أجهزة النظام توسع «تطهير» مناطقه لتصل إلى «الصامتين»

تعقيد إجراءات الحصول على «موافقة أمنية» للنازحين من مناطق المعارضة

نازح وابنه في أحد شوارع دمشق (أخبار دمشق)
نازح وابنه في أحد شوارع دمشق (أخبار دمشق)
TT

أجهزة النظام توسع «تطهير» مناطقه لتصل إلى «الصامتين»

نازح وابنه في أحد شوارع دمشق (أخبار دمشق)
نازح وابنه في أحد شوارع دمشق (أخبار دمشق)

وسّع النظام السوري في الفترة الأخيرة من سياسة «التهجير القسري» لتشمل مئات الآلاف من النازحين المقيمين في مدينة دمشق، عبر امتناعه عن منحهم «موافقات أمنية» لاستئجار المنازل، بعدما كانت سياسته هذه تقتصر على سكان مدن وبلدات وقرى خاضعة لسيطرة المعارضة.
ولوحظ في الآونة الأخيرة، ازدياد في عمليات رحيل عائلات من أحياء العاصمة إلى الريف القريب المحيط بها، بعد أن كانت تلك العائلات نزحت إليها تحت وطأة حرب شنها النظام منذ أكثر من 6 سنوات ولما يزال على مناطق سيطرة المعارضة، مثل غوطتي دمشق الشرقية والغربية، وكذلك بسبب المعارك العنيفة في عدد من المحافظات مثل حمص، وحلب، والرقة، ودير الزور.
وفي سياق تشديد الإجراءات الأمنية في العاصمة، لا سيما من الريف الدمشقي والمحافظات الشمالية والشرقية، أصدرت أجهزة الأمن أواخر 2014 «أوامر» عممتها على البلديات والمخاتير والمكاتب العقارية تمنع منعاً باتاً تأجير منزل أو غرفة في دمشق دون الحصول مسبقاً على «الموافقة الأمنية» من جهاز الاستخبارات المسؤول عن المنطقة.
وتتطلب «الموافقة الأمنية» أن يملأ المواطن الراغب في استئجار منزل استمارة تتضمن معلومات عن محافظته الأصلية ووضعه وعائلته وعمله وتوجهه السياسي، وذلك في قسم الشرطة المخصص للمنطقة الذي بدوره يرسلها إلى الجهاز الأمني المسؤول عن المنطقة، وانتظار وصول الموافقة أو الرفض.
وإن كان الرد على الاستمارة في العامين الماضيين يستغرق بين أسبوع وشهر، ويصل معظمها بالموافقة مع تدقيق كبير على الأهالي المنحدرين من الغوطتين، وذلك بعد دفع الراغب في الاستئجار مبلغاً بين 100 و150 دولاراً أميركياً، رشوةً لأحد النافذين في الأجهزة الأمنية، باتت غالبية الاستمارات تعود بالرفض ليصبح الحصول على «الموافقة الأمنية» أشبه بمعجزة.
«أبو دحام» وهو لقب مستعار لرجل من محافظة دير الزور ونزح مع عائلته إلى أحد أحياء دمشق بعد سيطرة تنظيم داعش على المحافظة، يروي لـ«الشرق الأوسط»، كيف بات «همه وشغله اليومي» قبل شهرين من انتهاء عقد إيجار المنزل الذي يقطن به «السعي للحصول على الموافقة الأمنية» لتجديد العقد، لكن دون جدوى «فالرد على 3 محاولات جاء بالرفض».
«أبو دحام»، يقول بصوت متقطع وهو يجمع حاجيات منزله في شاحنة صغيرة للرحيل إلى جرمانا في ريف دمشق الجنوبي الشرقي بعد الحصول على «موافقة أمنية» للسكن هناك: «لا يريدون بقاءنا هنا. بنظرهم كلنا دواعش».
وفي السنتين الأولى والثانية للحرب شهدت مدينة دمشق حركة نزوح كبيرة من أريافها، وازداد ذلك مع استعار الحرب في محافظات حمص وحلب والرقة ودير الزور، ليصل عدد سكان المدينة حالياً حسب تصريحات مسؤولي النظام إلى 8 ملايين نسمة بعد أن كان عدد سكانها وريفها قبل الحرب 4 ملايين و400 ألف نسمة. (الدولار يساوي أكثر من 500 ليرة).
وقدّرت الأمم المتحدة عدد النازحين داخل سوريا بأكثر من 6 ملايين شخص، مع معدل نزوح يومي يفوق 6 آلاف شخص، وهو يستمر بالارتفاع يوماً بعد آخر.
وازدهرت سوق العقارات في مناطق سيطرة النظام خلال سنوات الحرب، لا سيما في مجال تأجير الشقق، على خلفية حركة النزوح الكثيفة إليها، وتضاعف بدل إيجار الشقة الشهري إلى أكثر من 20 ضعفاً، حيث وصل في مناطق نائية في أطراف العاصمة إلى 75 ألف ليرة بعد أن كان لا يتعدى 3 آلاف قبل الحرب.
«أم إبراهيم» التي تنحدر من حمص، وهي تربي طفلين لابن لها قُتل خلال الحرب، لكن أجهزة الأمن لم تسمح لها بمواصلة الإقامة لدى ابنتها بعد إلغاء تلك الأجهزة ما أطلقت عليه في بداية الحرب «وثيقة استضافة» لدى الأقارب كان يمنحها مخاتير الأحياء للأهالي، تقول: «لا يمر أسبوع إلا ويقرعون الباب ويطلبون مني المغادرة».
وفي ظل تكثيف الأجهزة الأمنية حالياً حملات التفتيش في أحياء وسط العاصمة وأطرافها، وتوجيه الإنذارات إلى نازحين من الغوطتين والمحافظات الشمالية والشرقية لإخلاء منازلهم، بحجة انتهاء فترة «الموافقة الأمنية»، تعمد تلك الأجهزة والميليشيات التابعة للنظام إلى تأمين عائلات تجهر بموالاتها للنظام بمنازل في العاصمة تعود ملكيتها لمعارضين من دون موافقات أمنية أو حتى بدل إيجار.
ولا يقتصر الأمر على ذلك بل يصل بالميليشيات في العديد من المناطق إلى مضايقة سكان أصليين وتهديدهم لترك منازلهم على خلفية أنهم محسوبون على «التيار الثالث» الصامت. ويقول أحد المالكين لمنزل في حي من تلك الأحياء: «الأمر بدأ بنظرات ازدراء من قبلهم وصولاً إلى افتعال المشاجرات وإطلاق التهديدات لدرجة أنني لم أعد أستطيع العيش وسطهم، فقد يقدمون على تلفيق تهمة، فاخترت الرحيل واستولوا هم على المنزل»، ويضيف: «ما يحصل هي عملية تطهير، وإلا ماذا يمكن أن نسميها؟!».
وتتعدى المفارقة ذلك بمنح تلك الأجهزة «موافقات أمنية» خاصة بالإيجار وشراء العقارات لعناصر في ميليشيات تدعمها إيران. ولوحظ استئجار وشراء هؤلاء منازل في أحياء لم يسبق أن شوهدوا فيها مثل الدحاديل، ونهر عيشية، والقدم والزاهرة.
ويُرجع مقربون من الأجهزة الأمنية، السبب في اتخاذ الإجراءات الجديدة المتعلقة بـ«الموافقات الأمنية» الخاصة بالإيجار، إلى التفجيرات التي ضربت العاصمة في الأشهر القليلة الماضية، ذلك أنها تشتبه بوجود «خلايا إرهابية» في الأحياء المحيطة بالعاصمة بين النازحين من المحافظات الشمالية والشرقية وريف دمشق.
وشهد عام 2016 أكبر جرائم «التهجير القسري» و«التغيير الديموغرافي»، حيث قام النظام، بدعمٍ إيراني روسي، بحصار المدن والبلدات والقرى الخاضعة لسيطرة المعارضة وإجبار سكانها على الرحيل منها إلى شمال البلاد، وذلك بهدف تغيير التركيبة السكانية واستبدال سكان شيعة بهم مكانهم. ومن أبرز تلك المدن والمناطق: داريا، والمعضيمية، وخان الشيح بريف دمشق، ومدينة حمص القديمة، وحي الوعر، والأحياء الشرقية لمدينة حلب.
وفي إطار سياسية «التطهير» في دمشق، عمدت «محافظة دمشق»، خلال الصيف الماضي إلى إخلاء «مراكز الإيواء المؤقتة» في العاصمة والبالغ عددها نحو 20 مركزاً، وترحيل قاطنيها المنتمين إلى قرى وبلدات، سيطرت عليها قوات النظام مؤخراً، إلى مناطقهم، ونقل من تبقى منهم إلى مراكز إيواء بعيدة، خارج الحدود الإدارية لدمشق.
ولا تقتصر سياسة التضييق على النازحين المقيمين في العاصمة على الامتناع عن منحهم «موافقات أمنية» للإيجار، بل وصلت إلى تعقيد دوائر النظام الحكومية إعطاءهم وثائق الشؤون المدنية التي يحتاجون إليها لتسيير أمورهم الحياتية.
ويتحدث الشاب وليد، وهو من نازحي مدينة الرقة ويعول أمه وأختين، عن رحلة طويلة وعذاب ومرارة يعجز على وصفهما لاستصداره وثيقة «سند إقامة» طُلبت منه للحصول «البطاقة الذكية» التي يتم بموجبها الحصول على مازوت التدفئة، ويقول: «كل ما يصرح به المسؤولون عن تبسيط إجراءات منح الوثائق للنازحين كذب بكذب، فعلى مدار أكثر من شهر لم أترك مركزاً إلا وذهبت إليه للحصول على السند لكن دون جدوى، لينتهي الأمر بدفع مبلغ 30 ألف ليرة لأحد السماسرة». ويضيف «رغم هروبنا من مناطق سيطرة (داعش) فإنهم يعتبروننا حاضنة شعبية» له.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.