التحريض... {إرهاب ناعم}

بن لادن دعا بخط يده إلى تشكيل «مجلس إسلامي» ليصبح لاحقاً نواة لـ«دولة القاعدة»

{وثائق أبوت اباد} بخط زعيم القاعدة بن لادن
{وثائق أبوت اباد} بخط زعيم القاعدة بن لادن
TT

التحريض... {إرهاب ناعم}

{وثائق أبوت اباد} بخط زعيم القاعدة بن لادن
{وثائق أبوت اباد} بخط زعيم القاعدة بن لادن

أصدرت كل من المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات والبحرين أول من أمس بيانا أعلنت فيه أنها «في ضوء التزامها بمحاربة الإرهاب وتجفيف مصادر تمويله ومكافحة الفكر المتطرف وأدوات نشره وترويجه والعمل المشترك للقضاء عليه وتحصين المجتمعات منه، وفي إطار جهدها المشترك بالتعاون مع الشركاء الفاعلين في محاربة الإرهاب، فإنها تعلن إضافة كيانين وأحد عشر فردا إلى قوائم الإرهاب المحظورة لديهم» أما الكيانان المضافان أمس لقوائم الإرهاب فهما الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين والمجلس الإسلامي العالمي «مساع» (المؤسس خلال عام 2017) ويتخذ الكيانان من العاصمة القطرية الدوحة مقرا لهما، إضافة إلى أحد عشر شخصا آخر من المتهمين بالتحريض على العنف في بلدانهم أو ضد البلدان العربية الأخرى، نذكر منهم «أبو مارية القحطاني» منظر وكبير شرعيي «جبهة النصرة» و«القاعدة» في العراق السابق، الذي كان أحد مهندسي حضور مجموعة التطرف العنيف في سوريا لاحقا بحكم إقامته في الأخيرة منذ فترة قبل الثورة، وكذلك «علاء السماحي» الإرهابي الإخواني قائد حركة «حسم» المقيم - وفق تقارير - في تركيا، والليبي «سالم جابر» المعروف بتحريضه على الفتنة ووقوفه مع آخرين عقبة في طريق التوافق في ليبيا نتيجة إصراره على العنف وإقصاء الآخرين، منذ أن رفض الإخوان والمؤتمر الوطني التأسيسي ما أسفرت عنه الصناديق في ليبيا في يونيو (حزيران) سنة 2014، وغيرهم كثير.
من وثائق بن لادن لأدلة أخرى
القاسم المشترك بين الكيانين والشخصيات المذكورة، ارتباطها ببعض الجماعات المتطرفة، ورغبة إسقاط الأنظمة المعارضة لها، وهو ما كان يدركه ويؤمن به زعيم «القاعدة» الراحل أسامة بن لادن في تقديره الخاص والاستثنائي لقطر وليوسف القرضاوي رئيس ما يعرف بـ«اتحاد العلماء المسلمين».
ففي «وثائق بن لادن» المنشورة مؤخرا في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي ضمن 470 ألف وثيقة أفرجت عنها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي إيه» ضمن الدفعة الرابعة من وثائق «أبوت آباد» مقر إقامة بن لادن حتى مقتله في مايو (أيار) 2011، وفيها رسالته لزوجته خيرية صابر يوصي فيها بذهاب ابنه في باكستان إلى قطر «التي يثق فيها»، وكانت موضع «أمان وثقة» لتكون محل إقامة ابنه المقرب وخليفته المنتظر حمزة بن لادن.
وتكشف الوثائق كذلك عن أن أسامة بن لادن كان متحمسا للمؤسسة المصنفة إرهابيا مؤخرا، ففي رسالة كتبها بن لادن بخط يده، لزوجته خيرية صابر، دعا إلى دعم إنشاء ما سماه «الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين»، وأعرب عن ثقته في استجابة قطر لتعليماته حول تبني المشروع وتمويله والإعداد لإنشائه، كما دعا بن لادن لتشكيل «مجلس توحيد المسلمين» وتطويره ليصبح حكومة على أن يكون فيما بعد نواة «دولة القاعدة»، وكشفت الوثائق أيضا عن تبني فكرة بن لادن بإنشاء المجلس وإطلاق اسم اتحاد علماء المسلمين عليه، وقد رشح له عدد من الأسماء التي ترتبط بأفكاره وتشترك معه في أهدافه، من المتعاطفين مع «القاعدة» ومن الذين يكنون العداء للغرب والأنظمة ليكونوا أعضاء فيه.
كذلك أثبتت الوثائق رهان بن لادن على جهد القرضاوي في كل من مصر وليبيا أثناء الثورات العربية، وبخاصة الأخيرة، كما راهن عليه في سوريا، فقد كان القاسم المشترك بين زعيم «القاعدة» الراحل وكل من جماعة الإخوان التي ينتمي القرضاوي لها وقطر التي توظفهم لزعرعة الاستقرار وهدم كل من يعترض طموحها.
ولم يكن أسامة بن لادن وحده من يجل قطر، فقد رفض زعيم «القاعدة» الحالي أيمن الظواهري، في أعماله الكاملة المنشورة سنة 2010، بعض الاتهامات التي وجهها له متطرفون آخرون بالعمالة أو التخوين، واعتبر ذلك مرفوضا، وظل يراهن على دوره في لقائه المفتوح الذي كان يبث عبر شبكة الإنترنت وموقع «يوتيوب» في وقت سابق، خاصة في مرحلة الظواهري الثانية التي أعاد وعدل فيها موقفه من جماعة الإخوان في «الحصاد المر» أو في غيرها من الخطب والمطويات.
«اتحاد القرضاوي»من الوسطية إلى التحريض
جدير بالذكر أنه هاجر واستقال من «اتحاد» القرضاوي عدد من نوابه، من العلماء الوسطيين المعتدلين الذين لم يغادروا اعتدالهم بل أصروا عليه، رفضا لممارساته وخطاباته، كان من أبرزهم العلامة الموريتاني الشيخ عبد الله بن بيه الذي استقال من «اتحاد القرضاوي» في 13 سبتمبر (أيلول) سنة 2013 مواصلا جهوده في تعزيز السلم والوسطية وفقه المقاصد الواقعي المفيد للأمة، كما استقال قبل 2011 آخرون رفضا لهيمنة القرضاوي ورؤاه وتوجهاته على الاتحاد وتحوله من دعوى الوسطية لكشف حقيقة التحيز والتحريض.
وقد دأب «اتحاد» القرضاوي كما هو معروف، أو «اتحاد العلماء المسلمين»، الذي اختزل في رئيسه ومؤسسه ورؤاه وجماعته، على التحيز للعنف والتبرير له بما يخدم مصالح إمارة قطر المنسوب إليها، منذ تأسيسه وخاصة بعد الثورات العربية، ومن نماذج هذا التحريض، ما كان من القرضاوي و«الاتحاد» خلفه ورؤاه في 27 يوليو (تموز) سنة 2013 في الدعوة «للجهاد في مصر» وهو ما يعني تحولها إلى دار كفر أو دار ردة يجب «الجهاد» فيها، وهو ما تؤمن به تنظيمات كجماعة «بيت المقدس» وفروع «القاعدة» في عدد من بلدان العالم الإسلامي، ولعله في هذا الاتجاه أيضا يأتي نقده العابر لدولة الإمارات في 31 يناير (كانون الثاني) سنة 2014 بأنها تحارب كل ما هو إسلامي، وهو الهجوم الذي تكرر عليها من القرضاوي خاصة عبر تلفزيون «الجزيرة»، متناسيا وناسيا ما سبق أن شهد به في حق الإمارات العربية حين حصل على جائزة دبي للقرآن الكريم سنة 2001، وما ناله من رعاية ودعم للوسطية والتسامح على أرضها.
تجمع دول العالم الآن، وليس فقط دول المقاطعة العربية لإمارة قطر، على تجريم التحريض على الإرهاب، وقد صدر مؤخرا في 14 نوفمبر سنة 2017 أثناء انعقاد قمة «الآسيان» (دول جنوب شرقي آسيا) الحادية والثلاثين، في العاصمة الفلبينية مانيلا، بحضور قادة العالم وأمين عام الأمم المتحدة، ثلاثة إعلانات دولية ضد الإرهاب، كان أولها ضد مكافحة تصاعده، وكان الثاني ضد التحريض والتجنيد وتبرير العنف، وكان ثالثها ضد تمويله والدعم اللوجيستي لجماعاته.
إن المساواة بين التحريض الذي هو الإرهاب الناعم، وحامل التبرير والتجنيد للعنف ولجماعات التوحش الإرهابية على اختلافاتها، وبين العنف نفسه، صار سمة عالمية، ولذا كان بيان الدول الأربع المقاطعة لقطر يوم الأربعاء الماضي بتصنيف الكيانين المتشددين والشخصيات المشار إليها سابقا، متسقا مع هذا التوجه الذي تؤمن به.
فإن الحرب تبدأ في العقول كما يبدأ السلام فيها، ولم تكن فتن ما بعد الثورات العربية التي كانت تبشر بربيع عربي عام 2011 إلا قنابل حملتها كلمات هؤلاء طلبا للسلطة وطلبا للفوضى وإسقاطا للسلم ونزعا له، بعدما كشفت أقنعة الوسطية وكشف كثيرا من حقائق العنف والتشجيع عليه وتراجع قيمة الوطن... فليست وثائق بن لادن وحدها ما كشفتهم بخط يده.



تعثر الإعمار يُبقي «شبح التهجير» قائماً بعد عام من «اتفاق غزة»

في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

تعثر الإعمار يُبقي «شبح التهجير» قائماً بعد عام من «اتفاق غزة»

في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)

بعد عام من توقيع «اتفاق السلام في قطاع غزة»، لا يزال «إعمار غزة» متعثراً في ظل تعنت إسرائيلي مستمر ألقى بظلاله على بنود الاتفاق الذي يعاني جموداً منذ اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، ما يُبقي «شبح تهجير الفلسطينيين» قائماً.

وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن «إسرائيل تحقق أهدافها في غزة، تحت ستار خطة السلام المجمدة»، وأشاروا إلى أن «تل أبيب تسيطر على نحو 75 في المائة من القطاع، ودمرت مناطق أخرى ما بعد الحرب، ما يجعل فرص الحياة صعبة في القطاع».

وفي التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، أعلن «الوسطاء» عن وقف إطلاق النار بين حركة «حماس» وإسرائيل، بعد مفاوضات جمعتهم في مدينة شرم الشيخ المصرية قبل أن يتم التوقيع على الاتفاق النهائي في الثالث عشر من الشهر نفسه، بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ووقع على «وثيقة السلام»، قادة دول الوساطة «مصر وأميركا وقطر وتركيا»، وتضمنت وقف إطلاق للنار في غزة، عبر عدة مراحل، تبدأ بوقف العدائيات، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية، وتبادل المحتجزين والأسرى، على أن يلي ذلك مرحلة ثانية تتضمن جهود التعافي المبكر، وإعادة الإعمار، وتسليم إدارة قطاع غزة للجنة مدنية «تكنوقراط».

ورغم إعلان الوسطاء في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، عن تشكيل «لجنة تكنوقراط»، برئاسة علي عبد الحميد شعث لإدارة القطاع، لكن لم يتم تمكينها حتى الآن من ممارسة دورها، وسط انتهاكات مستمرة ورفض إسرائيلي لخريطة الطريق التي وافقت عليها الفصائل الفلسطينية في شهر يونيو (حزيران) الماضي، تمهيداً لاستكمال استحقاقات المرحلة الثانية.

وبموازاة ذلك، لم تتخل إسرائيل عن مخطط «تهجير الفلسطينيين» من غزة، حيث أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، أن «حكومته تمتلك خططاً جاهزة لتهجير الفلسطينيين من غزة»، وقال إنها «تنتظر أن تحدد الولايات المتحدة المكان الذي يمكن نقلهم إليه».

وتحذر مصر والدول العربية من مساعي إسرائيل لتهجير الفلسطينيين، منذ بداية الحرب على غزة، في السابع من أكتوبر 2023.

وشدد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، على «رفض بلاده الكامل لأي مخططات تستهدف تهجير الشعب الفلسطيني»، وأكد خلال مؤتمر صحافي مع نظيره الكوري لي چيه ميونغ، الخميس، «رفض بلاده التصعيد الإسرائيلي الخطير، للأوضاع في الضفة الغربية والقدس الشرقية».

ويرى عضو «المجلس المصري الشؤون الخارجية»، السفير رخا أحمد حسن، أن «إسرائيل تحقق أهدافها تحت ستار خطة السلام»، مضيفاً: «هناك حالة جمود في تنفيذ مراحل خطة ترمب في غزة، ورغم ذلك تواصل تل أبيب ممارساتها ضد الفلسطينيين بالقطاع».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الجانب الإسرائيلي يحتل غالبية أراضي القطاع، كما يواصل تدمير البنية التحتية، ويضع العراقيل أمام دخول المساعدات الإنسانية»، مشيراً إلى أن «هذه الممارسات تجعل الحياة مستحيلة في القطاع»، ويدفع في نفس الوقت إلى «تنفيذ مخطط التهجير».

وأشار إلى أن «إسرائيل لا تريد الوصول لمرحلة إعادة الإعمار في غزة، وتريد تجميد الوضع حتى تنفذ مخططها الكامل»، موضحاً أن «هناك صعوبة في تشكيل قوة السلام الدولية التي ستتولى تنفيذ مراحل خطة ترمب، بما في ذلك انسحاب إسرائيل من المناطق التي تسيطر عليها في القطاع».

وتعد «قوات استقرار غزة» أحد أبرز البنود المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي جرى التوقيع عليه في قمة السلام بشرم الشيخ المصرية، غير أنها لم تر النور، رغم تشكيل أجهزة تنفيذية عديدة مثل «مجلس السلام العالمي»، الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

ولا تزال هناك خروقات لوقف إطلاق من الجانب الإسرائيلي، وفق رئيس «الهيئة الدولية لدعم فلسطين»، صلاح عبد العاطي، وقال إن «حرب الإبادة لم تتوقف رغم مرور عام على اتفاق السلام، وهناك مئات الضحايا يومياً، بجانب منازل يتم تدميرها»، مشيراً إلى أن «هذه الممارسات تُصعّب أي محاولات لعملية الإعمار».

ويرى عبد العاطي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الجانب الإسرائيلي لم يلتزم باستحقاقات خطة السلام، بما في ذلك دخول المساعدات لسكان القطاع، حيث يسمح بقدر بسيط يصل إلى 37 في المائة من نسبة المساعدات التي أقرتها خطة السلام».

ونوه إلى أن «الجانب الإسرائيلي لا يسمح بدخول المعدات والوقود، وهو ما يفاقم الأوضاع الإنسانية هناك»، وقال إن هناك «عدة خطط لإعادة الإعمار، من بينها الخطة المصرية، لكنها مرهونة بتنفيذ استحقاقات خطة ترمب».

وأقرت القمة العربية الطارئة بالقاهرة، في مارس (آذار) 2025، الخطة المصرية لإعادة إعمار قطاع غزة تتضمن مشاريع إسكان ومراكز مجتمعية وميناءً تجارياً ومراكز تكنولوجية وفنادق على الشواطئ، وكان مقرراً أن تنتهي من التنفيذ بعد ثلاث سنوات بتكلفة تصل إلى 53 مليار دولار.


«فجر اليمن» تطهر باب المندب وجزره من بقايا الحوثيين

عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
TT

«فجر اليمن» تطهر باب المندب وجزره من بقايا الحوثيين

عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)

دخلت العملية العسكرية اليمنية «فجر اليمن» يومها الخامس، الجمعة، مع استكمال القوات الحكومية تطهير مضيق باب المندب وجزيرة ميون الاستراتيجية، وتثبيت مواقعها في المرتفعات المطلة على الممر الملاحي الدولي، في تطور يعزز مكاسبها على الساحل الغربي، بينما تتواصل المعارك في أرياف تعز الجنوبية والغربية، بالتزامن مع اتساع نطاق الضربات الجوية ضد مواقع الحوثيين وتحركاتهم في مناطق عدة من البلاد.

وقالت مصادر عسكرية إن ألوية العمالقة وقوات درع الوطن، بإسناد جوي من التحالف الداعم للشرعية، أحكمت السيطرة على باب المندب ومعسكر العرضي ونقاط المراقبة التابعة لخفر السواحل، إلى جانب جزيرة ميون والسلاسل الجبلية المحيطة بالمضيق، بما فيها المواقع التي تشرف على الممر البحري الحيوي.

وذكرت المصادر أن القوات نفذت عملية التفاف مباغتة تجاوزت خلالها خطوط الدفاع الأمامية للحوثيين، ووصلت إلى خنادقهم وأنفاقهم المستحدثة، حيث أسفرت المواجهات عن مقتل العشرات من عناصر الجماعة واستسلام آخرين.

ويمثل تأمين المضيق وجزيرة ميون، في حال تثبيت السيطرة المعلنة، تحولاً مهماً في مسار العمليات على الساحل الغربي، بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي للمنطقة عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وأهميتها في حماية الملاحة الدولية.

ويأتي ذلك بعد إعلان القوات الحكومية السيطرة على مرتفعات كهبوب، التي تشرف على مساحات واسعة من المنطقة المحيطة بباب المندب.

الضغط نحو الوازعية

مع تثبيت المواقع الجديدة، تواصل القوات الحكومية اليمنية عملياتها في جبهة الوازعية غرب تعز، مستهدفة تأمين المرتفعات الشرقية للمديرية وتضييق الخناق على المواقع الحوثية في محيط ذوباب ومعسكر العمري، تمهيداً لتوسيع التقدم باتجاه المخا، وفق المعطيات الميدانية الواردة من الجبهة.

القوات الحكومية اليمنية تتقدم في الوازعية وتضغط لاستكمال تطهير باب المندب (إ.ب.أ)

وترافق ذلك مع غارات جوية استهدفت مواقع وتحركات عسكرية للحوثيين في الوازعية والشمايتين وجبل حبشي، إلى جانب مواقع في شرجب والتربة وجبل قحام المطل على مديريتي المقاطرة والأحكوم على الحدود بين تعز ولحج.

وأفادت مصادر ميدانية باستهداف آليات وتعزيزات حوثية في منطقتي الحقل والقحاف بمديرية جبل حبشي، فيما ذكر المركز الإعلامي لمحور تعز العسكري الحكومي أن إحدى الغارات أسفرت عن تحييد وإصابة 23 عنصراً.

كما طالت الضربات مواقع في جبال نُمان والصيبارة ومنطقة الحرثة، وجرداد في مديرية الشمايتين.

عنصر من قوات الحكومة اليمنية في جبهات جنوب تعز (أ.ف.ب)

وفي المقابل، لا تزال الجماعة الحوثية تضغط على المناطق الريفية جنوب تعز وغربها، في محاولة للحفاظ على مواقعها وفتح مسارات تقدم جديدة.

وأفادت مصادر محلية بسيطرتها على المحشاء والعدف والعرمة في مديرية جبل حبشي في الجبهة الغربية، وتقدمها باتجاه منطقة الشارق، وسط قصف طال قرى في المنطقة وأسفر، بحسب تلك المصادر، عن مقتل أحد المعلمين في المحشاء.

وتعكس هذه التطورات استمرار المواجهة على أكثر من محور في محافظة تعز، حيث تسعى القوات الحكومية إلى تثبيت مواقعها في المناطق الغربية وتأمين الطرق الحيوية، بينما يحاول الحوثيون الاحتفاظ بنقاط الضغط في الأرياف الجنوبية والغربية ومحيط المدينة.

1729 استهدافاً عسكرياً

في مؤشر على اتساع العمليات العسكرية، أعلن المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، الخميس، تنفيذ 1729 عملية استهداف دقيقة ضد أهداف عسكرية حوثية في مختلف المحاور والجبهات، ضمن عملية «فجر اليمن».

وقال النزيلي إن العمليات أسفرت عن تحييد 1370 من عناصر الجماعة، وتدمير أو إعطاب 300 عربة ووسيلة ومعدة عسكرية، إلى جانب استهداف مواقع عسكرية ونقاط مراقبة ومراكز قيادة وسيطرة ومخازن أسلحة وخطوط إمداد وتعزيزات.

مقاتلون من ألوية العمالقة في جبهة باب المندب (أ.ب.أ)

بالتوازي، امتدت الغارات الجوية إلى ثماني محافظات، هي تعز وإب والبيضاء وأبين وصعدة وصنعاء وريمة والحديدة، وفق إفادات محلية.

وشملت الأهداف مواقع في العاصمة المختطفة صنعاء، ومعسكراً للحوثيين في يريم بإب، ومواقع في السياني بالمحافظة نفسها، وأخرى في بني مطر غرب صنعاء ومواقع في كسمة، حيث محافظة ريمة، ومواقع في جبال جميل وجرجرة والنسرين بالبيضاء، إضافة إلى عقبة ثرة ومواقع أخرى في الحديدة وصعدة.

وفي لحج، أعلنت القوات الحكومية صد هجوم حوثي استهدف مناطق الأغبرة والمحاولة والمشامرة شمال غربي مديرية المضاربة، واستعادة مواقع في جبل سيف، بمساندة تعزيزات قبلية.

كما استمرت المواجهات والقصف المتبادل وعمليات الطائرات المسيّرة في جبهات جنوب مأرب والجوف، مع غارات استهدفت معسكر ماس ومواقع في منطقة اللبنات.


الحوثيون يستنفرون بنوك الدم مع تصاعد خسائرهم البشرية

استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
TT

الحوثيون يستنفرون بنوك الدم مع تصاعد خسائرهم البشرية

استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)

دفعت الجماعة الحوثية خلال اليومين الماضيين بعربات وشاحنات تابعة لما يسمى «المركز الوطني لنقل الدم وأبحاثه» إلى شوارع وأحياء وميادين في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومحافظات ذمار وإبّ والمحويت والحديدة، في حملة مكثفة لحشد السكان للتبرع بالدم بصورة عاجلة، بالتزامن مع مؤشرات على تزايد أعداد الجرحى في صفوف الجماعة جراء التطورات العسكرية الأخيرة.

وجابت المركبات الحوثية مناطق مكتظة بالسكان، مستخدمة مكبرات الصوت لحث المواطنين على التبرع، في حين أفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن الجماعة وجهت العاملين في القطاع الطبي ومسؤولي الأحياء وعقالها في المحافظات المستهدفة إلى حشد السكان ودفعهم إلى مراكز التبرع، بالتزامن مع اتساع المواجهات على عدد من الجبهات.

وأوضحت المصادر أن هذه التحركات تأتي وسط حالة استنفار في المرافق الصحية الخاضعة للجماعة، مع تزايد الحاجة إلى فصائل دم مختلفة، في وقت تشهد فيه المستشفيات، وفقاً لشهادات محلية، وصول أعداد متزايدة من الجرحى الحوثيين.

مركز نقل الدم وأبحاثه الخاضع للحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

وقال سكان في صنعاء ومناطق أخرى إن الانتشار المكثف لعربات التبرع خلال اليومين الماضيين بدا لافتاً، خصوصاً مع تكرار النداءات عبر مكبرات الصوت وحث المواطنين على التوجه إلى نقاط التبرع. ويربط السكان بين هذه الحملات والتطورات الميدانية الأخيرة، وسط تساؤلات عن حجم الإصابات التي دفعت الجماعة إلى توسيع نطاقها جغرافياً.

استنفار وخسائر

يشير قاسم، وهو أحد سكان صنعاء، إلى أن «الدعوات الحوثية هذه المرة أكثر إلحاحاً من الحملات السابقة»، مضيفاً: «لا أحد يرفض التبرع لإنقاذ حياة إنسان، لكن السؤال: لماذا يستمرون في إرسال الناس إلى الجبهات، ثم يطلبون من المواطنين توفير الدم لعلاج نتائج تلك المعارك؟».

وفي إبّ (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، قال مجدي، وهو أحد سكان المحافظة، إن تكثيف الدعوات للتبرع بالدم «لا يأتي من فراغ»، مضيفاً أن الجماعة تستخدم وسائل مختلفة لحشد المواطنين، من دون توضيح حجم الخسائر التي رفعت الحاجة إلى الدم بهذا الشكل.

وقال: «الناس تعاني الفقر وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات، والآن يُطلب منها أن تتحمل أيضاً نتائج الحرب وتوفير الدم للمصابين».

وفي ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) أفادت مصادر وسكان بانتشار عربات تابعة لفرع مركز نقل الدم في عدد من أحياء مدينة ذمار، بالتزامن مع دعوات عاجلة للتبرع، وسط ما وصفوه باستمرار وصول أعداد متزايدة من الجرحى الحوثيين إلى المستشفيات، ولا سيما مستشفى ذمار العام، الأمر الذي يزيد الضغط على المرافق الصحية.

عربات حوثية استخدمت مكبرات الصوت لحث السكان على التبرع بالدم (فيسبوك)

وفي المحويت والحديدة غرباً، قالت مصادر محلية إن الإقبال على حملات التبرع الحوثية كان محدوداً جداً في بدايتها، ما دفع الجماعة إلى توسيع نطاقها داخل المؤسسات الحكومية والخاصة، وحث الموظفين والعاملين فيها على التبرع.

وأوضحت المصادر أن هذه الحملات تأتي في إطار حالة استنفار أوسع، مشيرة إلى أن تزامنها مع التطورات العسكرية عزز اعتقاد السكان بأن أعداداً كبيرة من الجرحى تحتاج إلى الدم بصورة عاجلة.

وفي المقابل، يواجه السكان في مناطق سيطرة الجماعة تدهوراً في الخدمات الصحية ونقصاً في الأدوية والمستلزمات الطبية، وسط مطالب بتوفير خدمات علاجية قادرة على تلبية احتياجات المدنيين، بدلاً من زيادة الأعباء على مرافق تعاني أصلاً من محدودية الإمكانات.