صراع الحوثي ـ صالح يدخل مرحلة «المدفعية» مخلفاً 24 قتيلاً

محاولات تهدئة أمام تصعيد إعلامي من ناشطين وتابعين للفريقين

جانب من مسجد الصالح كما بدا قبل صلاة الجمعة أمس (رويترز)
جانب من مسجد الصالح كما بدا قبل صلاة الجمعة أمس (رويترز)
TT

صراع الحوثي ـ صالح يدخل مرحلة «المدفعية» مخلفاً 24 قتيلاً

جانب من مسجد الصالح كما بدا قبل صلاة الجمعة أمس (رويترز)
جانب من مسجد الصالح كما بدا قبل صلاة الجمعة أمس (رويترز)

استمرت الاشتباكات بين انقلابيي اليمن في صنعاء، ودخلت «المدفعية» خط الصراع لليوم الثالث على التوالي بين المتمردين الحوثيين وأنصار الرئيس السابق علي عبد الله صالح، رغم محاولات تسوية من أطراف سياسية واجتماعية وقبلية، حيث نقلت «سكاي نيوز عربية» عن مصادر قولها إن منزل «العميد المنشق طارق محمد صالح تعرض للقصف بالمدفعية من قبل الحوثيين» غداة مقتل 3 من حرسه الشخصي، وفقاً لبيان من حزب المؤتمر الشعبي العام التابع لصالح.
ووضع المكون القبلي بصمة غداة الصراعات التي قالت مصادر طبية في مستشفى «الجمهورية» بصنعاء، إن حصيلتها «ارتفعت إلى 6 من عناصر قوات صالح و18 من الحوثيين بينهم قيادي»، وفقاً لما ذكرته وكالة الصحافة الفرنسية.
وعقدت القوى اليمنية المنضوية في التمرد الجمعة، محادثات جديدة سعياً للتهدئة، لكن التصعيد الإعلامي بين ناشطين ومحسوبين على الفريقين استمر مشتعلاً حتى بعد صدور بيان في منصات إلكترونية تابعة لكل من الفريقين.
وتداول ناشطون على شبكات التواصل الاجتماعي فيديو لمصلين يهتفون «لا حوثي بعد اليوم»، وذلك عقب صلاة الجمعة التي أداها مصلون من ضمنهم قيادات من حزب صالح وأقاربه بمسجد الصالح في صنعاء، الذي كان مسرح عمليات القتال يوم الأربعاء الماضي، بعدما سعى الحوثيون إلى السيطرة عليه عشية إحياء ذكرى المولد النبوي الخميس.
ومن اللافت، تكرار قنوات فضائية تابعة لصالح بث خطبة الجمعة في رسالة قرأها محللون بأنها «تأكيد على عدم احتلال المسجد من قبل الحوثيين».
وفي مسعى للتوصل إلى هدنة، أعلن حزب صالح أن لجنة مشتركة بدأت محادثات في صنعاء للتوصل إلى «حل يعيد الهدوء» للعاصمة. وزعمت الحركة الحوثية أنها أرسلت ممثلين عنها إلى الاجتماع.
ونقلت «العربية نت» عن مصادر قبلية في محافظة عمران اليمنية قولها (أمس)، إن عدداً من كبار المشايخ في المحافظة الواقعة شمال صنعاء، دعوا إلى اجتماع قبلي خلال الساعات المقبلة لمناقشة مواجهة تصعيد ميليشيات الحوثي ضد الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، وتوقعت المصادر أن تتم دعوة كل قبائل طوق صنعاء وبعض قبائل المحافظات الأخرى، في ضوء تعليمات صدرت من صالح باستنفار كل أعضاء حزب المؤتمر والقبائل ورجال الجيش والشرطة الموالين له.
وفي سياق قبلي آخر، نقلت قناة «اليمن اليوم» التابعة لحزب «المؤتمر» بياناً عن قبائل حاشد، أكدت فيه «رفضها لأي توظيف سياسي المذهبي للمساجد والمدارس والانحراف بدورها بعيداً عن التعليم وتعزيز قيم الإخاء والمحبة بين أبناء الوطن الواحد». وأضاف البيان: «بما أن أنصار الله فرضت نفسها بالقوة (...) واستحوذت على القرار في جغرافيا قبيلة حاشد، فقد توالت الممارسات التي ارتكبتها عناصر تنتمي لها وأزهقت أرواح عدد من أبناء القبيلة وزج بالعشرات في السجون التابعة لها ولم يجد مشايخ القبيلة من قيادات أنصار الله إزاء ذلك سوى التسويف والمماطلة، ولذا فإن قبيلة حاشد تطالب عبد الملك الحوثي بإلزام قيادات الحركة بالبت في هذه القضايا ومعالجة الاحتقان ومشاعر السخط لدى أبناء القبيلة نتيجة هذه المظالم المتراكمة والتراخي في حلها، كما تطالب أنصار الله بالتعامل بما يليق بمكانتها وثقلها على مستوى الوطن وكلها ثقة بأن تجد آذاناً صاغية لهذه المطالب».
وفي قراءة للأوضاع في صنعاء، وصف محللان يمنيان تحدثت معهما «الشرق الأوسط» الصراع بأنه «إعادة لتوازن القوى»، وصراع اللاعودة إلى المربع الأول في شراكة الانقلاب.
يذهب نجيب غلاب الباحث السياسي اليمني إلى أن «النزاع الحالي لا يعطي مؤشرا على تفجير الصراع بشكل شامل، وإنما صراع على إعادة بناء التوازن ومقاومة حليفها الاندفاعة الحوثية للقضاء عليه»، متابعا: الكل يتربص بالكل، وفق أجندات خاصة، وما زال المشروع الوطني غائبا، وهذا ما يجعل الحوثية أكثر ثقة وقوة في مواجهة الخصوم والحلفاء ولن تتغير معادلة الصراع ما لم يتم التفكير من خارج الصندوق. ويقول: «لم تتمكن الحوثية من إنتاج انقلاب. فقد تم رفض انقلابها داخليا وخارجيا وتحولت إلى سلطة سطو وهدم يتناقض استمرارها مع كل القوى اليمنية ومع محيط اليمن الإقليمي، واتضح أن حلفاءها في الداخل أصبحوا أكثر الخاسرين، واستمرار شراكتهم أدخلهم في عزلة تامة خارجيا؛ فبدأت قوى المصالح تعيد ترتيب أوراقها باتجاهات مضادة لخياراتهم، والحوثية تعمل على القضاء عليهم إما بالاستتباع الكامل أو بتصفية صالح ودائرته ثم ابتلاع قوتهم بالكامل».
يكمل قائلا: «مع متغيرات الاتجاهات الدولية وبالذات الأميركية والبريطانية في ضرورة إنهاء الانقلاب وضرب النفوذ الإيراني؛ أصبح صالح متيقن أن استمرار الشراكة سيقود إلى خسارة تامة لكل القوة التي يمتلكها مستقبلا، وهذا دفعه مع القوى المرتبطة به إلى تغيير مسار الصراع باتجاه بناء توازن حاسم مع الحوثية لممارسة ضغوط عليها لقبول الحل السياسي، ومع تركيز إيران على دعم ومساندة الحوثية وتحويل صالح إلى غطاء سياسي مع تقليم أظافره؛ اقتنعت جماعة صالح أن مواجهة الحوثية ولو بالحد الأدنى أصبح حتميا للحفاظ على الحد الأدنى من الوجود».
من جهته، يرى سام الغباري الكاتب والسياسي اليمني في تعليقه أن المشهد بات واضحا: «لا عودة إلى مربع التحالف الحوثي - صالح، هذه المعارك ستترك جروحاً غائرة في تحالف الطرفين، ولن تندمل الجروح بسهولة، فرعنة الحوثيين على صالح لها أبعادها وليست خروجاً طارئاً على الحلف الذي يجمعهما، فلا أحد من الحوثيين تحدث بمنطق عاقل ضد ما يجري، كلهم وقفوا في مواجهة صالح».
ويقول الغباري إن الحوثيين يسعون «إلى تدمير معسكر طارق صالح - نجل شقيق صالح - وهو المعسكر الذي أنشأه تحت راية الدفاع عن صنعاء... ذلك هو هدفهم ومطلبهم فقد وصفوه بالميليشيا». يضيف الغباري «يخشى كثيرون الوقوف مع صالح بجدية فيخسرون أمام تنازلاته المتكررة ويبقون وحدهم في مواجهة الحوثيين».
يعود غلاب إلى القول إن «التناقض الجذري في المصالح والعقائد السياسي وطبيعة الدور والرؤية المستقبلية لليمن لدى الحوثية وحلفائها يقود حتما إلى الصراع ولأن الحوثية تنطلق من أصولية سلالية ورؤية خمينية فإن أي مسار مغاير للمخططات يمثل خيانة وهذا ما يدفعها لتصفية صالح وبالحد الأدنى إنهاء قوته واستتباعه ثم توظيف قوته في مشروعها، وهذا غير ممكن فالكتلة المؤتمرية المتحالفة معهم بنية معقدة سياسيا واجتماعيا ومصالحها غير قابلة للابتلاع لا بالقوة ولا بالشراكة، مما يجعل أي اتجاه تصفية من الحوثية إعلان حرب، وهي تمتلك القوة الكافية لو فعلت طاقتها لمحاصرة الحوثية وربما إيصال مشروعها إلى قاع البرميل ليتم القضاء عليه لاحقا».
ويفسر غلاب معوقات اندفاع صالح وشبكات المؤتمر الذي ما زال مواليا له وللكتلة الشعبية المؤيدة له بالقول: «إن الصراع مع الحوثية بشكل حازم غير ممكن في ظل تناقضه مع الشرعية وعزلته الإقليمية والدولية ناهيك عن البنية القتالية للحوثية، ذات الطابع العقدي الصارم، كما أن الصراع سيقود منطقة القبائل المحيطة بصنعاء وامتداداتها إلى حرب أهلية، والقوى الممثلة لهذه الجغرافيا لديها تخوف من أن تصبح ضحية لصراع معقد بين صالح والحوثي وبينهما وبين الشرعية، ولن تحسم أمر مواجهة الحوثية بعد أن اقتنعت أنه الخيار الأسلم والأجدى لمصالحها ومستقبلها ما لم يمتلكوا الضمانات الداخلية والخارجية».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.