موسى هلال في الأسر «كوميديا سوداء» أم نهاية أسطورة؟

إضاءة على شخص زعيم الجنجويد السابق في السودان

موسى هلال في الأسر «كوميديا سوداء» أم نهاية أسطورة؟
TT

موسى هلال في الأسر «كوميديا سوداء» أم نهاية أسطورة؟

موسى هلال في الأسر «كوميديا سوداء» أم نهاية أسطورة؟

يوم الاثنين 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، ألقت «قوات الدعم السريع» السودانية القبض على موسى هلال، المتهم بأنه «زعيم الجنجويد»، في معقله بمنطقة مستريحة بولاية شمال دارفور في غرب السودان، وأوقفت معه ثلاثة من أبنائه وخمسين من معاونيه، ونقلتهم تحت الأصفاد إلى الخرطوم، ليواجهوا محاكمة عسكرية. ولكن ما يثير الدهشة، ليس القبض على هلال أو تقديمه لمحاكمة، بل الطريقة «غير المتوقعة» بالنسبة لكثيرين، إذ كان الرجل الذي قاد «قوات حرس الحدود» التابعة للجيش السوداني، في نظر المحللين والمراقبين «أسطورة قتالية»، فكيف انتهت هذه الأسطورة بهذه الطريقة «الدراماتيكية»، وفي هذا الوقت بالتحديد؟ وهل كان الرجل مجرد أسطورة صنعها خيال الإعلام، أم أن في الأمر خدعة ما؟!
في «ميلودراما»، أو ربما «كوميديا سوداء»، أنهت «قوات الدعم السريع» التابعة للجيش السوداني «أسطورة» رجل كان متهماً بأنه «زعيم الجنجويد». أسطورة صنعها موسى هلال بالدم والسلاح، أثناء الحرب الأهلية في إقليم دارفور بغرب السودان.
لم يكن أحد في السودان يصدق بأن الزعيم القبلي الشهير موسى هلال يمكن أن يُقبض عليه بالسهولة التي اعتقل بها، لأن الصورة التي رسمها الرجل لنفسه طوال عقد من الزمان «أسطورية» فعلاً.
وزير الدولة للدفاع السوداني علي محمد سالم، كشف الأربعاء الماضي، أن هلال، سيقدم وأبناؤه لمحاكمة أمام القضاء العسكري، باعتبارهم «مجنّدين» في قوات «حرس الحدود» التابعة للجيش السوداني. وقال إن الرجل اعتقل بعد اشتباك مسلحين موالين له، مع عناصر من «قوات الدعم السريع». ودارت معركة قصيرة انتهت باعتقاله، خسرت خلالها «الدعم السريع» 24 قتيلاً، فيما خسرت قواته 8 قتلى، فضلاً عن عدد من الجرحى في منطقة مستريحة، وهي المنطقة التي يطلق عليها «دامرة الشيخ هلال»، ثم اعتقلت 50 من مساعديه.
الوزير سالم أوضح أن هلال فور وصوله للخرطوم، وضع تحت الحراسة المشددة، في مقر القيادة العامة للجيش بالعاصمة الخرطوم، وأخضع للتحقيق، وسيقدم إلى محاكمة عسكرية عادلة، لأنه حوّل منطقته «إلى مأوى للخارجين عن القانون» الذين يحتمون به. وكشف سالم (لأول مرة) أن المتطوعة السويسرية مارغريت شينكيل، التي اختطفت من مدينة الفاشر، حاضرة شمال دارفور، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، كانت محتجزة في منطقة مستريحة. في حين اكتفى الأمن السوداني بالقول: إن تحريرها كان «عملية أمنية معقدة»، ولم يكشف تفاصيلها.

كاريزما عالية
إلقاء القبض على هلال، دون مقاومة تذكر، أنهى وجود الرجل ذي الكاريزما العالية، ربما إلى الأبد، فبدا كأنه «مصنوع في الإعلام». لقد استسلم بعد معركة قصيرة شاركت فيها مركبات دفع رباعي مسلحة محدودة العدد، حسب معلومات المسؤول العسكري.
بدوره، وصف قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان حميدتي، اعتقال هلال بأنه «نهاية» لمرحلة من اللااستقرار والاقتتال في إقليم دارفور المضطرب، يقول: «سنعمل على بسط هيبة الدولة دون هوادة أو مجاملة لأحد، مهما كانت الكلفة»، وإن حملة جمع السلاح التي يناهضها الرجل لن تتوقف. وعلى الرغم من أن الوزير سالم كان دبلوماسيا في ردوده على الأسئلة المطروحة بشأن مصير هلال، فإن حميدتي مضى مباشرة واتهمه بـ«الضلوع في مؤامرة بأجندة خارجية» وبالسعي لزعزعة الأمن والاستقرار في الإقليم، إذ قال: «ضبطنا معه أجنبيا بحوزته أجهزة اتصال متطورة».

تهم... وشهرة
لمع اسم موسى هلال، الذي ترافقه الضجة أينما ذهب، مع نشوب الحرب في إقليم دارفور السوداني عام 2003. ووجهت له حينذاك اتهامات من قبل الولايات المتحدة ومنظمات دولية بأنه تزعم «ميليشيا الجنجويد» المتهمة بارتكاب جرائم حرب. ورغم أن هلال نفى الاتهامات عن نفسه وبحق قواته، فإن الاسم التصق به وبقواته، بفعل الطرق الإعلامي العالمي العنيف والمستمر ما رسّخ التهمة والمفردة.
في بادئ الأمر، كان مصطلح «الجنجويد» يطلق على المطاريد، وقطاع الطرق الذين يجوبون الإقليم لينهبوا الثروات والأنعام بقوة السلاح، وهم على ظهور الجياد والإبل.
وتعني «جنجويد» باللهجة المحلية «جن على ظهر جواد». ويحمل المقاتل من هذه الميليشيا بندقية (GM3) أميركية الصنع، ويطلق عليها محلياً «جيم تلاتة». لكن المصطلح هاجر في وقت لاحق، من سياقه الدلالي المعروف، ليطلق على أفراد القبائل الذين سلحتهم الحكومة السودانية لمحاربة الحركات المتمردة من أبناء القبائل الأفريقية، وأوكلت قيادتهم إلى هلال.
والواقع أن هلال يتزعم «فخذ المحاميد» من قبيلة الرزيقات العربية الشديدة المراس، والتي تحترف رعي الإبل في دارفور. ولقد خلف في الزعامة والده الذي كان ينتمي لطائفة الأنصار الدينية وحزب الأمة القومي بقيادة الصادق المهدي.

بطاقة هوية
ولد موسى هلال في بلدة دامرة الشيخ، بالقرب من مدينة كتم في شمال دارفور العام 1961. وهو متزوج من ثلاث سيدات، أنجب منهن 13 من البنين والبنات، بينهم أنجاله الثلاثة حبيب وعبد الباسط وفتحي. والثلاثة مجندون في حرس الحدود، وهم الآن معتقلون معه. ومن بناته بنت تزوجت من الرئيس التشادي إدريس ديبي في حفل زفاف أسطوري شهدته الخرطوم، لكنها لم تلبث أن انفصلت عنه.
تحيط بحياة هلال الحكايا والأساطير، إذ سجن مرتين، ثانيتهما في 2002. بعد اتهامه بقتل جنود سودانيين في حادثتين منفصلتين. ثم أطلق سراحه بأوامر من النائب الأول للرئيس البشير - وقتها - علي عثمان محمد طه، وبعدها جاءت النقطة الفارقة في حياته.
وفي العام 2003 اندلعت الحرب في دارفور، وأعلن هلال وقوفه إلى جانب الحكومة ضد حركات التمرد. وحشد لموقفه هذا أبناء عشيرته تحت شعارات الدفاع عن الأرض والعرض، واستجابة لدعوة حكومية للالتحاق بـ«قوات الدفاع الشعبي» شبه النظامية.
وتؤكد وسائل إعلام غربية ونشطاء حقوقيون، أن فظائع ضد مدنيين ارتكبت أثناء تلك الحرب، وبسببها اتهمت دول غربية، ومنظمات حقوق الإنسان - «هيومن رايتس ووتش» على وجه الخصوص - هلال والقوات الموالية له، بارتكاب جرائم حرب، ومهاجمة السكان ذوي الأصول الأفريقية في دارفور وتصفيتهم عرقياً، وألصقت به من ثم لقب «زعيم الجنجويد».

القضاء الدولي يتدخل
نتيجة لهذه «الاتهامات» أصدرت محكمة الجنايات الدولية، مذكرات قبض بحق مسؤولين سودانيين، ما تزال سارية المفعول، وبينهم علي كوشيب، شريك هلال. لكن محكمة لاهاي لم تصدر أمر قبض ضد هلال، بل فرض عليه مجلس الأمن الدولي، هو وثلاثة آخرين عقوبات تضمنت حظر سفر دولي وتجميد أموال على خلفية أحداث دارفور في 2006. ووضعته الخارجية الأميركية ضد قائمتها للمشتبه بهم في ارتكاب جرائم حرب.
وتحت ضغوط المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية الدولية ومجلس الأمن، «شرعنت» الخرطوم اضطراراً «ميليشيا الجنجويد»، فجندتها ضمن ما أطلقت عليها «قوات حرس الحدود» التابعة للجيش. ومن ثم، أوكلت إمرتها إلى موسى هلال. ولكن حين غضب هلال على الخرطوم، دان معظمها له بالولاء، وانحازت إليه في معاركه ومواقفه.

تعيين ولغط وطموح
في يناير (كانون الثاني) من العام 2008. عيّن هلال مستشاراً في «ديوان الحكم الاتحادي» وأثار تعيينه لغطاً كثيراً، إلا أن الرئيس عمر حسن البشير يومذاك دافع عنه بشدة، ووصفة بأنه «مواطن سوداني، وشخصية شديدة التأثير في دارفور، وقدّم مساهمة كبيرة في إرساء الاستقرار والأمن في المنطقة»، واختير نائباً بالبرلمان عن حصة حزب المؤتمر الوطني الحاكم.
لكن يبدو أن طموح هلال كان أكبر من منصب مستشار الذي أسند إليه، إذ قال الرجل في مقابلة معه: «المستشارية شبيهة بعمل مفرغ، وأنا غير راضٍ عن هذا الوضع على الإطلاق، لأن المستشارية بلا مشاورة». وتزعم تحليلات - وإن لم يقلها هلال صراحة - أنه كان طامعاً بمنصب «والي» ولاية شمال دارفور. ويسند المحللون رأيهم إلى انتقادات عنيفة دأب على توجيهها للوالي في ذلك الوقت عثمان محمد يوسف كبر، بل طلب من الخرطوم علناً إعفاءه من منصبه.
ثم تصاعد التوتر بين الطرفين وزاد حدة. ونقلت «الشرق الأوسط» مارس (آذار) 2014 عن قيادي مقرب من هلال قوله: إن جماعته تعمل على توحيد الحركات المسلحة، المنضوية تحت لواء الجبهة الثورية، للعمل معاً لإسقاط نظام حكم البشير.
واتصل هلال بكل من رئيسي حركتي تحرير السودان مني أركو مناوي وعبد الواحد محمد النور ورئيس حركة العدل والمساواة جبريل إبراهيم والأمين العام للحركة الشعبية ياسر عرمان، وقال: «نحن أصبحنا نواجه عدوا واحدا هو نظام البشير، وسنعمل معا على إسقاطه. واتصالاتنا أيضا تتركز حول برنامج سياسي نتفق عليه جميعاً».

المواجهة مع الخرطوم
سكتت الخرطوم على غضبات هلال واتصالاته و«أفعاله»، وسعت لاسترضائه أكثر من مرة، وكانت آخرها في يناير 2015، إذ اجتمع به مساعد الرئيس وقتها ونائبه في الحزب الحاكم «المؤتمر الوطني»، في مطار مدينة الجنينة (أقصى غرب السودان)، وتم الوصول خلال الاجتماع لتسوية – لم يفصح عن فحواها أبداً – لكن الرجل عاد إلى الخرطوم واستقر بها نحو سنتين بما يشبه الإقامة الجبرية.
بعدها عاد هلال إلى مستريحة مرة أخرى، وحشد حوله مؤيديه من «قوات حرس الحدود» وأبناء عشيرته، وأعلن تنظيمه السياسي «مجلس الصحوة الثوري» باعتباره حزباً قومياً. وعمل على ما سماه المصالحات بين عشائر دارفور، فيما سماه «رتق النسيج الاجتماعي». وراج وقتها أنه يحتكم على قرابة 1000 عربة دفع رباعي مسلحة، يمكن أن يستخدمها ضد الخرطوم. ثم ظهرت على مسرح الأحداث ما أطلق عليها «قوات الدعم السريع» بقيادة أحد أبناء عمومته هلال محمد حمدان دقلو، الشهير بـ«حميدتي»، كقوات «جوّالة» قوامها أبناء فخذ آخر من قبيلة الرزيقات وقبائل عربية في دارفور، ونفذت مهام في مناطق متعددة من البلاد.
لقد بدأ التوتر بين هلال و«قوات الدعم السريع» منذ إنشائها، إذ اعتبرها «موازية» لقواته إن لم تكن «بديلة» لها. وظلت تحفظاته تتزايد تجاهها إلى أن طُلب منه و«قوات حرس الحدود» الاندماج فيها، فرفض بشدة، وسكتت الخرطوم عن تحديه «التعليمات العسكرية». ثم، حين أعلنت الحكومة «حملة جمع السلاح» من المدنيين مطلع العام، كلفت بها «قوات الدعم السريع» فوصل التوتر ذروته بين الخرطوم و«قائد الدعم السريع» حميدتي من جهة، وهلال وتنظيمه «مجلس الصحوة الثوري» من الجهة الأخرى.
ولم يقتصر الصراع بين هلال والخرطوم على السلطة وحدها، بل على الذهب في منطقة جبل عامر، والذي قدر تقرير أممي نقلته صحيفة «التغيير الإلكترونية» عائداته بـ422 مليون دولار أميركي سنوياً، يذهب ريعها الأغلب إلى هلال ورجاله الذين يسيطرون على الجبل. بريق الذهب والسيطرة على عائداته أعمت القلوب وأثارت الغيرة، على الرغم من أن هلال لم يحل دون مشاركة بني عمومته بالثروة الطائلة.

نقطة الصدام
ثم تحول التوتر المكتوم إلى صدام، بلغ أوجه باعتقال «الدعم السريع» حرس هلال الشخصي وعددا من معاونيه وقتل 19 منهم، قرب الحدود مع ليبيا. وقيل حينذاك إن المجموعة كانت تمارس التهريب والاتجار بالبشر، ومهمة التصدي لذلك كُلفت بها «قوات الدعم السريع» على الحدود الليبية السودانية.
وعقب الحادثة، جرت تدخلات قبلية اشترط فيها هلال إطلاق سراح المعتقلين. وجرت مساومات قبلية، لم يفصح عن فحواها، لكن الرجل بدأ منذ تلك اللحظة يتحسس عنقه، بعدما أدرك أن الحلقة بدأت تضيق عليه رويداً رويداً، فاتجه لاتهام جهات نافذة في السلطة بإثارة الفتنة، والسعي لتصفية حسابات -لم يسمها- معه.
وبعد هذه الحادثة تحوّل تنافس الرجلين - هلال- حميدتي - إلى صراع جرى تبادل نصب «الكمائن» خلاله، وألقي القبض على مساعد هلال الأبرز هرون مديخير من قبل «الدعم السريع». ومن الجانب الآخر قتل قائد في «الدعم السريع» العميد عبد الرحيم جمعة عبد الرحيم، وهو في الوقت ذاته ابن عم حميدتي وصهره. ثم تصاعدت الأحداث بشكل درامي إلى أن وصلت لحظة القبض على هلال وأنجاله ومساعديه.
وهنا يقول خبير في شؤون دارفور إن ما حدث «خلافات شخصية بين هلال وأبناء عمومته»، ويشير إلى أن علاقة الرجل بالحكومة لم تشفع له، شارحاً أن «هلال كان حليفاً للحكومة، بيد أنه أصبح مهدداً للأمن، فتدخلت الحكومة لحسمه... لقد عجل رفضه حملة جمع السلاح بنهايته».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.