«قمة سوتشي» كانت أبعد من سوريا ومصير الأسد

شكلت جزءاً من هدف روسي لبناء قوى أورو ـ آسيوية تحت قيادتها

نازح مقعد من دير الزور في مخيم قانا قرب الحسكة شمال شرق سوريا (رويترز)
نازح مقعد من دير الزور في مخيم قانا قرب الحسكة شمال شرق سوريا (رويترز)
TT

«قمة سوتشي» كانت أبعد من سوريا ومصير الأسد

نازح مقعد من دير الزور في مخيم قانا قرب الحسكة شمال شرق سوريا (رويترز)
نازح مقعد من دير الزور في مخيم قانا قرب الحسكة شمال شرق سوريا (رويترز)

أثارت قمة سوتشي التي جمعت روسيا وتركيا وإيران تعليقات إيجابية في معظمها، خصوصاً في الغرب مع إشادة بعض المحللين بها باعتبارها «جهود كبرى لإنهاء الأزمة السورية».
ومع هذا، فإن القمة في حقيقتها كانت تدور حول أمور كثيرة مختلفة ولا تقتصر على «الأزمة السورية»، وعليه، لم يكن من المثير للدهشة أن نعاين وجهات نظر متضاربة إزاء ما تعنيه القمة على وجه التحديد.
من جانبه، وصف الرئيس السوري المحاصر بشار الأسد «سوتشي» بـ«إعادة تأكيد على الدعم الروسي» لنظامه. ومع هذا، فإن الطرح الروسي للقمة لا يقر هذه الرؤية. غير أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وصف المهمة التي تسعى «القمة» لتنفيذها بأنها «صياغة إطار عمل لهياكل مستقبلية للدولة السورية، وإقرار دستور جديد، وإجراء انتخابات على هذا الأساس».
وإذا كنتَ تتطلع نحو المستقبل، فهذا يعني أنك غير مهتم بالحالي. وإذا كنتَ تسعى لبناء «هياكل مستقبلية للدولة» ودستور جديد، فهذا يعني أن الوضع القائم الذي يضطلع فيه بشار بدور الرئيس، يجب أن ينتهي.
في الواقع، كانت سوريا واحدة من القضايا الهامشية في سوتشي، التي اعتبرتها روسيا حافزاً للبحث عن استراتيجية كبرى. وقد انعكست هذه الرغبة الروسية على التعليقات الصادرة عن وسائل الإعلام الخاضعة لسيطرة الكرملين. وتبعاً لما أفادت به وكالة «سبوتنيك» المملوكة للدولة، فإن «سوتشي» تشكل جزءاً من الهدف الروسي المتمثل في بناء كتلة «من قوى أورو - آسيوية تحت قيادتها» لتحدي الهيمنة الغربية بقيادة الولايات المتحدة.
وقالت الوكالة: «القمة السورية في سوتشي المنعقدة هذا الأسبوع بين زعماء روسيا وإيران وتركيا تشكل لقاءً بين القوى الكبرى بالشرق الأوسط، على غرار مجموعة القوى الأوروبية الكبرى التي هيمنت على المنطقة في القرن الـ19».
وتأتي الإشارة إلى القوى الأوروبية الكبرى التي كانت لها الهيمنة خلال القرن الـ19 في إشارة إلى «مؤتمر برلين» الذي قسم العالم بين القوى الاستعمارية الأوروبية.
وأضافت «سبوتنيك» أنه «يبزغ فجر حقبة جديدة ومثيرة من العلاقات بين القوى الثلاث الكبرى في المنطقة الأورو - آسيوية في خضم مساعيها لتعزيز شراكتها ببعضها، ودفعها نحو آفاق جديدة. وبالنظر إلى ما وراء الزخم الفوري الذي يخلقه الوضع في سوريا فيما وراء هذا التجمع لقوى كبرى معنية بالشرق الأوسط، فإن ثمة توجهاً أقل وضوحاً يشير إلى الدور الأساسي والمحوري، الذي بدأت روسيا في الاضطلاع به فيما يخص تعزيز الاستقرار بمناطق تقع خارج حدودها».
واستطردت «سبوتنيك» بأنه «تدور الاستراتيجية الكبرى لروسيا في القرن الـ21 حول التحول إلى القوة العظمى لتحقيق التوازن داخل المنطقة الأورو - آسيوية، الأمر الذي يفسر السبب وراء محاولتها (تحقيق توازن) داخل منطقة الشرق الأوسط التي تتداخل مع ثلاث قارات، عبر دبلوماسية القوة العظمى مع إيران وتركيا من أجل التصدي للعمليات المدمرة التي أطلقتها الولايات المتحدة داخل المنطقة منذ ما أطلق عليه (الحرب الدولية ضد الإرهاب)»، وحتى الآن، أحرزت المهمة متعددة الأقطاب التي أطلقتها موسكو نجاحاً هائلاً.
ومع ذلك، تبقى هناك بالتأكيد عقبات سيتحتم التعامل معها عاجلاً أم آجلاً.
بمعنى آخر، فإن روسيا تستغل القضية السورية كجزء من خطة أوسع لخلق تكتل من القوى داخل الشرق الأوسط بقيادة موسكو، إلا أن تركيا وإيران تنظران إلى الأمور على نحو مختلف.
من ناحيتها، تنظر أنقرة إلى «سوتشي» باعتبارها تعبيراً عن دعم الرئيس رجب طيب إردوغان من قبل كل من روسيا وإيران. على سبيل المثال، ادعى الكاتب التركي سيراب بالأمان، والمعروف بأنه يعكس وجهات نظر إردوغان شخصياً، أن سوتشي شكلت «دفعة دعم قوية للرئيس التركي في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشل المدعومة من جانب الولايات المتحدة ضده في صيف 2016».
ويعني ذلك أنه خلال «قمة سوتشي»، أقرت روسيا وإيران الخطاب الذي يصدره إردوغان حول أن محاولة الانقلاب العسكري ضده لا تعدو كونها «مخططاً أميركياً»، وهي جهة نظر يختلف معها كثير من الأتراك.
ومع هذا، تأمل أنقرة في الحصول على أمر آخر أيضاً: وجود عسكري داخل سوريا لتقسيم المناطق التي تسكنها أقلية كردية إلى أرخبيل من المناطق المنعزلة عن بعضها، ما يحول دون ظهور كتلة كردية قوية تمتد عبر شمال العراق وجنوب شرقي تركيا وأجزاء من سوريا.
من ناحيتها، أكدت صحيفة «زمان» اليومية التركية المحافظة أن «ما ناقشه القادة العسكريون في (سوتشي) تعلق مباشرة بالأمن الوطني التركي»، وتبعاً لما أوردته صحيفة «صباح» اليومية القريبة من حزب إدروغان، فإن تركيا ترحب بتقسيم سوريا إلى أربع أو خمس مناطق «لخفض التصعيد»، بحيث تسيطر أنقرة على محافظة إدلب السورية.
وأشارت الصحيفة إلى أن «إدلب كانت المنطقة التي اتفقت حولها القوى الثلاث. وستحتاج الـ12 جماعة المسلحة المسيطرة على المدينة حالياً، والـ15 جماعة شبه المسلحة المرتبطة بعشائر محلية، إلى توجيه. وقد أقامت تركيا في الوقت الحاضر القليل من القواعد العسكرية في المنطقة لمراقبة التطورات في عفرين، وطلبت من روسيا وإيران معاونتها وتلقت وعوداً بذلك».
وأوضحت الصحيفة أنه «يدور قلق تركيا الأكبر حول احتمالية النظر إلى حزب الاتحاد الديمقراطي باعتباره ممثلاً للأكراد السوريين. وتصر تركيا على أن سيطرة وحدات الحماية الشعبية التابعة للحزب على عفرين، بجوار الحدود مع تركيا مباشرة، أمر غير مقبول، وتدرس شن عملية عسكرية لتحرير المنطقة. ويذكر أن عفرين مدينة ينتمي غالبية سكانها إلى الكرد وتخضع حالياً لسيطرة مسلحي وحدات الحماية الذين يشكلون تهديداً خطيراً لتركيا. وقد تنفذ تركيا وروسيا عملية مشتركة لتخليص عفرين من الإرهابيين».
من جديد، نرى أنه من وجهة النظر التركية على الأقل، فإن «سوتشي» كانت مهتمة على نحو هامشي فقط بالأزمة السورية.
أما إيران، العنصر الثالث المشارك في «سوتشي»، فكان لها وضع خاص لأن الرئيس حسن روحاني الذي مثل طهران في القمة، ليس صانع القرار الحقيقي، على خلاف الحال مع بوتين وإردوغان. وعليه، فإن مهمة روحاني تمثلت في التأكيد على أمر واحد فحسب: إمكانية أن تسيطر قوات إيرانية والجماعات المتعاونة معها، مثل «حزب الله» اللبناني ومرتزقة أفغان وباكستانيين داخل سوريا، على مساحات غير متجاورة تمتد من العراق إلى الحدود السورية مع لبنان.
إلا أن ثمة مصادر داخل طهران أخبرتنا بأن بوتين وإردوغان لم يجيبا روحاني لمطلبه. وقال مصدر رفيع المستوى إن «ما عرضاه في سوتشي كان رقعة صغيرة من الأرض إلى الجنوب الغربي من دمشق، مما يجعل من الصعب على الجمهورية الإسلامية المضي في سياسات (محور الممانعة)».
وأكدت صحيفة «كيهان» التي تعكس أصداء آراء المرشد الأعلى الإيراني، أن «سوريا سترفع رأسها من أكوام الحطام وستبقى بكل تأكيد متحالفة مع محور الممانعة».
بعد ذلك، وُجهت ضربة قاصمة إلى «المبادرة التاريخية» التي أطلقها بوتين بقولها: «حتى أولئك الذين يرتدون ملابس الأصدقاء لا يمكنهم أن يحددوا مصير سوريا بل سيحدده شعبها في ظل قوة محور الممانعة».
في الواقع، ثمة أمر واحد واضح تماماً من سوتشي: ينظر المشاركون الثلاثة إلى مصير الأسد كقضية صغيرة سيجري حسمها عندما يفرغ كل منهم من إنجاز أهدافه الكبرى المنفصلة والمتعارضة مع أهداف الآخرين.
ورغم بيانات النصر الصادرة عن إيران وروسيا وتركيا، لم تنتهِ الحرب السورية بعد، ذلك أن الحرب لا تضع أوزارها قط عندما يعلن طرف ما انتصاره، وإنما عندما يقر طرف ما بهزيمته، الأمر الذي لم يحدث في سوريا بعد.



هل تكسر رسائل ترمب «الداعمة» لمصر جمود مفاوضات «سد النهضة»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)
TT

هل تكسر رسائل ترمب «الداعمة» لمصر جمود مفاوضات «سد النهضة»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)

في الوقت الذي جدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب تأكيده على أن بلاده مولت بناء «سد النهضة» الإثيوبي على نهر النيل ووصفه بأنه «أمر فظيع يمنع تدفق المياه عن مصر ويتعين عليه حل الأزمة بشأنه»، رأت مصادر مصرية وإثيوبية مطلعة تحدثت لـ«الشرق الأوسط» أن احتمالات نجاح ترمب في كسر جمود مفاوضات السد تظل ضعيفة، مع وجود عدة عوامل متشابكة في هذه الأزمة.

وخلال مؤتمر صحافي، الثلاثاء، جدد ترمب حديثه عن أنه «أوقف قتالاً» بين مصر وإثيوبيا كأحد إنجازاته في وقف الحروب حول العالم، كما أبدى تعجبه من تمويل بلاده لـ«سد النهضة»، مشيراً إلى أن «مصر ليس لديها ما يكفي من المياه»، وأنها تحتاج لمياه النيل في عديد من الاستخدامات.

ويأتي حديث ترمب بعد ثلاثة أيام من إرساله خطاباً إلى نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، مؤكداً فيه استعداد واشنطن للتدخل واستئناف المفاوضات حول «سد النهضة» وحل الأزمة بشكل نهائي، وهو ما رحب به السيسي.

أستاذ العلوم السياسية ورئيس وحدة أبحاث أفريقيا في مجلس الوزراء المصري، رأفت محمود، قال إن تصريح ترمب جاء نتيجة الرسالة المصرية التي وصلته من مستشاره للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، بعدما التقى السيسي الشهر الماضي وناقشا عدة ملفات، منها ما يتعلق بالسودان وأرض الصومال، وأيضاً ملف سد النهضة والهواجس المصرية، «وبالتالي ترمب التقط الرسالة وأخذها فرصة لينشط الوساطة الأميركية في سبيل صفقة ما تخص المنطقة».

وأضاف محمود قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «هذه بمثابة محاولة محتملة من ترمب لإعادة ضبط المشهد السياسي المحيط بالأزمة، ورغبة واضحة في استعادة دور الوسيط الأميركي المؤثر».

وتابع: «في الإجمال، الخطاب الأميركي يجعل أديس أبابا تواجه أحد خيارين: إما الانخراط الجاد في مسار تفاوضي منظم، أو مواجهة ضغوط سياسية قد تؤثر على صورتها الدولية. ووفقاً للسلوك الإثيوبي في المفاوضات السابقة، فإن تمسك أديس أبابا بالنهج الذي اتبعته ورغبتها في السيطرة على مجرى نهر النيل النابع من أراضيها دون الالتزام باتفاقية ملزمة تدير تدفق المياه من سد النهضة هو العامل المرجح حالياً، خصوصاً مع ارتباط ملف سد النهضة بحسابات الداخل الإثيوبي والتي تشبعت خلال الفترة الماضية بأن هذا الملف يعد مشروعاً قومياً ضمن سيادة إثيوبيا».

وتابع: «هناك عدد من التغيرات السياسية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر حدثت مؤخراً استدعت التدخل الأميركي في هذا الملف، خاصة فيما يتعلق بأرض الصومال واعتراف إسرائيل بها، وهو ما أثار غضباً دولياً بالمنطقة. وهناك أيضاً ملف السودان وملف اليمن، وهذه الملفات حدث فيها تشابك بين عدد من القوى في الإقليم وبما قد يؤثر على المصالح الأميركية».

واستطرد: «لكن نجاح التدخل الأميركي مرهون بالقدرة على تحويل التصريح إلى أدوات فعل، وقدرة ترمب على إدارة صفقة ترضي كافة الأطراف، ومنها إثيوبيا التي ترغب في الوصول إلى البحر الأحمر؛ وهو أمر تظل احتمالات نجاحه ضعيفة في الوقت الحالي».

وكان ترمب قد خرج بتصريح مثير للجدل في منتصف يونيو (حزيران) الماضي، عبر منصته «تروث سوشيال»، قال فيه إن الولايات المتحدة «موَّلت بشكل غبي سد النهضة، الذي بنته إثيوبيا على النيل الأزرق، وأثار أزمة دبلوماسية حادة مع مصر». لكن أديس أبابا نفت ذلك بشدة، مؤكدة أن السد «بُني بأموال الشعب الإثيوبي».

وفي الرابع من يوليو (تموز)، كرَّر ترمب الحديث نفسه خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، في البيت الأبيض قائلاً: «الولايات المتحدة موَّلت السد، وسيكون هناك حل سريع للأزمة». ومساء الثامن من يوليو، قال للمرة الثالثة في خطاب أمام أعضاء مجلس الشيوخ في واشنطن إنه «سيعمل على الأزمة بين مصر وإثيوبيا على المدى الطويل».

الرئيس المصري خلال مصافحة رئيس الوزراء الإثيوبي في عام 2019 (الرئاسة المصرية)

مستشار وزارة المياه والطاقة الإثيوبية، محمد العروسي، قال إنه «في ظل حساسية اللحظة وتعقيد المشهد السياسي المحيط بملف سد النهضة، من المهم التفريق بهدوء بين التصريحات السياسية ذات الطابع الخطابي والتحولات الفعلية في موازين التفاوض».

وتابع قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن تبني الرئيس الأميركي لوجهة نظر مصر أو التعبير عن تفهمه لمخاوفها «لا يعني بالضرورة وجود استراتيجية أميركية متكاملة لاستهداف المصالح الإثيوبية، لكن التجربة العملية مع الوساطة الأميركية في هذا الملف تجعلنا حذرين بطبيعتنا من باب القراءة الواقعية للتاريخ القريب، وليس من باب العداء لواشنطن».

ويرى العروسي، وهو عضو بالبرلمان الإثيوبي ورئيس «مجموعة الصداقة البرلمانية لدول غرب آسيا»، أن الوساطة الأميركية في محطتها السابقة «لم تكن محايدة بالكامل»، وأنه لا يمكن تجاهل أن ترمب نفسه «سبق أن أدلى بتصريحات خطيرة تحدث فيها صراحة عن احتمال قيام مصر بتفجير السد».

ومضى قائلاً: «كما أن تصريحاته الأخيرة التي تُفهم على أنها انحياز كامل لرواية طرف واحد تعزز القناعة بأن أي دور أميركي محتمل سيبقى محكوماً باعتبارات سياسية داخلية وتحالفات تقليدية أكثر من كونه سعياً نزيهاً لحل عادل ومتوازن».

وتابع: «من هذا المنطلق فإن حالة الفرح السريع والتهافت على فكرة الوساطة الأميركية لمجرد صدور تصريح إيجابي من واشنطن تبدو أقرب إلى قراءة عاطفية»؛ محذراً من تحويل التصريحات السياسية إلى «أوهام»، وهو «ما قد يعمق الجمود بدل أن ينهيه».

واستضافت واشنطن عام 2020، خلال ولاية ترمب الأولى، جولة مفاوضات بمشاركة البنك الدولي، لكنها لم تصل إلى اتفاق نهائي بسبب رفض الجانب الإثيوبي التوقيع على مشروع الاتفاق الذي جرى التوصل إليه وقتها، حيث اتهمت إثيوبيا الولايات المتحدة بـ«الانحياز».


محللون: تعاون المغرب وإثيوبيا عسكرياً «لا يثير قلقاً مصرياً»

أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)
أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

محللون: تعاون المغرب وإثيوبيا عسكرياً «لا يثير قلقاً مصرياً»

أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)
أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)

أثار اجتماع بين المغرب وإثيوبيا بشأن تعاون عسكري بينهما تساؤلات حول موقف مصر، خصوصاً وأنها على خلاف مع أديس أبابا بسبب تهديد الأمن المائي جراء «سد النهضة».

وفي حديث مع «الشرق الأوسط»، الأربعاء، قال مصدر مصري مطلع إن ذلك التعاون العسكري المغربي - الإثيوبي، الذي لم تعلق عليه القاهرة رسمياً بعد، «لا يقلق القاهرة، وسيكون هناك حديث عبر الدبلوماسية الهادئة مع الرباط بشأنه».

ويتفق معه خبير عسكري كان مسؤولاً بارزاً سابقاً بالجيش المصري، مؤكداً أن ذلك التعاون «ليس مقلقاً للقاهرة»، لكنه تعجب من إبرام تعاون مغربي مع إثيوبيا التي يصفها بأنها «باتت عدواً للقاهرة وتقف ضد حقوقها المائية».

سد النهضة الإثيوبي (صفحة رئيس وزراء إثيوبيا على فيسبوك)

غير أنّ برلمانياً إثيوبياً نفى في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن يكون هذا التعاون مع المغرب «موجهاً للقاهرة أو يحمل رسائل تهديد أو نية للمواجهة»، مشيراً إلى أن «أديس أبابا تركز على نهضة بلادها وتنميتها، ولا تنوي أي مناكفات عسكرية تجاه أحد».

اجتماع مثير للجدل

كانت صحيفة «هسبريس» المغربية قد أفادت، منتصف يناير (كانون الثاني) الحالي، بأن اللجنة العسكرية المشتركة المغربية الإثيوبية عقدت اجتماعها الأول في أديس أبابا، وأن الاجتماع تناول «دراسة مخطط عمل في مجال التعاون العسكري والدفاعي بين البلدين».

ونصت اتفاقية التعاون العسكري، الموقعة في يونيو (حزيران) 2025 في الرباط، على إنشاء هذه اللجنة العسكرية المشتركة، بالإضافة للتعاون في مجالات التكوين والتدريب، والبحث العلمي، والطب العسكري، وفق المصدر ذاته.

وفي اليوم التالي، أفادت وكالة الأنباء الإثيوبية، بأن أديس أبابا والرباط عقدتا أول اجتماع للجنة الدفاع المشتركة على الإطلاق، بهدف تعزيز التعاون الثنائي عبر مختلف المجالات العسكرية.

وشملت المناقشات «دفع التعاون العسكري بين البلدين بطرق تضمن المنفعة المتبادلة لمؤسساتهما الدفاعية، والتعاون في التعليم والتدريب، والصناعات الدفاعية، ونقل التكنولوجيا، ومجالات أخرى من المشاركة العسكرية»، وفق الوكالة.

وأكد المدير العام للعلاقات الخارجية والتعاون العسكري في قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، تشومي جيميتشو، آنذاك أن العلاقات بين إثيوبيا والمغرب تتعزز باطراد عبر قطاعات متعددة، وأن الصداقة طويلة الأمد بين البلدين تعكس التضامن الأفريقي والالتزام المشترك بالعمل معاً من أجل المصالح المشتركة.

وذكر أيضاً أن اجتماع اللجنة المشتركة «يمثل علامة فارقة تاريخية في العلاقات الإثيوبية - المغربية، ويفتح مرحلة جديدة للتنفيذ العملي لمجالات التعاون المتفق عليها».

ونقلت وكالة الأنباء الإثيوبية عن العميد عبد القهار عثمان، مدير مديرية التموين في القوات المسلحة المغربية، وصفه الاتفاق الذي تم التوصل إليه خلال الاجتماع بأنه «تطور مهم في العلاقات العسكرية»، وتأكيده أن «المغرب عازم على زيادة رفع مستوى التعاون الدفاعي مع إثيوبيا».

«الدبلوماسية الهادئة»

وتعليقاً على ذلك، قال مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن ذلك التعاون المغربي - الإثيوبي «بحاجة لتوضيح، لكنه بشكل عام ليس مقلقاً، خصوصاً وعلاقات القاهرة مع الرباط جيدة جداً».

وهو يعتقد أن «الدبلوماسية الهادئة» ستكون مسار التعامل مع الرباط، وأنه سيكون هناك حديث في هذا الأمر «ليس في إطار إلقاء اللوم، ولكن معرفة طبيعة الموضوع، ومناقشة الشواغل المصرية بشأنه».

وتزامن ذلك الاجتماع المغربي - الإثيوبي مع توجيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، منتصف يناير الحالي، رسالة إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، عارضاً التوسط في أزمة مياه النيل وملف سد النهضة الإثيوبي الذي قال أكثر من مرة إن إدارته منعت حرباً بين القاهرة وأديس أبابا بشأنه، دون مزيد من التفاصيل.

ويعتقد المصدر المصري المطلع أن إثيوبيا تحاول إرسال رسائل لمصر، وستزداد بعد إعلان ترمب الوساطة، وسط تجاوب مصري وسوداني وعدم تعليق من أديس أبابا.

في المقابل، يرى البرلماني الإثيوبي محمد نور أحمد أن التعاون مع المغرب ليس تعاوناً عسكرياً فحسب، بل يشمل التجارة والدبلوماسية، ويحمل رسائل مفادها تقوية العلاقات مع دول المنطقة، وليس أي تهديد لأحد.

وشدّد في حديث لـ«الشرق الأوسط» على أن مصر بلد شريك لبلاده «لم يتقاتلا ولن يتقاتلا، خصوصاً وأن أديس أبابا تهتم بالنهوض والازدهار، وليس لديها أي نية للقتال مع مصر أو غيرها».

غير أن الخبير الاستراتيجي العسكري المصري اللواء سمير فرج رفض تلك التبريرات الإثيوبية، ووصف أديس أبابا، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بأنها «عدوة لحقوق مصر المائية»؛ لافتاً إلى أن مصر «لا يقلقها هذا التعاون».

إلا أنه تساءل: «كيف لدولة بالجامعة العربية أن تتعاون مع أخرى تهدد مصالح مصر؟».

ولا يعتقد فرج أن الرسائل الإثيوبية من تلك الاجتماعات تحمل أي تأثير على مصر سواء كان أمنياً أو عسكرياً، متوقعاً ألا تثير مصر هذا الأمر مع الرباط فوراً، لكن ذلك ربما يحدث في أي لقاءات مستقبلية بين البلدين «حيث ستبدي موقفاً دون أي تأثير يذكر على العلاقات المصرية - المغربية».


خمسة قتلى جراء السيول في تونس واستمرار تعليق الدراسة

هطول أمطار غير مسبوقة منذ سنوات في تونس (أ.ف.ب)
هطول أمطار غير مسبوقة منذ سنوات في تونس (أ.ف.ب)
TT

خمسة قتلى جراء السيول في تونس واستمرار تعليق الدراسة

هطول أمطار غير مسبوقة منذ سنوات في تونس (أ.ف.ب)
هطول أمطار غير مسبوقة منذ سنوات في تونس (أ.ف.ب)

ارتفعت حصيلة ضحايا السيول في تونس إلى خمسة قتلى بعد ثلاثة أيام من هطول أمطار غير مسبوقة منذ سنوات، ما تسبب أيضاً في أضرار مادية في عدة ولايات مع استمرار تعليق التعليم في المدارس والجامعات، على ما أفاد مسؤول بالحماية المدنية الأربعاء.

وقال المتحدث باسم الحماية المدنية خليل المشري لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن الحصيلة «ارتفعت إلى خمسة قتلى».

وأوضح أن الفرق نفذت 466 عملية ضخ مياه، وساعدت 350 شخصاً على العبور في مناطق غمرتها مياه السيول.

وتم العثور على أحد الصيادين، فيما لا يزال أربعة آخرون في عداد المفقودين، بعدما أبحروا الاثنين من سواحل طبلبة قرب المنستير، وفقاً لإذاعة محلية.

وأكد المشري أن التقلبات الجوية ستتواصل على مستوى العديد من المحافظات ولكن «بأقل حدة ودرجة اليقظة والانتباه تبقى مرتفعة».

وزار الرئيس قيس سعيّد مناطق متضررة الثلاثاء على ما نقلت وسائل إعلام محلية.

ويتم تداول مقاطع مصورة على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر منازل وسيارات غمرتها مياه الأمطار، إلى جانب نداءات استغاثة من مواطنين عالقين في المياه، ولا سيما في العاصمة تونس.

واستمر تعليق الدروس لليوم الثاني في المدارس الرسمية والخاصة والجامعات في 15 من الولايات الـ24 للبلاد، بسبب الأحوال الجوية.

والثلاثاء، أكد مدير التوقعات في المعهد الوطني للرصد الجوي عبد الرزاق رحال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «سجلنا كميات استثنائية من الأمطار خلال يناير (كانون الثاني)» في مناطق مثل المنستير (وسط شرق) ونابل (شمال شرق) وتونس الكبرى.

وأوضح أن تلك المناطق لم تسجّل كميات مماثلة منذ عام 1950.

ورغم أن هذه الأمطار تُعدّ قياسية، فإن مشهد الشوارع المغمورة بالمياه بعد هطول أمطار غزيرة مألوف في البلاد، وذلك بسبب سوء حالة غالبية البنى التحتية.

وغالباً ما تكون أنظمة الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار قديمة أو غير كافية أو سيئة الصيانة، لا سيما في المناطق الحضرية السريعة التوسع.

كما أن التوسع الحضري السريع وغير المنظم أحياناً، زاد من جريان المياه السطحية، في حين يعيق انسداد القنوات تصريف المياه.

وتأتي هذه الأمطار في وقت شهدت تونس في السنوات الأخيرة فترات جفاف طويلة تفاقمت بفعل التغير المناخي وترافقت مع تراجع كبير في مخزون السدود.

في الجزائر المجاورة، تسبب الطقس السيئ خلال الأيام الماضية في وفاة شخصين، رجل يبلغ نحو 60 عاماً عُثر عليه في منطقة غليزان (غرب)، وطفلة جرفتها السيول في الشلف، على بُعد 200 كلم غرب الجزائر العاصمة، وفقاً للحماية المدنية.

وفي غليزان وكذلك في الجزائر العاصمة وتيبازة، غمرت المياه أحياء بكاملها وانقطعت طرق عدة بسبب الفيضانات.