دون افتراض تطابقها مع الطقوس المصرية القديمة».

وتوضح أن أهمية هذا الموضوع تكمن في ضرورة التمييز بين التشابه في الأداء الطقسي والاستمرارية التاريخية الفعلية. ومن ثم، «فإن البحث في العلاقة بين طقوس مصر القديمة و(الزار) لا يقتصر على المقارنة الشكلية، بل يسعى إلى فهم كيفية تشكل الممارسات الطقسية وتغير وظائفها ودلالاتها عبر العصور»، على حد تعبيرها.

مجموعة آلات فرق «الزار» التراثية بمصر (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

وتؤكد أن قراءة «الزار» من منظور الآثار وتاريخ الأديان تمنحنا فرصة لفهم جانب من الموروث الشعبي المصري، وتطرح أسئلة مهمة حول الذاكرة الثقافية وإعادة إنتاج المعتقدات والممارسات. كما تؤكد أن دراسة الحضارة المصرية القديمة لا تقتصر على المعابد والمقابر والنصوص الدينية، بل تمتد إلى تحليل الطقوس والسلوكيات الإنسانية التي ارتبطت بالمعتقد، مع الالتزام بالفصل بين ما تثبته الأدلة ولا يزال في نطاق الفرضيات البحثية.

ونجحت مصر في سنوات سابقة في تسجيل 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونيسكو» للتراث غير المادي، من بينها «السيرة الهلالية» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«الخط العربي»، وغيرها من العناصر.


مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
TT

مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

بعد سنوات من الإهمال أوصلته لحالة من التدهور كادت تؤدي إلى ضياعه وتهدمه تماماً عاد مدفن الإمام ابن حجر العسقلاني، الموجود في «قرافة الإمام الشافعي»، صاحب المصنفات الكثيرة وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، للظهور بحلة تليق به بعد ترميمه.

وكان قد وصف الباحث في شؤون القرافة والمدافن الإسلامية، إبراهيم طايع، تلك الأيادي التي قامت بالترميم بأنها «خبيرة وجديرة بالتصدي لمقابر تراثية أخرى للعديد من الأئمة والمحدثين وكبار العلماء والشخصيات البارزة في التاريخ الإسلامي»، مثل «مقبرة الإمام العز بن عبد السلام» التي لا تبعد خطوات من مدفن ابن حجر العسقلاني.

وقال طايع لـ«الشرق الأوسط» إن حالة المدفن قبل خمس سنوات كانت لا تليق بشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، ويضيف: «كنا عندما نذهب لزيارته نراه في وضع متردٍّ. ظهر المدفن بمرور الزمن واستمرار الإهمال بلا أبواب بعد اختفائها، ودون نوافذ، كما تهالكت الجدران والسقف، وكان يمكن أن تضيع معالم المقبرة لولا بقاء الشاهد والتركيبة الحجرية المكتوب عليها اسمه، والعمامة الحمراء التي تقلدها كشيخ للإسلام، والتي تشير إلى مكانته في عصره».

وكانت الجدران المتهالكة حسب قول طايع «لا تشير إلى مقبرة شخصية بقيمة ابن حجر العسقلاني؛ فلم يكن هناك شيء يشير له من الخارج سوى كلمات مكتوبة بخط أزرق وضعها أحدهم على الحائط الخارجي للتعريف به، وكان السقف الموجود من عروق الخشب المتهالكة، وظل الحال هكذا حتى قام مجموعة من الطلبة الدارسين في الأزهر التابعين لبعض دول شرق آسيا بتنظيفه وترميمه وأعادوا له بعضاً من رونقه، وظل الأمر على حاله حتى كانت منحة معهد الدراسات الكلاسيكية بالمملكة المتحدة، بإشراف وزارة الأوقاف، وتمت إعادة بنائه وترميمه بمعرفة خبير الترميم الدكتور إسماعيل أنور الحسيني، لكن المؤسف أن المرممين طمسوا اسم الخطاط الذي كتب شاهد تعريف مقبرة الشيخ».

مدفن ابن حجر العسقلاني قبل الترميم (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

ولفت طايع إلى أن الزخارف التي اعتمدها المرممون جاءت مناسبة لزمن ابن حجر العسقلاني، في العصر المملوكي، وجاءت على درجة عالية من الإتقان، وقد استخدم المرممون في تنفيذها مواد بألوان قادرة على مقاومة المطر وعوامل الزمن، وهو ما منح المدفن نوعاً من البهاء وأعاده لما كان عليه حين تُوفي الإمام قبل 6 قرون، ويضيف: «لا يساوي مدفن ابن حجر العسقلاني في مظهره بعد ترميمه سوى قبة الإمام الشافعي؛ فقد تصدى لها خبراء على مستوى لائق أتقنوا مراحل الترميم، ما جعل ظهور القبة والمدفن في النهاية بما يليق بالمكانة الكبيرة للإمامين الراحلين».

وُلد الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني بمدينة الفسطاط زمن المماليك، سنة 773 هـجرية، وتُوفي في ذي القعدة سنة 852 هـجرية، وخلال حياته تولى مشيخة الحديث وتدريس الفقه بأماكن من الديار المصرية، وتولى نيابة القضاء بمصر مدة، ثم أعرض عنها، وفوّض إليه الملك المؤيد القضاء بالمملكة الشامية، فأصر على الامتناع، وفي عام 827 هـجرية فوّض إليه الملك الأشرف برسباي القضاء بالقاهرة وما معها، فأصبح قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية، واستمر حتى عام 852 هجرية. كما تولى الإشراف على مكتبة المدرسة المحمودية، والإفتاء لمدة 41 عاماً. وخطب في عدة أماكن بالقاهرة وخارجها، من بينها الجامع الأزهر وجامع عمرو بن العاص والقلعة. ويعد ابن حجر العسقلاني، حسب ما ذكرته دار الإفتاء المصرية على صفحتها الرسمية، من المكثرين في التصنيف، حتى إنه يصعب حصر جميع مؤلفاته، وذكر السخاوي ما يزيد على 270 عنواناً لمؤلفاته، وكان أولها «المائة العشارية» الذي ألّفه سنة 796 هـجرية وعمره ثلاث وعشرون سنة، وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، ثم توالت بعد ذلك كتبه التي منها «إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة»، و«لسان الميزان»، و«الإصابة في تمييز الصحابة»، و«رفع الإصر عن قضاة مصر»، و«بلوغ المرام من أدلة الأحكام».