قانون انتخابات البرلمان المصري الجديد يتجه لحلول «توافقية»

سياسيون وقانونيون حذروا من إضعافه لسلطة مجلس النواب لصالح رئيس الدولة

قانون انتخابات البرلمان المصري الجديد يتجه لحلول «توافقية»
TT

قانون انتخابات البرلمان المصري الجديد يتجه لحلول «توافقية»

قانون انتخابات البرلمان المصري الجديد يتجه لحلول «توافقية»

تصاعدت حدة الجدل بمصر أمس حول مشروع قانون الانتخابات النيابية الجديد. ووجه سياسيون وقانونيون انتقادات حادة للمشروع، ورأوا أنه يضر بالركائز الأساسية للديمقراطية، ويكرس لسيطرة فئات معينة على البرلمان، في مقدمتهم رجال الأعمال وأصحاب المصالح الخاصة من الأغنياء وكبار الموظفين بالدولة. وطالبوا بضرورة النظر في القانون، وإعادة طرحه لحوار مجتمعي، بما يحقق مبدأ التعددية السياسية، ويتيح الفرصة للتمثيل المتكافئ بين كل أطياف وشرائح المجتمع.
وأعدت السلطات المصرية مشروع القانون الجديد ليحكم الانتخابات البرلمانية المقبلة المقرر إجراؤها في موعد أقصاه 17 يوليو (تموز) المقبل، والتي تمثل الاستحقاق الثالث والأخير من خريطة المستقبل التي أقرها النظام الجديد عقب الإطاحة بالرئيس الإخواني السابق محمد مرسي الصيف الماضي.
ويقضي مشروع القانون الجديد بإجراء الانتخابات البرلمانية بنسبة 80 في المائة للنظام الفردي، و20 في المائة لنظام القائمة، ويخشى خبراء أن يفرز هذا النظام برلمانا «هشا»، دون أغلبية برلمانية ذات توجه سياسي محدد تقوي جبهة المعارضة، وتحول دون تمكن رئيس الجمهورية من الانفراد بالقرار وتطويع مجلس النواب لما يهدف إليه.
وأجريت الانتخابات البرلمانية السابقة في 2012 على نظام الثلثين للقوائم النسبية، والثلث المتبقي للنظام الفردي، وهو ما أدى لاكتساح التيارات الإسلامية لها، حيث حصل حزب الحرية والعدالة (الذراع السياسية لجماعة الإخوان) على 235 مقعدا بنسبة 47.2 في المائة، وحصل التحالف السلفي بقيادة حزب النور على 96 مقعدا بنسبة 24 في المائة، بينما حصلت الأحزاب الليبرالية - بثوبها القديم والجديد - على 15 في المائة فقط من مقاعد البرلمان البالغة 498 مقعدا، بالإضافة إلى عشرة نواب معينين بقرار من رئيس الجمهورية. وفي 14 يونيو (حزيران) من عام 2012، أصدرت المحكمة الدستورية قرارا بحل البرلمان لبطلان إجراءات انتخابه، بعد قبولها الطعن عليه.
وفي الوقت الذي يتحسب فيه البعض من تكرار هذا المشهد في البرلمان المقبل، يرى آخرون أن الظرف التاريخي اختلف، خصوصا بعد خروج الإخوان المسلمين من المشهد السياسي، واعتبار القضاء المصري جماعة الإخوان تنظيما إرهابيا وحظر نشاطها ومصادرة ممتلكاتها.
وفي خطوة لتقليل فجوة الانتقادات لقانون الانتخابات البرلماني الجديد، أكد المستشار محمود فوزي، المتحدث الرسمي للجنة تعديل قانوني الانتخابات البرلمانية ومباشرة الحقوق السياسية، أن اللجنة توافقت على زيادة المقاعد المخصصة للمرأة في القوائم بحيث لا تقل عن أربعين مقعدا، والسماح بنسبة أكبر للشخصيات العامة الحزبية لتزيد من ثلاثة إلى ستة أفراد.
وأضاف فوزي، في تصريحات أمس، أنه وفقا لذلك ستكون كل قائمة ممثلة للدائرة الانتخابية من الدوائر الثماني مكونة من 15 مرشحا، وتوزع النسب للفئات الخاصة بواقع ثلاثة مقاعد للمسيحيين واثنين للشباب واثنين للعمال والفلاحين ومقعد واحد للمصريين بالخارج وواحد لذوي الإعاقة، والباقي وعددهم ستة مقاعد للشخصيات العامة والحزبية والمستقلين، على أن يكون من بين القائمة عدد لا يقل عن خمسة من النساء، وهذا سيكون شرطا لقبول القائمة. ولفت إلى أنه جرى وضع معادلة واضحة لتقسيم الدوائر في المذكرة الإيضاحية لقانون مجلس النواب، مشيرا إلى أن الدوائر سوف يصدر بها قانون مستقل سيجري عرضه على مجلس الدولة فور الانتهاء منه.
من جانبه قال الدكتور يونس مخيون، رئيس حزب النور، إن كل الأحزاب التي التقت المستشار عدلي منصور، رئيس الجمهورية المؤقت، طالبته بأن يكون النظام الانتخابي في البرلمان القادم مختلطا وليس مستقلا. وأضاف أمس أنه من الضروري خضوع قانون الانتخابات البرلمانية لتوافق بين القوى السياسية، خصوصا أنه في بداية عهد المشير عبد الفتاح السيسي، محذرا من أن «سيطرة رجال الأعمال على المجلس البرلماني ستكون عائقا في وجه الرئيس الجديد للبلاد». وتابع مخيون قائلا إن حزب المصريين الأحرار والوفد والكثير من الأحزاب متوافقون على أن يكون نظام الانتخابات في البرلمان المقبل مختلطا على الأقل بنسبة 50 في المائة للقوائم».
وعلى الصعيد نفسه، انتقد عبد الغفار شكر نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي قانون الانتخابات البرلمانية الجديد ووصفه بأنه «كارثة» على مستقبل الديمقراطية في مصر، مؤكدا أنه سيحرم الدولة من سلطة تشريعية قادرة على مراقبة الحكومة وإصدار تشريعات صحيحة.
واتفق شكر مع مخيون في أن إجراء الانتخابات البرلمانية بالنظام الفردي، سيعيد رجال الأعمال وأصحاب المصالح مرة أخرى، وأن مستقبل البلاد السياسي يتوقف بالدرجة الأولى على الانتخابات الرئاسية وانتخابات مجلس النواب، مشددا على أن المطلوب في المرحلة القادمة تأكيد تعميق التعددية السياسية في المجتمع وتعريف الرأي العام بالفوارق الأساسية بين المرشحين وما يمثله كل منهم من توجه سياسي، ومدى اهتمامه بالطابع الديمقراطي للدولة.
وقال شكر في تصريحات أمس إن مجلس النواب القادم سوف يكون حجر الزاوية في توفير مقومات التحول الديمقراطي بما يصدره من قوانين تترجم مبادئ الدستور، وبما يقوم به من دور في تشكيل الحكومة التي يشترط الدستور لبقائها الحصول على ثقة مجلس النواب، وبما سيقوم به من دور في مراقبة أداء الحكومة.
ونبه شكر إلى أن الدستور المصري الجديد أعطى لرئيس الجمهورية حق اختيار رئيس الحكومة من خارج الأغلبية البرلمانية، موضحا أنه إذا أجريت الانتخابات بالنظام الفردي على حساب المفاضلة السياسية بين القوائم، فإننا سنشهد مجلسا تشريعيا يضم أعضاء من ذوي النفوذ في المجتمع مثل رجال الأعمال وأغنياء الريف وكبار الموظفين، كما سيفتقد المجلس في تشكيله المرتقب أغلبية برلمانية ذات توجه سياسي محدد، وسيجري تهميش الأحزاب في هذا المجلس، الأمر الذي سيضعف التعددية السياسية بما يمكن رئيس الجمهورية من الانفراد بالقرار مرة أخرى وتطويع مجلس النواب بحكم تركيبته لما يهدف إليه.
وشدد حافظ أبو سعدة، رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، على ضرورة إجراء الانتخابات البرلمانية على قاعدة حرة «حتى لا نصبح إزاء ديمقراطية شكلية، فارغة من المعنى والمضمون». وانتقد قانون الانتخابات الجديد، مشيرا إلى أنه لضمان إجراء انتخابات حرة لا بد من وجود نظام انتخابي فاعل يعزز المشاركة السياسية للمواطن المصري، ويتيح الفرصة للتمثيل الأوسع للقوى والأحزاب السياسية والفئات الاجتماعية المختلفة بما يحقق التوازن داخل البرلمان، وهو ما لا يحققه القانون بشكله الحالي.
وأكد زياد العليمي، عضو الهيئة العليا للحزب المصري الديمقراطي، على ضرورة تأهيل الشباب جيدا لخوض الانتخابات البرلمانية والمجالس المحلية. وذكر خلال اجتماعه بأعضاء الحزب في أسيوط، مساء أول من أمس، لمناقشة خطة العمل خلال المرحلة المقبلة، أن هناك عددا كبيرا من الأسباب التي أدت لرفض قانون الانتخابات الجديد أبرزها تقسيم البرلمان على أساس نسبة 80 في المائة فردي، و20 في المائة قوائم، وهو تقسيم قال إنه يحرم المجتمع المصري من فرصة تنمية العمل الحزبي والسياسي وتوسيع قاعدة المشاركة التي يتيحها مناخ التنافس على برامج ورؤى وأهداف سياسية.
وأضاف أن قانون الانتخابات الجديد، ينحاز إلى النظام الفردي وهو ما يؤدي إلى إذكاء العصبيات والاعتماد على التمويل والخدمات الفردية لكسب الأصوات، مؤكدا على أهمية ألا تقل نسبة المقاعد المخصصة للقوائم في البرلمان المقبل عن النصف حتى لا يعود المجتمع مرة أخرى لممارسات برلمانات ما قبل ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، والتي أجهضت العمل السياسي والحزبي وأضعفت السلطة التشريعية والرقابية، على حد قوله.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.