قذاف الدم يحلم بخلافة ابن عمه

أكد أن «لا سلام في ليبيا من دوننا»... ومعارضوه يؤكدون أن مهمته عسيرة

أحمد قذاف الدم  يحدق في صورة للعقيد الراحل معمر القذافي داخل شقته الفاخرة بالقاهرة (واشنطن بوست)
أحمد قذاف الدم يحدق في صورة للعقيد الراحل معمر القذافي داخل شقته الفاخرة بالقاهرة (واشنطن بوست)
TT

قذاف الدم يحلم بخلافة ابن عمه

أحمد قذاف الدم  يحدق في صورة للعقيد الراحل معمر القذافي داخل شقته الفاخرة بالقاهرة (واشنطن بوست)
أحمد قذاف الدم يحدق في صورة للعقيد الراحل معمر القذافي داخل شقته الفاخرة بالقاهرة (واشنطن بوست)

في شقة فاخرة مطلة على نهر النيل بالقاهرة، {يعيش}، الديكتاتور الليبي الراحل معمر القذافي.
هناك صورة قديمة معلقة على أحد الجدران، تراه في شبابه متسكعا في خيمة من خيامه. وفي صورة أخرى، يرتدى البزة العسكرية الكاملة وهو جالس داخل إحدى الطائرات. وفي كل أسبوع، تجتمع حفنة من الرجال الذين كانوا برفقته، في تلك الشقة، لمناقشة مستقبل ليبيا ومصائرهم الشخصية. ويترأس تلك الاجتماعات في القاهرة ابن عم القذافي، والذي يمتلك هذه الشقة حاليا. يقول أحمد قذاف الدم، وهو يطالع إحدى الصور: «إنه يعيش في قلوب الملايين حتى اليوم».
أسفرت الإطاحة بحكم القذافي في ليبيا ووفاته قبل ست سنوات عن عكس حظوظ ومصائر عشيرته وحلفائه في البلاد، والذين ازدهرت معيشتهم في ظل حكمه لما يربو على أربعين عاما كاملة. ولقد فر عشرات الآلاف من الموالين له ولحكمه إلى المنفى خارج البلاد بعد وفاته، وتخير الكثيرون منهم الإقامة في مصر المجاورة. وظلوا فيها منذ ذلك الحين، يتوقون إلى الاضطلاع بدور مؤثر في مستقبل ليبيا الجديد.
ومع الملاحقات الدولية لأبناء القذافي، سواء في المنفى، أو السجن، أو حتى الوفاة، برز قذاف الدم في دور الناطق الرسمي باسم عائلة وعشيرة القذافي. وهو يمثل آمال وأحلام مواطنين ليبيين كانوا يتمتعون بحياة موسرة ذات يوم. كما أنه يعكس مخاوف وقلق الكثيرين من الآخرين الذين يخشون عودة أولئك الداعمين والمؤيدين لحكم القذافي الاستبدادي السابق.
ومع انعدام الأمن والعنف الشديد الذي صار يبطش بمختلف أرجاء ليبيا، يستشعر قذاف الدم فُـرجة في الجدار الأصم. إذ يعمل برفقة مؤيديه الآن على تنمية مختلف العلاقات مع القبائل ذات التأثير الكبير وغيرها من المنافسين السابقين الذين خابت آمالهم إثر حالة الجمود السياسية التي خيمت على أفق البلاد، محاولين السعي الحثيث لتقويض أركان الحكومة الهشة الضعيفة التي يدعمها الغرب في الآونة الأخيرة.
وهم يستشرفون الفرصة من خلال جهود الأمم المتحدة الجديدة لتحقيق السلام في البلاد، مع إمكانية إجراء انتخابات وطنية في العام المقبل. ومنحهم الإفراج الأخير عن أبرز أنجال القذافي، سيف الإسلام القذافي، من سجنه في صيف العام الحالي، بارقة أمل طال انتظروها، برغم أنه لا يزال متواريا عن الأنظار حتى الساعة.
يقول قذاف الدم، والذي هو أقرب الناس شبها بابن عمه الراحل: «لن يكون هناك سلام في ليبيا من دوننا. إننا نمثل أغلبية الشعب الليبي. وإننا نرغب في أن ترجع الأمور إلى نصابها السليم وتصحيح أخطاء الماضي». وهو يقصد بلفظة «الماضي» حالة التمرد العنيف، أي ذلك الفصل المريع من انتفاضات الربيع العربي، وعمليات القمع اللاحقة من جانب نظام القذافي، والتي أسفرت عن تدخل القوى الدولية والغارات الجوية من قبل حلف شمال الأطلسي على البلاد في عام 2011. الأمر الذي أدى إلى الإطاحة بالعقيد القذافي ثم وفاته على أيدي مقاتلي الميليشيات المسلحة في مدينة سرت، مسقط رأس الزعيم الراحل في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه.
وبحلول ذلك الوقت، كان السيد قذاف الدم قد فر من البلاد. وقذاف الدم، أحد أبرز أعضاء الدائرة الداخلية في حكومة القذافي، كان قد تلقى تعليمه في غير أكاديمية وكلية عسكرية في المملكة المتحدة، وتركيا، وباكستان. وساعد في نقل أموال وأسلحة القذافي إلى حركة الكفاح المناهضة للفصل العنصري في جنوب أفريقيا وحركة الاستقلال في زيمبابوي. ثم شغل منصب المبعوث الليبي الخاص إلى القاهرة، إذ كان يعيش في شقة خاصة بحي الزمالك الراقي، المكان نفسه الذي استقر فيه منذ الانتفاضة الليبية الأخيرة.
وفي عام 2013 أصدرت السلطات الليبية في مرحلة ما بعد الثورة أمرا بالقبض على قذاف الدم والمطالبة بتسليمه، إلى جانب مسؤولين آخرين في النظام السابق. وداهمت الشرطة المصرية شقته في القاهرة واشتبكت مع حراسه قبل احتجازه. وعلى بُعد خطوات من غرفة نومه، لا يزال قذاف الدم يحتفظ بباب أبيض اللون مليء بثقوب الرصاصات كتذكرة على هذه المداهمة. وأطلقت إحدى المحاكم المصرية سراحه بعد أن أثبت محاموه أنه يحمل جواز سفر مصري - إذ إن والدته مصرية الجنسية - وأنه فر من ليبيا اعتراضا على قتل المتظاهرين هناك. وأصبح من غير المرجح إلقاء القبض على قذاف الدم في الأوقات الحالية.
ويبلغ قذاف الدم 65 عاما من عمره الآن، ويبدو في صورة أكثر شبابا من عمره، مع شعره الداكن المجعد، وتفضيله للحلات المفصلة وربطات العنق ذات الألوان الزاهية. وشقته مؤثثة بأرائك موشاة بالذهب وكراسي خشبية مزخرفة. وهناك جدار في مكتبه الخاص يحمل الكثير من الصور التي تجمعه بالكثير من الشخصيات المرموقة وزعماء القبائل البارزين.
يقول عبد الباسط أحمد أبو دية، المدير الأسبق لوكالة الأنباء الليبية: «لا يزال الكثير من الناس يثقون فيه، وهناك آخرون يتهمونه ببيع النظام السابق والتخلي عنه برحيله عن البلاد. وهو يحظى بنفوذ كبير... وبإمكانه المساعدة في إعادة صياغة المشهد السياسي، ولكنه لا يمكنه فرض رؤيته بالقوة نفسها والتأثير الذي كان يتمتع به في الماضي».
يصف قذاف الدم الثورة الليبية بأنها كانت «كارثة». وقال إن الشباب الليبي كان يملك «حق الخروج والتظاهر» ضد النظام، وأقر قائلا: «لم نكن ملائكة». غير أنه وصف أولئك الذين حملوا السلاح ضد النظام بالخونة. ولم يكن مقدرا للثورة الليبية النجاح من دون التدخلات الأجنبية، كما قال، وأثبتت «مقاومة» غارات حلف شمال الأطلسي لمدة 8 شهور كاملة أن النظام يحظى بتأييد الشعب. وأردف قائلا: «نحن نمثل النظام الحقيقي في البلاد. ولقد جاء الذين يحكمون الآن في أعقاب الغارات والصواريخ التي ضربت ليبيا. إن الصواريخ لا تخلق الشرعية».
دائما ما يظهر قذاف الدم في التلفزيون المصري محاولا التأكيد على رسالة صريحة: لا بد من تضمين بقايا النظام القديم في أي حل سياسي تشرف عليه الأمم المتحدة والقوى الغربية ويتعلق بمستقبل البلاد. ودعا إلى إطلاق سراح الآلاف من الموالين للعقيد القذافي والمحتجزين في السجون الليبية. وحتى مع هجومه المستمر على الثوار الليبيين، إلا أنه لم يتوقف عن الدعوة للمصالحة والسلام. ولقد لاقت مثل هذه الجهود، برغم كل شيء، الرفض التام من جانب الأطراف السياسية والميليشيات ذات التسليح الجيد والتي عارضت نظام حكم القذافي.
والعودة إلى مضمار السياسة سوف يكون من الأمور «العسيرة للغاية» بالنسبة إلى قذاف الدم وسيف الإسلام القذافي، كما قال محمد أمعزب، المسؤول الكبير في المجلس الرئاسي المدعوم من الأمم المتحدة في طرابلس، الذي أفاد: «الأمر من الناحية الأمنية يكاد يكون من المستحيل. إذ يرغب كبار شخصيات النظام السابق في العودة لسابق عهدهم، وليس كل ما يرومه المرء يناله».
ومع الاضطرابات التي تعصف بليبيا حاليا، قال قذاف الدم إنه يحاول التواصل وتعميق الصلات مع القبائل الليبية القوية، بما في ذلك بعض القبائل التي عارضت القذافي من قبل، إذ إن الكثير منها ناله التهميش الشديد على أيدي الجماعات المسلحة.
وقال إبراهيم الغويل، السفير الأسبق إبان حكم القذافي: «عندما تريد تشكيل مستقبل البلاد، عليك التواصل مع القبائل. لا بد من احترام وجودهم ودورهم، ولا بد من الاستماع لكلمتهم. تلك هي ثقافتنا». وأكد قذاف الدم المعنى نفسه إذ قال «إن كنا احترمنا القبائل ودورها ما كنا وصلنا إلى هذه المرحلة».
وفي الآونة الأخيرة، اجتمعت حفنة من المؤيدين ذوي التأثير في غرفة معيشة قذاف الدم بشقته في القاهرة. وأعلنت الأمم المتحدة استراتيجية جديدة بالنسبة إلى ليبيا تتضمن إجراء استفتاء على الدستور الجديد، وفي خاتمة المطاف، إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
وقال غسان سلامة، المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى ليبيا، إن العملية السياسية الجديدة سوف تفتح الأبواب أمام أولئك المنبوذين، والمهمشين ذاتيا، واللاعبين الذين كانوا يرفضون الانضمام إلى العملية السياسية من قبل. وكان ذلك من قبيل الأنباء السارة للحفنة المجتمعة في شقة قذاف الدم بالقاهرة. وقال علي حسن أبو سيف، النقيب الأسبق في جيش القذافي: «لماذا ينبغي على الثوار أن يضطلعوا بمفردهم بمهمة صياغة الدستور الجديد؟».
فأجابه قذاف الدم قائلا: «أعتقد أن الأمم المتحدة والبلدان التي دمرت ليبيا تريد منا أن نكون جزءا من المناقشات، وجزءا من عملية استعادة السلام في ليبيا. أعلم أن الحكومة الحالية تحاول تهميشنا والنيل منا، ولكننا نريد الخروج من هذه الأوضاع المزرية والمثيرة للشفقة».
وفي نهاية الاجتماع المذكور، قرر المجتمعون إرسال مبعوث عنهم للمساعدة في صياغة مسودة الدستور الليبي الجديد، والمشاركة في المؤتمر السياسي الوطني، واختيار أعضاء المجلس الرئاسي.
وقال قذاف الدم: «لا يمكننا السماح لخصومنا باختيار الأعضاء»، ولقد وافق جميع الحاضرين في الغرفة على ذلك. كما وافقوا جميعا على أن أفضل الشخصيات المؤهلة لإدارة شؤون البلاد هو سيف الإسلام القذافي. وأطلق سراح سيف الإسلام في يونيو (حزيران) الماضي، بعد احتجازه لدى الميليشيات منذ عام 2011، وهو مطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي لاتهامه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وأصدرت إحدى المحاكم في طرابلس عليه حكما بالإعدام. وصرح سلامة لإحدى شبكات التلفزيون الفرنسي بأن «سيف الإسلام يمكنه الترشح في الانتخابات المزمع انعقادها في العام المقبل».
وفي مؤتمر صحافي انعقد في تونس الشهر الماضي، صرح أحد المحامين لعائلة القذافي أن سيف الإسلام يتمتع بصحة جيدة ويتابع التطورات في ليبيا عن كثب. وقال خالد الزيدي محامي عائلة القذافي «إنه يتابع السياسة من موقعه في ليبيا، فيما يتعلق بالقبائل، وبالمدن، وبصناع السياسات».
واليوم، يحاول أنصار سيف الإسلام الإبقاء على أماكن وجوده طي السرية والكتمان لأسباب أمنية، رغم أن بعض المجتمعين في شقة قذاف الدم قالوا إنهم كانوا على اتصال به. وأصروا على أن الشعب الليبي سوف يتقبل قذافي آخر على رأس البلاد، وأشاروا إلى أنه قبل مشاركة سيف الإسلام لوالده الراحل في قمع التمرد، كان يؤيد الحريات السياسية، وإصلاحات السوق الحرة، وإتاحة الفرص أمام الشباب الليبي.
وقال نور إبراهيم، أحد المحامين الشبان: «إنه ليس كمثل والده».
وفي غرفة المعيشة، هناك لوحة للديكتاتور الليبي الراحل تعلو صورة أخرى لعمر المختار، الزعيم الليبي الذي قاوم المستعمرين الإيطاليين قبل أن يعدموه شنقا في عام 1931. واليوم، يعتبر عمر المختار رمزا للمقاومة في العالم العربي. وتلك هي الرؤية التي يعتقد قذاف الدم أن العالم سوف ينظر بها إلى ابن عمه الراحل في يوم من الأيام. وقال أخيرا: «سوف يحتل مكانة مرموقة لدى الشعب الليبي، ولدى العرب، ولدى المسلمين، بل والأفارقة أيضا. ويشعر الشعب الليبي بأسره اليوم بندم قاتل لعدم وجود القذافي في البلاد. ويرغبون لو أن أيامه الأولى تعود».
* خدمة «واشنطن بوست»
- خاص بـ {الشرق الأوسط}



«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
TT

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز، من يومها الـ60، تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية التي لها تاريخ كبير مع مثل تلك العمليات، قبل أن تهدأ في السنوات الأخيرة مع تحركات دولية مناهضة.

هذه العودة، حسب خبير بالشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعد اختباراً للممرات الملاحية، خصوصاً بالبحر الأحمر، لجس نبض إمكانية عودة نشاط القراصنة على نحو أوسع واستغلال الاهتمام الدولي بأزمة مضيق هرمز.

قرصنة جديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء الماضي، قبالة سواحل الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتلك المنطقة تقع عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ووفقاً لما نقلته الهيئة السبت، جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال، لافتة إلى أن «أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الخميس أيضاً، باختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، لافتة إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (رويترز)

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن ذلك الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز برغم أن حادث اختطاف السفن، ليس ظاهرة جديدة لكنه الآن ينذر بتداعيات.

ويُرجِع أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية رغم تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة على السيطرة الكاملة، بخلاف الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين 2010 - 2015.

وبرأي الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، فإن «القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر».

وهذا التطور حسبما ذكره الهاشمي في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك»، «يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجماً، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يُعد مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن المنطقة تعاني أصلاً من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز».

تاريخ مظلم

وبلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.

وفي ذروتها في عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتم إطلاق النار على أكثر من 3863 بحاراً ببنادق هجومية وقذائف صاروخية في تلك الفترة، حسب تقرير سابق لـ«سي إن إن» الأميركية.

ويعود ظهور القراصنة، إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم ، وبدأ بوصفه احتجاجاً مسلحاً ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي، الذي لطالما وفرته المياه الصومالية الغنية بأنواع الأسماك المختلفة.

ويشير عبد الولي جامع بري، إلى أن أي حادثة جديدة لا تُعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكداً أن المخاوف ستتسع بعد حادث الجمعة، لأسباب بينها أن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية، وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.

وعودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب، حسب زياد الهاشمي، يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة، ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمّق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.


هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
TT

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)

تعرضت مدينة سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء المصرية، صباح الأحد، لهزة أرضية بلغت قوتها 4.3 درجة على مقياس ريختر، شعر بها عدد من المواطنين، دون تسجيل أي خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وجاءت هذه الهزة بعد يومين فقط من زلزال أقوى ضرب شمال مرسى مطروح بقوة 5.77 درجة صباح الجمعة، ما أثار تساؤلات حول أسباب وقوع هزتين أرضيتين في منطقتين مختلفتين داخل مصر.

وأوضح «المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر»، في بيان، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد 77.9 كلم من سانت كاترين، عند الساعة 3:13 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.1 كلم ،من دون ورود بلاغات عن خسائر.

كانت محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت، الجمعة، هزة أرضية على بُعد نحو 412 كلم شمال مرسى مطروح في الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي وعلى عمق 26.85 كلم، وشعر بها بعض المواطنين بشكل خفيف دون تسجيل أي أضرار.

وفي التوقيت نفسه تقريباً، ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان، حيث حُدد مركزه على بُعد نحو 23 كلم جنوب غربي مدينة لاسيثي وعلى عمق 9.7 كلم، من دون تقارير عن وقوع خسائر.

تفاصيل وموقع الهزة الأرضية الأخيرة بجنوب سيناء (المعهد القومي للبحوث الفلكية)

يقول الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية»، إن مركز الهزة التي سجلت في جنوب سيناء، يقع في منطقة أبو زنيمة، وهي منطقة غير مأهولة نسبياً، لكن شعر بها بعض سكان المدن القريبة منها مثل رأس غارب وسانت كاترين.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الهزة تُصنَّف ضمن الزلازل الأقل من المتوسطة، حيث يكون الإحساس بها محدوداً»، موضحاً أن الزلازل الضعيفة تقل قوتها عن 3 درجات، بينما تبدأ الزلازل المتوسطة من 5 درجات فأكثر.

وبيّن أن مصدر هذه الهزة يعود إلى النشاط الزلزالي في خليج السويس، وهي منطقة معروفة بتسجيل هزات خفيفة إلى متوسطة على فترات متباعدة.

ولفت إلى أن هذا النشاط يختلف تماماً عن زلزال مطروح الأخير، الذي ارتبط بتأثر منطقة شرق البحر المتوسط بنشاط زلزالي مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأكد الهادي، أن الطبيعة التكتونية لخليج السويس تختلف جذرياً عن منطقة شرق المتوسط، التي تقع ضمن حزام زلزالي نشط، ما يفسر تكرار الهزات فيها، خصوصاً ما يقع في جزيرة كريت، كما شدّد على أن تزامن وقوع الهزتين خلال يومين جاء بـ«محض الصدفة، ولا يعد مؤشراً على زيادة النشاط الزلزالي في مصر، بل يأتي في إطار النشاط الطبيعي المعتاد».

وأضاف أن منطقة خليج السويس شهدت هدوءاً سريعاً عقب الهزة، مع تسجيل توابع ضعيفة لم تتجاوز 1.5 درجة، وهو ما يشير إلى استقرار الوضع، وأرجع النشاط الزلزالي المحدود في هذه المنطقة، إلى الطبيعة الجيولوجية للصخور وتاريخها الجيولوجي الطويل الذي يسمح بحدوث هزات خفيفة من حين لآخر.

وأوضح محمد عز العرب، الأستاذ المساعد في الشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة لـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية»، أن ما شهدته منطقة جنوب سيناء يختلف كلياً عن زلزال مرسى مطروح، نظراً لاختلاف البيئة التكتونية بين المنطقتين.

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مطروح تقع جيولوجياً على كتلة مستقرة نسبياً ضمن اللوح الأفريقي، وأن ما يشعر به السكان من هزات هناك لا يعود إلى وجود صدوع نشطة داخل المدينة، بل إلى تأثرها بالموجات الزلزالية المقبلة من مناطق النشاط التكتوني على حدود التقاء اللوح الأفريقي مع اللوح الأوراسي الذي يضم قارتي أوروبا وآسيا، في شرق البحر المتوسط، خصوصاً قرب جزيرة كريت وقبرص. وفي هذه المنطقة، تنشط آلية الاندساس، حيث ينغمس جزء من اللوح الأفريقي أسفل الأوراسي، ما يولد زلازل قد تمتد تأثيراتها إلى السواحل المصرية، بوصفها صدى للطاقة المنبعثة من نطاق التصادم.

وأشار عز العرب، إلى أن منطقة كريت تشهد نشاطاً زلزالياً مرتفعاً وبوتيرة أكبر بكثير مقارنة بمنطقة خليج السويس، التي تسجل هزات أقل تكراراً.

ولفت في المقابل، إلى أن الهزات في خليج السويس تكون غالباً خفيفة أو متوسطة القوة وغير منتظمة الحدوث، إذ قد تُسجَّل عدة مرات خلال سنوات متفرقة، وقد تمر فترات دون نشاط يُذكر.

وبيّن عز العرب أن سبب وقوع زلازل في خليج السويس من الناحية الجيولوجية يعود إلى أن هذه المنطقة ترتبط بحركة الفوالق المكونة لخليج السويس، وبالتباعد التكتوني بين اللوحين الأفريقي والعربي، ويُعد الخليج جزءاً من امتداد نظام الأخدود الأفريقي العظيم، وهو شق جيولوجي واسع في القشرة الأرضية بدأ تشكله منذ ملايين السنين، ويتسبب في تباعد كتل اليابسة تدريجياً، ما يجعل المنطقة نشطة تكتونياً.


موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
TT

موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)

بعد أيام من محاكمة رئيس «منظمة الشفافية الشاملة» في موريتانيا وعضو مجلس الشيوخ السابق، محمد ولد غده، في قضية «تشهير» إثر كشفه عن وثائق زعم أنها تثبت حدوث «فساد» في صفقة شراء مختبر للشرطة، تصدر الحديث عن «ملفات الفساد» الساحة السياسية بالبلاد.

وتزامن الجدل مع هدم السلطات منازل في أحد أحياء العاصمة نواكشوط، بسبب عمليات فساد شابت الحصول على قطع الأراضي التي بُنيت عليها، مما ألقى الضوء على مزاعم الفساد في قطاع العقارات.

وفي هذا السياق، نظم حزب «الإصلاح» الداعم للحكومة، السبت، جلسة نقاش تحت عنوان «الإصلاح في مواجهة الفساد»، ودعا لها عدداً من الشخصيات السياسية والإعلامية والمجتمع المدني.

وخلال الجلسة، قال رئيس الحزب، محمد ولد طالبن، إن الفساد من منظور حزبه «لا يقتصر على الفساد المالي، ولا على سوء التسيير، وإنما الفساد بالمفهوم الشامل».

كما وصف محمد السالك ولد إبراهيم، وهو مستشار سابق في رئاسة الجمهورية، الفساد بأنه «ظاهرة» تؤثر بشكل عميق على الدولة والمجتمع، وقال: «ظاهرة الفساد بمختلف أبعادها تمثل تحدياً كبيراً أمام أي جهود للتحول الديمقراطي، وتحقيق الاستقرار، وبناء دولة قوية».

مصدر التربح الأول

وفي سياق متصل، نظم «الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد» جلسة نقاش، يوم الجمعة، طرح فيها موضوع «الفساد في القطاع العقاري وآليات محاربته».

وقال الوالي السابق، صيدو حسن صال، إن الفساد العقاري «يشكل نحو 80 في المائة من مصادر الثراء في موريتانيا»، كما أكد أن ما يقارب 70 في المائة من النزاعات المعروضة أمام القضاء تعود إلى إشكالات مرتبطة بالفساد العقاري.

وخلال النقاش، قال الصحافي، الهيبة الشيخ سيداتي، إن الفساد العقاري «يرتبط بشبكة واسعة ومتجذرة في الدولة والمجتمع»، ولكنه شدّد على أن «المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الحكومة».

وأكد سيداتي في مداخلته أن «تفشي الفساد في موريتانيا لا يعود إلى غياب القوانين، بل إلى ضعف تطبيقها، وغياب الصرامة في تنفيذ الأحكام القضائية».

تفشٍ «غير مسبوق»

ومنذ وصوله إلى سدة الحكم في موريتانيا عام 2019، أعلن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الحرب على الفساد.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

وفتح ولد الغزواني ملفات الفساد في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، الذي أودع السجن منذ خمس سنوات بتهم تتعلق بالفساد، بعد صدور حكم عليه بالحبس 15 عاماً.

ومع ذلك تقول أطراف معارضة إن الفساد تفشى بشكل غير مسبوق خلال سنوات حكم ولد الغزواني، رغم ما تعلن عنه الحكومة من إجراءات وأدوات لمحاربة الفساد في الصفقات العمومية والتعيينات.

وأسس ولد غده منذ سنوات «منظمة الشفافية الشاملة» التي أعلنت حينها أن هدفها هو مساعدة الحكومة في الكشف عن الفساد، وكشفت من وقتها عن عدة ملفات انتهى أغلبها في أروقة القضاء.

وتعرض ولد غده للسجن أكثر من مرة. وكان قد خرج لتوه من السجن في أبريل (نيسان) الحالي، بعد أن اتهمته النيابة العامة بالتشهير ونشر معلومات مغلوطة على الإنترنت، خلال حديثه عن شبهات فساد في صفقة لاقتناء مختبر للشرطة الوطنية.

ومَثُل ولد غده الأسبوع الماضي أمام محكمة الاستئناف، التي أكدت براءته من ثلاث تهم، هي إعاقة سير العدالة، وإهانة موظفي وأعوان القوة العمومية، ونشر معلومات كاذبة عبر شبكة الإنترنت، فيما أدانته بتهمة التقليل من أهمية القرارات القضائية، وحكمت عليه بالسجن ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ.